المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بين النقد والصحافة - بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

[إحسان عباس]

الفصل: ‌بين النقد والصحافة

- 24 -

‌بين النقد والصحافة

لم ينشر السياب في عامي 1957، 1958 إلا أربع قصائد: ثلاث منها في مجلة " شعر " البيروتية التي بدأت في الصدور عام 1957، وواحدة؟ بعد فترة من الانقطاع - في مجلة الآداب (آب 1958) ، وكان انفصاله عن مجلة الآداب عفويا غير ناجم عن نفور أو استياء، إذ ظل حتى تاريخ متأخر ينظر إلى المجلتين نظرة من يسوي بينهما، فهو يقول في رسالة إلى الشاعر أدونيس (علي احمد سعيد) لعلها من رسائل عام 1960:" بودي لو أمكن نشرها (أي قصيدته) في مجلة شعر أو الآداب أو سواهما "(1) . وكل ما هنالك أن السياب كان بحاجة إلى مورد آخر من الرزق وقد أتاحت له مجلة شعر مثل هذا المورد، فتحول إليها تلقائيا، وابتعد عن الآداب بعض ابتعاد؛ وأراد القائمون على تلك المجلة أن يوثقوا صلته بهم، فدعوه إلى بيروت بعد ان نشر أول قصيدة في المجلة لإحياء أمسية شعرية؟ وكانوا يعقدون مثل هذه الحلقة مساء كل خميس -. وقد قضى السياب في بيروت عشرة ايان القى فيها بعض قصائده وكلمة عن الشعر في أحد مدرجات الجامعة الامريكية، وسجلت له الآنسة فايزة طه مقابلة إذاعية بثتها الإذاعة

(1) الرسالة غير مؤرخة ولكن القصيدة المشار إليها تحمل تاريخ 1960

ص: 285

اللبنانية، وتعرف إلى عدد من الأدباء في بيروت؛ وفي المحاضرة التي ألقاها السياب مقدمة للأمسية الشعرية تحدث عن الشاعر في العصر الحديث فرأى ان صورته المنطبعة في ذهنه هي صورة " القديس يوحنا وقد افترست عينيه رؤيا وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل، والحق ان اغلب الشعراء العظام كانوا طوال القرون أنماطاً من القديس يوحنا، من داتني إلى شيكسبير إلى جوته إلى ت. س اليوت واديث سيتول "(1) وقارن في تلك الكلمة بين الشعر والدين فوجدهما يتفقان في انعدام المفعية، وفسر إقبال الشاعر الحديث على الأسطورة فذهب إلى العلة في ذلك انعدام القيم الشعرية في حياتنا الحاضرة لغلبة المادة على الروح، ولهذا يلجأ الشاعر إلى عالم آخر يحس فيه بالارتياح ليبني عوالم " يتحدى بها منطق الذهب والحديد " وختم كلمته بقوله:" ما زلنا نحاول ونجرب ولكنا واثقون من شيء واحد: أننا سنمهد الطريق لجيل جديد من الشعراء سيجعل الشعر العربي مقروءا في العالم كله "(2) .

ولست أناقش هنا آراء السياب، في هذه الكلمة، ولكني أود ان يتنبه القارئ فيها إلى هذا المنطلق " الروحاني " الذي يعتمده الشاعر في تصوره للشعر، وإلى مدى صلته بتلك الواقعية القديمة التي تحدث عنها في مؤتمر الأدباء، وإلى هذا الوصل بين الروحانية وصورة القديس يوحنا، فذلك مما قد يحدد معالم موقف جديد.

وحين عاد السياب من الربوع اللبنانية إلى بغداد كانت النشوة ما تزال تعمر جوانحه، وهذا ما يتمثل في أجوبته على أسئلة وجهها إليه أحد محرري العدد الأسبوعي من جريدة " الشعب " البغدادية،

(1) مجلة الشعر، العدد 3،ص:111.

(2)

المصدر نفسه.

ص: 286

حيث قال: " وقد استغرق إلقاء الشعر من قبلي ساعة من الزمن ولكن الجمهور طالب بالمزيد فألقيت عليهم قصيدة أخرى؟ ولكنهم أبوا إلا أن استمر في تقديم قصائد أخرى، وقد طلب واحد منهم (قصيدة) " المومس العمياء " ولما بينت لهم ان هذه القصيدة تستغرق ساعة من الزمن أجابوا جميعا: أننا مستعدون للسماع، هات ما عندك "(1)، وتكاد النشوة تصبح نوعا من الغيبوبة الصوفية حين تسمعه يقول:" وفي تلك الجلسة قررت الجامعة الأمريكية؟ قسم اللغة العربية - الاعتراف بالشعر الحر بإدخاله في مناهج السنة القادمة "؟.. ولهذا جعل الصحفي عنوان " ريبورتاجه " مستعدا من هذه النشوة الغيبوبية حين كتب: " أخيراً اقتح الشعر الحر أبواب الجامعة الأمريكية "، والسامع عن بعد قد يجره هذا العنوان إلى الربط بين الفروسية واقتحام القلاع، وما كان السياب ذلك الفارس ولا كانت جدران الجامعة الأمريكية تلك القلعة، ولكن النشوة الغامرة ترسم أمام الذهن أخيلة عجيبة، وكان الزهو الذاتي والقطري قد اتحدا معا حين قال:" لقد ثبت لي أن الشعر العراقي على جميع ما هو موجود في البلاد العربية من حيث الكمية والجودة "؟ يرسل هذا الحكم بعد أن تعرف إلى عدد غير قليل من شعراء لبنان، وبخاصة المنتمين إلى مجلة " شعر ".

ووجد الصحفي في الشاعر نفسا متفتحة لإرسال الأحكام النقدية، ولم لا يكون كذلك وهو الذي يحمل آراء نقدية في الشعر والشعراء، فتحدث عن بلند الحيدري ومحمود البريكان وموسى النقدي وعلي الحلي وكاظم جواد، ولم ينس أن يغمز ديوان البياتي الأخير " المجد للأطفال والزيتون " وديوان نازك الأخير " قراءة الموجة " ويقول في هذا

(1) العدد الأسبوعي من جديد الشعب رقم 3862 (بتاريخ 22/6/1957) .

ص: 287

الثاني: " نازك الملائكة اكبر من ديوانها "؟ وهو حكم غريب حقا - ثم أن يقول أخيراً في مهدي الجواهري، أنه " قد اخذ مكانه إلى جانب المتنبي وأبي تمام وهو اعظم من اختتمت به هذه الحلقة الذهبية من شعرائنا العظام البادئين بطرفة بن العبد والمنتهين بالمعري قبل الجواهري ". أما كيف انتهت الحلقة بالمعري ثم وجد فيها الجواهري بعد الانتهاء، فأمر يرجع فيه إلى قدرة السياب على فهم معنى البداية والنهاية، وحين يقول السياب: أن شوقي يبدو قزما إلى جانب الجواهري العظيم " فانه يمعن في تحكيم العلاقات الشخصية وبسط ظلها على مقاييس الأدب والنقد.

وربما صح أن نقف هنا على ما قاله في صديقه القديم كاظم جواد، لا لقيمة في الكلام نفسه وإنما لما أثاره من غبار، فقد قال في الشاعر الذي كان صديقا:" يبلغ قمة الإجادة عندما يكتب عن نفسه دون أن يقلد أحدا ولكنه يعتمد على لهياج في اغلب قصائده مما يفسد عليه إمكانياته "، ووقعت لفظة " الهياج " موقعا مثيرا من نفس كاظم فكتب في أحد الأعداد الأسبوعية من جريدة الشعب يتهم السياب بأنه استورد في رحلته قيما نقدية من لبنان، وان من حقه ان يفرض هذه القيم على نفسه ولكن ليس من حقه أن يفرضها على الآخرين، وقال كاظم:" فإذا كان الحماس في سبيل القضية العربية أو الفورة في سبيل الحق والانسانية، واذا كانت الصراحة يمكن أن تدرج تحت كلمة تهيج فانا فخور جدا أن أكون دائما من المتهيجين، أما انطفاء الآخرين، أما موتهم الكسيح، أما نهايتهم فلتدرج تحت ألفاظ الحكمة والتأني والفن الصحيح؟ "(1) ولم ينس كاظم ان يعلن عن ديوانه الذي يوشك ان يصدر وان يتحدى السياب بأن يثبت عليه التقليد في قصيدة واحدة

(1) العدد الأسبوعي من جريدة الشعب رقم 3876 (تاريخ 6/7/1957) .

ص: 288

من قصائده، وهدد السياب بأنه سيتولى في القريب الكشف عن مصادر شعره " الذي رفعته يوما ما جهة معروفة في العراق والذي ترفعه الآن جهة معروفة في لبنان "(1) ونسي في غضبته كل حديث سابق عن الشاعر الذي لم يوف حقه من الشهرة (2) . وكان رد السياب على هذه الثورة ذا طرفين، ففي الطرف الأول نشر قبل الرد مقالا عن عبد الملك نوري الذي كان كاظم جواد يقرن بينه وبين البياتي ويحاول تحطيم الاثنين معا، وجعل عنوانه " عبد الملك نوري القصصي الأول؟ عبقرية لم توف حقها من التقدير " وانتهى مقاله بقوله:" وانه لمما يخجلنا؟ أن تقوم بيننا عبقرية كعبقرية عبد الملك نوري دون ان نوفيها حقها من التقدير "(3) ، وفي الطرف الثاني تناول كلمة كاظم جواد بالتفنيد فرأى فيها صورة " للتهيج " الذي إليه، وغمز من بطولته، وقرر أن قصيدة " لعنة بغداد " من شعر كاظم قد قسمت إلى شقق (لأنه شخص صريح!!)" فشقة للإخوان المسلمين وشقة للشيوعيين وشقة للاستقلاليين وشقة لأنصار السلام وشقة للقوميين "؟ يعني أن صديقه القديم (الذي اصبح المحامي الشاعر كاظم جواد) يغازل جميع الفئات السياسية في العراق؟ وتحداه أن يفي يتهديده فيكشف عن المصادر شعر السياب، وسخر من دعواه بان الشيوعيين رفوا من قدا شعره في العراق وأن " فئة جديدة " تحول أن ترفع شعره في لبنان فقال: " فأما عن الجهة المعروفة التي رفعت شعري في العراق؟ هذه الجهة التي

(1) المصدر نفسه.

(2)

كان التنافر قد بدأ بين الحليفين قبل هذا، إذ نجد الأستاذ كاظم جواد يقول في السياب (1956) :" وبالمناسبة فان هذا الشاعر الرومانتيكي قد انتهى ولن يشفع له بعد الآن تشجيع أصدقائه ولا أسلوبه النثري العقيم في كتاباته الأخيرة "(آراء: 48) وانظر غمزه لدى السياب بأنه البادئ بحركة تحرير الشكل في القصيدة (ص:52) .

(3)

العدد الأسبوعي من جريدة الشعب رقم: 3876.

ص: 289

يتقرب إليها كاظم جواد نفسه عسى أن ترفع شعره - فالحق أن شعري لم يرتفع ألا بعد أن سخطت تلك الجهة المعروفة عليه وعلى، وأما عن الجهة المعروفة في لبنان التي ترفع شعري ألان فلم يبلغ بي التدهور بعد حد النزول ألى مثل هذا الحضيض، وليس في حياتي كلها مثل هذا الميل إلى النزول إليه؟ كما في حياة (بعضهم)" (1) . ترى ما هو الخضيض الذي كان لدى الشاعر صورة له حين اتهم بأن هناك جهة معروفة تحاول أن ترفع شعره؟ أن الدروس ليس من مهمته أبدا أن يكون طرفا في هذه الخصومة وما تثيره من اتهامات متبادلة، ولكن النظرة الموضوعية يستدعي أن نسجل بأن الحاجة المادية المرهقة لدى السياب (ولعل للحياة الزوجية هنا أثرها القوي في مضاعفة تلك الحاجة) لم تترك للسياب فرصة الاختيار، فأخذ يهتم بالمكافأة التي ينالها على جهده دون أن يتوقف للسؤال عن مصدرها، أقول: إنه كان في حاجة ماسة إلى ما تدفعه له مجلة " شعر " لقاء قصائده، ولكن ما كان يتقاضاه من وظيفته مع هذا الدخل الإضافي البسيط لم يكن يكفيه، ولهذا وجد نفسه يعمل صحفيا في جريدة " الشعب " وفي العدد الأسبوعي منها بوجه الخصوص، وهنا اترك للمحامي العبطة حق التعليق على هذه العلاقة بين الشاعر والصحيفة وذلك حيث يقول: " ان انتساب السياب للجريدة لم يرض الجهات الوطنية وسجل صفحة أخرى لا تناسب ماضيه وتجرده " (2) .

ولا ريب في أن قلة قصائد هذه الفترة إنما تعود أولاً إلى استنزاف النشاط في الوظيفة وفي العمل الصحفي، فقد كان إلى جانب

(1) المصدر نفسه.

(2)

العبطة: 16، وليس لي من تعليق على هذا الرأي وإنما أنتقل هنا لأنه يصور إحساس بعض أصدقاء السياب نحو انتمائه لتلك الصحيفة.

ص: 290

عمله الرسمي يترجم للجريدة ويكتب في عددها الأسبوعي صفحة أديبة. وتتفاوت كتابات السياب في موضوعها فهي تتناول نقد القصاصين مثل عبد الملك نواري ومهدي عيسى الصقر، أو تصور شيئا من ذكرياته أو ترسم مقابلة صحفية أو تتناول صورا من الحياة في " اسكتشات " خفيفة، أكثر فيها مكتوب باللهجة العامية العراقية وخاصة في سلسلة عنوانها " أسبوعيات " أم رزوقي " وهي صور لا تعدو " الدردشة " والنقد الخفيف لبعض الجوانب في المجتمع، وليس في الصور ما يشير إلى نجاح في صياغة قصة قصيرة، وكان أخرها صدورا قبل يومين من نشوب الثورة في العراق (14تموز 1954) .

ولعل من المفيد ان تتذكر قوله في نقد قصص الصقر: " أطال قصصه يبحثون عن الحب خلال بحثهم الدءوب عن الخبز، عن الحب الذي لا يكلف مالا ولا وقتا، عن حب يومي كالخبز اليومي؟ وبما اجتذبته حياة اللهو فيها (في المدينة) فترة من حياته، ولكن الريف الكامن في أعماقه ينتصر في النهاية، وتنتصر الحياة الزوجية المستقرة، بين بكاء الأطفال وضجيجهم الحلو، هذه الحياة التي يعرفها القرويون ويؤثرونها اكثر مما يعرف ويؤثرها أبناء المدينة "(1) ، فأن السياب هنا أما يرى ذاته في صفحة مهدي الصقر، ويتحدث عن قيمه وويتحدث عن قيمه ونتصاره أو ظمأه النفسي إلى ذلك الانتصار.

(1) العدد الأسبوعي من جريدة الشعب (رقم 3869) بتاريخ 92/6 1957.

ص: 291