الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني: أن ما خص الله به المؤمنين من رحمته في الآخرة، بالنسبة إلى ما عم به الخلائق من رحمته في الدنيا نسبة تسعة وتسعين جزءا إلى الجزء الأول من جزء واحد، والكافر حيث كفر بالله، ولم يؤد حق العبودية في هذه الأسماء، ولا في بعضها، حرم الله عليه أقسام رحمته في الآخرة، المعبر عنها بتسع وتسعين، فجعل الله مكان كل عدد في هذه الأعداد تنينا يسلط عليه في قبره، وإن ذهب ذاهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم عبر عما يلحق به من التبعات، وينزل به من المكروهات بالتنانين، ففيه من طريق العربية مساغ، على وجه المجاز والاتساع، ولكن الأخذ بالظواهر في أمثال هذا الحديث أولى بأولي الألباب حتى تتبين الحقيقة عن المجاز، وأما استحالة أن يكون ذلك على الحقيقة ومدافعته من طريق المعقول، فإنه سبيل من لا خلاق له في الدين، والله يعصمنا من عثرة العقل وفتنة الصدر، ويسلك بنا محجة الكتاب والسنة.
ومن
باب الاعتصام بالكتاب والسنة
(من الصحاح)
[94]
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد) لفظ الأمر عام في الأقوال والأفعال، وأراد به النبي صلى الله عليه وسلم الدين يعني: دين الإسلام، وإنما عبر عنه بهذا اللفظ؛ تنبيها على أن الدين هو أمرنا الذي نهتم له، ونشتغل به، بحيث لا يخلو عنه شيء من أقوالنا ولا من أفعالنا، وقوله:(فهو رد) أي: مردود.
[95]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه: (أما بعد) هما كلمتان يؤتى بهما لفصل الخطاب.
قال سحبان بن وائل:
لقد علم الحي اليمانون أنني .... إذا قلت: أما بعد، أني خطيبها
والفاء لازمة لما بعد (أما) من الكلام؛ لما في (أما) من معنى الشرط، وقوله:(خير الهدى) هدى الرجل: سيرته وطريقته، يقال: فلان حسن الهدى، أي: حسن المذهب في الأمور كلها، ويقال: هدى هدى فلان: أي سار سيرته، ويستعمل ذلك في السيرة الحسنة والطريقة المرضية، وقوله:(خير الهدى) على معنى الجمع، و (هدى محمد) على معنى الوحدان، فكأنه [21/ ب] قال: خير الطرائق طريقة محمد صلى الله عليه وسلم وفيه: (وشر الأمور محدثاتها) بالنصب عطفا على اسم إن أتمها معنى، وأكثرها رواية، ويجوز فيه الرفع على الابتداء.
[96]
ومنه حديث ابن عباس- رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم- الحديث) أي ملحد في حق الحرم، وهو أن يستحل ما حرم منه، والإلحاد: الميل عن الحق، مشتق من اللحد، وهو الحفرة المائلة عن الوسط.
والإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني يوهن عراه ولا يبطله. وقوله (ملحد في الحرم) من هذا القبيل، قال الله:{ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} وإذا ذهبنا في التأويل إلى الوجه الذي ذكرناه، فلابد أن نقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم (أبغض الناس) لا يجري على معنى العموم، بل المراد منه: أبغض الناس إلى الله، من عصاة الأمة، وأهل الملة، قال الله تعالى:{أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} قوله صلى الله عليه وسلم: (ليهريق دمه) يهريق، بفتح الهاء وأصله: أراق، يريق، إراقة، وأصل أراق أريق، وأصل يريق: يأريق، فأبدلوا من الهمزة الهاء؛ لاستثقالهم الهمزتين في قولهم: أنا أأريقه، ومنه لغة أخرى: أهرق الماء، يهرقه، إهراقا.
[98]
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه: (ومحمد فرق بين الناس) فإن كانت الراء مشددة، من التفريق، فالمعنى: أنه ميز بينهم، فتبين به المطيع عن العاصي، والعاصي عن المطيع، وإن كانت الراء ساكنة فالفرق بمعنى الفارق، وهو في الأصل مصدر، فوصف به كالعدل، ولا أحققه رواية.
[99]
ومنه حديث أنس- رضي الله عنه (جاء ثلاثة رهط .. الحديث) الرهط: من الثلاثة إلى
العشرة، وقال الجوهري: الرهط: ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، وإنما جاز تمييز الثلاثة بالرهط؛ لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قال: ثلاثة أنفس، وقد وجدت في بعض تعليقات أصحاب الحديث أن الرهط الثلاثة علي وعثمان بن مظعون وعبد الله بن رواحة- رضي الله عنهم ولا أثبته رواية فيه:(كأنهم تقالوها) أي: رأوها قليلا، ولم أجد هذا البناء بصيغته في شيء من كتب اللغة وهو وارد في هذا الحديث، وفي حديث آخر كان الرجل يتقالها) أي: يستقلها.
[102]
ومنه حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به
…
الحديث) وفيه: (وإني أنا النذير العريان) هذا مثل سائر بين العرب قبل المبعث، وإنما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم ضربا للمثل وفي قوله:(وإني أنا النذير) تنبيه على أنه هو المستحق لضرب هذا المثل له وهو الذي يختص في لإنذاره بالصدق الذي لا شبهة فيه وهو الذي يحرص حقا على خلاص قومه، وقد اختلف في أصل هذا المثل ومعناه، فمن قائل: إن الرجل كان إذا رأى العدو، وقد هجمت على قومه، والغارة قد فجئتهم، تجرد من ثيابه ولوح بها؛ لينذر قومه وينبئهم أن قد فجئهم أمر، وأرى هذا القول أمثل الأقاويل، ومن قائل إن امرأة رقبة بن عامر البهراني، لما أتت الشام من الحيرة منذرة قومها بهرا من الشهباء والدوسر كتيبتي المنذر بن ماء السماء، قالت لهم: أنا النذير العريان، فأرسلتها مثلا، وخص العريان بالذكر؛ لأنه أبين للعين، ومن قائل: إن النذير العريان رجل من خثعم، حمل عليه عوف بن عامر، يوم ذي الخلصة،
- صلى الله عليه وسلم بمسميات الجنس، فيلزمنا الوقوف على الحد الذي أوقفنا عليه، والتسليم لما يخبر به عن الغيب، فمن ابتغى التجاوز عن الحد المحدود له في هذا القسم؛ فهو مبتغ للفتنة، مبتغ للمتشابه؛ للزيغ الذي في قلبه، عصمنا الله عن ذلك، ووفقنا للانتهاء عما نهينا عنه، والائتمار لما أمرنا به.
ومنه قول عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه: هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ..) التهجير: السير في الهاجرة، وكذلك التهجر، ومنه قول النابغة:
خليلي غضا ساعة وتهجرا
والتهجير أيضا بلوغ النهار وقت الهاجرة، قال امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بجسرة .... ذمول إذا صام النهار وهجرا
[106]
ومنه حديث أبي هريرة- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ذروني ما تركتكم .. الحديث) قلت: إنما كان كثرة السؤال والاختلاف على الأنبياء سببا للهلاك؛ لأنهما من أمارات التردد في أمر المبعوث، وإساءة الأدب بين يديه، ومن حق المبعوث إليه أن يعلم أن الله بعث نبيه إليه ليعرفه مصالح معاده ومعاشه، ويبصره بمعالم دينه، ولا جائز أن يسكت عند الحاجة، أو يتكلم على خلاف المصلحة، أو يغفل عن مواطن الضرورة، فإن الله- تعالى- لم يجعله مستعدا لنبوته ولا أمينا على وحيه، إلا وقد تكفل له بالإصابة، وأيده بالهداية إلى الأرشد والأصلح، فعلى المبعوث إليه أن يلقي سمعه إليه، ويشهد بقلبه بين يديه، ويغتنم سكوته إذا سكت، وكلامه إذا تكلم، ويسد دونه باب الاختلاف، ويجتنب معه عن مظان الاعتراض، فمهما عود نفسه كثرة السؤال، وفتح عليها باب الاختلاف؛ حرم بركة الصحبة، فابتلي بسوء الأدب، وذلك منشأ الوبال، ومطلع الهلاك، وهؤلاء الصوفية يقولون: من قال لأستاذه: لم، لا يفلح أبدا، فما ظنك بمن تولاه الله بالعصمة في أحواله، وأمر عباده بالتسليم والائتساء دون أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم أبد الآبدين.
[107]
ومنه: حديث سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما
…
الحديث) قد عرفنا- بنص الكتاب- أن قد كان من الطيبات ما حرمه الله- تعالى
[105]
ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: (تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هو الذي أنل عليك الكتاب}
…
الحديث) قد افتقرنا في بيان هذا الحديث إلى الكشف عن المراد بالحكم والمتشابه؛ ليتبين لنا المحق عن المبطل في أبواب التأويل، فنقول وبالله التوفيق: المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، فكأن عبارته أحكمته: بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه، ثم بأن عصمت عن النسخ. وقيل: المحكم، ما أجمع على تأويله. وأما قوله- تعالى-:{هن أم الكتاب} أي: أصله؛ فتحمل المتشابهات عليها، وترد إليها. وقيل: أم الكتاب أي معظمه. ويقال لمعظم الطريق أم الطريق.
وأما المتشابه، فإنه من حيث الاعتبار اللفظي: ما أشكل تفسيره؛ لمشابهة غيره، ومن حيث الاعتبار المعنوي: ما لا ينبئ ظاهره عن مراده الذي يقتضيه النظر، وأن المتشابه [23/ ب] على أقسام:
فمنها ما يرجع إلى الألفاظ المفردة للاشتراك، ومنها ما يرجع إلى جملة الكلام المركب لاختصار الكلام أو لبسطه، أو للتقديم والتأخير في نظمه، ويدخل في جملتها العموم والخصوص والوجوب والندب، والناسخ والمنسوخ ومنها ما يشتبه من جهة المكان والأمور التي ترد فيها أو في جهة الشروط التي بها يصح الفعل، أو يفسد، وكل هذه أقسام يجوز للعلماء الفحص عنها، بل يجب عليهم بيانها، وكل ذلك متشابه من وجه، وغير متشابه من وجه فلا يسمى متشابها على الإطلاق، بل هو متشابه بالنسبة إلى من لم يتقنه رواية ودراية، وعليه أن يحذر من التعرض له.
وهناك قسم آخر، هو المتشابه على الإطلاق فيجب الإيمان به، وترك التعرض به للكيفية، والتوقي عن استعمال القياس فيه، فمنه صفات الله- تعالى- التي لا كيفية لها، وأوصاف القيامة التي لا سبيل إلى إدراكها بالقياس والاستنباط، ولا سبيل إلى استحضارها في النفوس، إلا أنها معرفة على لسان الشارع-
وفيه: (فتغلبوني وتقحمون فيها) فتغلبوني: النون مشددة منه؛ لأن أصله: فتغلبونني، فأدغم إحدى النونين في الأخرى. وقوله:(تقحمون) أي: ترمون بأنفسكم فيها، والتقحم: الدخول في الشيء من غير روية، وأكثر ما يستعمل في الشدة والأهوال المخيفة، والأخطار الشاقة، فهذه أمثال ضربت لمن جل انتفاعه بالعلم والهدى، فعلم وعلم فانتفع بعلمه، وانتفع به غيره، ولمن قل حظه من الانتفاع بالعلم في نفسه، وانتفع به غيره، ولمن لم يستعد أصلا لقبول العلم والهدى، فلم ينتفع بهما.
[104]
ومنه حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ..)
يقال: مثل الشيء: إذا انتصب وتصور، وأصل المثول: الانتصاب، والممثل المصور، والمثل: عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة، ليبين أحدهما الآخر ويصوره، والغيث: المطر، وإنما ضرب المثل بالغيث؛ للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيي البلد الميت، والعلم يحيي القلب الميت، وقد كان الناس في الزمان الأول قبل المبعث، وهم على فترة من الرسل قد امتحنوا بموت القلب/ 23 أونضوب العلم، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، فأفاض عليهم سجال الوحي السماوي، فأشبهت حالهم حال من توالت عليهم السنون وأخلفتهم المخايل، حتى تداركهم الله بلطفه، وأرخت عليهم السماء خزاليها ثم كان حظ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر، وفيه:(فكانت منها طائفة طيبة) الطائفة من الشيء: قطعة منه. وفيه: (وكانت منها أجادب) الأجادب: صلاب الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع إليه النضوب. وقد اختلف في هذا الحرف، فمنهم من رواه بالحاء والراء، وليس ذلك بشيء، ومنهم من قال: إنما هي: أجارد، بالجيم والدال، جمع جرداء وهي التي لا تنبت الكلأ فيسترها النبات، وقال بعضهم: إنما هي أخاذات، سقط منها الألف، فصحفت، والأخاذة: شيء كالغدير، وجمعها السماعي أخاذ، وقد رواها أناس أخاذات كذلك، حتى خرجت من جملة الشذوذ، وأوضح هذه الألفاظ من طريق الرواية الأجادب، وأقومها من طريق اللغة الأجارد، غير أنها لا تثبت رواية. وفيه:(إنما هي قيعان) القاع: المستوى من الأرض، والجمع: أقوع وأقواع وقيعان، لم نجد أهل اللغة يزيدون في تفسير القيعان على هذا شيئا، والذي يدل عليه نسق الحديث هو أن القاع هي الأرض المستوية الملساء، التي لا تنبت؛ لأن الغالب على هذا النوع أن لا تنبت، ومنها السراب اللامع، قال الله تعالى:{كسراب بقيعة} والقيعة، مثل القاع، وأصلها الواو، وكذلك القيعان، وإنما صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها.
فقطع يده ويد امرأته، فأتى قومه ينذرهم، فضرب به المثل، وأول أوجه؛ للمطابقة التي بين اللفظ والمعنى.
والظاهر أن قوما سمعوه من البهرانية، فأسندوه إليها، وقوم سمعوه من الخثعمي فأسندوه إليه، وقد كان مبنى القول على ما ذكرناه من التخريج، ثم صار مثلا لكل أمر يخاف مفاجأته، ولكل أمر لا شبهة فيه، والأمران معا اجتمعا في إنذار النبي صلى الله عليه وسلم لظهور الصدق في قوله واستبانة مظان الخوف عن وقوع ما ينذر به.
وفيه: (النجا النجا) أي: انجوا انجوا، يقال: نجوت من كذا نجاء- ممدود- ونجا، مقصور. وفيه:(على مهلهم) أي: على هينتهم وسكونهم، والمهل- بالتحريك- التؤدة والسكون، والإمهال والتمهيل: الإنظار، والاسم منه المهلة وفيه:(واجتاحهم) أي: استأصلهم يقال: جاحتهم الجائحة واجتاحهم، وجاح الله- عز وجل ماله، وأجاحه بمعنى، أي أهلكه بالجائحة.
[103]
ومنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها
…
الحديث) الإضاءة: فرط الإنارة، واشتقاقه من الضوء، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة، يقال: ضاءت النار، واضاءت غيرها، يتعدى ولا يتعدى. وحول الشيء: جانبه الذي يمكنه أن يحول إليه، أو سمي بذلك اعتبارا بالدوران [22/ ب] والإطافة، ويقال للعام حول؛ لأنه يدور، ويجوز أن يكون (أضاءت) غير متعدية، مستندة إلى (ما حولها) والتأنيث للحمل على المعنى؛ لأن ما حول النار أماكن وأشياء، وفي كتاب الله:{ما حوله} لأن المثل ضرب بحال المستوقد، فرجع الضمير إليه، وهاهنا ضرب المثل بوقوع الفراش في النار؛ لجهله بما يعقبه التقحم فيها، فرجع الضمير إلى النار، وفيه:(أنا آخذ بحجزكم).
حجزة الإزار: معقده، واستعير الأخذ بالحجزة للمنع الشديد؛ لأن الذي يمنع صاحبه عن الشيء يتمسك به؛ ليكون المنع أقوى وأشد، مع أن المأخوذ إذا أخذ بحجزته امتنع مما يمنع منه؛ حذرا من انحلال عقدة الإزار، وبدو السوءة، والحجزة أخذت من الحجز، وهو المنع بين الشيئين والفاصل بينهما، ومنه الحاجز.
وفيه: (هلم عن النار) قال الخليل: أصله: لم، أراد: لم نفسك إلينا بالقرب منا، و (ها) للتنبيه، وإنما حذفت الهاء لكثرة الاستعمال، وجعلا اسما واحدا، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في لغة أهل الحجاز، قال الله- تعالى-:{والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} وقيل: أصله: هل أم، أي: هل لك في كذا، أمه: أي اقصده، فركب الكلمتان، فقيل: هلم ومعناه: هلم إلى واغرب عن النار.
- عقوبة للمكلفين على ما اجترحوه من الذنوب، وذلك قوله- سبحانه-:{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} فالسائل عن شيء لم يحرم سلك في سؤاله ذلك ملك الاختلاف على الأنبياء، وهو في ذلك متعد طوره، متجاوز حده، التي ذكرناها قبل هذا الحديث.
ثم إنه أذنب حين أقدم على ما نهي عنه، ونطق حيث أمر بالسكوت، فأصبح مستحقا للعقوبة، على ما ارتكبه، فعاقبه الله بتحريم ما سأل عنه، فجنى على نفسه، وجر جريرة إلى من سواه من أهل دينه، بسؤاله ذلك، فصار أعظم المسلمين في المسلمين جرما، لا لأن جريمته أعظم الجرائم، بل لما عمهم من البلوى، وبيان ذلك: أن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك، فلا يمكن أن يكون جرم هذا السائل أعظم من القتل، ولكنه لما جنى جناية تعدت منه إلى سائر المسلمين أولهم وآخرهم؛ صار أعظم المسلمين في حق المسلمين جرما، والقتل- وإن كان أعظم منه، فإنه يتعدى إلى القاتل وإلى عاقلته، وإلى قبيلته أو إلى أهل قريته، ولا كذلك جرم الذي حرم ما سأل عنه لأجل مسألته، فإنه تعدى إلى سائر المسلمين، فلا يمكن أن يوجد جرم ينتهي في معنى العموم إلى هذا الحد، فإن قيل: اليهود لما ظلموا عمهم الله بالعقوبة، فحرم عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا السائل إنما جنى جناية لم يشاركه في اجتراحها أحد، فما بال سائر المسلمين يشاركونه في العقوبة؟
قلنا: لقد كان أيضا في اليهود من لم يشاركهم [24/ ب] في ظلمهم، كيف وقد كان فيهم الأنبياء والصديقون، ثم إن التحريم لم يختص بالظالمين منهم، بل كانوا سواء في حكم التحريم، وإنما عوقب به الظالم، وابتلى به الصابر، والظالمون قد جنوا على أنفسهم بالظلم، فاستحقوا العقوبة بالتحريم، وتعدى إلى غيرهم، ثم أضيف التحريم إلى الظالمين؛ لأن ظلمهم كان السبب، فكذلك ها هنا.
[111]
ومنه حديث عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي
…
الحديث) هذا الحرف.
أعني: (في أمة قبلي) - وجدناه في النسخ من المصابيح: (في أمته قبلي) بزيادة الهاء، ونحن نرويه بغير هاء عن كتاب مسلم وغيره، وهو الصواب والأمثل في فصيح الكلام.
وفيه (إلا كان له من أمته حواريون) يذهب كثير من أهل العلم إلى أن الأصل في تسمية الناصر بالحواري، أن أصحاب عيسى- عليه السلام كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، فلما كانوا أنصاره دون الناس؛ قيل لكل ناصر نبيه حواري، تشبها بأولئك، وقال بعض المتعمقة: إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس عن دنس الجهل وأوضار الذنوب، بإفادة الدين والعلم.
والمعنى المستقيم على الوضع اللغوي أنهم خلصان الأنبياء؛ لأن حواري الرجل صفوته وخلاصته الذي أخلص ونقى من كل عيب، ومنه قيل للحضريات: الحواريات؛ لخلوص ألوانهن ونظافتهن. قال أبو جلدة:
فقل للحواريات يبكين غيرنا .... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وفي وزنه الحواري، وهو: كثير الحيلة، ويحتمل أنه سمي حواريا؛ لأنه روجع في اختياره مرة بعد أخرى، كالدقيق الحواري، الذي نقى ونخل.
وفيه: (ثم يخلف من بعدهم خلوف) خلف فلان فلانا: إذا كان خليفته، قال الله تعالى-:{وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي} ويقال: خلفه، أي: جاء بعده، والمراد به ها هنا جيئة الخلوف بعد السلف، والخلوف: الحضور المتخلفون، ويقال أيضا: حي خلوف، أي: غيب، وهو من باب الأضداد، ويقال أيضا: حي خلوف: إذا ذهب الرجال وبقي النساء، فيحتمل أنه استعير في صفتهم إشارة إلى أنهم لا يغنون في أمر الدين غناء كالنساء والصبيان.
ومنه الحديث: (أن اليهود قالت: لقد علمنا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يترك أهله خلوفا). أي: لم يتركهن لا راعي لهن ولا حامي، والظاهر أن الخلوف ها هنا جمع خلف، قال الله - تعالى:{فخلف من بعدهم خلف} .
والخلف والخلف: ما جاء بعد، ويجوز فيه التحريك والتسكين، إلا أنه يقولون: حلف سوء- بالتسكين- وخلف صدق- بالتحريك. يريدون الفرق بينهما، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، فنجمع حلف على أخلاف، كما نقول: سلف وأسلاف، وخلف على خلوف كما نقول عدل وعدول، والخلف أيضا: الرديء من كل شيء، يقال: سكت ألفا ونطق خلفا. أي رديئا من القول.
والمعنى: أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالحين أناس لا خير فيهم، ولا خلاق لهم في أمور الديانات.
وفيه: (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) والمعنى أن أدنى مراتب أهل الإيمان أن تضطرب قلوبهم لظهور المنكر، ويكون منه في جهد وعناء، حتى لا يستقر، ولا تنقطع النزاع عنها، فإن استقرت
على ذلك، وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان، وسمت المؤمنين وسمتهم؛ آذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية، عرية عن الصفات النورانية.
[112]
ومنه حديث معاوية- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله) قد ذكرنا معنى الأمة، والوجوه التي تتصرف عليها، فالمرادون بقوله:(أمتي) هم المجيبون لدعوته، وبقوله:(أمة) هم المؤثرون لهديه الآخذون بسنته، ووصفهم بقوله:(قائمة بأمر الله) وهم المراعون لطاعته، الحافظون عليها. وقوله:(حتى يأتي أمر الله) أي: القيامة، كقوله- تعالى-:{أتى أمر الله} .
[113]
وقوله- في حديث جابر- رضي الله عنه الذي يتلو هذا الحديث: (لا يزال طائفة من أمتي) فالمراد بهم: المجاهدون في سبيل الله، وقد حمل الحديثان على جيوش الشام المرابطة في سبيل الله، نضر الله بها وجه الإسلام، فقيل: المرادون بالأمة القائمة هم المجاهدون، ومنهم من قال: هم العلماء، ومنهم من قال: هم أصحاب الحديث. والأظهر أن يحمل حديث معاوية على السواد الأعظم الذي يقيمون كتاب الله وسنة رسوله، وأولاهم بذلك العلماء الربانيون، والأئمة المقسطون، وعباد الله المقربون. وحديث جابر وما جرى مجراه من الحديث كحديث عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وعمران بن حصن والمغيرة ابن شعبة وابن عمر وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة وثوبان وجابر بن سمرة، وسلمة بن نفيل الكندي- رضي الله عنهم على الفئة الغازية بالثغور الشامية، نصر الله أهلها وجمع شملها.
[115]
ومنه حديث أبي هريرة- رضي الله عنه: (بدأ الإسلام غريبا
…
الحديث) معنى هذا الحديث أن الإسلام لما بدأ في أول وهلة نهض بإقامته والذب عنه أناس قليلون من أشياع الرسول صلى الله عليه وسلم ثم من أفناء الناس ونزاع القبائل فشردوهم عن البلاد، ونفوهم عن عقر الديار، يصبح أحدهم معتزلا مهجورا، ويبيت منتبذا وحدانا، ينكره الأهلون، ويباعده الأقربون، فهو بين الناس كالغريب؛ لقلة الأشكال وعوز الآلاف، لا يخالطه أحد، ولا يستأنس هو بأحد، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن أمر الإسلام في الآخر يعود
إلى ما كان عليه في الأول، لا يكاد يوجد من القائمين له إلا الأفراد الذين يتعيشون بين ذويهم وقراباتهم بعيش الغرباء؛ لاختلاف ما بين الفئتين من المقاصد، ويمكن أن يكون المماثلة بين الحالة الأولى والحالة الآخرة لقلة بمن كانوا يتدينون به في الأول وقلة بمن كانوا يعملون به في الآخر. قال:(فطوبى للغرباء) فأثنى على أولئك النفر بقوله هذا، وطوبى فعلى من الطيب، قلبوا الياء واو للضمة قبلها، ويقال: طوبى لك، وطوباك، بالإضافة.
[119]
ومنه حديث المقدام بن معد يكرب- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه
…
الحديث) أشار صلى الله عليه وسلم بقوله هذا إلى ما آتاه الله من الفهم في الكتاب والهمة من بيان الأحكام
وتفصيل الحلال والحرام، أو أراه في المنام، أو نفث في روعه روح القدس من الحكم والأمثال، فكل ذلك من أقسام الوحي الذي آتاه الله، سوى القرآن، والقرآن من تلك الأقسام مخصوص بالرتبة العظمى، والمنزلة الكبرى؛ لأنه كلام الله: وحيه وتنزيله، ثم إنه يمتاز عما سواه من هذه الأقسام في أحكام التلاوة، ومس المكتوب منه، وكل ذلك في حق العمل والحكم به سواء؛ لأن الكل من عند الله، وقد نزه نطق نبيه عن الهوى، وأمر بإتباعه فيما يأمر وينهي، فقال سبحانه-:{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ولما كان المثل من أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، ساغ من طريق الاحتمال أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومثله معه) للمشابهة التي بين الكتاب والسنة من طريق الحكم، وباب العمل به، غير أن الأظهر أنه أراد به الكمية لما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض- رضي الله عنه وهو تلو هذا الحديث:(ألا إني والله)، قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر) فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله صلى الله عليه وسلم: (ومثله معه) وبين قوله: (أو أكثر) والجواب: أن نقول: يحتمل أنه كوشف بذلك، حين كان جماع ما علمه الله سوى القرآن مثل القرآن دراسة وكتابة، ثم كاشفه الله بالمزيد من عنده؛ فقال:(أو أكثر) والمعنى: بل أكثر، ويحتمل أن حديث المقدام- رضي الله عنه للمشابهة في حق العمل والحكم به، ولهذا قال:(إنما حرم رسول الله كما حرم الله) وحديث العرياض- رضي الله عنه للمشابهة بينهما في الكمية على سبيل التقدير، وإنما قال ذلك لئلا يسارع ذوو الأفهام القاصرة إلى رد ما لا يجدونه في الكتاب، ولا يستطيع أعداء الكتاب والسنة أن يصرفوهم عن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا التمويه.
قلت: وللمجوز نسخ الكتاب بالسنة أن يعارض بحديث المقدام من استدل عليه بقوله- سبحانه-: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ذهابا إلى المثلية في الحكم في هذا الحديث.
وفيه: (ألا يوشك رجل شبعان على أريكته) والمعنى: إن أشر النعمة وبطر الحشمة يحمله على الخوض فيما لا يعلمه والدفاع لما لا يريده، متسترا في ذلك بتعظيم القرآن، وهذه شنشنة عرفت في الإسلام قديما وحديثا عن علماء السوء وولاة الجور، والأريكة: سرير منجد مزين في قبة أو بيت.
وفيه: (ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي
…
الحديث) ذكر هذه النظائر لبيان القسم الذي ثبت بالسنة ولم يوجد له ذكر في الكتاب. وفيه: (فعليهم أن يقروه) يقروه- بفتح الياء- أي: يحسنوا إليه، يقال: قريت الضيف قرى، مثل: قليته قلى، وقريته قرأ: إذا أحسنت إليه، فإذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت وفيه:(فله أن يعقبهم بمثل قراه) أي: يجازيهم من صنيعهم: بأن يأخذ مثل قراه من مالهم، يقال: أعقبه بطاعته، أي: جازاه، وقد قيل: إن هذا في المضطر الذي لا يجد طعاما، ويخاف على نفسه التلف، وقد كان صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا والقوم مسنتون، وكانوا سكان البوادي والمفاوز لا يقام لهم
سوق، فشدد عليهم في القرى؛ ليقيموا للسرية الغازية ما يتبلغون به، ولعل الأمر بأخذ مقدار القرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي شرعت في الأموال زجرا للمتمردين، ثم نسخت، كالأمر بتحريق متاع الغال، وأخذ نصف المال [26/ ب] من مانع الزكاة، مع ما لزمه من مال الزكاة.
[121]
ومنه حديث العرياض بن سارية- رضي الله عنه: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون .... الحديث).
بليغة: أي: بالغ فيها بالتخويف والإنذار، كقوله تعالى-:{وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} والبلوغ والبلاغ؛ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى ومنه البلاغة والأصل فيه أن يجمع الكلام ثلاثة أوصاف: صوابا في موضوع اللغة، وطبقا للمعنى المراد منه، وصدقا في نفسه. وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم أحق بهذه الأوصاف من بين كلام سائر الخلق، وقوله:(ذرفت) أي سال منها الدمع، وكان ذلك لاستيلاء سلطان الخشية على القلوب، وتأثير الرقة فيها، وفيه:(وإن كان عبدا حبشيا) معنى هذا الكلام: أن السلطان لو ولى عليكم عبدا حبشيا فاسمعوا له وأطيعوا، وتقدير الكلام، وكان المولى عبدا حبشيا ويحتمل أنه أراد بذلك المبالغة في طاعة ذوي الأمر، دون ما يقتضيه ظاهر اللفظ والعرب تضرب المثل في أبواب المبالغة بما لا يكاد يكون، ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم:(من بنى لله مسجدا، ولو كأفحوص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة).
وفيه: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) المعنيون بهذا القول هم الخلفاء الأربعة؛ لأنه قال في حديث آخر: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة) وقد انتهت الثلاثون بخلافة علي- رضي الله عنه وليس معنى هذا القول انتفاء الخلافة عن غيرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون في أمتي اثنا عشر خليفة) وإنما المراد تفخيم أمرهم، وتصويب رأيهم، والشهادة لهم بالتفوق فيما يمتازون به عن غيرهم من الإصابة في
العلم، وحسن السيرة، واستقامة الأحوال، ولهذا وصفهم بالراشدين، وهم: الذين أوتوا رشدهم في مقاصدهم الصحيحة، وهدوا إلى الأقوم والأصلح في أقوالهم وأفعالهم، وإنما ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأمرين:
إحداهما: أنه علم أنهم لا يخطئون سنته، فيما يستخرجونه من سنته بالاجتهاد. ومن هذا الباب قتال أبي بكر- رضي الله عنه مانعي الزكاة، وقتال علي- رضي الله عنه المارقة، وقد تعلق بذلك أحكام كثيرة، وقد بلغنا عن أبي حنيفة- رحمة الله عليه- أنه قال: لولا علي ما كنا ندري أحكام أهل البغي.
والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم علم أن بعضا من سنته لا يشتهر في زمانه، وإن علمه الأفراد من صحابته، ثم يشتهر في زمان الخلفاء، فيضاف إليهم، فربما يتذرع أحد إلى رد تلك السنة بإضافتها إليهم، فأطلق القول بإتباع سنتهم؛ سدا لهذا الباب، ومن هذا النوع منع عمر- رضي الله عنه عن بيع أمهات الأولاد، وله نظائر كثيرة.
وفيه: (عضوا عليها بالنواجذ) اختلف أهل اللغة في النواجذ، فمن قائل: إنها الأضراس. ومن قائل: إنها المضاحك. ومن قائل: إنها الأنياب. والأكثرون على أن الناجذ آخر الأضراس من الإنسان وهي أربعة نواجذ، ومن الفرس: أنيابه، فلعل بعضهم استعملها في أنياب الإنسان على طريق التوسع، ومعنى هذا الكلام: المبالغة في التمسك بهذه الوصية، بجميع ما يمكن من الأسباب المعينة عليه، كالذي يتمسك بالشيء، ثم يستعين عليه بأسنانه، استظهارا للمحافظة، وعلى هذا التأويل، فالنواجذ هي الأنياب، ويجوز أن يكون معناه المحافظة على هذه الوصية، بالصبر على مقاساة الشدائد، كمن أصابه ألم فأراد أن يصبر عليه، ولا يستغيث منه بأحد، ولا يريد أن يظهر ذلك عن نفسه، فجعل يشتد بأسنانه بعضها على بعض، وكل ما حمل عليه النواجذ من الأقاويل، فإنه يستقيم على هذا التأويل، والله أعلم.
[123]
ومنه حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) إن حمل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم) على معنى الاتساع فيه، كقوله:
(ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه) فمعناه: أنه لا يستكمل درجات أهل الإيمان، حتى يخالف هواه في إتباع الشرع، فلا يسلط هواه على الحق، بل يكون الحق الذي جئت به مسلطا عليه. وإن قيل: معناه: أن يوافقه الهوى على إتباع الشرع موافقته على ما لو فاته فيستمر على الطاعة من غير كراهة في النفس، ويذهب عنه كلفة التكليف، وذلك حين يذهب كدر النفس، ويبقى صفوتها، فتتحلى بالصفات النورانية، وتؤيد بالقوى الروحانية، فله وجه، إلا أنها حالة نادرة لا توجد إلا في المحفوظين من أولياء الله، ومن الله المعونة في تيسير كل عسير.
وإن حمل على ظاهر اللفظ، فمعناه: أنه لا يؤمن حتى يعتقد مخالفة هواه، فإنه إذا اعتقد ذلك وعرفه بالفرضية على نفسه، فقد جعل هواه تبعاً للشرع، وإن لم يستقم في المعاملة به.
(ومن الحسان)
[125]
حديث عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدين ليأرز إلى الحجاز .. الحديث) يأزر أي: ينضم إليها، ويجتمع بعضه إلى بعض فيها، والمأرز: الملجأ. والحجاز: مكة وما ينضم إليها من البلاد، سميت بذلك لأنها حجزت بين نجد والغور. وقال الأصمعي: لأنها احتجزت بالحمراء والخمس. وفيه: (وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل) وليعقلن: أي: ليمتنعن به، فيتخذه معقلاً، أي: ملجأ، كما تتخذه الأروية من رأس الجبل. والأروية: الأنثى من الوعول.
وثلاث أراوي، على أفاعيل، فإذا كثرت، فهو الأروى، يقال: عقل الوعل: أي: امتنع في الجبل العلي، يعقل عقولا، وبه سمي الوعل عاقلا، ولعله صلى الله عليه وسلم ضرب المثل بالأروية دون الوعل؛ لأنها أقدر على التمكن مما توعر من الجبال، والمعنى: أن الدين في آخر الزمان يعود إلى الحجاز، كما بدأ منه، وذلك حين تظهر الفتن، ويستولي أهل الكفر على بلاد الإسلام، فينضم الفرارون بدينهم إلى الحجاز ممتنعين بها، وقد مر بيان قوله (إن الدين بدأ غريبا) ولقد حرف اسم الصحابي الذي يروي هذا الحديث في سائر النسخ من المصابيح إلا ما أصلحه أهل المعرفة بأسماء الرجال، وذلك أن زيد بن ملحة جاهلي لم يدرك الإسلام، والراوي سبطه وهو عمرو بن عوف، زيد بن مالحة المزني، والصواب فيه رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده.
[126]
ومنه حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل) تقول: حذوت النعل بالنعل: إذا قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها؛ ليكونا على سواء، وقد بين صلى الله عليه وسلم المعنى المراد منه فيما يتبعه من الحديث.
ومنه: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة) قد ذكرنا في الباب الأول معنى الأمة، وما يتصرف عليها من الوجوه. والمراد به هاهنا من تجمعهم دائرة الدعوة من أهل القبلة؛ لأنه أضافهم إلى نفسه، فقال:: (أمتي) وأكثر ما ورد في الحديث على هذا الأسلوب، فإن المراد منه أهل القبلة، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة:(أمتي أمتي) وقوله: (أمتي أمة مرحومة) ونحوها مما لا يجوز إطلاقه إلا على من أجاب دعوته نعم، وقد ورد أيضا في الحديث ما يصح أن يحمل على من انتهى إليه الدعوة كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة (فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً) وعلى هذا فإن ذهب ذاهب في تأويل الأمة في هذا الحديث إلى أنه أراد به من توجه عليهم الإجابة لانخراطهم في سلك واحد من بلوغ الدعوة، فله وجه، وحينئذ يتناول أصناف أهل الكفر وفرق أهل الضلالة. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:(سبعين ملة) فإن الملة في الأصل: ما شرع الله لعباده على ألسنة الأنبياء، ليتوصلوا به إلى جوار الله، ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها ولا يكاد يوجد مضافاً إلى الله، ولا إلى آحاد أمة النبي صلى الله عليه وسلم بل يقال: ملة محمد صلى الله عليه وسلم وملتهم كذا، ثم إنها اتسعت، فاستعملت في الملل الباطلة، حتى قيل: الكفر كله ملة واحدة والمعنى: أنهم يفترقون فرقاً تتدين كل واحدة منها بخلاف ما تتدين به الأخرى، فسمي طريقتهم ملة، على الاتساع.
وفيه: (كلهم في النار، إلا ملة واحدة) إذا أطلق الحديث على أهل القبلة، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم (كلهم في النار) أنهم يتعرضون لما يدخلهم النار، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم:(القاتل والمقتول في النار) ومن الجائز أن يغفر الله للمقتول، فلا يدخلها، أو يدخلها القاتل ثم يخرج منها، فأشار بذلك إلى أن المقتول عرض نفسه للنار بالقصد الذي قصده، وكذلك القاتل استحق الدخول بالفعل الذي فعله، أو يكون معناه: أنهم يدخلونها بذنوبهم، ثم يخرج منها ما لم يفض به بدعته إلى الكفر برحمة الله.
[127]
ويقرب من هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يتلو هذا الحديث، وهو حديث أنس رضي الله عنه:(ويد الله على الجماعة)، ومن شذ شذ في النار) أي: يمن عليهم - سبحانه - بالنصرة والحفظ، أو منته عليهم بالتوفيق لموافقة الجماعة، ومن شذ، أي: انفرد عن الجمهور والسواد الأعظم، فقد شذ فيما يدخله النار، أو شذ في أمر النار. وقوله صلى الله عليه وسلم:(إلا ملة واحدة) يعني: إلا أهل ملة واحدة.
وفيه: قالوا: من هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي) قولهم: (من هي) لأنهم سألوه عن أهل الملة المستثنى بها. وقوله: (ما أنا عليه) لأنه كشف عما سألوه، ببيان الملة؛ لأن تعريف أهل الملة حاصل بتعريف ملتهم، وفيما ألحقه بهذا الحديث من رواية معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيخرج في أمتي قوم تجارى بهم تلك الأهواء) أي: سرت في عروقهم ومفاصلهم، فاستمرت بهم وتمادت أو ذهبت بهم تلك الأهواء في كل واد، وأكثر ما يستعمل التجاري في الحديث، يقال: تجاروا في هذا الحديث أي: جرى كل واحد مع صاحبه، وجاراه أيضا. والأهواء جمع هوى، وهو: ميل النفس إلى ما تشتهيه، ويقال: سمي بذلك لأنه يهوى بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية، وإنما قال بلفظ الجمع
تنبيها على أن لكل واحد من هؤلاء القوم هوى من غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد لا يتناهى، فيسلك كل منهم فجا غير فج الآخر، ولا يتناهى حيرتهم وضلالهم أبدا، فلا يتفق كلمتهم.
وفيه: (كما يتجارى الكلب بصاحبه ..) الكلب: داء يعتري الإنسان من عضة الكلب الكلب، وهو الذي يأخذه شبه جنون فيكلب بلحوم الناس، فإذا عقر إنسانا كلب، ويستولي عليه شبه الماليخوليا، لا يكاد يبصر الماء، وإذا أبصره فزع، وربما مات عطشا ولم يشرب، وهذه علة تستفرغ مادتها على سائر البدن، ويتولد منها أعراض رديئة وإنما شبه حالهم بحال صاحب الكلب؛ لاستيلاء الأهواء عليهم استيلاء تلك العلة على صاحبها ولما فيها من المعرة المعدية، ولما يتولد منها من المضرة المردية، ولتنفرهم من العلم، وامتناعهم من قبوله تنفر صاحب الكلب عن الماء، وامتناعه عنه حتى يهلك عطشا، فكذلك هؤلاء يمتنعون عن قبول العلم، مع امتساس حاجتهم إليه، حتى يهلكوا جهلا في مهواة البدعة، وتيهة الضلال، أعاذنا الله وسائر المسلمين عن الهوى المتبع، والسلام.
[131]
ومنه: حديث جابر- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر- رضي الله عنه فقال: (إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا) يهود: لا ينصرف، والسبب فيه العلمية؛ لأنه يجري في كلامهم مجرى القبيلة، قال الشاعر:
فرت يهود وأسلمت جيرانها .... صمى لما فعلت يهود صمام
وقال الزمخشري: الأصل في يهود ومجوس أن يستعملا بغير لام التعريف؛ لأنهما علمان خاصان لقومين كقبيلتين، وإنما جوز تعريفهما باللام، لأنه أجرى يهودي ويهود مجرى شعيرة وشعير.
وفيه: (أمتهوكون أنتم)) أي: متحيرون والتهوك التحير، وهو أيضا مثل التهوز، وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة. وفيه:(لقد جئتكم بها بيضاء نقية) الضمير للملة. ووصفها بالبياض؛ تنبيها على كرمها وفضلها؛ لأن البياض لما كان أفضل لون عند العرب عبر به عن الكرم والفضل، حتى قيل لمن لم يتدنس بمعاب هو أبيض الوجه. ويجوز أن يحمل على هذا النحو من المعنى قوله- سبحانه-:{بيضاء لذة للشاربين} و (نقية)، قريب من هذا المعنى، ويحتمل أن المراد منها كونها مصونة عن التبديل والتحريف، خالية عن التكاليف الشاقة، وأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى أنه أتاهم بالأعلى والأفضل، واستبدال الأدنى عنه مظنة للتحيز، سيما وقد شهد التنزيل على نقلة تلك الأحاديث بالفسق بالأعلى والفرية، فلا يؤمن عليهم أن يدسوا في تلك الأحاديث ما يلبس على المؤمنين أمر دينهم.
[132]
ومنه: حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أكل طيبا
…
الحديث) أي: أكل حلالا، وعمل في موافقة سنة، وإنما نكر السنة؛ لأن كل عمل يفتقر إلى معرفة سنة وردت فيه. وقوله:(أمن الناس بوائقه) فإنه مفسر في بعض الأحاديث، فروى:(ظلمه وغشمه) وقيل: غوائله وشره. والبائقة: الداهية.
وفيه: (يا رسول الله، إن هذا اليوم في الناس لكثير) والمعنى: إن هذا الذي تذكره وتصفه، وهذا كلام يشكل؛ لبعد التناسب بينه وبين ما تقدمه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ثم لإبهام قوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك:(وسيكون في قرون بعدي) فيحتمل أن الرجل قال هذا القول حمدا لله- تعالى- وتحدثا بنعمته في هذه الأمة حيث كثر فيهم من الموصوفين بالوصف الذي ذكره، ثم قال:(وسيكون في قرون بعدي) ليعلم المخاطب أن ذلك غير مختص بالقرن الأول، ويحتمل أن الرجل لما سمع هذا القول، فهم عنه التحريض على الخصال المذكورة، والزجر عن مخالفته، وقد وجد الناس يتدينون بذلك، ويحرصون عليه، فخاف أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على خلاف ذلك في مستقبل الأمر منهم، فأحب أن يستكشف عنه فقال هذا القول، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم عرف مصدر قوله هذا، فأجابه بقوله:(وسيكون في قرون بعدي) فاختصر الكلام اعتمادا على فهم السائل، وتهويلا للأمر الذي يحذر عنه، فإن قيل: قد ذكرت في قوله: (وسيكون في قرون) إحدى وجهين متناقضين، لا يمكن التوفيق بينهما، وذلك قولك: وسيكون في قرون بعدي على ما وصفته، وقولك:(وسيكون في قرون بعدي) على خلاف ما وصفته، وكل واحد من الوجهين يدافع الآخر.
فالجواب: أن تقرير المعنى على كل واحد منهما صحيح، والتوفيق بينهما هين، وهو: أن نقول: قد خلت قرون بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهم على النعت المذكور، ثم مضت قرون أخرى، وقد ذهبت الديانات وضاعت الأمانات فيصح إذا صرف هذا القرن إلى كلتا الفئتين، والله أعلم.
[133]
ومنه حديث أبي هريرة- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك .. الحديث) لا يجوز صرف هذا الحديث إلى عموم المأمورات لأنا قد عرفنا
بأصل الشرع أن أحدا من المسلمين لا يعذر فيما يهمل من الفرض الذي تعلق بخاصة نفسه، وإنما ورد هذا الحديث في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمعنى: أنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هلك؛ لأن الدين عزيز، والحق ظاهر، وفي أنصاره كثرة، فلا يعذر أحد منكم في التهاون والأمر على ذلك، ولكن إذا فسد الزمان، وشاعت الفتن، وتوارى الحق وقل أنصاره، كان للمسلمين عذر فيما أهملوه من هذا الباب.
ومن باب العلم
(من الصحاح)
[138]
حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلغوا عني ولو آية) أي: بلغوا عني ما أمكنكم، أو استطعتم، ولو كان آية؛ لأن الآية أقل ما يكون مفيدا في باب التبليغ، فإن قيل: فلم لم يقل: ولو حديثا، مع أن هذا النوع من الشرط إنما يرتب على الأقل والأدنى، كقوله صلى الله عليه وسلم (تصدقوا ولو بشق تمرة) وقوله:(اطلب ولو خاتما من حديد)
قلنا: ليس في هذا الحديث استقصار لشأن الآية، ولا استقلال لحقها في باب التبليغ، ولكنه أشار بذلك إلى تبليغ الآية دون تبليغ الحديث؛ لأن في حملة الكتاب كثرة، وما من آية إلا وقد ثبت فيها التواتر، وقد تكفل الله بحفظ كتابه عن التحريف والتبديل والضياع، فقال- عز من قائل-:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقد قام بحفظها أمة بعد أمة، فالآية- لهذه المعاني؛ ولإجماع الأمة على قبولها، وصحة الرواية فيها- مستغنية عن المبالغة في التبليغ، والغالب على الحديث أن يرويه الأفراد من الصحابة، والمعتبر منه ما نقله صحابيان، وقليل منه ما يدور روايته على عصبة من الصحابة، فصار الأمر بتبليغ الحديث أكد من الأمر بتبليغ الآية؛ لأن تبليغ السنة أكثر مؤونة [30/ أ] وأعظم جدوى إذا لم تبلغ في المعاني التي ذكرناها مبلغ الكتاب، ولولا مكان هذه العلل لم يعدل بتبليغ الآية شيء، والله أعلم.
وفيه: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) يحتمل أن القوم لما سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أمتهوكون أنتم) وما يجري مجراه، تحرجوا عن التحدث عن بني إسرائيل، فرخص لهم في الحديث عنهم، ويحتمل أنهم تعجبوا مما حدثوا به عن بني إسرائيل، فرخص لهم في الحديث عنهم، ويحتمل أنهم تعجبوا مما حدثوا به عن بني إسرائيل من جلائل الأمور وعظائم الشيءون حتى تحرجوا عن التحدث به، خشية أن يفضي بهم ذلك إلى التفوه بالكذب، فقال:(حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فقد كان فيهم الآيات الغريبة، والوقائع العجيبة وهو مثل قولهم: حدث عن البحر ولا حرج فيه: (من كذب علي متعمدا) الحديث زيادة في بيان الكذب على وجه التأكيد، قوله:(فليتبوأ) أي: لينزل منزلة منها. وظاهر هذا الكلام أمر ومعناه خبر، يريد أن الله- تعالى- يبوئه منها وتبوأ الدار: أي: اتخذها مسكنا، وأصله البواء، وهو: مساواة الأجزاء في المكان، يقال: مكان بواء، إذا لم يكن نائيا بنازله. وقوله هذا- (من كذب علي متعمدا
…
) - إلى آخره، قد بلغ غاية الاشتهار، ولم نجد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يرويه العشرة المبشرة بالجنة إلا هذا الحديث، وفيه قصة عدلنا عن ذكرها حذرا عن الإطالة، والله أعلم.
[139]
ومنه: حديث سمرة بن جندب- رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حدث بحديث يرى أنه كذب
…
الحديث) (يرى) يجوز فيه فتح الياء وضمها، والرؤية يستعمل على معنى الوهم والتخيل، نحو: أرى أن زيدا منطلق، ومثل هذا المعنى أريد منه ها هنا، وكذلك. أريت، ويجوز أن يكون من (الرأي) الذي هو اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، وإنما سمي المحدث به كاذبا؛ لأنه رأى أن ذلك كذب ثم سعى بالتحدث به في نشره، فصار معينا لمن افتراه على فريته، فاشترك معه في الوزر، كمن أعان ظالما على ظلمه، وعلى هذا فالأصوب الأشهر فيه أن يكون (يرى) بمعنى: يعلم، إذ ليس لأحد أن يدع الرواية بمجرد الوهم والتخيل، ثم عن كذب الأول ثبت بقوله صلى الله عليه وسلم (أحد الكاذبين) ولا أدري بماذا يتمسك المحدث بالموضوعات، وأنى يتخلص من عهدة ذلك بعد سماعه هذا الحديث.
[140]
ومنه حديث معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم[30/ ب](من يرد الله به خيرا يفقه في الدين).
الفقه هو: التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، ويسمى العلم بأحكام الشريعة فقها، والفقيه: هو الذي علم ذلك، واهتدى إلى استنباط ما خفي عليه.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يفقهه في الدين) أي: يجعله عالما بأحكام الشريعة ثقفا ذا بصيرة فيه؛ فيصير قلبه ينبوع العلم يستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز.
وفيه: (وإنما أنا قاسم، والله يعطي) وجدت بعض العلماء المتبحرين في علم البيان وقد حمل قوله هذا على ما كان يقسمه بينهم من الأموال، وذكر كلاما معناه: أنه قال هذا القول؛ لئلا يكون في قلوبهم سخطة وتنكر عن التفاضل في القسمة؛ فإنه بأمر الله، وإن الله معطيه.
وهذا كلام صحيح، ولكنه لو اعتبر نسق الكلام، ونظر إلى ما يوجبه التناسب بين الكلمات لم يقطع القول بهذا المعنى؛ فإن هذا الحديث ما دام في الرواية على هذا النمط: فالوجه فيه: أن نقول:
أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (وإنما أنا قاسم) إلى ما يلقى إليهم من العلم والحكمة، وبقوله:(والله يعطي) إلى الفهم الذي يهتدي به إلى خفيات العلوم في كلمات الكتاب والسنة؛ وذلك انه لما ذكر الفقه في الدين، وما فيه من الخير، أعلمهم أنه لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحدا من أمته على آخر؛ بل سوي في البلاغ وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة
يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم، أو ممن أتى بعدهم؛ فيستنبط منه مسائل كثيرة؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
هذا هو المعنى، اللهم إن كان هذا المؤول قد وجد زيادة في رواية أخرى؛ فاستدل بها على ما ذهب إليه من المعنى، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلوة خضرة؛ فمن أخذها بحقها، بارك الله له فيها، وإياكم والتمادح؛ فإنه الذبح) ولم يذكر فيه: (وإنما أنا قاسم) فإن وردت الرواية بجميع ذلك في حديث واحد، فالحديث محتمل للتأويلين، ويكون الذي ذهب إليه أقرب من الذي ذهبنا إليه، وإن لم يوجد ذلك في حديث واحد، فالظاهر أنهما حديثان: أحدهما- وهو الذي نحن في بيانه- ينبئ عن المعنى الذي ذكرناه.
والآخر [31/ أ]- وهو أيضا روي عن معاوية، رضي الله عنه يشير إلى أن الخير في الفقه؛ فينبغي أن يحرص عليه، لا على المال الذي نعته كذا وكذا. وهذا الحديث على هذا الوجه يرويه عن معاوية معبد الجهني، وهو أول من تكلم في القدر بالبصرة، وقد ذكره البخاري في كتاب (الضعفاء).
وبيان بقية الحديث قد مر فيما تقدم.
[141]
ومنه: حديثه الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الناس معادن .. الحديث)، ويرويه- أيضا- أبو هريرة- رضي الله عنه:(المعدن مستقر الجوهر) من قولهم: عدن بمكان كذا أي: استقر به.
والمعنى أن الناس يتفاوتون في مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات، وفيما يذكر عنهم من المآثر على حسب الاستعداد، ومقدار الشرف- تفاوت المعادن؛ فإن منها ما يستعد للذهب، ومنها ما يستعد للفضة، وهلم جرا، إلى غير ذلك من الجواهر المعدنية حتى ينتهي إلى الأدنى فالأدنى؛ كالحديد، والكحل، والزرنيخ والنورة.
ولما دخلوا في دين الله، وفقهوا فيه، وكان ذلك من أتم المآثر، وأعظم موجبات التبجيل- تعزز به كل صعلوك من أفناء الناس، ونزاع القبائل حتى فاق سائر أقرانه في الجاهلية من ذوي المآثر، فربما ظن أحدهم أن المآثر والمكارم لا عبرة بها في حكم الدين؛ فنبأهم النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى- كما جعل التفاوت في الجواهر المعدنية- جعل التفاوت في الأوضاع البشرية، وإنما صار ساقط الاعتبار؛ لانعدام الدين، فإذا دخل الرجل في دين الله، وفقه فيه، وكان في الجاهلية من ذوي المآثر؛ فإنه من خيار الناس في الإسلام؛ كما كان من خيارهم في الجاهلية، ويفضل بتلك المآثر على أقرانه في الدين والعلم إذا لم يكن لهم ذلك.
[142]
ومنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين ..
الحديث): من الناس من يرويه: (لا حسد إلا في اثنين) أي: في شيئين اثنين، ومنهم من يرويه:(إلا في اثنتين) أي في خصلتين.
(رجل): مجرورا على البدل من (اثنين)، ومن رواه (اثنتين)، فإنه يبتدئ فيقول:(رجل)؛ فكأنه يشير إلى الخصلتين بما يصفه في حال الرجلين، ويجوز أن يقام مقام المحذوف في الإعراب، والتقدير: خصلة رجل.
وقد اختلف رواة (كتاب البخاري) في هذه الألفاظ على ما ذكرناه.
وأوثق الروايات التي تروى: (إلا في اثنين: رجل) على البدل.
وقيل: الحسد فيهما بمعنى: الاغتباط، والظاهر أن المراد مدى صدق الرغبة وشدة الحرص. ولما كان هذان السببان هما الداعيين إلى الحسد، كني عنهما ب (الحسد).
ومعنى قوله: (لا حسد) أي: لا رخصة في شيء من أنواع الحسد إلا فيما كان هذا سبيله.
وقيل: إن الحسد في هذا الباب مرخص فيه، لما يتضمنه من المصلحة في الدين، وفي معناه نشيد أبي تمام الطائي:
......... وما حاسد في المكرمات بحاسد
والتأويل المستقيم هو الأول.
وقوله: (آتاه الله حكمة) فالحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل، ويحتمل أن يكون معناه: آتاه الله فقها في الدين.
[143]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان
…
الحديث):
سئل الشيخ أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي- رحمه الله عن هذا الحديث، وعن قوله صلى الله عليه وسلم:(من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجره وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، وعن قوله صلى الله عليه وسلم:(كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط في سبيل الله؛ فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة)، فقيل: القسمان المذكوران في هذين الحديثين زائدان على الثلاثة المذكورة في حديث أبي هريرة؛ فكيف التوفيق بينهما؟
فكان من جوابه: أن السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به، والذي ذكر عن المرابط: فإنه عمله الذي قدمه في حياته، فينمو له إلى يوم القيامة، وأما الثلاثة المذكورة في حديث أبي هريرة: فإنها أعمال تحدث بعد وفاته× فلا تنقطع عنه؛ لأنه سبب تلك الأعمال، وهذه الأشياء يلحقه منها ثواب طارئ خلاف أعماله التي مات عليها× فإذا: لا اختلاف بين هذه الأحاديث، والله أعلم.
[144]
ومنه: حديث أبي هريرة- رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة
…
الحديث): نفست عنه تنفيسا، أي: رفهت؛ يقال: نفس الله عنه كربته، أي: فرجها، وكأنه مأخوذ من قولهم:(أنت في نفس من أمرك) أي: في سعة؛ فالذي يفرج عنه: كأنه يجعل في سعة من أمره، بخلاف المكروب الذي يصبح ويمسي كالذي ضيق عليه الأرض برحبها، وسد عنه مداخل الأنفاس ومصائدها.
وفيه: (إلا نزلت عليهم السكينة) أي: الحالة التي تطمئن بها القلب، ويسكن بها القلب؛ فيسكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب، والأصل فيه: الوقار.
وقيل: السكينة ملك يسكن قلب المؤمن، ويؤمنه.
وفيه: (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه): البطؤ نقيض السرعة؛ يقال: ما بطأ بك [32/ أ]، وما بطأك: بمعنى.
ومنه: (إن من أخره العمل، لم يقدمه النسب)؛ وذلك: أن الرجل إذا قصر في الأعمال الصالحة، لم تجبر نقيصته بكونه نسيبا في قومه.
[147]
ومنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة
…
الحديث).
التخول: التعهد، وحسن الرعاية؛ يقال: تخولت الريح الأرض: إذا تعهدتها، والخائل: المتعهد للشيء الحافظ له، والمعنى: انه كان يتفقدنا بالموعظة في مظان القبول، ولا يكثر علينا؛ لئلا نسأم، وكان أبو عمرو يقول:(إنما هو يتخوننا)، والتخون: التعهد؛ قال ذو الرمة:
لا ينعش الطرف إلا ما تخونه .... داع يناديه باسم الماء مبغوم
وقد رد على الأعمش روايته باللام، وكان الأصمعي يقول:(ظلمه أبو عمرة، يقال: يخولنا ويخوننا جميعا).
قلت: والراوية باللام أكثر.
وزعم بعضهم: أن الصواب: (يتحولنا) بالحاء المهملة، وهو أن يتفقد أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة؛ فيعظهم فيها، ولا يكثر عليهم فيملوا، ومن الناس من رويه كذلك؛ ولكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة، والله أعلم.
[148]
ومنه: حديث أنس رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة، أعادها ثلاثا
…
الحديث): أراد بـ (الكلمة): الجملة المفيدة، قوله:(أعادها ثلاثا) فإنه مبين بقوله: (حتى يفهم عنه)، وأما قوله:(إذا سلم، سلم عليهم ثلاثا) فإنه يفتقر إلى البيان؛ لأنا لم نجدها سنة متبوعة.
وقد ذهب بعض العلماء في معناه: إلى تسليم الاستئذان؛ ويستدل بحديث سعد بن عبادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه- وهو في بيته- وسلم، فلم يجبه، ثم سلم ثانيا، ثم ثالثا
…
الحديث):
وفي هذا التأويل نظر؛ لأن تسليمة الاستئذان لا يثنى إذا حصل الإذن بالأولى، ولا يثلث إذا حصل
بالثانية، ثم إنه ذكره بحرف (إذا) المقتضية لتكرار الفعل كرة بعد أخرى، وتسليمه ثلاثا على باب السعد، أمر نادر لم يذكر عنه صلى الله عليه وسلم في غير هذا الحديث.
والوجه فيه: أن نقول: معناه: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أتم على قوم، سلم عليهم تسليمة الاستئذان وإذا دخل، سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس، سلم تسليمة التوديع؛ وهي في معنى الدعاء، وهذه التسليمات كلها مسنونة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليها، ولا مزيد في السنة على هذه الأقسام.
[150]
ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جرير رضي الله عنه: (من سن في الإسلام سنة حسنة، [32/ب] فله أجره
…
الحديث) أي: أتى بطريقة مرضية يبتدأ به فيها.
وفي عامة نسخ (كتاب المصابيح): (فله أجرها) وهو غير سديد رواية ومعنى، وإنما الصواب:(أجره)، والضمير يعود إلى صاحب الطريقة، أي: له أجر عمله، وأجر من عمل بسنته، وظن بعض الناس: أن الضمير راجع إلى السنة، وقد وهم فيه- أيضا- بعض المتأخرين من رواة الكتابين، وليس ذلك من رواية الشيخين في شيء، والله أعلم.
[151]
ومنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول: كفل من دمها).
إنما قيد (ابن آدم) بـ (الأول)؛ لئلا يشتبه لأن في بني آدم كثرة؛ وهذا يدل على أن قابيل كان أول مولود من بني آدم. ويحتمل أنه قال: ابن آدم الأول) باعتبار البطن الأول من بني آدم.
ومعنى قوله: (كفل من دمها) أي: نصيب؛ وهو مثل قوله سبحانه: (ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها)، وقد زعم بعض أصحاب المعاني: أن الكفل في هذه الآية ليس بمعنى النصيب، بل هو مستعار من الكفل، وهو: الشيء الرديء، واشتقاقه من الكفل، وهو أن الكفل لما كان مركبا ينبو براكبه، صار متعارفا في كل شدة؛ كالسيساء، وهو: العظم الناتئ من ظهر الحمار؛ فيقال: (لأحملنك على الكفل وعلى السيساء، ولأركبنك الحسرى الرزايا).
قال: ومعنى الآية: من ينضم إلى غيره معينا له في فعلة سيئة، ينله منه شدة.
قلت: ولعل هذا القائل إنما توغل في استنباط هذا المعنى؛ هربا من المفهوم عن لفظ الكفل، الذي هو
بمعنى النصيب؛ فإن الكفل يقال للحظ الذي فيه الكفاية؛ كأنه تكفل بأمر صاحبه، وكم من مثل هذه الألفاظ قد استعملت في معاني قد اختصت بها، ثم شاعت واتسعت في غيرها؛ فكذلك ههنا.
وحقيقة المعنى في قوله: (كفل من دمها) أي: نصيب يكفل بأمره؛ فيوفيه جزاء ما ارتكبه من الإثم، وعقوبة ما سنه من القتل.
ويجوز أن يكون (الكفل) بمعنى الكفيل، والمراد منه: أن أقام كفيلا بفعله الذي سنه في الناس يسلمه إلى عذاب الله، كما قيل:(من ظلم، فقد أقام كفيلا بظلمه).
(ومن الحسان)
[152]
حديث أبي الدرداء: رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقا
…
الحديث).
إنما نكر (علما) في قوله: (من سلم طريقا يلتمس فيه علما)؛ ليتناول كل نوع من أنواع علوم الدين، ويندرج تحته قليل العلم وكثيره.
وفيه: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها
…
)، يحتمل: أنه صلى الله عليه وسلم أراد به تليين الجانب والانقياد، فألقى عليه بالرحمة والانعطاف؛ وذلك مثل قوله سبحانه:{واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} ويحتمل أن المراد منه: فرش الأجنحة تواضعا لطالب العلم؛ حيث يبذل وسعه في استغاء مرضاة الله، سيما إذا وجدت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم.
ويحتمل: أن المراد من الملائكة- ههنا- العموم.
ويحتمل: أن المراد منها الكرام الكاتبون.
ويحتمل: أن يكون صنيعهم هذا في الدنيا، ويحتمل: أن يكون في الآخرة.
ويحتمل: أن يكون في الدارين جميعا.
وكل ذلك: توقير الملائكة طلاب العلم، والاستشعار في أنفسهم تعظيما لهم، والنظر إليهم بعين المهابة والجلال؛ فضرب المثل بما ضرب؛ تحقيقا لتلك المعاني!
وفيه (وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض .. الحديث).
يحتمل: أن يكون استغفار هذه الأصناف المذكورة من الخلائق بعضه على الحقيقة، وبعضه على المجاز، وهو أن يتكسب الله تعالى له بعدد كل حيوان من الأنواع المذكورة- كالحيتان وغيرها- مغفرة، ووجه الحكمة فيه: أن صلاح العالم: بالعلم، وما من شيء من الأصناف المذكورة إلا وله مصلحة معقودة بالعلم؛ وقد كان أبو ذر رضي الله عنه يقول:(تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما من طائر يحرك جناحيه في الهواء، إلا وقد أذكرنا منه علما)؛ فكتب الله على كل نوع منها لطالب العلم استغفارا؛ جزاء له عنها بعلمه المعقود به صلاحها.
ولم نستوعب بيان مصالحها المعقودة بالعلم اكتفاء بما أشرنا إليه، والله أعلم.
[153]
ومنه: حديث أبي أمامة- رضي الله عنه: (ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، أحدهما: عابد، والآخر: عالم
…
) الحديث.
يريد: رجلين يكون أحدهما كذا، والآخر كذا؛ على سبيل التمثيل، ولم يرد رجلين بأعيانهما.
[154]
ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه: (استوصوا بهم خيرا).
والاستيصاء: قبول الوصية، والاستيصاء: طلب الوصية من نفسه أو من غيره، بأحد أو بشيء، وهو في المعنى قريب من التواصي، وهو أن يوصى بعضهم بعضا، ومعناه: الأمر بمراعاة أحوالهم والتعهد لهم.
و (وصى): حكمه حكم (أمر)؛ يقال: (وصيت زيدا بأن يفعل خيرا) كما يقال: (أمرته بأن يفعل خيرا، وقولك: (وصيت زيدا بعمرو) أي: وصيته بتعهد عمرو ومراعاته؛ قال الله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) أي: وصيناه بإيتاء والديه حسنا، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:(فاستوصوا بهم خيرا) أي: بإيتائهم خيرا، واقبلوا وصيتي بإيتائهم خيرا.
[155]
ومنه [33/ب]: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الكلمة الحكمة ضالة
الحكيم) أراد بـ (الكلمة) - ههنا- الجملة المفيدة، وبـ (الحكمة): التي أحكمت معانيها بالعلم والعقل، مصونة معانيها عن الاختلال والتهافت، والحكيم: هو المتقن للأمور، والمعنى أن كلمة (الحكمة) إن تكلم بها من ليس لها بأهل، ثم وقعت بأهلها فهو أولى بها من الذي قالها؛ كصاحب الضالة إذا وجدها صاحبها؛ فإنه أحق بها من غيره، وإنما قال هذا؛ تنبيها على أن من سمع كلمة مفيدة ممن لا يعبأ به، ولا يهتدى إلى حقيقة ما حدث؛ فلا يحجزنه انتماء الكلمة إلى ذلك القائل عن الانتفاع بها؛ لأنه أولى بها وأحق من الذي قالها.
[165]
ومنه: حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم (طلب العلم الشرعي النافع فريضة على كل مسلم).
هذا حديث أكثر الناس فيه من الأقاويل، وضربوا يمينا وشمالا في بيانه، وهو ظاهر واضح.
والمراد بـ (العلم) - ههنا: القسم الذي فرض على العبد معرفته في أبواب المعارف، ويفتقر إليه في معاملة الله، ويتعين عليه العمل به؛ لأنه قال:(على كل مسلم)؛ فهو- إذن- محمول على العلم الذي لا يعذر العبد في الجهل به.
[158]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (خصلتان لا تجتمعان في منافق: (حسن سمت
…
الحديث).
السمت: الطريق، والسمت: هيئة أهل الخير؛ لأنه طريقهم، يقال: ما أحسن سمته، أي: هديه.
وقوله: (ولا فقه في الدين)، حقيقة الفقه في الدين: ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان؛ فأفاد
العمل، وأورث الخشية والتقوى، وأما الذي يتدارس أبوبا منه؛ ليتعزز به ويتأكل: فإن بمعزل عن هذه الرتبة العظمي؛ لأن الفقه تعلق بلسانه دون قلبه؛ ولهذا قال علي رضي الله عنه: (ولكني أخشى عليكم كل منافق عليم اللسان).
[162]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(من سئل عن علم علمه، ثم كتمه .... الحديث): هذا الذي قاله: أنه يلجم بلجام من نار، من باب المقابلة في العقوبة؛ وذلك أنه ألجم نفسه بالسكوت حيث فرض الله عليه البيان؛ فألجم بلجام من نار عقوبة له على ذلك.
[163]
ومنه: حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(من طلب العلم ليجارى به العلماء .... الحديث).
(المجاراة: أن يجرى الإنسان مع آخر؛ فيماريه في جريه، والمعنى: أنه يطلب العلم؛ ليعدل بنفسه في العلماء ترفعا ورياء وسمعة؛ كما أخبر عنه في حديث آخر: (إنما قرأت القرآن ليقال: إنك عالم؛ وقد قيل)[34/أ]. والمماراة: المجادلة والمحاجة فيما فيه مرية، وهي التردد في الأمر، والاسم منه: المراء وأصل ذلك من: (مريت الناقة): إذا مسحت ضرعها.
وفي هذا الحديث- سوى الوعيد الوارد فيمن لم يكن له غرض صحيح في طلب العلم- تنبيه على فائدة صحة المقاصد وفسادها؛ حيث بين أن العلم- الذي طلبه مكفرة للذنوب، ومعاة للفلاح، ومئنة لرضا الرب هو الآخذ بيد صاحبه إذا زلت به القدم، ويكون وبالا على صاحبه، وتنقلب تلك القضايا عليه إذا لم يكن له في طلبه قصد صحيح، فيا هنتاه! كم من بلية دخلت علينا من تلكم الأبواب، ولم نشعر بها، ومن الله المعونة، وإليه المشتكى!
[164]
ومنه: حديث أبي هريرة- رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله
…
الحديث).
هذا الحديث وأمثاله يحمله كثير من الجهال- لاسيما المبتدعة الضلال- على المبالغة في تحريم الجنة على المختص بهذا الوعيد؛ كقوله: (ما شممت قتار قدره)؛ للمبالغة في التبرى عن تناول طعامه، أي: ما شممت رائحته؛ فكيف بالتناول عنها.
وليس المعنى كذلك؛ فإن المختص بهذا الوعيد- إذا كان من أهل الإيمان- لابد وأن يدخل الجنة؛ عرفتا ذلك بالنصوص الصحيحة التي ثبت التواتر فيها، أو في جنسها.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: (إنه لا يجد عرفها على الإطلاق)، وإنما قال:(لا يجد عرفها يوم القيامة)، وهو اليوم الموصوف بقوله سبحانه:{يوم يقوم الناس لرب العالمين} ؛ وذلك من حين يحشرون إلى أن ينتهى بهم الأمر إما إلى جنة، وإما إلى نار؛ وذلك: أن الآمنين من الفزع الأكبر، المتلقين بالبشرى والرضوان- وخاصة العلماء الذين لهم الدرجات العلا- إذا وردوا القيامة يمدون برائحة الجنة؛ تقوية لقلوبهم وأبدانهم، وتسلية لهمومهم وأشجانهم، ويكون احتفاظهم بتلك الرائحة على مقدار حالهم في المعرفة وعلو منزلتهم في العبودية.
وهذا البائس الذي تعلم العلم ليبتغى به أعراض الفانية، وكان من حقه: ألا يتعلمه إلا ابتغاء وجه الله: يكون- يومئذ- كصاحب الأمراض الحادثة في تضاعيف الدماغ المانعة عن إدراك الروائح، لا يجد رائحة الجنة، ولا يهتدى إليها سبيلا من الأمراض الكائنة في القلب المخلة بالقوى الإيمانية، أعاذنا الله عن ذلك!
[165]
ومنه: حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله عبدا سمع مقالتى ..
الحديث): النضرة: الحسن والرونق، ويقال: نضر الله وجهه، ونضر وجهه [34/ب]؛ يتعدى ولا يتعدى، وروى في هذا الحديث بالتخفيف والتشديد، وفي التشديد أنشد الأصمعي:
نضر الله أعظما دفنوها .... بسجستان طلحة الطلحات
ومعنى قول: (نضر الله عبدا) أي: خصه بالسرور والبهجة بما رزق بعلم ومعرفته من القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا، وبنعمة في الآخرة، حتى يرى عليه رونق الرخاء ورفيق النعمة، وإنما خص حافظ سنته ومبلغها بهذا الدعاء؛ لأنه سعى في نضارة العلم، وتجديد السنة؛ فجازاه في دعائه له بما يناسب حاله في المعاملة.
وفيه: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم): (لا يغل) يروى بفتح الياء وضمها، وكسر الغين على الصيغتين؛ فالأول: من الغل، والثاني: من الإغلال؛ يقال: غل يغل: إذا كان ذا ضغن أو غض أو حقد، وأغل يغل: إذا خان، والإغلال: الخيانة وأما بفتح الياء وضم الغين: فإنه من الغلول، ولا معنى له ههنا؛ لأن الغلول من الغنم خاصة.
والمعنى: أن المؤمن لا يخون في هذه الأشياء الثلاثة، ولا يدخله ضغن يزيله عن الحق حتى يفعل شيئا من ذلك.
وذكر أبو سليمان الخطابى: أن أبا أسامة حماد بن أسامة القرشى كان يرويه: (يغل) مخفف اللام؛ يجعله من (وغل يغل وغولا)؛ يقال: وغل الرجل: إذا دخل في الشجر، وتوارى فيه.
وفيه: (فإن دعوتهم تحيط من ورائهم):
المعنى: أن دعاء الجماعة لأنفسهم قد أحاطته بهم؛ فيحرسهم ويحوطهم؛ فلا يكاد الشيطان ينتهز منهم فرصة بطريق الحقد، أو تسويل الخيانة، كانتهازه من غيرهم.
وفي قوله: (أحاطت بهم): تنبيه منه على أن من خرج من جماعتهم لم ينله بركة دعائهم؛ لأنه خارج عما أحاطت بهم من ورائهم، وقد قال بعض العلماء لا نصيب لمن غير ويدل في دعاء الجماعة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:(السلام علينا وعلى عبد الله الصالحين).
ووجه دخول الفاء في قوله: (فإن دعوتهم) هو أن المؤمن لا يغل على لزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط بهم، وهو في جملتهم؛ فلا يتأتى منه ذلك.
ويحتمل: أن يكون المراد منه: أنه إذا دخل في جملتهم بالاعتقاد، لم يجد الغل على مفارقتهم؛ فإن الله يكلؤه ويمنعه عن مفارقتهم لإحاطة الدعوة بهم.
ويحتمل: أن يكون تقدير الكلام: (فلا يغلن؛ فإن دعوتهم تخيط من ورائهم) أو يكون تقديره: (وعليه أن يلزم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم).
وأما وجه التناسب من قوله صلى الله عليه وسلم: (نضر الله عبدا
…
الحديث)، وبين قوله (ثلاث لا يغل عليهن
…
الحديث) هو أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما حث من سمع مقالته [35/أ] على أدائها إلى من لم تبلغه- أعلهم أن قلب المسلم لا يغل على هذه الأشياء؛ خشية أن يضنوا بها على ذوى الإحن والترات؛ لما يقع بينهم من التحاسد والتباغض، وبين أن أداء مقالته إلى من لم يسمعها من باب إخلاص العمل لله؛ كالنصيحة للمسلمين، وهو أيضا من الحقوق الواجبة المتعلقة بأحكام لزوم جماعة المسلمين فلا يحل له أن يتهاون به؛ لأنه مخل بالخلال الثالث والله أعلم.
[169]
ومنه: حديث جندب بن عبد الله البجلى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(من قال في القرآن برأيه فأصاب- فقد أخطأ):
المراد منه: قول لا يكون مؤسسا على علوم الكتاب، ولا مستفادا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بل يكون قولا يقوله برأيه؛ على حسب ما يقتضيه عقله؛ ويذهب إليه وهله.
وعلم التفسير: علم يؤخذ من أقوال الرجال، ثم ينظر فيه بالمقاييس العربية، ثم يتكلم فيه على حسب ما تقتضيه أصول الدين، ويئول القسم الذي يفتقر منه في بيانه إلى التأويل على وجه يشهد بصحته ظاهر التنزيل؛ فمن لم يستجمع هذه الشرائط، وخاص في بيان كتاب الله بالظن والتخمين؛ فبالحرى أن يكون قوله مهجورا، وسعيه مثبورا، وحسبه من الزاجر: أنه مخطئ عند الإصابة؛ فيا بعد ما بين المجتهد والمتكلف؛ فإن المجتهد مأجور على الخطأ، والمتكلف مأخوذ بالصواب!! والله أعلم.
[170]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(المراء في القرآن كفر).
المراء: اسم من المماراة، وهو المجادلة فيما فيه مرية، وقد ذكرنا أصل الكلمة واشتقاقها.
ويحتمل: أنه سماه كفرا؛ لأنه من عمل الكفار، ولأنه ربما يفضى بصاحبه إلى الكفر: إذا عاند صاحبه الذي يماريه على الحق، ثم لابد أن يكون أحد الرجلين محقا، والآخر مبطلا، ومن جعل كتاب الله سناد باطله، فقد باء بالكفر!
[171]
ومنه: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: (سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوما يتدارءون
…
الحديث). يتدارءون، أي: يتدافعون؛ وذلك أن يدفع كل واحد منهم قول صاحبه بما يقع له من القول، والدرء: الدفع؛ قال الله تعالى: {ويدرءون بالحسنة السيئة} ، وقد تبين لنا من بقية الحديث، أن القوم كانت بينهم محاجة في القرآن؛ فطفوا يتدافعون بالآيان؛ وذلك أن يسند أحدهم كلامه إلى آية، ثم يأتى صاحبه بآية أخرى مدافعا له؛ كأنه يزعم: أن الذي (أتيت به) نقيض ما استدللت به؛ ولهذا شبه حالهم بحال [35/ب] من قبلهم، فقال:(ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)، ومعناه: أنهم خلطوا بعضه ببعض فلم يميز بين الحكم والتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد من قولهم:(ضربت اللين بعضه ببعض) أي: خلطته، ومنه: الضريب.
ويحتمل أن يكون المراد منه: الصرف؛ فقد استعمل الضرب موضع الصرف والعدل؛ باعتبار: أن الراكب إذا ركب دابة، فأراد أن يصرفها عن جهتها ضربها بعصاه ليعدلها عن جهتها إلى الجهة الأخرى التي يريدها، أي صرفوا كتاب الله بعضه ببعض، عن لمعنى المراد منه، إلى ما مال إليه هواهم؛ كالذي يستدل في مسألة القدر بقوله سبحانه:{قل كل من عند الله} ؛ فيرده القدرى بقوله سبحانه: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ، في نظائر كثيرة.
[172]
ومنه: حديث جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شقاء العى السؤال): أريد بـ (العى) ههنا: الجهل، والعى: عجز يلحق من تولى الأمر والكلام، ولما كان الجهل أحد أسباب العى، عبر عنه بـ (العى).
والمعنى: أن الذي عيى فيما يسأل عنه، فلم يدر بماذا يجيب- فشفاؤه بالسؤال عمن يعلم.
والحديث ههنا مختصر؛ وقد ذكر بتمامه في (باب التيمم).
[173]
ومنه: حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنزل القرآن على سبعة أحرف
…
الحديث): حرف الشيء: طرفه، وحروف التهجي سميت بذلك؛ لأنها أطراف الكلمة.
والمراد بـ (الأحرف) - في هذا الحديث- أطراف اللغة العربية؛ فكأنه قال: على سبع لغات من لغات العرب؛ كلغة قريش، ولغة ثقيف، ولغة طيئ، ولغة هوازن، ولغة أهل اليمن؛ على هذا النحو فره أبو عبيد.
ويحتمل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بـ (السيع): بيان التوسعة: لا نفس العدد؛ والعرب تضع السبع موضع الأعداد التامة؛ لأنها قواعد الزمان والمكان.
ويحتمل: أنه أراد به سبع لغات متفرقة في القرآن.
وليس المعنى: أن الحرف الواحد نزل على سبعة أوجه؛ ومن أصحاب الغريب من ذهب إلى ذلك، ويستدل بالمختلف فيه من القرآن في قوله سبحانه:{وعبد الطاغوت} ، وقوله تعالى:{أرسله معنا عدا يرتع ويلعب} [يوسف: 12]، وقوله تعال:{وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} .
وليس هذا القول مما يعبأ به، وقد قال بعض من تكلم في رد هذا القول: لو كان الأمر على ما توهمه، لكان من حقه أن يقول:(بسبع لغات)، وإنما قال:(على سبع لغات) أي: [36/أ] على هذا من الشرط وعلى هذا من الرخصة والتوسعة.
قلت: وأمثال هذه الحروف في القرآن من النوادر.
ثم إن الأحاديث التي وردت في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمنقول من أقاويل الصحابة- رضوان الله عليهم- فيه ينقض قوله هذا عليه.
ولقد اختار التأويل الذي قدمناه جمع من أصحاب المعاني، منهم: أبو محمد القتيبي، أبو جعفر الطحاوي، وقد تكلم كل واحد منهما على هذا الحديث؛ فشفى واشتفى؛ أما أبو محمد: فببيان وجوهه، وتقرير المراد منه، وأما أبو جعفر: فباستيعاب الروايات، غير أن كل واحد منهما سلك مسلك الإطناب؛ فرأيت أن أبين معنى هذا الحديث- إن شاء الله- بيانا واضحا؛ آتيا فيه على زبدة ما أورداه مقررا للمعنى الذي توخياه بما يفتح الله على من زيادة البيان؛ فأقول- وبالله التوفيق:
إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كافة الخلائق، بهذا الكتاب المبارك، وعامة من أجابه- يومئذ- العرب، وكانت قبائلهم شتى، ولغاتهم مختلفة، ومنازلهم في الحفظ والإتقان متفاوتة، ثم إنهم كانوا أمة أمية لا يكتبون كتابا، ولا يقرءونه؛ فلو كلفوا أن يقرءوه على حرف واحد- لشق عليهم الأمر، وتعذر الضبط، مع أن كل فريق منهم كان تختلف لغته؛ فلو كلف أن يتحول عن لغته إلى لغة أخرى لم يستطع ذلك فإن تغيير اللهجة والتحول عن لغة معهودة إلى لغة أخرى أمر عسير؛ فلو اجتهد فيه مجتهد مبلغ الجهد، لم ينته إليه إلا بالكد المعجز والمشقة البليغة.
ومن نظائره: القسم المشترك؛ نحو: الإمسالة، والوقف، وتخفيف الهمزة، والتقاء الساكنين، وزيادة الحروف، وإبدالها، والإدغام؛ فلو كلفوا أن يعدلوا في قراءاتهم عن النظائر التي ذكرناها، أو يقرءونها: لشق أن يتحول عن لغته إلى لغة أخرى.
وعلى هذا القياس في كل فريق، من المختلفين في اللغة التي لقنها المتكلم بها طفلا، وتربى عليها ناشيءا، واعتادها كهلا. ذلك على من لم يكن المأمور به من لغته؛ فظل مشقوقا عليه، ممنوا بقراءة لا يطاوعه عليها لسانه؛ كالقرشى إذا كلف الهمز، والتميمي إذا كلف تركه، والأسدى إذا كلف الفتح في الحروف الزوائد من (باب المضارع)، وقد قال الله تعالى:{وما جعل عليكم في الدين من حرج} ؛ فكان [36/ب] من فضل الله ورحمته على هذه الأمة المرحومة أن ألهم (الله نبيهم) صلى الله عليه وسلم فسأله التخفيف عن أمته في أمر الكتاب، وتيسير أخذه وتلقيه عليهم، حتى رخص لهم في الأخذ عنه بالألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا.
ومن الدليل على صحة ما نريد تقريره: ما أخبرني به والدي أبو سعد بن الحسين بن يوسف التوربشتى- جزاه الله عنا خير جزاء- قال أخبرنا الحافظ أبو موسي (إجازة إن لم يكن سماعا) أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد- في كتابه- أخبرنا والدي القاضي أبو ذكر أحمد بن علي بن بندار اليزدي، أخبرنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن إبراهيم المالكي، أخبرنا محمد بن علي بن أملي الأصفهاني، أخبرنا أبو القاسم هشام بن محمد بن قرة الرعيني، ثنا محمد أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدى الطحاوي، حدثنا الحسين بن نصر، ثنا شبابة بن سوار، ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد عن ابن أبي ليلى، عن أبي اين كعب رضي الله عنه:(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على أضاة بني غفار، فأتاه جبريل، فقال: إن الله- تبارك وتعالى يأمرك أن تقرأ أنت وأمتك على حرف واحد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأل الله معافاته ومغفرته؛ إن أمتى لا تطيق ذلك ثم أتاه الثالثة، فقال له مثل ذلك، فأتاه الرابعة، فقال: إن الله- عز وجل يأمرك وأمتك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف كلما قرءوا بها، فقد أصابوا).
قال الشارح- رحمه الله عليه: على هذا الوجه وجدت حديث أبي، وأرى الصواب فيه، وصوابه:(كل ما قرءوا به منها، فقد أصابوا).
وبالإسناد الذي ذكرناه، عن أبي جعفر الطحاوي أنه قال: حدثنا أبو أمية، حدثنا منصور بن شقير، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة رضي الله عنه: (أن النبي
- صلى الله عليه وسلم لقى جبريل عليه السلام فقال: إني أرسلت إلى أمة فيهم الشيخ الكبير، والعجوز، والغلام، والخادم، والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا قط! فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف).
قلت: فقد تبين لنا مما رويناه- ومما هو في معناه- أن القرآن الأول رخص لهم في القراءة على ما تيسر لهم من اللغات العربية، وأن القرآن نزل بجميع ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة في المبدأ الأول [37/أ]، وأخرى في سنى الوحى إبان العرض؛ على ما صح في الحديث؛ (إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني العام مرتين).
وعلمنا من الأحاديث التي وردت في هذا الباب: أن الصحابة كانوا يقرءونه على اختلاف الألفاظ وتوافق المعاني، والدليل على أنهم كانوا يقرءونه على هذا النحو: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ أنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ (سورة الفرقان) على خير ما أقرؤها عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها؛ فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه؛ فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت إني سمعت هذا يقرأ (سورة الفرقان) على خير ما أقرأتنيها؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(اقرأ)، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(هكذا أنزلت)، ثم قال لي (اقرأ)، فقرأت، فقال:(هكذا أنزلت؛ إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فاقرءوا ما تيسر منه).
وحديث أبي رضي الله عنه قال: قرأ أبي آية، وقرأ ابن مسعود خلافها، وقرأ رجل آخر بخلافهما؛ فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: ألم تقرأ آية كذا وكذا: كذا وكذا! وقال ابن مسعود: ألم تقرأ آية كذا وكذا: كذا وكذا؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم محسن مجمل).
وحديث أبي جميم الأنصاري رضي الله عنه، قال: إن رجلين اختلفا في آية من القرآن؛ فقال هذا: تلقنتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وقال الآخر: تلقنتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فسألا رسول الله عنها؟ فقال رسول الله: (إن القرآن نزل على سبعة أحرف؛ فلا تماروا في القرآن؛ فإن المراء فيه كفر).
وحديث ابن مسعود: (إني قد سمعت القراءة)، فوجدتهم متقاربين؛ فاقرءوا كما علمتم؛ إنما هو كقول أحدكم هلم، وتعال، وأقبل!).
فإن قيل: فهل يجوز اليوم لأحدنا أن يقرأ على ذلك؟
فالجواب أن نقول: كان الأمر على ذلك زمان نبي الله صلى الله عليه وسلم، وبعده إلى إمرة عثمان رضي الله عنه، فكان كل منهم يقرؤه على ما انتهى إليه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو ممن سمع منه، وكانوا لا يتعدون المسموع، ولم يكن أحد منهم ليجعل أحد الحرفين- المختلفين في اللفظ المتفقين في المعنى- مكان الآخر من تلقاء نفسه، وما كان ينبغي له!
ولما كان مقتل أهل اليمامة، واستشهد بها القبيل من فضلاء الصحابة- أشار عمر على أبي بكر رضي الله عنهما بجمع القرآن شفقا على ذهابه بذهاب حملته [37/ب]، فتحرج أبو بكر- رضي الله عنه عن ذلك، ثم شرح الله صدره للذي شرح له صدر عمر؛ فأمر زيد بن ثابت بجمع؛ فإنه كان كاتب الوحى،
وقد أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعه على وفاق من الشيخين منضما إلى علمه وحفظه شهادة الأثبات من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان المجموع كله في صحيفة واحدة عند عمر بن الخطاب- رضي الله عنه فلما استشهد، أخذته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، فقدم حذيفة- رضي الله عنه في خلافة عثمان- رضي الله عنه عن غزوة غزاها بثغر أرمينية فدخل عليه، وقال: يا أمير المؤمنين! أدرك الناس!! فقال: وما ذاك؟! فقال: غزوت فرج أرمينية، فحضرها أهل العراق، وأهل الشام؛ فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق؛ فيكفرهم أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام؛ فيكفرهم أهل الشام!
فأمر عثمان رضي الله عنه زيد بن ثابت أن يكتب له مصحفا، وقال: إني جاعل معك رجلا لبيبا فصيحا، فجما اجتمعتما فيه: فاكتباه، وما اختلفتما فيه: فارفعاه إلى.
قلت: وإنما أراد بالاجتماع والاختلاف: على اللفظ. وفيه القسم الذي أتى نظيره في الحديث؛ وذلك يتعلق برسم الخط فيما يكتب بالألف، أو بالواو، أو بالياء، أو بالتاء، وإلحاق النون بلفظ المنون، وغير ذلك من أخواتها التي ينبئ عنا رسم الخط في المصحف الإمام.
رجعنا إلى ما بدأنا به من الحديث، قال: فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص، فلما بلغ:{إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} فقال زيد: (التابوه)، وقال أبان:(التابوت)؛ فرفعا ذلك إلى عثمان؛ فكتب: (التابوت).
قال زيد: ثم عرضت المصحف عرضة أخرى؛ فلم أجد فيه شيئا، وأرسل عثمان إلى حفصة: أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها؛ فأعطته، فعرضت المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء.
قلت: وقد وجدت في بعض الروايات: أن الصحيفة كان عمر- رضي الله عنه كتبها بعد أن جمعها زيد، ثم إن عثمان- رضي الله عنه أمر الناس أن يكتبوا المصاحف، وبعث بالنسخ إلى بلاد الإسلام؛ فاجتمع الناس على ما جمعه زيد، بأمر أبي بكر، واستصواب عمر رضي الله عنهما، ومشهد من فضلاء الصحابة وأمر عثمان- رضي الله عنه بمحو ما عداه؛ رفعا للخلاف.
وكان من بقى من قراء الصحابة على قراءته، حتى انقرض زمانهم، وتركت قراءته، حتى انقرض زمانهم، وتركت قراءتهم، ولم يبق من لحروف المختلف فيها [38/أ] على نهج التواتر إلا شيء لم يخالف رقوم المصحف، وبقى المختلف فيه من: الإدغام، والإمالة، والوقف، وغير ذلك- من القسم المشترك الذي اشتهر عند القراء السبعة؛ لاتصال سنده على أصله معزورا به، وما عدا ذلك: فإنه متروك لا يقرأ، ولا يحتج به؛ لفقدان الضرورة التي دعت إليه من أول الوهلة؛ لسقوط الرواية عنه، وعدم التواتر فيه. وهذه العلة هي التي نعتمد عليها في ترك القراءات التي تخالف نظم المصحف المجمع عليه.
ولقد تجاوزنا عن مقدار الضرورة في بيان هذا الحديث، وإنما سلكنا هذا المسلك بالتماس بعض الراغبين، وقد سألنا أن نبسط له القول في بيانه، ونتركه على منهاج واحد؛ فأسعفنا بحاجته؛ احتسابا للأجر، وادخارا لصالح الدعاء، والله الموفق لإصابة الحق.
وفيه: (لكل آية منها ظهر وبطن) الظهر: ما ظهر تأويله، وعرف معناه، والبطن: ما بطن تفسيره، وأشكل فحواه؛ فظهره لفظه، وبطنه معناه.
وقيل: قصصها في الظاهر أخبار؛ وفي الباطن اعتبار. ويحتمل أن يكون المراد من الظهر: التلاوة والرواية، ومن البطن الفهم والدراية.
وفيه: (ولكل حد مطلع): ذكر بعض الحفاظ- في تفسيره- أن الحد في التلاوة: ألا يجاوز المصحف، وفي التفسير: المسموع قال، والمطلع: المصعد الذي يصعد إليه في معرفة علمه.
قلت: وهذا معنى لا يطابق اللفظ، ولا يكاد يلتئم، ولعله قول سقط عنه من غير روية، وإنما المراد بـ (الحد) - ههنا- ما شرع. الله تعالى لعباده، قال الله سبحانه:{وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} أي: أحكامه، وقيل: حقائقه ومعانيه، والمطلع: المأتى والمصعد. وقال الأصمعي: هو موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار؛ ومنه الحديث: (لا فتديت به من هول المطلع)؛ شبه ما أشرف عليه من أمر الآخرة بذلك.
والمعنى: أن لكل حد من حدود الله- وهي ما شرعها لعباده من أحكام الدين- موضع اطلاع من القرآن؛ فمن وفق أن يرتقى ذلك المرتقى، اطلع منه على الحد الذي يتعلق بذلك المطلع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي رزق الارتقاء إلى مطلع كل حد من القرآن.
وقد قال بعض العلماء: إن عامة سنن الرسول صلى الله عليه وسلم راجعة إلى القرآن، ولا يقف العلماء على أصل كل شيء منها من القرآن؛ ولكنهم على طبقاتهم ومنازلهم في العلم والفهم. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك من معاني الوحي ما لا يبلغه فهم غيره.
[174]
ومنه: حديث [38/ب] عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (العلم ثلاثة
…
الحديث).
أما قوله صلى الله عليه وسلم: (آية محكمة): فقد سبق بيان المحكم فيما مضى.
وأما قوله: (سنة قائمة): فهي الثابتة المعمول بها.
وقوله: (فريضة عادلة): فقد قيل: إنه أراد به: العدل في القسمة، أي: معدلة على السهام المذكورة في الكتاب والسنة.
وقيل: المراد بـ (العادلة): المستنبطة عن الكتاب والسنة، وتكون هذه الفريضة- وإن لم ينص عليها في الكتاب والسنة- معدلة بما أخذ منهما؛ قال زيد بن ثابت: في زوج وأبوين، للأم ثلث ما يبقى بعد فرض الزوج؛ أقوله برأيى لا أفضل أما على أب. هذا من باب تعديل الفريضة، لما لم يكن فيها نص، اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى:{وورثه أبواه فلأمه الثلث} ، فلو أعطاها ثلث المال، لكان للأب السدس؛ وهذا خلاف النص.
قلت: الفريضة- على التأويلين- محمولة على السهام المقدرة في المواريث؛ وفيه نظر؛ لأنه إذا أول على العدل في القسمة على الهام المذكورة في الكتاب والسنة: فإنه داخل في الآيات المحكمات، والسنن القائمة؛ فلا فائدة- إذا- في تخصيصها بالمواريث، ولا يجعل عاما في سائر ما يشبهه من الأحكام، وليس أحد الأحكام المستنبطة بأولى من غيره في هذا التأويل؟ فالسبيل أن نقول: الفريضة العادلة: هي المحكومة المصدرة المعدلة بالكتاب والسنة، وهي المستنبطة بالقياس.
وهذه الثلاث هي قواعد الدين، ومعاقد أحكام الشرع.
ونقل عن عبد الله بن عروة؛ أنه قال: الفريضة العادلة: ما اتفق عليه المسلمون؛ وهذا- أيضا- تأويل قويم، ومعناه- على هذا القول: الحكومة المبنية المقدرة على منهاج العدل، وأولى ما يوصف بهذه الصفة: الإجماع، ولا يتقدمه شيء بعد الكتاب والسنة.
[175]
ومنه: حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، (لا يقص إلا أمير، أو مأمور أو مختال).
قال بعض العلماء: هذا في الخطبة؛ لأن الأمر فيها إلى الأمراء وإلى من يتولاها من قبلهم.
قلت: وكل من تكلم على الناس بالمواعظ والقصص، فإنه داخل في غمار القوم، وأمر ذلك موكول إلى ولاة الأمر؛ فالثالث مختال؛ لأنه نصب نفسه حيث لم يبلغه؛ اختيالا وتكبرا وطلبا للرياسة واتباعا [39/أ] للهوى، ولو وقف حيث أوقفه الشرع، فلم يتكلف فيما لم يكلف- لكان خيرا له، والله أعلم.
[177]
ومنه: حديث معاوية رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات).
الأغلوطة: ما يغلط به من المسائل؛ أفعولة من الغلط؛ كالأحدوثة، والأحموقة؛ ومنه قول حذيفة رضي الله عنه:(حدثته حديثا ليس بالأغاليط)، ويروى:(أنه نهى عن الغلوطات) جمع غلوطة، وهي المسألة التي يعيا بها المسئول؛ فيغلط فيها؛ كره صلى الله عليه وسلم أن يغالط بها العلماء؛ ليستنزلوا، ويستسقطوا بها عن رأيهم.
[178]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(تعلموا الفرائض والقرآن؛ فإني مقبوض). يذهب بعض الناس إلى أن المراد بـ (ألفرائض) في هذا الحديث- علم المواريث؛ ولا دليل معه في هذا التخصيص، والظاهر أن المراد منها: الفرائض التي فرضها الله تعالى على عباده، وإنما حث على هذين القسمين؛ لأن أحدهما: الوحى، والآخر: لا سبيل إلى معرفته إلا بالتوقيف من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتلقف القسمان إلا منه، فإذا قبض، لم يحصل الناس منهما على شيء بعده.
ومثل هذا: قوله في الحديث الذي يليه، وهو.
[179]
حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: (هذا أوان يختلس العلم من الناس).
أراد به علم الوحى، وكأنه صلى الله عليه وسلم لما شخص ببصره إلى السماء، كوشف باقتراب أجله؛ فاعلم الأمة أنه مقبوض، وأن علوم النبوة، ومعالم الكتاب والسنة، تقبض بقبضه، وتختلس باختلاسه.
[180]
ومنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل
…
الحديث).
وشك ذا خروجا، يوشك- بضم الشين فيهما- وشكا، أي: سرع؛ فهو وشك، ووشك البين: سرعة الفراق، وأوشك فلان يوشك إيشاكا، أي: أسرع السير، ومنه قولهم:(يوشك أن يكون كذا) أي: يقرب، والعامة تقول: يوشك- بفتح الشين- لغة رديئة.
والمعنى: يقرب أن يرحل الناس في طلب العلم؛ يقال: فلان تضرب إليه أكباد الإبل، أي: يرحل إليه في طلب العلم وغيره؛ وفي الحديث: (لا تضرب أكباد المطى إلا إلى ثلاثة مساجد).
ولم أجد أصحاب الغريب تعرضوا لتحقيق هذا القول، وكأن عبارة عن سرعة السير، وإدمان الإدلاج، والتأويب، وقطع الشقة الشاسعة حتى يستقر ذلك بالمطى؛ فتقطع أكبادها من قطع المسافة، وتذوب من طول السفر، وتمسها [39/ب] الأدواء من شدة العطش؛ فتصير كأنما ضربت أكبادها مكان ضربها على السير.
وفي إيراد هذا القول في هذا الموضع تنبيه على أن طلبة العلم أشد الناس حرصا، وأعزهم مطلبا؛ لأن الجد في طلب الشيء إنما يكون على قدر شدة الحرص، وعظم الرغبة، وعزة المطلوب.
وفي إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن عالم المدينة- سوى ما فيه من التوقيف على فضله- فائدة أخرى، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم أصحاب يتفرقون بعده في أقطار الأرض؛ فينشر كل واحد منهم ما انتهى إليه من علوم الوحى في الأرض التي سكن فيها فيتأهب طلاب العلم للنهوض إلى كل صقع من أصقاع الأرض، ويترحل سكان المدينة إلى تلك البلاد؛ فأعلمهم صلى الله عليه وسلم عن حال عالم المدينة؛
لئلا تسول لهم أنفسهم الخروج عنها بعلة طلب العلم، بل تستقر فتجمع بين الفضيلتين: طلب العلم، والتلبث بحرم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما ما ذكره الشيخ أبو محمد في كتابه عن ابن عيينة؛ أنه قال: (هو مالك)، وعن عبد الرزاق؛ أنه قال:(هو العمري الزاهد)؛ فإن ذلك محمول منهما- رحمة الله عليهما- على غلبة الظن دون القطع به فقد كان مالك- رحمه الله عليه- حقيقا بمثل هذا الظن؛ فإنه كان إمام دار الهجرة المرجوع بها إليه في علم الفتيا، وكذلك العمرى الزاهد- رحمه الله وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان يسيح مدة، وكان من عباد الله الصالحين المشائين بالنصيحة في عباده وبلاده. ولقد بلغنا أنه كان يخرج إلى البادية؛ ليتفقد أحوال أهلها شفقة منه عليهم، وأداء لحق النصيحة فيهم، فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويعرف الجاهل حقوق ربة، ويبصره بمعالم دينه، وكان يقول لعلماء المدينة:(شغلكم حب الجاه، وطلب الرياسة، عن توفية العلم حقة في إخوانكم من المسلمين؛ تركتموهم في البوادي والفلوات يعمون في أودية الجهل، ومتيهة الضلال) أو كلاما هذا معناه.
قلت: ولو جاز لنا أن نتجاوز الظن في مثل هذه القضية، لكان قولنا:(إنه عمر) أولى من قوله: (إنه العمرى)، مع القطع به؛ فلقد لبث بالمدينة أعواما يجتهد في تمهيد الشرع، وتبيين الأحكام، ولقد شهد له أعلام الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- بالتفوق في العلم حتى قال ابن مسعود- رضي الله عنه[40/أ] وهو أحد فقهاء الصحابة؛ بل واحدهم، ثم هو من النجباء الفضلاء- يوم استشهد عمر رضي الله عنه:(لقد دفن بموته تسعة أعشار العلم).
[182]
ومنه: حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من خلف عدوله
…
الحديث).
(من هذا العلم): إشارة إلى جنس العلم الذي انتهى منه صلى الله عليه وسلم إلى الأمة، وهو: علم الكتاب والسنة.
و (من كل خلف عدول) أي: من كل قرن يخلف من قبله، وهو بتحريك اللام، وقد رواه بعض من لم يتقنه بسكون اللام؛ فأخطأ فيه وأزال الخبر عن جهته، وقد ذكرنا الفرق بين اللفظين؛ فلا نرى أن نعيده.
وأما معنى (تحريف الغالين): فإن الغلو هو التجاوز عن القدر، والغالي هو الذي يتجاوز في أمر الدين عما حد له وبين؛ قال الله:{لا تغلوا في دينكم} ؛ فالمبتدعة غلاة في الدين يتجاوزون في كتاب الله وسنة رسوله عن المعنى المراد يحرفونه عن جهته.
وأما معنى (انتحال المبطلين): فإن الانتحال ادعاء قول أو شعر يكون قائله غيره، وفلان ينتحل مذهب كذا، وقبيلة كذا: إذا انتسب إليه: فالمعنى: أن المبطل إذا انتحل قولا من علمنا؛ ليستدل به على باطله، واعتزى إليه ما لم يكن من نفوا عن هذا العلم قوله ونزهوه عما ينتحله.
قلت: وتقول العرب: نحلته القول أنحله نحلا- بالفتح: إذا أضفت إليه قولا قاله غيره، وادعيته عليه، فلو وجدنا (انتحل) في الاستعمال بمعنى (نحل) - لذهبنا في معناه إلى الوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتزاء ما قاله غيره إليه، وهذا من أولى المعاني بهذا القول إن وجد له سناد من كلام العرب، والله أعلم [40/ب].