الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
8 - باب: حُبُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الإِيمَانِ
14 -
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمانِ، قَالَ: أَخْبرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ".
قوله: (باب حب الرسول).
اللام فيه للعهد، والمراد: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرينة قوله: "حَتَى أكون [54/ ب] أحب"، وإن كانت محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: (شعيب) هو ابن أبي حَمزة الحِمْصِي، واسم أبي حَمْزَة: دِينار، وقد أكثر المصنف من تَخريج حديثه عن الزُّهْرِي وَأَبي الزِّنَاد.
ووقع في "غرائب مالك" للدارقطني إدخال رجل وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث، وهي زيادة شاذة، فقد رواه الإسْمَاعيلي بدونها من حديث مالك ومن حديث إبراهيم بن طَهْمَان، وروى ابن منده من طريق أبي حاتم الرَّازي، عن أبي اليَمَان شيخ البُخَاري هذا الحديث مصرحًا فيه بالتحديث في جَميع الإسناد (1)، وكذا للنسائي من طريق علي بن عَيَّاش، عن شُعَيْب (2).
قوله: (والَّذِي نفسي بيده) فيه جواز الحلف عَلى الأمر المهم توكيدًا وإن لم يكن هناك مُسْتَحْلِف.
قوله: (يؤمن) أي: إيمانًا كاملًا.
(1)"الإيمان" لابن منده (1/ 435).
(2)
"سنن النّسائي" في "الكبرى"(كتاب الإيمان وشرائعه، باب: علامة الإيمان)(6/ 534)، وفي "المجتبى" في نفس الكتاب والباب (8/ 115).
قوله: (أحب) هو أفعل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته عَلى خلاف القياس، وفصل بينه وبين مَعْمُوله بقوله:"إليه"؛ لأن الممتنع الفصل بأجنبي.
قوله: (من والده وولده) قدَّم الوالد للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد من غير عكس، وفِي رواية النّسَائي من حديث أنس تقديم الولد عَلى الوالد (1)، وذلك لمزيد الشَّفقة، ولم تختلف الروايات في ذَلِكَ في حديث أبي هريرة هذا، وهو من أفراد البُخاري عن مُسْلِم.
(1)"سنن النّسَائي" في "الكبرى"(كتاب الإيمان وشرائعه، باب: علامة الإيمان)(6/ 534)، وفي "المجتبى" في نفس الكتاب والباب (8/ 114 - 115).
15 -
أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَده وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
قوله: (أَخْبَرَنَا يعقوب بن إبراهيم).
هو الدَّوْرَقي، والتفريق بين "حَدَّثنَا" و"أنا"(1) لا يقول به المصنف كما يأتي في العلم (2)، وقد وقع في رواية أبي ذر:"ثَنَا يعقوب".
قوله: (وَحدَّثَنَا آدم) عطف الإسناد الثاني عَلى الأول قبل أن يسوق المتن فأوهم استواءهما، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه:"والناس أجمعين"، ولفظ عبد العزيز مثله إلا أنه قَالَ كما رواه ابن خُزَيْمَة في "صحيحه" عن يعقوب شيخ البُخَاريّ بهذا الإسناد:"من أهله وماله"، بدل:"من والده وولده"، وكذا لمسلم من طريق ابن عُلَيَّة (3)، وكذا للإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز ولفظه:"لا يؤمن الرجل" وهو أشمل من جهة، و"أحدكم" أشمل [من جهة](4)، وأشمل [55/أ] منها رواية الأصيلي:"لا يؤمن أحد".
فإن قيل: فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قَتَادة، وصنيع البُخَاري يوهم اتحادهما في المعنى وليس كذلك؟
فالْجَواب: أن البُخَاريّ يصنع مثل هذا نظرًا إلَى الحديث لا إلَى خصوص ألفاظه، واقتصر عَلى سياق قَتَادة لموافقته لسياق حديث أبي هريرة.
(1) اختصار: "أَخْبَرَنَا".
(2)
(كتاب العلم، باب: قول المحدث: حَدَّثَنَا، وَأخْبَرَنَا، وَأنْبَأَنَا).
(3)
"صحيح مُسْلِم"(كتاب الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم) برقم (44).
(4)
مكانها بياض بالأصل، والمثبت من الفتح.
ورواية شُعبة، عَنْ قَتَادة مأمون فيها من تَدْلِيس قَتَادة؛ لأنه كَانَ لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح في هذا الحديث في رواية النّسَائي (1).
وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى؛ لأنهما أعز عَلى العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضًا في حديث أبي هريرة.
وهل تدخل الأم في لفظ الوالد؟
إن أريد به من له الولد فنعم، أو يقال: اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذكر عَلى سبيل التمثيل، والمراد: الأَعِزة، كأنه قَالَ: أحب إليه من أَعِزَّته.
وذكر "الناس" بعد "الوالد والولد" من عطف العام عَلى الخاص، وهو كثير.
وهل تدخل النفس في عموم قوله: "والناس أجمعين"؟
الظاهر: دخوله، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام كما سيأتي (2).
والمراد بالْمحَبَّةِ هْنَا: حب الاختيار لا حب الطبع، قاله الخَطَّابي، وَقالَ النووي: فيه تلميِح إلَى قضية النفس الأَمارة والمطْمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة كَانَ حبه للنبي صلى الله عليه وسلم راجحًا، ومن رجح جانب الأمارة كَانَ حكمه بالعكس.
وفِي كلام القاضي عياض أن ذَلكَ شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال، وتعقَّبه صاحب المُفْهم بأن ذَلِكَ ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته. قَالَ: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذَلِكَ الميل لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يوميء قول عمر الَّذِي رواه المصنف في الأيمان والنذور من حديث عبد الله بن هشام: أن عمر
(1)"سنن النسائي" في "الكبرى"(كتاب الإيمان وشرائعه، باب: علامة الإيمان)(6/ 534)، في "المجتبى" في نفس الكتاب والباب (8/ 114 - 115).
(2)
"صحيح البُخاريّ"(كتاب الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم) برقم (6632).
ابن الخطاب قَالَ للنبي صلى الله عليه وسلم: لأنت يا رسول الله أحبُّ إليَّ من [كل](1) شيء إلا من نفسي. فقال: "لا [55/ ب]؛ والَّذِي نفسي بيده حَتَّى أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إليَّ من نفسي. فقال: "الآن يا عُمَر"(2). انتهى
فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط فإنها حاصلة لعمر قبل ذَلكَ قطعًا.
ومن علامة الحب المذكور: أن يعرض المرء عَلى نفسه أن لو خُيِّر بين فَقْد غَرَض من أغراضه أو فَقْد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كانت ممكنة، فإن كَانَ فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فَقْد شيء من أغراضه؛ فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا.
وليس ذلِكَ محصورًا في الوُجُود والفَقْد، بل يأتي مثله في نُصرة سنته، والذَّب عن شريعته، وقمع مُخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفِي هذا الحديث إيماء إلَى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تُعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فإذا حقق الأمر فيه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيره فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما عَلى وجوهه المختلفة حالا ومآلًا.
فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم الذِي أخرجه من ظلمات الكفر إلَى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب؛ علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السَّرْمَدِي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذِي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلكَ بحسب استحضار ذلكَ والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بِها أعلم، والله الموفق.
(1) سقطت من الأصل، وأثبتناها من "الفتح".
(2)
"صحيح البُخَاري"(كتاب الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم) برقم (6632).