المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

- 13 - ‌ ‌حفار القبور ولعله نظم قصيدة " حفار القبور " - بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

[إحسان عباس]

الفصل: - 13 - ‌ ‌حفار القبور ولعله نظم قصيدة " حفار القبور "

- 13 -

‌حفار القبور

ولعله نظم قصيدة " حفار القبور " بعد نظمه قصيدة " فجر السلام " بقليل، أو ربما في إنشاء القصيدتين في وقت معا؛ وهو لم يذكر قصيدة " حفار القبور " بين القصائد التي احبها في تلك الفترة، لا لأنها ليست تمثل موقفا يساريا وحسب بين تلك القصائد، وإنما لأنها تمثل مشكلة في طريق تطوره الفني، وهي من هذه الناحية مقدمة لقصيدة " المومس العمياء " التي ستفضح ازدواجية السياب، وتكشف عن ضعف انتمائه اليساري عامة. كلتا القصيدتين ظاهرتين قائمتين؟ على شذوذهما - في المجتمع، وتحاولان الحديث عن الظاهرة النتيجة، ولعل الفرق بينهما هو ان " حفار القبور " تتحدث عن النتيجة دون أسبابها، وان " المومس العمياء " تتحدث عن النتيجة مع إرجاعها إلى أسباب ثانوية أو خاطئة.

وحين وقعت إلي قصيدة " حفار القبور " بعيد صدورها كتبت مراجعة عنها، منقطعة الصلة بتطور السياب الفني، وما يلابس حياته ومبادئه، ولما كان رأيي في ما قلته حينئذ لم يصبه تغير يذكر؟ لأني عرضت لمضمون القصيدة وحده - فأني أعيده هنا بشيء من الإيجاز: " حفار القبور هو الرجل الجائع الذي يموت إن لم يمت الناس، فهو يكره السلام ويتمنى الحرب ويمقت الكسل والخمول في عزرائيل

ص: 159

ومن اجل ذلك يتفنن في تصوراته التي تنعش له مهنته، ويتمنى على الله ان يبطش بالناس " نسل العار " ويهلكهم بالرجوم:

يا رب ما دام الفناء

هو غاية الأحياء فأمر يهلكوا هذا المساء

سأموت من ظمأ وجوع

أن لم يمت بعض الأنام

كل ذلك لأن حفار القبور لا وجود لصنعته إلا بوجود الحرب. غير انه حفار بوهيمي لا يكاد يجد المال في جيبه حتى يندفع به إلى الحانات ودور البغايا، وقد تركته مهنته فريسة للنزوات من كثرة ما دس في الثرى من أجسام فاتنة، وفي الفصل الأخير من قصة هذا الحفار الذي يعيش على غرائزه يدفن المرأة التي كانت تهبه جسدها ويسترد الأجر الذي دفعه لها:

ماتت كما ماتوا ووارها كما وارى سواها

واسترجعت كفاه من يدها المحطمة الدفينة

ما كان أعطاها؟

وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد

ويظل حفار القبور ينأى عن القبر الجديد

متعثر الخطوات يحلم بإلقاء وبالخمور

ان في هذه " الملحمة " معنى المأساة الكامنة في ضروب الصراع، فالحفار في صراع مع غرائزه، وشعوره مقسم بين الدعوة إلى الحرب والثورة عليها، وإذا شعر من نفسه بالوحشية لتمنيه الحرب والدمار اعتذر عن ذلك بقوله:

أنا لست أحقر من سواي

وان قسوت فلي شفيع؟. أني كوحش في الفلاة

ص: 160

لم اقرأ الكتب الضخام

وشافعي ظمأ وجوع

أوما ترى المتحضرين

المزدهين من الحديد بما يطير وما يذيع

أني نويت ويفعلون

والقاتلون هم الجناة وليس حفار القبور

وهو حفار كثير التردد بين عقله وغريزته، متلظى الهواجس؟. هو صورة أخرى من المومس التي تعيش أيضاً في صراع بين المبدأ والحاجة ثم تغلبها شهوة النفس على كل مبدأ ولعلها تتصور ان الفضيلة التي تكبح شهوات الناس هي سبب موتها فهي تطلب الحياة من طريقها السلبي. وليس من العبث أن عمد الشاعر إلى الربط بين الشخصيتين في " ملحمته " ربطا وثيقا فجعل الحفار يهلل لمقدم أحد الموتى بقوله:" ضيف جديد "! وجعل المرأة الخاطئة تردد القولة نفسها وهي تسمع طرقا على الباب. غير ان حفار القبور اكثر تورطا في أنواع الصراع من تلك المرأة وأقسى صورة منها وهو يسترد ما أعطاه لها حين يضعها في التراب، والمأساة الحقيقية ليست في مقدرات الحفار بل في تعاسة المرأة وليست في طبيعته الحيوانية بل في مهنته التي تضطره أحيانا ليدفن عمته أو أخته أو شخصا آخر كان حبيبا إليه.

ولست احب أن ابعد في الرمز فان من شاء أن يجد في شخصية الحفار معنى اعمق وجد، ولكني اعتقد أن الأستاذ السياب قد أسرف كثيرا في تصوير الشهوات حتى خيل إلى القارئ انه كان يريد ان يجعل قصيدته متنفسا للتعبيرات الشهوانية المحمومة؛ وهو قد أوقع نفسه في موقف لا إنساني حين جعل الحرب موضوعا للأخذ والرد وليس في الوجود ما يحسن الحرب من حيث المبدأ الإنساني العم حتى ولا منطق الوجود ما يحسن الحرب من حيث المبدأ الإنساني العام حتى ولا منطق الحفار القائم على جوعه وعوزه، لان الحرب في حقيقتها قد تأكل

ص: 161

الحفار قبل أن يهيئ له الطعام؟ وهي ناحية لم يلتفت إليها الشاعر - ولان الموتى في الحرب لا يدفنهم حفار بأجر - وهي ناحية أخرى من الواقع. فالروح المخربة التي تسكن في جسم ذلك الرجل؟ اعني الحفار - تجعلنا نضحي به من اجل المجموع وخاصة حين يكون الحفار رمزا للطاغية المستبد في الأمة يضحي بأبنائها من اجل أن يأكل، ويحفر في كل يوم قبرا أو قبورا ليداوي حمى الجشع في نفسه؛ ولقد كان في استطاعته الشاعر ان يتخذ من شخصية الحفار رمزا للقوى المتحررة لا لعبودية الغرائز.

و" ملحمة حفار القبور " تهم الذين يربطون بين الأدب والتحليل النفسي لأن فيها من صدق التصوير لبعض العقد الدقيقة ما يجعلها فريدة في هذا المجال ومن السهل أن يعثر فيها القارئ المدقق على فكرة " الولادة الجديدة " Re - birth التي يمثلها الإلحاح الشديدة في اعتصار الثديين ومنظر الدماء المعتصرة (ص15) والحفرة المعدة قبل الأوان لاستقبال العائدين إلى " رحم التراب "؛ وفي هذه الملحمة ثورة نفسية عاتية على الأبوة؟ أو على الأب بتعبير أدق - ولكن مما يخفف منها أحيانا خضوع شخصية الحفار لغرائزه وجوعه وجهله، ونستطيع ان نجد هذه الثورة في مواقف كثرة من الملحمة، وخاصة وان الشخص الأخير الذي واراه الحفار في النهاية هو " الأنثى المظلومة "؟ رمز الأمومة - التي تكون فريسة له مرتين: حين يشتري جسدها بالنقود وحين يسترد نقوده منها. وقد كان من آثار هذه الثورة أن مضى الحفار عنا ونحن لا نعطف على وجوده، وظل في النهاية حيا ليظل نفورنا منه حيا، وماتت المرأة المظلومة قبله لتثير فينا شيئا من الأسى على مصيرها التعس " (1) .

(1) مجلة الأديب (1954) .

ص: 162

لعل القارئ قد لمح في هذه المراجعة أني تجنبت الحديث عن بناء القصيدة وانني جعلت اكثر الحديث متصلا بشخصية الحفار، ثم ألمعت في سرعة إلى بعض التفسيرات النفسية التي قد تطبق على القصيدة والى انه قد يكون لها محمل رمزي، وان كنت أوثر أن آخذها على وجهها الظاهري دون لجوء إلى الرمز. واليوم؟ وبعد سنوات على كتابة هذه المراجعة - اعود إلى القصيدة مفصلا لا مجملا، جاعلا القصيدة (بعد أن تجوزت في تسميتها ملحمة) في موقعها الصحيح من حياة الشاعر وتطوره الفني.

وأول سؤال خطر لي هو: هل كان من حق هذه القصيدة ان تنظم؟ ولست أسرع إلى الإجابة على هذا السؤال، لأن معظم ما سأكتبه من بعد يصلح جوابا عليه؛ ولكني أحب أن يظل القارئ واعيا بحقائق هامة تعد مقدمة للحديث عن القصيدة وهي أن السياب كان في تلك الفترة يعاني الضياع في شوارع بغداد ومقلهيها؟ كما سيتضح بعد قليل - وانه كان يحس بالهوة التي تردت فيها مثله الريفية النقية وهو يتردد إلى بيوت البغاء، وانه في الوقت نفسه كان يتجرع مرارة الإخفاق في حب يؤدي في حب يؤدي إلى زواج وينسب كل ذلك لأبيه، كما رأينا في قصيدة " سجين "، وان ثورته على الأب كانت آخذة في الازدياد؛ وفي غمرة ذلك الشعور من نقمته على نفسه وعلى أبيه نظم قصيدة " حفار القبور "، ليتلذذ بتعذيب نفسه المتهالكة على الشهوات، وتعذيب ابيه، الحفار القديم؟ الذي دفن أمه، وجعل من الابن " رذية " معقورة عند قبر، أي حفارا جديدا آخر، وامتزجت الصورتان معا في شخصية حفار القبور، مع ما اقتضاه التحوير الشعري اللازم لبناء القصيدة. والى هذا كله كان السياب قد قطع شوطا في الظهور بمظهر اليساري الملتزم الذي يتحدث عن الطغاة وفجر السلام، ولكنه لم يكن قد برئ من ازدواجية محيرة، فالنضال في سبيل الجماهير لم يستطع أن يريحه من

ص: 163

وقدة الجنس في عروقه، مثلما لم يستطع من قبل أن يخلصه من تلك الوحدة الرومنطية التي تتلذذ بالألم والشكوى والدموع. ولهذا اقدم على نظم القصيدة ليريح ضميره الرازح بالإثم الذي تسري فيه القشعريرة كلما ذهب صاحبه إلى ارواء ظمأه في المناهل الوبيئة. ولم يكن من منفذ لهذا كله إلا التشفي بقسوة جائرة من الذات، في صورة حفار قبور. ولا ريب في انه كان يعرف؟ بحكم يساريته - إن حفار القبور امرؤ لا ذنب له، ولهذا حاول ان يعتذر عنه بأنه لم يقرأ الكتب الضخام، وان تجار الحروب هم المسئولون عن كل ذلك:

وهم المجاعة والحرائق والمذابح والنواح

وهم الذين ستركون ابي وعمته الضريرة

بين الخرائب ينبشان ركامهن عن العظام

أو يفحصان عن الجذور ويلهثان من الأوام

ولكن هذه اللفتة بدت عابرة في سياق القصيدة وكان الإلحاح كله على تصوير حفار القبور وعبوديته لشهواته، ولهذا أضاع الشاعر من قصيدته الجانب الرمزي فيها، ولم يوفر للقارئ أي مجال للربط بين " الجبرية " التي يعانيها الحفار في عالم الفقر وبين الدمار الحقيقي الذي يصنعه تجار الأسلحة في عالم الأثرة الفاحشة.

ولتوضيح هذا الموقف علينا أن نتتبع القصيدة في سياقها العام: يفتتح الشاعر قصيدته برسم الجو الطبيعي وقد اخذ ضوء الأصيل يغيم على القبور، وأسراب الطيور تملؤ الجو نعيبا تردد صداه الصحراء، ثم اخذ ضوء ضئيل يتنفس وعلى رقصاته المرتعشة ظهر ظل طويل لحفار القبور:

كفاه جامتدان ابرد من جباه الخاملين

وكأن حولهما هواء كان في بعض اللحود

ص: 164

في مقلة جوفاء خاوية يهوم في ركود

كفان قاسيتان جائعتان كالذئب السجين

وفم كشق في جدار

صورة الحفار قد ماتت فيها كل معاني الإنسانية وتزداد الصورة وحشة وخوائية وهو يناجي نفسه ويعلن عن مرارته الكامنة لأنه لا يرى نعشا يلوح عن المدى، فلم إذن تنعب الغربان؟ ولم يعيش المرضى الجائعون، ان ذلك معناه انه سيموت ولذلك فهو يتوجه إلى مخاطبة الله لعله يرأف بحاله فيأمر بإهلاك نسل العار، فقد مضى عليه أسبوع وهو يحفر ثم يملأ التراب المتهايل ما حفر؛ وهو يحس بجوع آخر:

هل كان عدلا ان احن إلى السراب ولا أنال

إلا الحنين، والف أنثى تحت أقدامي تنام!!

أفكلما اتقدت رغاب في الجوانح شح مال

ثم يسأل أين هي الحرب مصدر رزقه الكبير، ولذلك يتمنى لو عاش في تلك البلاد التي حدثوه عما فيها الحرب:

ما زلت أسمع بالحروب فما لأعين موقديها

لا تستقر على ثراها؟

ويتنازعه الحنين إلى دفن الموتى وإلى الأجر الذي يهيئ له أن يحصل على الطيبات، ويحاول أن يعتذر عن مهنته فليس هو الجرم الحقيقي وإنما هم صناع الحروب ثم يستيقظ في نفسه المظلمة " قابيل " حين يلوح له من بعيد ما يحسبه ضيقا جديدا. وتحقق ما تمناه ودس في جيبه بعض النقود وجعل وجهته المدينة ومضى يحلم بالنساء العاريات وبالخمور:

وتحسست يده النقود وهيأ الفم لابتسام

حتى تلاشى في الظلام.

ص: 165

وبذلك ينتهي المشهد الأول. وفي الثاني نرى حفار القبور يسير إلى هدفه وبيده زجاجة يشدها في حرص وهواجسه تدور محمومة في رأسه وتمثل له اللذة التي سيمارسها:

والحلمتان اشد فوقهما بصدري في اشتهاء

حتى احسهما بأضلاعي واعتصر الدماء

باللحم والدم والحنايا منهما لا باليدين

حتى تغيبا فيه في صدري إلى غير انتهاء

حتى تمصا من دماي وتلفظاني في ارتخاء

فوق السرير وتشرئبا ثم نثوي جثتين

وفي المنظر الثالث وصف لحي البغايا، وطرق على الباب وامرأة تفتح ذلك الباب وهي تقول " ضيف جديد ". وفي المنظر الرابع، وهو الأخير، يعود حفار القبور إلى موقفه الأول، فيكرر أمنياته بالدمار الذي يبسر الموتى ويجلب الرزق ويحلم بما فعل في المنظر الثالث، ثم يفيق من حلمه على صورة نعش تحف به نساء وبينا يهتف لنفسه انه لا بد سيلقى المرأة التي تلذذ بجسدها، لم يكن يعرف أن التابوت القادم يحتوي تلك المرأة نفسها:

لو حدث التابوت عمن فيه أو رفعت يداها

أو هبة للزعزع النكباء حاشية الغطاء

تحت النجوم الساهمات، لكاد ينكر من رآها

ودون ان يعلم، ألحد المرأ، وأخذ أجرا كان أعطاه لها وراح يحلم باللقاء وبالخمور.

إن من يتأمل هذا السياق للقصيدة يدرك ان الشاعر كان يحاول ان يحل مشكلة لا تحل وانه وضع حفار القبور في عربة حتمية مغمض

ص: 166

العينين، وأراد أن يرسم صورة مقابلة لامرأة ذات حرفة كحرفة الحفار؛ وجعل استرداد الحفار لماله موضع سخرية بهذه القوة العمياء التي توجه أمثال هذين المسوقين في طريق الحياة دون أن يعرفا لم وكيف. فالسياق الظاهري يعتمد قصة صغيرة لا تصلح ان تكون موضوعا فنيا، وإذا لم تكن تلك القصة ذات بعد رمزي فمعنى ذلك أنها أخفقت إخفاقا كليا. وقد نرجع إلى الرمز الذي أشرت إليه من قبل، فنجعل حفار القبور صورة للطاغية في الأمة الذي لا يعيش إلا بموت الآخرين والمرأة رمزا لتلك الأمة التي يمتص الحفار دمها ويسترجع ما أعطاه لها، ولكن تخليص هذا البعد الرمزي من ذلك الإسراف المتلذذ في وصف النزوات ومن تضاعيف التصوير الواقعي لبيوت البغايا أمر مشوب بالتعسف ولهذا فان الشاعر؟ مهما يبعد في الأخذ بالرموز - لم يكن على وعي بأن لقصيدته بعدا داخليا، ولو كان الأمر كذلك لاكتفى باللمحات بدل الصور التفصيلية.

ويتبقى بعد ذلك المحمل النفسي الذي تمثله القصيدة، فتجربة حفار القبور مستمدة من تجربة الشاعر الواقعية؟ الفتى البائس الذي لا يكاد يجد قدرا من المال في جيبه حتى يسرع ليطفئ ظمأه إلى الخمر والمرأة، فهو يتشفى بالأنحاء على هذه التجربة مثلما يبني في تضاعيفها صورة أخرى من الثورة على الأب، ومن الارتباط نفسيا بقبر الام أو بالعودة إلى الرحم، وفيما كان الشاعر يمزج بين ثورته على اللذات وثورته على الأب كان يحاول ان يخرج إلى مرحلة من " التسوية " المريحة، فالقصيدة جاءت تنفيسا وزحزحة للخناق الذي يشد على عنق الشاعر.

وإذا عديت عن هذه الغاية التي حققها القصيدة وجدت بناءها سهلا مسترسلا يشبه قصة قليلة الأحداث، ولما وجد الشاعر أن البناء لا يكلفه جهدا كثيرا، صرف ما ادخره من جهد في الناحية التصويرية

ص: 167

ولعل ابرز ما يميز القصيدة من الناحية الفنية، فنحن نحس أن الجو ينتمي إلى قطاع من عالم الأموات Hades ولذلك يتضاءل فيه النور وتملؤه الغربان بنذر من الشؤم؛ " وكأن بعض الساحرات مدت أصابعها العجاف إلى السماء " وكأن ديدان القبور خرجت من مكامنها، واستيقظ الموتى عطاشا يلهثون، وتضاف إلى هذه الصورة صورة ميت حي (وتلك سخرية مرة) موكل بدفن الموتى، فإذا صورته صورة ميت قد أدرك الجمود يديه ولاح فمه كشق في جدار، ثم تجتمع إلى ذلك كله صورة القبر الفارغ الذي تتثاءب فيه الظلماء، ثم تتلوها صورة الدمار الذي تخلفه الحرب، ثم صورة نعش في ضوء تذرذره مصابيح السماء كأنه ضباب؛ ولا تختلف صورة الطريق إلى دور البغايا ولا صورة منزل البغي عن هذا كله، فالدرب كأفواه اللحود، والحارس متعب وسنان، والباب عقيق إذا دق عليه الطارق أرسل صوتا كإيقاع المعاول بين القبور الموحشات، والمرأة حزينة تفرك عينيها في فتور وعلى وجهها ظل يزحف كالكسوف، وفي المنظر الأخير يبدو السماء لعيني الحفار كأنها صنم بليد، والطريق مكتظ بالأشباح، وفانوسه صدئ عتيق؟ مجموعة من الصور المتلاحقة ترسم صورة كبيرة لا يتخللها إلا نور ضئيل، وتسيطر عليها صبغة الموت واللحود والظلمة والنعيب المشئوم والإعياء المتهاوي؟ أنها صورة فقدت معنى الأمل وبسمته وضياءه، فزادت القصيدة نأيا عن حل مشكلة الإنسان.

ص: 168