الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
10 - باب: عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ
17 -
حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْد الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسًا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأنصارِ، وآيَةُ النفاقِ بُغْضُ الأنصَارِ".
قوله: (باب) هو منوَّن، ولما ذكر في الحديث السابق ألَّا يحب إلا لله عقبة بما يُشير إليه من أن حب الأنصار كذلك؛ لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف وهو النصرة إنما هو لله تعالَى، فهم وإن دخلوا في عموم قوله:"لا يُحب إلا لله" لكن التنصيص بالتخصيص دليل العناية.
قوله: (حَدَّثَنَا أبو الوليد) هو الطيَالسي.
قوله: (جبر) بفتح الجيم وسكون الموحدة، وهو ابن عَتِيك الأَنْصَارِيّ، وهذا الراوي ممن وافق اسمه اسم أَبيه.
قوله: (آية الإيْمان) هو بهمزة ممدوة، وياء تحتانية مفتوحة، وهاء تأنيث، والإيمان مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جَميع الروايات في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد.
والآية: العلامة، كما ترجم به المصنف، ووقع في "إعراب الحديث" لأبي البقاء العُكْبري:"إنه الإيمان"(1). بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء، والإيمان مرفوع، وإعرابه: فقال: "إن" للتأكيد، و"الهاء" ضمير الشأن، و"الإيمان" مبتدأ وما بعده خبر، ويكون التقدير:[إن](2) الشأن الإيمان حب الأنصار، وهذا تصحيف منه، ثم فيه نظر من جهة المعنى؛ لأنَّه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار وليس كذلك.
(1)"إعراب الحديث"(ص 50).
(2)
سقطت من الأصل، والمثبت من "الفتح".
فإن قيل: واللفظ المشهور أَيضًا يقتضي الحصر، وكذا ما أورده المصنف في فضائل الأنصار من حديث البراء بن عازب:"الأنصار لا يحبهم إلَّا مؤمن"(1).
فالجواب عن الأول: أن العلامة كالخاصة تطرد ولا تنعكس [58/ أ]، وإن أُخِذ من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به.
والجواب عن الثاني: أن غايته ألَّا يقع حب الأنصار إلَّا لمؤمن، وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلِكَ، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم.
فإن قيل: فعلى الشق الثاني، هل يكون من أبغضهم منافقًا وإن صَدَّق وأقر؟
فالجواب: أن ظاهر اللفظ يقتضيه؛ لكنه غير مُراد، فيحمل عَلى تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة وهي كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَثر ذَلِكَ في تصديقه، فيصح أنَّه منافق، ويُقَرب هذا الحمل زيادة أبي نُعيم في "المستخرج" في حديث البراء:"من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم"(2).
ويحتمل أن يُقال: إن اللفظ خرج عَلى معنى التحذير فلا يُرَاد ظاهره، ومن ثَمَّ لم يقابل الإيمان بالكفر الذِي هو ضده، بل قابله بالنفاق، إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يُظهر الإيمان، أما من يُظهر الكفر فلا؛ لأنَّه مرتكب ما هو أشد من ذَلِكَ.
قوله: (الأنصار) هو جمع ناصر كأصحاب وصاحب، أو جمع نَصِير كأشراف وشريف. واللام: للعهد؛ أي: أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد: الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذَلِكَ يعرفون ببني قَيْلَة -بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة-، وهي الأم التِي تجمع القبيلتين، فسماهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: الْأَنصار، فصار ذَلِكَ علمًا عليهم، وأُطْلق أيضًا عَلى أولادهم وحلفائهم ومواليهم.
وخصوا بهذه المنقبة العُظْمَى لِمَا فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النَّبِي
(1)"صحيح البخَاري"(كتاب المناقب، باب: حب الْأَنصار) برقم (3783).
(2)
"مستخرج أبي نعيم"(1/ 156).
- صلى الله عليه وسلم ومن معه، والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إيّاهم في كثير من الأمور عَلى أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم جَميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض؛ فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حَتَّى جعل ذلِكَ آية الإيمان والنفاق تنويهًا بعظيم فضلهم وتنبيهًا عَلى كريم فعلهم، وإن كَانَ من شاركهم [58/ب] في معنى ذلِكَ مشاركًا لهم في الفضل المذكور كل بقسطه.
وقد ثبت في "صحيح مُسْلِم" عن علي: أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ له: "لا يُحبك إلَّا مؤمن، ولا يُبغضك إلَّا منافق"(1). وهذا جارٍ باطراد في أعيان الصَّحَابَة، لتحقق مشترك الإكرام، لما لَهم من حسن الغناء في الدارين.
قَالَ صاحب "المُفْهم": وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بُغْض لبعض، فذاك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذِي اقتضى المخالفة؛ ولذلك لم يحكم بعضهم عَلى بعض بالنفاق، وإنما كَانَ حالهم في ذَلِكَ حال المجتهدين في الأحكام: للمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، والله أعلم.
(1)"صحيح مُسْلِم"(كتاب الإيمان، باب: حب علي من الإيمان) برقم (78).