الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحديث مصعب يأوله من أبى النسخ على أنهم كانوا يضعون الأيدي قبل الركب من غير أن يأمروا به؛ فأمروا بوضع الركب قبل الأيدي، وقد يسأل عن حديث أبي هريرة- رضي الله عنه فيقال كيف نهى عن بروك البعير ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين والبعير يضع يديه قبل البروك؛ فالجواب أن الركبة من الإنسان في الرجلين ومن ذوات الأربع في اليدين، فالإنسان إذا وضع ركبتيه قبل يديه كان كالبعير الذي يبرك على ركبتيه.
ومن
باب التشهد
(من الصحاح)
[617]
حديث عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه (كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا السلام على الله قبل عباده
…
الحديث) السلام بمعنى السلامة، ومنه دار السلام وهما مصدران كالمقام والمقامة، والسلام اسم
من أسماء الله. قال بعض أهل العلم أي ذو السلام لأنه هو الذي سلم من كل عيب وآفة ونقص وفناء وأتى بنظائره من كلامهم كقولهم رجل مال أي ذو مال.
قلت وأرى بين الصيغتين بونا وهو أن السلام صفة ذات ولا كذلك رجل مال، وأية حاجة بنا إلى هذا التقدير وقد وجدنا العرب يضعون المصادر موضع الأسماء ويصفون بها، لاسيما إذا أرادوا المبالغة فإنه هو السلام وصف مبالغة في وصف كونه سليما من النقائص أو في إعطائه السلامة.
وقد اختلف الأقاويل في معنى قولنا (السلام عليك) فمن قائل إن معناه الإعلام لصاحبه بالسلامة من ناحيته والأمن من شره وغائلته، ومن قائل إن معناه الدعاء أي سلمت من المكاره، ومن قائل: إن معناه اسم السلام عليك كأنه تبرك عليه باسم الله.
قلت وأمثل هذه الوجوه الثلاثة أن يحمل (88/أ) كل على معنى الدعاء؛ لأنا إذا ذكرنا السلام لم يكن لنا أن نذهب إلى أن معناه اسم الله عليك، وبالتنكير ورد التنزيل؛ قال الله سبحانه {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} وإذا قلنا: السلام علينا أو سلمنا به على بعض الأموات لم يكن لنا أن نذهب إلى أن المراد منه هو الإعلام بالسلامة؛ فإن ذلك إنما يصح في حق الغير من الأحياء، فالوجه فيه أن نقول هو دعاء بالسلامة لصاحبه من آفات الدنيا ومن عذاب الآخرة، وضعه الشارع موضع التحية والبشرى بالسلامة وأمارة للسلم بين الداعي والمدعو له؛ ثم إنه اختار لفظ السلام وجعله تحية لأهل ملته لما فيه من المعاني ولأنه مطابق للسلام الذي هو اسم من أسماء الله تيمنا به وتبركا.
وفيه (لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام) وجه النهي بين ظاهر؛ وذلك لأن الله عز وجل هو المرجوع إليه بالمسائل المتوسل إليه بالدعاء المتعالي عن المعاني التي ذكرناها في التسليم فأنى يدعى له وهو
المدعو على الحالات، وكيف يتقرب إليه بما هو المسئول عنه على العلات، ولأي معنى يطلق عليه ما يستدعيه حاجة المفطورين وتقتضيه نقائص المربوبين.
وفي قوله (فإن الله هو السلام) تعليل للنهي أي هو الذي يعطي السلامة ويقررها وإليه المرجع في ذلك فنزهوه عن نعت هو الغني عنه ونحن الفقراء إليه.
وفيه (التحيات لله) قيل: أي الملك لله، والتحية: الملك، قال الشاعر:
ونال التحية من نالها
وإنما قيل للملك التحية؛ لأنهم كانوا يخصون الملوك بتحية مخصوصة بهم كقولهم أبيت اللعن واسلم وأنعم، فلما كان الملك موجبا للتحية المخصوصة المذكورة على نعت التعظيم سمي بها وإنما جمعت على إرادة الاستيعاب لجماع الممالك وسائر النعوت المشعرة بالعظم والجلال وليس المراد منها الألفاظ التي كانوا يخاطبون بها الملوك بعينها؛ لأن فيها ما لا يصح إطلاقا على الله كقولهم: عش ألف سنة واسلم وانعم، بل المراد منها المعاني التي ذكرنا وهذا المذكور زبدة ما أورده أصحاب الغريب في بيانه، ولا مسلك- في إيضاح معناها مع وجازة اللفظ - أقوم من هذا.
وقد ذكر أبو عبيد الهروي عن ابن الأنباري وجهين آخرين لا يعتد بهما من تدبرهما:
أحدهما: قوله (التحيات لله) أي البقاء لله يقال حياك الله أي أبقاك. قلت: وهذا لو كان التحية مكان التحيات، فأما تأويل التحيات على معنى البقاء [88/ب] فإن الجمع يخلو إذا عن الفائدة ثم إن بقاء الله سبحانه ديمومي سرمدي لا يعتوره الأزمنة والساعات ولا يطلق عليه الجمع والتثنية.
والثاني: قوله التحيات لله أي السلام على الله، وهذا قول مردود عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم في أول هذا الحديث لا تقولوا السلام على الله.
وفيه و (الصلوات) قيل: أي الترحم لله وفائدة الجمع في هذا التفسير أيضا غير مرعية وإنما معناها- والله أعلم- العبادات لله أي هو المستحق لسائر العبادات التي تعظم بها المعبود ويتقرب بها إليه على تنوعها وتباين أوصافها.
وفيه و (الطيبات) أي الكلمات المحتويات على بيان التقديس والتنزيه وحسن الثناء على الله. وقيل الطيبات من القول مصروفات إلى الله.
وفيه (السلام علينا) أي اسم الله علينا، أو السلامة وهي التخلص من الآفات وذلك أشبه؛ لأنهم كانوا يحيون به قبل الإسلام علامة للمسالمة، وكانوا يحيون أيضا بغير السلام، بل كان السلام أقل وغيره الأكثر والأغلب فلما جاء بالسلام قصروا عليه ومنعوا مما سواه من تحايا الجاهلية؛ لاشتماله على المعاني التي ذكرناها. وإيراده على صيغة التعريف أتم لفظا وأبلغ معنى، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث (السلام
عليك)، (السلام علينا) ثم إن التشهد وإن اختلف في بعض ألفاظه عن جمع من الصحابة فإن أصحه إسنادا وأشهره رجالا وأكثره اختيارا من العلماء تشهد ابن مسعود- رضي الله عنه ثم إن في سائر روايات التشهد المعتد بها السلام بالألف واللام كما في رواية عبد الله بن عباس- رضي الله عنه وذلك في الحديث الذي يتلو هذا الحديث وهو أيضا حديث صحيح، فإن قيل كل ما ورد به التنزيل فهو على نعت التمام والبلاغة، لا ترجيح لبعضه على بعض، وقد ورد بهما التنزيل في قصة يحيى وقصة عيسى- عليهما السلام؛ فالجواب أن الأظهر أنهما في التنزيل على معنى الإخبار أي سلمني الله من الآفات حيا وميتا، لا على معنى التحية، ويبعد أيضا أن يكون على معنى الدعاء لقوله (يوم ولد) والذي (
…
) إنما تحقق في الحالة المرجوة دون الواقعة الماضية ولو قدر أن يكون دعاء أو تحية لكان لنا أن نقول: قول عيسى- عليه السلام أتم وأبلغ لاحتوائه على المعاني التي ذكرناها وخلو الآخر عن أكثرها.
وبعد فهذه كلمات علمية وقعت في الذهن فأحببت إيرادها نظرا إلى اختيار أبلغ اللفظين وأتم الروايتين فمن حمله على العصبية التي ابتلي بها القاصرون من أهل المذاهب فالله بيني وبينه وهو حسبي ونعم الحسيب.
[623]
ومنه: (89/أ) قول ابن مسعود- رضي الله عنه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف). المراد من الركعتين الأوليين الأولى والثالثة من كل صلاة رباعية فهما الأوليان من كل ركعتين يقع الفاصل بينهما بالتشهد أي لم يكن يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين حتى ينهض قائما وإنما ذكر ذلك الصحابي في الرباعية ما يكون ركعتين أو ثلاثا اكتفاء بذكر الأولى من كل ركعتين والرضف الحجارة المحماة يوغر بها اللبن واحدها رضفة وإنما ذكر الرضف للمبالغة في الاستيفاء ولأن أحدا لا يكاد يتلبث على الرضف.