المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فغرمه كَمَا لَو شهد على غَيره بِإِعْتَاق عَبده ثمَّ رَجَعَ - النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر - جـ ٢

[شمس الدين ابن مفلح]

الفصل: فغرمه كَمَا لَو شهد على غَيره بِإِعْتَاق عَبده ثمَّ رَجَعَ

فغرمه كَمَا لَو شهد على غَيره بِإِعْتَاق عَبده ثمَّ رَجَعَ عَن الشَّهَادَة وكما لَو أتْلفه ثمَّ أقرّ بِهِ وَقَالَ الشَّافِعِي فِي أحد الْقَوْلَيْنِ لَا يغرم للثَّانِي شَيْئا وَلنَا فِيمَا إِذا قَالَ غصبت هَذَا العَبْد من زيد لَا بل من عَمْرو وَجه لَا شَيْء لعَمْرو فَيلْزم هُنَا مثله وَأولى لِأَن أَبَا حنيفَة وَافق فِي صُورَة الْغَصْب وَقَالَ هُنَا إِن سلم الْغَيْر إِلَى الأول بِحكم حَاكم فَهِيَ لَهُ وَلَا شَيْء للثَّانِي لِأَن الْوَاجِب الْإِقْرَار وَقد أقرّ وَإِنَّمَا مَنعه الحكم من القَوْل وَهُوَ غير مُوجب الضَّمَان

‌فصل

قد عرفت من هَذِه الْمَسْأَلَة أَن الرُّجُوع عَن الْإِقْرَار بِغَيْر حد خَالص لله لَا يقبل وَهَذَا صَحِيح وَقطع بِهِ أَكثر الْأَصْحَاب وَقَالَ فِي الْمُغنِي لَا نعلم فِيهِ خلافًا لِأَنَّهُ حق ثَبت لغيره وَقدم هَذَا فِي الْمُسْتَوْعب وَالرِّعَايَة وَقدم أَبُو بكر فِي التَّنْبِيه أَن من أقرّ بِمَال أَو حد أَنه يقبل رُجُوعه تَسْوِيَة بَين الْحَقَّيْنِ

قَالَ السامري لما حكى فِي قبُول الرُّجُوع عَن الْإِقْرَار بالأموال وَجها لَا يجوز أَن يكون هَذَا مذهبا

قَوْله وَإِذا ادّعى رجل على رجل مائَة فَقَالَ نعم أَو أجل أَو صدقت أَو أَنا مقرّ بهَا أَو بدعواك فقد أقرّ بالمدعي

وَهُوَ وَاضح قَالَ تَعَالَى 7 44 {فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم} وَقيل لسلمان قد علمكُم نَبِيكُم كل شَيْء حَتَّى الخراءة قَالَ أجل وَكَذَا إِن قَالَ زَاد بَعضهم لعمري أَو لَا أنكر أَنا بِحَق فِي دعواك

ص: 415

وَقَوله إِذا ادّعى قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَا بُد أَن يكون بِصِيغَة الْخَبَر وَهُوَ إِنِّي أستحق عِنْده أَو لي عِنْده وَإِمَّا بِصِيغَة الطّلب وَهُوَ أَن يَقُول أَعْطِنِي انْتهى كَلَامه وَهُوَ ظَاهر فَإِنَّهُ إِذا قَالَ أَعْطِنِي مائَة قَالَ نعم لَا يلْزم أَن يكون مُسْتَحقّا عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْتَمل لذَلِك وللوديعة وَالْقَرْض وَغير ذَلِك فَإِذا قَالَ أَعْطِنِي عَبدِي هَذَا أَو أَعْطِنِي الْألف الَّذِي عَلَيْك قَالَ نعم كَانَ مقرا قطع بِهِ الشَّيْخ موفق الدّين وَغَيره لِأَنَّهُ تَصْدِيق لما ادَّعَاهُ لِأَن نعم مقررة لما سبقها وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو قَالَ خُذْهَا أَو خُذ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصِيغَة التَّصْدِيق وَإِنَّمَا هُوَ بذل مُجَرّد وَلَا يلْزم من بذل الْمُدعى بِهِ وُجُوبه وَلَا إِشْكَال

وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عقيب كَلَام الشَّيْخ موفق الدّين فِيهِ نظر فَإِن نعم هُنَا جَوَابا لطلب وَجَوَاب الطّلب الطَّاعَة والبذل وَفِي كَونه إِقْرَارا وَجْهَان فَإِن قَوْله هُنَا نعم لَا يزِيد على قَوْله خُذْهَا بل هُوَ إِلَى الْأَخْذ أقرب ومثاله الساعه أُعْطِيك أَو نعم أَنا أُعْطِيك أَو وكرامة وعزازة

وَأما كَون الطَّالِب وصفهَا بِأَنَّهَا عِنْده فَهَذَا لَهُ نَظَائِر فِي الطّلب استفهاما وأمرا مثل أَلِهَذَا الْعدْل عنْدك ألف أَو لهَذِهِ الْمَرْأَة الَّتِي طَلقتهَا عنْدك ألف وَقد أَبْرَأتك هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي طَلقتهَا من جَمِيع الدَّعَاوَى أَو تَقول هَذِه الْمُطلقَة قد أَبْرَأتك أتصدقها فَيَقُول نعم انْتهى كَلَامه

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين والنحويون يَقُولُونَ نعم جَوَاب الِاسْتِفْهَام وَلَكِن قد صَارَت فِي الْعرف بِمَنْزِلَة أجل كَمَا قد اسْتعْمل أجل جَوَاب الِاسْتِفْهَام انْتهى كَلَامه

وَهُوَ يَقْتَضِي أَن الْعرف يعْمل دون الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة وَلَعَلَّ مُرَاده فِي الْعَاميّ دون اللّغَوِيّ كَمَا هُوَ الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب فِي نَظَائِره

وَقد ذكر ابْن الْحَاجِب وَغَيره أَن نعم مقررة لما سبقها من الْكَلَام شَيْئا مثبتا

ص: 416

كَانَ أَو منفيا استفهاما كَانَ أَو خَبرا تَقول لمن قَالَ قَامَ زيد أَو مَا قَامَ زيد أَو لم يقم زيد نعم تَصْدِيقه لما قبله هَذَا بِحَسب اللُّغَة دون الْعرف أَلا ترى أَنه لَو قيل لَك أَلَيْسَ لي عنْدك كَذَا مَالا فَقلت نعم لألزمك القَاضِي بِهِ تَغْلِيبًا للْعُرْف على اللُّغَة

وَظَاهر هَذَا تَقْدِيم الْعرف مُطلقًا كَمَا هُوَ ظَاهر قَول الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَقَالَ فِي المغنى وَإِن قَالَ أَلَيْسَ لي عنْدك ألف قَالَ بلَى كَانَ إِقْرَارا صَحِيحا لِأَن بلَى جَوَاب للسؤال بِحرف النَّفْي قَالَ الله تَعَالَى 7 182 {أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} وَسَتَأْتِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كَلَام المُصَنّف

وَظَاهر هَذَا أَنه لَو قَالَ نعم لم يكن إِقْرَارا صَحِيحا لِخُرُوجِهِ عَن اللُّغَة وَقد ذكرُوا فِي قَوْله أَن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق بِفَتْح أَن هَل يكون شرطا أم لَا أم يفرق بَين الْمعاصِي وَغَيره كَمَا هُوَ الرَّاجِح وَكَذَا الْخلاف فِي غير هَذِه الْمَسْأَلَة

فَظهر من هَذَا أَن الْإِتْيَان بِحرف الْجَواب فِي غير مَحَله كنعم فِي الْجَواب الْمَنْفِيّ كَقَوْلِه أَلَيْسَ عنْدك كَذَا فَيَقُول نعم فِيهِ ثَلَاثَة أَقُول

قَوْله وَإِن قَالَ يجوز أَن يكون محقا أَو عَسى أَو لَعَلَّ أَو أَحسب أَو أَظن أَو أقدر

لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء تسْتَعْمل للاستهزاء وَلَعَلَّ وَعَسَى للترجي وللمستقبل وأظن وأحسب وأقدر وضعت للشَّكّ وَالْأَصْل بَقَاء بَرَاءَة الذِّمَّة

وَقَالَ القَاضِي فِي ضمن مَسْأَلَة فِيمَا أعلم فِيمَا أعلم لَا يمْتَنع أَن نقُول إِذا قَالَ لَهُ على ألف فِيمَا أَحسب وَفِيمَا أَظن أَنه يلْزمه

ص: 417

قَوْله أَو قَالَ خُذ أَو اتزن أَو احرز أَو فتح كمك لم يكن مقرا قطع بِهِ الْأَصْحَاب لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء تسْتَعْمل على سَبِيل الْبسط والمزح مَعَ احتمالها خُذ الْجَواب واتزن أَو احرز أَو افْتَحْ كمك لشَيْء آخر والذمة لَا تشتغل بِالِاحْتِمَالِ

وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الصَّوَاب أَن المفصول الْمَحْذُوف هُنَا هُوَ الدِّرْهَم على قِيَاس أصح الْوَجْهَيْنِ إِذا قَالَ أَنا مقرّ فَتكون كَالَّتِي بعْدهَا أَعنِي خُذْهَا يبْقى أَن مُجَرّد الْبَذْل هَل هُوَ إِقْرَار كَمَا لَو قَالَ أَعْطِنِي الْألف الَّتِي لَك الَّتِي لي عنْدك فَقَالَ نعم ففيهما إِذا ثَلَاثَة أوجه

قَوْله وَإِن قَالَ أَنا مقرّ أَو أَنا أقرّ أَو لَا أنكر إِلَى أَن قَالَ فَوَجْهَانِ

أَحدهمَا يكون مقرا لِأَن الظَّاهِر انْصِرَافه إِلَى الْمُدعى لوروده عقب الدَّعْوَى وَكَذَا الْخلاف إِن قَالَ أَقرَرت لِأَنَّهُ تَعَالَى اجتزأ مِنْهُم فِي كَونهم مقرين فِي الْآيَة بقَوْلهمْ {أقررنا} جَوَابا لقَوْله تَعَالَى {قَالَ أأقررتم} ثمَّ قَالُوا {أقررنا} وَلم يَقُولُوا أقررنا بذلك

وَالثَّانِي لَا يكون مقرا لاحْتِمَال مقرّ بِبُطْلَان دعواك أَو بِالْعقدِ أَو الشَّهَادَة وَنَحْوه لِأَن قَوْله أقرّ وعد بِالْإِقْرَارِ فِي الْمُسْتَقْبل فَهُوَ كَقَوْلِه سأقر بدعواك وَنَحْوه وَلم أجد فِي هَذَا الأَصْل خلافًا وَلَا يلْزم من عدم إِنْكَاره إِقْرَاره لوُجُود وَاسِطَة وَهِي السُّكُوت عَنْهُمَا مَعَ احْتِمَال لَا أنكر بطلَان دعواك وَقيل يكون مقرا فِي أَنا مقرّ فَقَط قواه بَعضهم

ص: 418