الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
9 - باب: حَلاوة الإيمَانِ
16 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّابِ الثَّقَفِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أيوبُ، عَنْ أَبِي قِلابةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"ثَلاثٌ مَن كُن فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُوله أَحَبَّ إِلَيْهِ مِما سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّه إلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ".
قوله: (باب حلاوة الإيمان) مقصود المصنف أن الحلاوة من ثمرات الإيمان، ولما قدم أن محبة الرسول من الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذَلِكَ.
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن المثنَّى) هو أبو موسى العَنَزِي -بفتح النُّون بعدها زاي-.
(قَالَ: حَدَّثنا عبد الوهَّاب)[56/أ] هو ابن عبد المجيد.
(قَالَ: ثَنَا أَيُّوب) هو ابن أبي تَمِيمَة السَّختِيَاني بفتح السين المهملة عَلى الصحيح، وحكي ضمها وكسرها.
(عن أبي قِلابة) بكسر القاف وبباء موحدة.
قوله: (ثلاث) هو مبتدأ والجملة الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأن التنوين عِوَض المضاف إليه، فالتقدير: ثلاث خصال، ويحتمل في إعرابه غير ذلِكَ.
قوله: (كُنَّ) أي: حَصَلْنَ، فهي تامة.
وفِي قوله: "حلاوة الإيمان" استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلِكَ الشيء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلَى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض (1) يجد طعم العسل مُرَّا والصحيح يذوق حلاوته عَلى ما هِيَ عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما نقص ذوقه بقدر ذلكَ، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوي استدلال المصنف عَلى الزيادة والنقص.
(1) في "الفتح": "المريض الصفراوي".
قوله: (أحب إليه) منصوب، قَالَ البيضاوي: المراد بالحب هُنَا: الحب العقليّ الَّذِي هو إتيان ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كَانَ عَلى خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلَّا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذَلِكَ؛ تَمرن عَلى الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويَلْتَذُ بذلك التِذَاذًا عقليا، إذ الالتذاذ العقليّ إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهرت اللذات المحسوسة.
قَالَ: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله وأن لا مانح ولا مانع سواه في الحقيقة، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الّذِي يبين له مراد ربه؛ اقتضى ذَلِكَ أن يتوجه بكليته نَحوه، فلا يحب إلَّا ما يحب، ولا يُحب من أحب إلَّا من أجله، وأن يتيقن أن جُملة ما وعد وأوعد حق تيقنًا يخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النَّار. انتهى ملخصًا.
وشاهد [56/ب] الحديث من القرآن قوله تعالَى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} ، إلى أن قَالَ:{أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، ثم هدد عَلى ذَلِكَ وتوعد بقوله:{فَتَرَبَّصُوا} [التوبة: 24].
* فائدة:
فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالأول من الأول، والآخر من الثاني.
وَقَالَ الشيخ مُحيي الدين النووي: هذا حديث عظيم، أصل من الدين، ومعنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلِك عَلى أعراض الدُّنْيَا، ومحبة العبد لله بفعل طاعته وترك مُخالفته وكذلك الرسول، وإنما قَالَ:"مما سواهُمَا"، ولم يقل:"ممن" ليعم من يعقل ومن لا يعقل.
وَقَالَ: وفيه دليل عَلى أنَّه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال:"ومن يعصهما": "بئس الخَطيب أَنْتَ"(1)؛ فليس من هذا؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز من اللفظ ليُحفظ، ويدل عليه [أن] (2) النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حيث قاله في موضع آخر قَالَ:"ومن يعصهما فلا يضر إلَّا نفسه"(3).
واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أَيضًا في حديث خطبة النكاح.
وأجيب: بأن المقصود في خطبة النكاح أَيضًا الإيجاز فلا نقض، وثَم أجوبة أخرى: منها: دعوى الترجيح، فيكون خبر المنع أولَى؛ لأنَّه عام والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنَّهُ ناقل والآخر مبني عَلى الأصل، ولأنَّهُ قول والآخر فعل.
ورُدَّ بأن احتمال التخصيص في القول أَيضًا حاصل وليس فيه صيغة عموم أصلًا.
ومنها: دعوى أنَّه من الخصائص، فيمتنع من غير النَّبِي صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذَلِكَ، وإلى هذا مال ابن عبد السلام.
ومنها: دعوى التفرقة بوجه آخر: وهو أن كلامه صلى الله عليه وسلم هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المُضْمر، وكلام الَّذِي خطب جملتان لا تكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر.
وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يُكره إقامة الظاهر فيهما مقام المُضمر أن تُكره إقامة المُضْمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرّد عَلى الخَطيب مع أنَّه هو صلى الله عليه وسلم جمع كما تقدم.
ويُجاب: بأن قصة الخَطيب -كما قلنا- ليس فيها صيغة عموم، بل هِيَ واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلِكَ المجلس من يُخشى عليه توهم [57/ أ] التسوية كما تقدم.
(1) أخرجه مُسْلِم في "صحيحه"(كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة) برقم (870).
(2)
مكانها بياض في الأصل، والمثبت من الفتح.
(3)
أخرجه أبو داود في "السنن"(كتاب الصلاة، باب: الرَّجل يخطب عَلى قوس) برقم (1097)، وفِي (كتاب النكاح، باب: في خطبة النكاح) برقم (2119) من حديث عبد الله بن مسعود.
ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخَطيب: أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلَى أن المُعتبر هو المجموع المركب من المَحَبَّتين لا كل واحدة منهما، فإنَّها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذَلكَ، ويُشير إليه قوله تعالَى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]. فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد لله ومحبة الله للعباد.
وأمَّا أمر الخَطيب بالإفراد؛ فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، يُشير إليه قوله تعالَى:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. فأعاد {وَأَطِيعُوا} في الرسول ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي. وهنا أجوبة أخرى لم أذكرها؛ لأنها [لا](1) ترتضى، والله أعلم.
قوله: (وأن يُحب المرء) قَالَ يحيى بن مُعاذ: حقيقة الحب في الله ألَّا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء.
قوله: (وأن يكره أن يعود في الكفر) زاد أبو نُعيم في "المستخرج" من طريق الحسن بن سُفْيَان، عن مُحَمَّد [بن] (2) المُثَنى شيخ المصنف:"بَعد إذ أنقذه الله"، وكذا هو في طريق أخرى للمصنف (3)، والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد عَلى الإِسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلَى نور الإيمان، كما وقع لكثير من الصَّحَابَة، وَعَلى الأول فيحتمل قوله:"يعود" عَلى معنى الصَّيْرورة بخلاف الثاني فإن العود فيه عَلى ظاهره.
فإن قيل: فلِمَ عَدَّى "العود" بـ"في" ولَم يعده بـ"إِلَى"؟
(1) ساقطة من الأصل، وزدناها لينضبط بِها الكلام.
(2)
ساقطة من الأصل، وزدناها من "الفتح".
(3)
"صحيح البُخَارِيّ"(كتاب الإيمان، باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النَّار) برقم (21)، وكذلك في (كتاب الأدب، باب: الحب في الله) برقم (6041).
فالجواب: أنَّه ضمنه معنى الاستقرار، كأنه قَالَ: يستقر فيه، ومثله قوله تعالَى:{وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا} [الأعراف: 89].
* تنبيه:
هذا الإسناد كله بصريون، وأخرجه المصنف بعد ثلاثة أبواب من طريق شُعبة، عن قَتادة، عن أنس (1)، واستدل به عَلى فضل من أكره عَلى الكفر فترك التقِية إلى أن قُتِل، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله، ولفظ هذه الرواية:"وَحَتى أن يقذف في النَّار أحب إليه من أن يرجع إلَى [57/ب] الكفر بعد إذ أنقذه الله منه"(2). وهي أبلغ من لفظ حديث الباب؛ لأنَّه سَوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدُّنْيَا أوْلَى من الكفر الذِي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى، وكذا رواه مُسْلِم من هذا الوجه (3)، وصرح النَسَائي في روايته والإسماعيلي بسماع قتادة له من أنس (4)، والله الموفق.
وأخرجه النَسَائي من طريق طَلْق بن حَبِيب، عن أنس، وزاد فيه في الخصلة الثَّانية ذكر البغض في الله ولفظه:"وأن يُحب في الله ويبغض في الله"(5). وقد تقدم للمصنف في ترجمة: "والحب في الله والبغض في الله من الإيمان"(6)، وكأنه أشار بذلك إلى هذه الرواية، والله أعلم.
(1)"صحيح البُخَاري"(كتاب الإيمان، باب: من كره أن يعود في الكفر. . .) برقم (21).
(2)
برقم (6041).
(3)
"صحيح مُسْلِم"(كتاب الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان) برقم (43).
(4)
"سنن النَسَائي" في "الكبرى"(كتاب الإيمان وشرائعه، باب: حلاوة الإيمان)(6/ 527)، وفي "المجتبى" في نفس الكتاب والباب (8/ 96).
(5)
"سنن النَسَائي"في "الكبرى"(كتاب الإيمان وشرائعه، باب: طعم الإيمان)(6/ 527)، وفي "المجتبى" في نفس الكتاب والباب (8/ 94 - 95).
(6)
"صحيح البُخَاريّ"(كتاب الإيمان، الباب الأول).