الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
24 - بَابٌ: عَلَامَات الْمُنَافِقِ
33 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
34 -
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ".
تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ.
قوله: (باب علامات المنافق) لما قدم [أن](1) مراتب الكفر متفاوتة وكذلك الظلم أتبعه بأن النفاق كذلك.
والنفاق لغة: مُخالفة الباطن للظاهر، فإن كَانَ في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك [76 / أ] ، وتتفاوت مراتبه.
قوله: (حَدَّثَنَا سليمان أبو الربيع) هو: الزَّهْرَاني، بصري نزل بغداد، ومن شيخه فصاعدًا [مدنيون](2).
و(نافع بن مالك) هو عم مالك بن أنس الإمام.
قوله: (آية المنافق ثلاث) الآية: العلامة، وإفراد الآية إما عَلى إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق بصنيع المؤلف، ولهذا ترجم بالجمع وعقب بالمتن الشاهد لذلك، وقد رَوَاهُ أبو عوانة في صحيحه بلفظ "علامات المنافق".
(1) زيادة من "الفتح".
(2)
مكانها بياض بالأصل، والمثبت من "الفتح".
فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث، فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ:"أربع من كن فيه" الحديث؟
أجاب القرطبي: باحتمال أنه استجد له صلى الله عليه وسلم من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده.
وأقول: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عَدّ الخصلة كونها علامة (1)، عَلى أن في رواية مُسْلِم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ما يدل عَلى إرادة عدم الحصر، فإن لفظه:"من علامة المنافق ثلاث"(2)، وكذا أخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي سعيد الخدري (3)، وإذا حُمل اللفظ الأول عَلى هذا لم يَرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر.
وَقالَ القرطبي أيضًا والنووي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال؛ لأنهما تواردتا عَلى الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، وزاد الأول الخُلْف في الوعد، والثاني الغدر في المُعاهدة، والفُجور في الخصومة.
قُلْتُ: وفِي رواية مُسْلِم للثاني بدل الغَدْر في المُعاهدة: الخُلف في الوعد كما في الأول (4)، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه؛ لأن معناهما قد يتحد، وَعَلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة، والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده، وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث.
ووجه الاقتصار عَلى هذه العلامات الثلاث؛ لأنها مُنبِّهة عَلى ما عداها؛ إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فنبه عَلى فساد القول بالكذب، وَعَلى
(1) كذا العبارة هنا، وفِي "الفتح": لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة عَلى كمال النفاق كونها علامة عَلى النفاق، لاحتمال أن تكون العلامات دالات عَلى أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلَى ذَلِكَ كمل بِها خلوص النفاق.
(2)
"صحيح مُسْلِم"(كتاب الإيمان، باب: بيان خصال المنافق) برقم (59)، ولفظه:"من علامات المنافق ثلاثة".
(3)
"المعجم الأوسط" برقم (2950)، ولفظه:"من أعلام المنافق إذا حَدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمنته خانك".
(4)
"صحيح مُسْلم"(كتاب الإيمان، باب: بيان خصال المنافق) برقم (58).
فساد الفعل بالخيانة، وَعَلى فساد النية بالخُلف؛ لأن خُلف الوعد لا يقدح إلا إذا كَانَ العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كَانَ عازمًا ثم عَرَض له مانع أو بَدَا لَهُ رأي فهذا لم توجد منه [76 / ب] صورة النفاق، قَالَه الغزالي في "الإحياء"(1).
وفِي الطبراني في حديث طويل ما يشهد له، ففيه من حديث سلمان:"إذا وعد وهو يُحدث نفسه أنه يُخْلِف"(2)، وكذا قَالَ في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أجمع عَلى تركه.
قوله: (إذا وعد) قَالَ صاحب "المُحْكَم": يُقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًا، فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وعدته، وفِي الشر: أوعدته. وحكى ابن الأعرابي في نوادره: أوعدته خيرًا بالهمزة. فالمراد بالوعد في الحديث: الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لم يترتب عَلى ترك إنفاذه مفسدة.
وأما الكذب في الحديث فحكى ابن التين، عن مالك أنه سُئل عمَّن جُرِّب عليه كذب فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله حدَّث عن عَيْش له سَلَفَ فبالغ في وصفه فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدَّث عن الأشياء بخلاف ما هِيَ عليه قاصدًا للكذب. انتهى
وَقَالَ النووي: هدا الحديث عَدَّه جماعة من العلماء مُشكلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجتمع عَلى عدم الحكم بكفره. قَالَ: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذِي قاله المحققون: أن معناه: أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه الخصال ومُتَخَلِّق بأخلاقهم.
قُلْتُ: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية عَلى المجاز، أي: صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو بناء عَلى أن المراد بالنفاق: نفاق الكفر.
(1)"إحياء علوم الدين"(كتاب شرح عجائب القلب، باب: بيان عظيم خطر اللسان وفضيلة الصمت)(3/ 133).
(2)
"المعجم الكبير"(6/ 270).
وقد قيل في الجواب عنه: أن المراد بالنفاق: نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ارتضاه القرطبي، واستدل له بقول عمر لحذيفة:"هل تعلم فِيَّ شيئًا من النفاق؟ "، فإنه لم يُرد بذلك: نفاق الكفر، وإنما أراد: نفاق العمل، ويؤيده وصفه [بالخالص] (1) في الحديث الثاني بقوله:"كانَ منافقًا خالصًا".
وقيل: المراد بإطلاق النفاق: الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو مَن اعتاد ذَلِكَ وصار له دَيْدَنًا، قَالَ: ويدل عَليه التعبير بـ"إذا"، فـ"إذا" إنما تدل عَلى تكرر الفعل.
كذا قَالَ، والأولى ما قَالَ الكرماني إن حذف المفعول من:"حدَّث" يدل عَلى العموم إذا حدَّث [77 / أ] في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصرًا إذا وجد ماهية التحدث كذب، وقيل: هو محمولٌ عَلى من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كَانَ كذلك كَانَ فاسد الاعتقاد غالبًا.
وهذه الأجوبة كلها مبنية عَلى أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد، فقال: إنه وردت في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذَلكَ، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، والله أعلم.
قوله: (تابعه شعبة) وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم (2)، ورواية قَبِيصَة، عن سُفْيَان -وهو الثَّوْري- ضعفها يحيى بن مَعين، وَقَالَ الشيخ محيي الدين: إنما أوردها البُخَاريّ عَلى طريق المتابعة لا الأصالة.
وتعقبه الكرماني بأنها مُخالفة في اللفظ والمعنى فكيف تكون متابعة؟
(1) مكانها بياض بالأصل، والمثبت من "الفتح".
(2)
"صحيح البُخَاريّ"(كتاب المظالم، باب: إذا خاصم فجر) برقم (2459).
وجوابه: أن المراد بالمتابعة هنا: كون الحديث مخرجًا في صحيح مُسْلِم وغيره من طريق أخرى عن الثوري (1)، وعند المؤلف من طريق أخرى عن الأعمش منها رواية شعبة المشار إليها، وهذا هو السبب في ذكرها هنا، وكأنه فهم أن المراد بالمتابعة: حديث أبي هريرة المذكور في الباب وليس كذلك؛ إذ لو أراده لسماه شاهدًا، وأما دعواه أن بينهما مُخالفة في المعنى فليس بمُسَلَّم؛ لِمَا قررناه آنفًا، وغايته أن يكون في أحدهما زيادة وهي مقبولة؛ لأنها من ثقة متقن، والله أعلم.
* فائدة:
رجال الإسناد الثاني كلهم كوفيون إلا الصحابي وقد دخل الكوفة أيضًا.
(1)"صحيح مُسلِم"(كتاب الإيمان، باب: بيان خصال النفاق) برقم (58).
وأخرجه الترمِذيّ في "جامعه"(كتاب الإيمان، باب: ما جاء في علامة المنافق) برقم (2632).