المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سربروس في بابل - بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

[إحسان عباس]

الفصل: ‌سربروس في بابل

- 27 -

‌سربروس في بابل

مما تقدم يتبين لنا أن محاولة بدر استئناف ما كان قد استنزفه في الطريقة والرموز يمثل افتعالا نصيبه الإخفاق، ولولا حوادث العراق الدامية التي جعلته يعود بحنق من نوع جديد لممارسة الشعر، لقدرنا أن طريقه المسدود كان يحتم عليه العودة إلى اجترار الذكريات إذا شاء أن يقنع بالقدرة على الاستمرار في قول الشعر. وتمثل القصائد السبع التي تمخض عنها عام 1960 قصائد المرحلة الثانية في هذه الفترة وتلك القصائد هي: 1 - تموز جيكور، 2 - العودة لجيكور، 3 - مرحى غيلان، 4 - رؤيا في عام 1956، 5 - مدينة السندباد، 6 - المبغى، 7 - سربروس في بابل.

وقد كان من عمل الأحداث التي أوحت له بهذه القصائد أن عمق لديه الإحساس بجيكور وحاجته إليها، وأن جعل رموزه السابقة صالحة للاستغلال بعد إذ اعتقد أنه شبع منها. فأما عمق الإحساس بجيكور فقد زاد حين ازدادت الكراهية للمدينة، وأصبح الانفصام بينها وبين الفرد الشاعر كاملا، كانت المدينة من قبل في نظرة عالما قد غادره الإله والروح والفضيلة وسيطر فيه الرب الجديد الذي يسمى نضار، فهل من المعقول أن تتوشح المدينة بالجمال بعد الأحداث التي روعته؟ لهذا عاد

ص: 322

إلى ذلك الإحساس الكامن في نفسه سخطا على المدينة وعاد يتصور أنه فيها أحد اثنين، أما المسيح وأما تموز وأما هما معا. وفي قصيدة " العودة لجيكور " تصور أنه في بغداد، ولذلك هرب منها على " جواد الحلم الأشهب " ليبحث في جيكور عن كوكب:

عن مولد للروح تحت السماء

عن منبع يروي لهيب الظماء

عن منزل للسائح المتعب

ونثر في قصيدة الرموز المسيحية عن المشي على الماء والكوكب الذي رآه المجوس وإكليل الشوك وإكليل الغار والماء الذي استحال خمرا، وجاء رمز " حراء " الذي حاكت العنكبوت خيطا على بابه، رمزا باهتا بين مجموعة تلك الرموز، هذا إلى أنه خطأ من الناحية التاريخية لأن العنكبوت نسجت خيوطها على غار ثور لا على حراء.

وفي قصيدة " تموز جيكور " تصور الشاعر أنه " تموز " وأن الخنزير البري يقتله، فيتدفق دمه، وخيل إليه أن جيكور ستولد من جرحه وتتماوج فيها الغلال والأنعام ولكنه سرعان ما يكشف الحقيقة: إن تموز يعيش مرة بدموع " عشتار " ولكنه ليس لديه أم أو حبيبة ليعود إلى الحياة ولهذا فهو يغيب في ظلام الموت، دون أن ينبت دمه شقائق أو قمحا.

ان السنابل والأزاهير لا تنمو إلا إذا بعث تموز، فكيف تبعث جيكور ويبعث ربيعها الأخضر بينما تموزها ما يزال هامدا في الثرى:

هيهات أينبثق النور

ودمائي تظلم في الوادي

أيسقسق، فيها عصفور

ولساني كومة أعواد لا. " لا شيء سوى العدم العدم، والموت هو الموت الباقي "؟.

ص: 323

لن تولد جيكور ما دام تموزها رهن التراب.

القصيدة ثلاث خطوات: الخطوة الأولى تضمين لأسطورة تموز القديمة وانتحال الشاعر لموقف تموز؟ الخطوة الثانية: ولادة جيكور من جراح تموز القتيل - الخطوة الثالثة: رفض لهذا الميلاد لأن جيكور لا تعيش دون أن يحيا تموزها، وهو لن يحيا حقا، فالموت هو نهاية الاثنين، وبذلك تغيرت أسطورة تموز القديمة لأن البعث غير متيسر.

وليس ما يهمنا في هذه القصيدة بناؤها فانه سهل واضح يعتمد على مقدمتين ونتيجة مناقضة ولكن يهمنا منها دلالتها، فانها تومئ إلى أن مشكلة الموت التي كانت قد جعلت السياب واحدا بين موتى كثيرين في المشرق العربي (في القصائد الكهفية) عادت تقض مضجعه على صعيد فري، وأصبحت عشتاروت املا لا يتحقق، وأتخذ النخل الذي كان يرعاه " يوسوس أسراره " إن ضغط فكرة الموت جعله ينام مطمئنا إلى حضن الأرض غير جازع من مفارقة الحياة:

يا ليل أظل مسيل دمي

ولتغد ترابا أعراقي

ومع أن بعث ادونيس (تموز) يحمل في الأسطورة تفاؤلا جميلا؟ عودة الحياة إلى الأرض بعد الجفاف - فأن الشاعر أبى ان يتعلل بما توحيه الأسطورة من رجاء، ورضي بأن يموت هو وجيكور معا. فهذا نوع رابع من الموت هو " الخلاص من الحياة "، لا بعث ولا تفاؤل، لا بدر ولا جيكور، عاش معا. والسر في الموت ليس هو وحسب ضغط آلام الحياة وعذابها القاسي وإنما عجز عشتار (الحبيبة - الأم) عن ان تكفل البعث المرتقب. وهنا يمكن أن نقف وقفة قصيرة نصحح بها ما راج حول شعر السياب من أخذ لبعضه وترك لبعضه

ص: 324

الآخر: فهناك من يحلو له أن يقول أن السياب أحب المطر لأنه عبر عن هذا الحب في قصيدة أو قصيدتين، ولكن الشاعر كان رهين لحظات نفسية متقلبة، فقد يكون المطر لديه عاملا من عوامل الخصب، وقد يكون طهورا يغسل الخطايا، ثم يكون في موقف ثالث صنوا للدم والدموع. وكذلك يقال في فطرة البعث: فقد كان السياب يؤمن به حين يحس بالتفاؤل، ولكن ها هو في قصيدة " تموز جيكور " ينكر البعث كله، لأنه اختار العدم؟ الراحة الأبدية، لنفسه، وليجيكور، التي كانت ترمز إلى كل ما يحبه على الأرض. ولهذا قد يبدو من التعميم التغليبي قول الأستاذ فؤاد رفقه:" أنه يبشر بالعودة الأزلية وبالصراع مع الزمنية، وهذا البعث لا بد من أن يمطر على بلاده، على حقولها وبيادرها وجذورها "(1) لأن هذا القول يمثل جانبا من الصورة، ولكنه لا يمثل الصورة في جميع جوانبها.

وحين نعيد النظر في القصائد الجيكورية؟ في هذه الفترة - نحس أن جيكور قد أصبحت قطبا محوريا في فهم مزدوجات الحياة: أي الحقيقتين؟ حين يعرضان نفسيهما معا - أحق بالقبول: جيكور أو المدينة (من حيث البقعة المكانية) العودة إلى الطفولة أو المضي في الكفاح، الموت من اجل البعث أو الموت نفسه، الأم أو الزوجة، قيم الروح أو قيم المادة، الماضي أو الحاضر، الإيمان أو الإلحاد، وفي اغلب الأحايين كان الشاعر مع الفريق الأول من هذه القيم، ولكنه كان يحس بانهزامه، إلا مرة واحدة أحس فيها جيكور اتسعت وامتدت حتى شملت كل شيء، وفاضت خضرتها على الوجود كله،

(1) مجلة شعر (1960 عدد الشتاء) ص: 166.

ص: 325

وذلك حين سمع ابنه غيلان يناديه " بابا؟ بابا "(1) ؛ حينئذ أحس كأن عشتار افاضت الازاهير والثمار على العراق كله وأن كلمة " بابا " كأنما تحمل فيها يد المسيح، وأن " تموز " قد عاد بكل سنبلة تعابث كل ريح، وأحس كأن روحه في ترب الظلماء حبة حنطة وصوت أبنه ماء؟ وتصور نفسه في قرار بويب ميتا، أي حقق العودة إلى ألام، ولكن النهر نفسه كان يهب الحياة لكل أعراق النخيل؛ الموت جميل لآن

الحيات امتدي، الموت لا يذهب بالروح وإنما يحولها إلى قوة سارية في جنبات ألكوي، فا الذي في قاع بويب هو نفسه " بعل " الذي يخطر في الجليل على الماء؟ ولدت جيكور في غيلان وامتدت حتى طغت على المدينة، فإذا أعمدة الشوارع فيها ورق توت، وإذا الشوارع

نفسها انهار تفجر، وقد أصبح صوت النسغ يهمس في الشجر؛ وتذكر المفارقة بين واقع الحال وبين هذا الحلم الذي نقله إليه صوت غيلان - الأرض في الواقع قفص من الدم وألا ضافر والحديد، والسيح فيها معلق بين الموت والحياة، وعشتار فيها دون بعل، والموت هو الذي يركض في الشوارع معلنا انه المسيح المنتظر، والنار تزعم أنها هي الفرات والشمس تعول مبتردة، والآفق ملبد بحسب من جليد؟ البرد يسيطر على كل شيء، ورغم ذلك كله فأن دفئا جديدا قد غمر الشاعر، فجعل الغد يورق في دمائه. وقد ألمحت من قبل إلى ما كان للشاعرة سيتول من أثر في صور هذه القصيدة، وكيفي أن نتأمل هنا انتصار جيكور على المدينة، والاطمئنان إلى الموت الجميل، وأن نقف عند صورة النقيضين من دفء وبرد

كما رسمها الشاعر، فأنها تتصل بوجود تموز وبعل والمسيح أو عدم

(1) قصيدة " مرحى غيلان " في ديوان أنشودة المطر: 18 وهي على التحقيق من قصائد هذه الفترة، فقد ذكرها السياب في رسائله متصلة بها ونشرت في مجلة المتضامن العراقي، العدد 2 ص16 وتاريخها 17 - 3 - 1960.

ص: 326

وجودهم، فغدغيا بهم يصبح الكون في قبضة الأضداد الذين ينتحلون غير حقيقتهم، حتى ليدعي الموت انه المسيح والسلام وتدعي النار أنها الماء الذي يسقي الورود لتتفتح، والشموع ترش ضريح بعل بالشحوب بدلا من الماء، والشمس مصدر الدفء تقفقف من البرد، وعشتار مصدر الخصب تصبح رمزا للعقم لآن " بعل " غائب عنها. أن انتصار جيكور كان عودة لبعل وتموز والمسيح، للخصب والدفء والسلام، - كان بعثا للدفء الذي يستطيع ان يطرد قشعريرة الأرض وزمهرير الجو الجليدي، وكان ذلك كله معناه الخلود الذي لا ينقص منه الموت الجميل أي شيء، فخلود الشاعر في ابنه هو خلود بويب في الشجر والسنابل، والشاعر نفسه هو " بويب " فلا ضير عليه أن يرقد في القرار؛ وهكذا تستطيع قصيدة " مرحى غيلان " ان تكون ذات نبض خاص في سياق أسطورة البعث، لأنها تعج بالقوى المحركة والمتحركة (المطر؟ حبة الحنطة؟ الدم؟ ماء النهر؟ النسغ؟ البرعم؟ بعل؟ عشتار؟ المسيح؟ الريح؟ عروق الشجر -) وتجمع عالم الأصوات والألوان، وأنواع الحركة من انسياب وسباحة وانثيال وخطران ونمو وتنفس وركض، أنها تمثل الحياة أو الفرحة بالحياة أصدق تمثيل، وتحيل الموت إلى حقيقة غير مخيفة، بل ربما جعلته حقيقة جميلة، وتجمع بالإيجاب والسلب بين الدفء والبرد، وتفجر القوى الكامنة في كل جهة مستمدة تلك الثقة من صوت جميل صغير بريء؛ فهي ليست علاقة أب بابنه وإنما هي قصة الانتصار على الموت في لحظة من اللحظات، وهذا الانتصار يحقق كل ما حرمه الشاعر (أو ما حرمه الإنسان الحق كما يراه الشاعر) من انتصار للريف على المدينة، وللحقل على الشارع، وللخضرة على الجفاف، وللدفء على البرد، وللسلام على الدمار، وللخصب على العقم؟. الخ، ولكنه لم يكن انتصارا عن طريق السواعد المناظلة وإنما كان الولادة المتجددة

ص: 327

والتقمص التناسخي.

لكن في القصيدة عيبا كبيرا لم أشر له، وذلك هو التهويل في الاستجابة، فان ذلك الانتصار الكبير لقوى الحياة حين ينطلق من لفظة صغيرة يتراءى وكأنه سكر بمقدار ضئيل من الخمر؛ حقا ان سحر اللفظة كان يفتح عوالم جديدة في ذهن السياب الشاعر وتصوراته، وقد بدأ ذلك واضحا في قصائد مختلفة، بل كانت اللفظة أحياناً هي الينبوع الذي تسترسل منه القصيدة وتستمد وحدتها، ولكن كلمة " بابا " لم تكن ذات أثر عادي وإنما كانت كالصعقة التي تترك من تصيبه منطرحا ساعات، أو كعملية تفجر متلاحقة، مع ان الطاقة المخزونة فيها يجب الأ تحدث الا انفجارا واحدا. وقد رأينا السياب في شدة انفعاله يحشد الصور حشدا متلاحقا ليشبع نزعته المتعطشة إلى التهويل في قصائد مثل " حفار القبور " و " المومس العمياء "، ولكنه هنا لا يهول بحشد الصور، وإنما هول بالتصور، فيرسل خياله ليقتنص " حد الغاية " في نقل شعوره بأثر لفظة " بابا " بدلا من ان يكون طبيعيا أو واقعيا. وسر ذلك يعود إلى أنه في تلك الفترة لم يعد فحسب إلى ظاهرة التهويل التي تتلائم وسرعة حنقه وانفعاله وحدته بل كان محتاجا إليها وهو محنق مغيظ ساخط متبرم متمرر النفس متعطش إلى النيل من خصومه بكل وجه، ولهذا كان يرى أن العراق يعيش عهدا من عهود الرعب، وان تصوير الرعب لا يمكن أن يتم ببساطة أو دون تهويل، فذهب يذيب نفسه تحت مطارق نفسه تحت مطارق الخوف والموت، ليستطيع نقل جو مشحون بالمناظر المخيفة. ولذلك كانت تصوراته تنقل نماذج من التشويه الفظيع:

فالرؤيا " صقر من لهيب ينقض على العينين ويجتث سوادهما ويقطع الأعصاب "(1)، وللإنسان نفسه صورة يقشعر لها البدن:

(1) انظر ديوان أنشودة المطر (رؤيا في عام 1956) : 116 - 127.

ص: 328

عين بلا أجفان

تمتد من روحي

شدق بلا أسنان

ينداح في الريح

يعوي أنا الإنسان.

وعشتار على الشجرة:

صلبوها، دقوا مسمارا

في بيت الميلاد؟ الرحم

وصورة النهد:

النهد الاعذر فاض ليطعم كل فم

خبز الألم

الأقة؟ صاح القصاب -

من هذا اللحم بفلسين

وصورة المدينة:

الموت في الشوارع (1)

والعقم في المزارع

وكل ما نحبه يموت

الماء قيدوه في البيوت

وصورة الخراب العام:

وتجهض النساء في المجازر

ويرقص اللهيب في البيادر

ويهلك المسيح قبل العازر

(1) من قصيدة " مدينة السندباد ": 153.

ص: 329

وصورة الفارس الخائن لفروسيته:

وجال في الدروب فارس من البشر

يقتل النساء

ويصبغ المهود بالدماء

ويلعن القضاء والقدر.

ولو ذهبنا نورد الأمثلة من " قصائد الرعب " لضاق المقام، لأن ذلك يعني ان ننقلها؟ أو أكثرها - على هذه الصفحات. ولست أقول ان هذا التهويل يعني كذبا على الحقيقة التاريخية، فليس الواقع التاريخي هو ما أتحدث عنه، وإنما أتحدث عن هذه القصائد من ناحيتها الفنية، وخلاصة ما أريد أن أقرره: أن السياب يتلذذ فنيا ونفسيا بتصوير هذه الصور المفزعة، وانه لو ذهب يتحدث عنها علة نحو آخر أخف إيقاعا واقل حلكة وقتاما، لما رضي عن نفسه. وقد وجد في النواحي السلبية من قصة تموز والمسيح ما يستطيع استغلاله في هذا المقام، ولهذا تحدث هن يهوذا وعن قطع أعراق تموز وعن قرابين الدم التي لا تنبت شقائق، وعن صلب (عشتار؟ حفصة) ودق المسمار في رحمها، وعن اندثار جنائن بابل وعن المقارنة بين قيام لعازر وقيام شخنوب العامل (1) وعن تمزيق سربروس (كلب الجحيم) لسيقان عشتار وهو يركض خلفها في الدروب.

ورغم هذه الويلات التي تتكدس كذنوب الضالين في هذه القصائد فكل قصيدة منها تنتهي بأمل في الغد؛ فقد جاء في نهاية قصيدة " المبغى ":

؟. ولكنني في رنة الأصفاد

(1) انظر الحاشية ص: 126 في ديوان أنشودة المطر.

ص: 330

أحسست ماذا؟ صوت ناعوره

أم صيحة النسغ الذي في الجذور

وفي نهاية " رؤيا ":

ولفني الظلام في المساء

فامتصت الدماء

صحراء نومي تنبت الزهر

فإنما الدماء

توائم المطر

ويختتم قصيدة " سربروس في بابل " بقوله:

سيولد الضياء

من رحم ينز بالدماء.

ويشبه ان يكون هذا الأمل تحديا من ناحية، وقانونا من قوانين الواقعية الحديثة من ناحية أخرى، وعادة قد أتقنها السياب في شعره، وإلا فان الظلمات التي تتراكم كثيفة في تلك القصائد تقتل كل أمل، تحت سياط التهويل.

ولست أقف لتحليل كل قصيدة من تلك القصائد على حدة، وإنما اكتفي ببعض تعليقات صغيرة هامشية أحياناً. فالقصيدة التي ظهرت بعنوان " المغنى "(1) في الديوان كل عنوانها قبل ذلك " جيكورالمغنى " ثم غير لفظت جيكور حيثما وردت في القصيدة ووضع موضعها " بغداد "؛ ويبدو ان السياب كان يخشى السلطة في بغداد حين نشرها، غير انه لو أبقى فظة " جيكور " لكان في ذلك مناقضا لما

(1) انظر ص: 135 من ديوان أنشودة المطر ومجلة شعر (خريف 1960) : 56

ص: 331

رسمه من قبل حين اتخذ " جيكور " رمزا للريف الوادع الطيب الموشح بالفضيلة، واذن لنقص أيضا معنى الانتصار الذي سجله في قصيدة " مرحى غيلان ".

وتعد فاتحة قصيدة " رؤيا في عام 1956 "، أعني قوله:

حطت الرؤيا على عيني صقرا من لهيب

أنها تنقض، تجتث السواد

تقطع الأعصاب، تمتص القذى من كل جفن؟

تعد هذه الفاتحة محاكاة لصورة بروميثيوس، الذي ارسل زفس لعقابه صقرا ينهش قلبه، والأقرب ان يكون السياب قد قرأ مثل هذه الصورة في قول اديث سيتول (1) :

لم يكن صقرا، وإنما دجاجة دفرة

التقطت بذور النار من قلب بروميثيوس؟.

قاتلة النار التي جاء بها لبني البشر

كما تقتل الشيخوخة الرغبة الفتية

وتنفرد قصيدة " مدينة السندباد " بخاتمتها لأن الشاعر لا يستشرف فيها غدا مشرقا، وإنما يختمها بما يناسب الجو العام في القصيدة فيقول:

وفي القرى تموت

عشتار عطشى ليس في جنبيها زهر

وفي يديها سلة ثمارها حجر

ترجم كل زوجة به؛ وللنخيل

في شطها عويل.

(1) انظر Collected Poems ص: 391.

ص: 332

ويستوقفنا في هذه الخاتمة أمران: أولهما الجمع بين موت عشتار (أي حلول الجدب والعقم) وبين رجم الزوجات (والرجم يعني الخيانة) فان هذا كلام غير ملتئم، ولهذا كان أن نفهم الرجم هنا بمعنى الضرب غير المعلق بحد من الحدود. والثاني قوله بعد ذكر الزوجة:" وللنخيل في شطها عويل "، فان إسراعه إلى ذكر النخلة (رمز الأم) في شعره يدل على ان العقل الباطن لديه لم يستطع أن يقف مرتاحا عند ذكر " الزوجة " وحدها.

وحين كان الشاعر يستسلم في بعض تلك القصائد إلى التطويل، فانه لم يكن يهتم بالتمايز بين مراحل القصيدة بمقدار اهتمامه بتكديس الصور المفزعة. ولهذا يمكن إن يقال؟ في شيء من التعتيم - ان الحرص على البناء الفني المحكم كان اقل مرتبة من الحرص الذي بذله في القصائد الكهفيات وما عاصرها من قصائد وما قبل عهد الرعب.

ولا ريب في ان الذين يظنون إن " البعث " قاعدة ثابتة في شعر السياب وأن " المطر " رمز للحياة والخصب عنده قد يهمهم أن يقرأوا قصيدة " مدينة السندباد " من بين تلك القصائد علة وجه الخصوص، ففيها الشاعر بالندامة على إلحاحه في استسقاء المطر:

تبارك الإله واهب الدم المطر

وفيها إنكار للبعث جملة:

نود لو ننام من جديد

نود لو نموت من جديد

؟.

نود لو سعى بنا الطريق

إلى الوراء حيث بدؤه البعيد

من أيقظ العازر من رقاده الطويل؟

ص: 333

ليعرف الصباح والأصيل

والصيف والشتاء

لكي يجوع أو يحس جمرة الصدى

ومن اللافت للنظر في هذه القصيدة نفسها أن السياب عاد فيها إلى رمزه القديم المحبب " قابيل ":

الموت في البيوت يولد

يولد قابيل لكي ينتزع الحياه

من رجم الأرض ومن منابع المياه

فيظلم الغد

وقد كان " قابيل " من اشد الرموز ملاءمة لموضوعه في هذه القصائد، ولكنه استبعده؟ إلا قليلا - وآثر عليه رموز تموز وعشتار والمسيح ويهوذا ولعازر وسربروس.

لنقل أذن أن السياب لم يعد إلى جيكور بل مد عهد الرعب من تاريخ صلته بالمدينة، إلا أنها كانت صلة كراهية وبغض متزايد؛ وإذا كان لقصائد السياب في عهد الرعب من ميزة فهي انها جعلته يطيل الوقوف إزاء قضية (أو على الأصح ضد قضية) ويحس انه مسئول أمام نفسه ووطنه عن تصحيح وضع يعتقد انه خطأ. ولكن توتر الأعصاب في سبيل قضية ما على نحو محموم كان يعني أنها سترتخي طالبة الراحة مما اعتراها من إرهاق؛ وسرعان ما اصبح السياب يحلم بالتخلص من المدينة وبالعودة إلى مرابع الطفولة، كان جسمه متعبا، وكان الموضوع الشعري قد استنزف طاقته الفنية وجعلها أيضاً مرهقة؛ وكذلك كان، فقد عاد إلى منطقة يسهل علبه ان يذهب منها لزيارة جيكور كل يوم، ذلك حاله في الواقع، أما في الفن، فانه يوم وقف يعلن انه قد غدا متخما من الالتزام، فإنما كان يتحدث؟ بصراحته

ص: 334

الساذجة المعهودة؟ عن فترة الإرهاق الذي أصابه في عهد الرعب، وعن فقدانه للموضوع الذي يستطيع به أن يجعل من الالتزام حقيقة متجددة. وفي السنوات التالية لم يبق من قضية أدبية تشغل باله سوى قضية الالتزام، ولكن أي شيء يكون حجمها إلى جانب قضية المرض المتدرج نحو الموت؟

ص: 335

فراغ

ص: 336

عولس يكتب مذكراته

ص: 337

فراغ

ص: 338