الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطبقة الثانية:
من كَانَ في عصر هؤلاء لكنه لم يسمع من أحد من التابعين: كآدم بن أبي إياس، وسعيد بن أبي مريم، وأبي مُسْهِر عبد الأعلى بن مُسْهر، وغيرهم من أصحاب ابن أبي ذِئب والأوزاعي وشُعبة ونحوهم.
المرتبة الثالثة:
وهم جُلُّ مشايخه مَن سمع مِنْ أعيان أتباع التابعينَ، وهي المرتبة الوسطى، وقد شاركه مسلمٌ في هذه الطبقة: كأحمد بن حَنْبل، ويحيي بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن رَاهَويه، وأبي بكر وعُثْمَان ابني أبي شيبة، وأشباههم من أصحاب حَمَّاد بن زيد، والليث بن سعد، وابن عُيَيْنَة، وابن المُبَارك وغيرهم.
المرتبة الرابعة:
رُفقَاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلًا: كمحمد بن عبد الرحيم صَاعقة، وَمُحَمَّد ابن يحيى الذُهلي، وعبد بن حُمَيد وأمثالهم.
المرتبة الخامسة:
قوم في عِداد طلبته في السِّنِّ والإسناد، أخذ عنهم ما ليس عنده: كعبد الله بن حَمَّاد الآمُلي، وعبد الله بن أبي القاضي، وحُسين بن مُحَمَّد القَبَّاني، ونحوهم.
فقد رُوي عن وكيع أنه قَالَ: لا يكون الرجل عالِمًا حَتَّى يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه.
وإنما قصدت بتمييز طبقات مشايخه؛ لأنه قد يظن من يعرف أنه يروي عن أتباع التابعين حيث يروي روايته عمن هو أصغر منه أن في الإسناد غلطًا أو عكس ذَلكَ، فإذا عَرَف ما حقَّقتُ انتفت عنه الرِّيبة.
*
ذكر سيرته وشمائله وزهده وفضائله:
قَالَ مُحَمَّد بن أبي حاتم الوراق: سمعت أحْمَد بن حفص (1) يقول: دخلتُ عَلى إسماعيل والد البُخَاريّ بيته عند موته فقال: لا أعلمُ في مالي درهما من حرام ولا درهمًا من شُبهة.
(1) في الحاشية في نسخة: "جعفر". راجع: "سير أعلام النبلاء"(12/ 447)، وفيه "أحْمَد بن حفص"، وكذا في "فتح الباري".
وروى غنجار من طريق بكر بن منير قَالَ: حُمل إلَى مُحَمَّد بن إسماعيل بضاعة، فاجتمع به بعض التجار، فطلبوها منه بربح خمسة آلاف، فقال لهم: انصرفوا الليلة، فجاءه من الغد تجار آخرون فطلبوا منه البضاعة [9/ أ] بربح عشرة آلاف، فردَّهم وَقَالَ: إني نويتُ البارحة أن أدفع إلَى أولئك ما طلبوا، ودفعها إلَى الأولين، وَقَالَ: لا أحب أن أنقض نيتي.
وَقَالَ مُحَمَّد الوراق: كنتُ مع البُخَاريّ بفَربر وهو يصنف كتاب التفسير، فاستلقى يومًا، وكان قد أتعب نفسه في ذَلِكَ اليوم في التخريج، فقلت له: إني أراك تقول: ما أثبت شيئا بغير علم، فما الفائدة في الاستلقاء؟ قَالَ فكدَت (1)، وإن هذا ثغر، وكنت قد أتعبت نفسي، فخشيت أن يحدث حَدَثٌ من أمر العدو، فأحببتُ أن أستريح وآخذ أهْبَةً، فإن غافصنا (2) عدو كَانَ بنا حِرَاك، قَالَ: وكان يركب إلَى الرمي كثيرًا فما أَعْلَمني في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، بل كَانَ يُصيب في كُل ذَلِكَ ولا يُلْحَق (3).
قَالَ: وسمعته يقول: دعوت ربي مرتين فاستجاب لي -يعني: في الحال- فلا أحبُّ أن أدعو بَعْدُ فلعله يُنْقِص حسناتي.
قال: وسمعته يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة إن شاء الله فقلتُ له: إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ، ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقالى: إنما روينا ذَلِكَ رواية، لم نقله من عند أنفسنا، وإنما قاله من قاله عَلى سبيل النصح.
قَالَ: وسمعته يقول: ما اغتبتُ أحدًا قط منذ علمت أن الغيبة حرام.
وقَالَ بكر بن منير: كَانَ مُحَمَّد بن إسماعيل يُصلي ذات يوم، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قَالَ: انظروا أي شيء هذا الَّذِي آذاني في صلاتي؟ فنظروا فإذا الزنبور قد وَرَّمَه في سبعة عشر موضعًا ولم يقطع صلاته.
(1) كذا في الأصل، وهي في "تاريخ بغداد"، و"تهذيب الكمال"، و"سير أعلام النبلاء":"أتعبنا أنفسنا اليوم"، وفِي "هدي الساري":"أتعبتُ نفسي اليوم"، فلعلها تصحفت من كلمة "الكدّ".
(2)
غافصنا: غافصه: أخذه عَلى غرَّة.
(3)
"تاريخ بغداد"(2/ 14)، و"تهذيب الكمال"(24/ 448)، و"سير أعلام النبلاء"(12/ 444)، و"مقدمة فتح الباري"(504).
قَالَ وراقه: وكان كثير الإحسان إلَى الطلبة، مفرط الكرم، قليل الأكل جدًّا.
قَالَ: وسمعته يقول: كنت أسْتَغِلُّ في كل شهر خَمسمائة فأنفقها في الطلب، وما عند الله خير وأبقى.
وحكى أبو الحسن يوسف بن أبي أحْمَد البُخَاريّ أن مُحَمَّد بن إسماعيل مرض، فعرضوا ماءه عَلى الأطباء، فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى، فإنهم لا يأتدمون، فصدقهم وقَالَ: لم أأتدم منذ أربعين سنة، فسئل عَلى أن يستعمل الأدم بعد ذَلكَ فامتنع، فألح عليه المشايخ، فأجابهم أن يأكل مع الخبز سُّكَّرَة (1).
وَقَالَ [9/ ب] الحاكم: أَخْبَرَني مُحَمَّد بن خالد، ثَنا مُسَبِّح بن سعيد، قَالَ: كَانَ البُخَاريّ إذا حضر رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة عشرين آية إلَى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلَى الثلث، وكان يختم كل يوم ختمة عند الإفطار.
وقَالَ وراقه: كَانَ يُصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، ويقوم في الليل مرارًا يأخذ القَدَّاحة فيوري نارًا بيده ويسرج، ويخرج أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه، ربما فعل ذلِكَ في الليلة الواحدة عشرين مرة، فقلتُ له: ألا (2) توقظني؟ فقال: أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك.
وَقَالَ مُحَمَّد بن منصور: كنا في مجلس البُخَاري، فرفع إنسان من لحيته قذاة فطرحها، قَالَ: فرأيته ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفلوا أخذها فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد أخرجها فطرحها عَلى الأرض.
وَقَالَ الحسن بن مُحَمَّد السمرقندي: كانت فيه ثلاث خصال: كَانَ قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس.
(1) السُّكَّرة: الواحدة من السُّكر، وهو رطب طيب، وعنب يصيبه المرق فينتثر فلا يبقى في العنقود إلا أقله، وعناقيده أوساط، وهو أبيض رطب صادق الحلاوة عذب من طرائف العنب، ويزبب أيضًا. وراجع:"لسان العرب"، و"القاموس المحيط".
(2)
في الحاشية نسخة أخرى: "لِمَ لَا".