المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الألوهية والقصائد الكهفية - بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

[إحسان عباس]

الفصل: ‌الألوهية والقصائد الكهفية

- 22 -

‌الألوهية والقصائد الكهفية

لنعد إلى " مرثية الآلهة " التي تحدث فيها عن أن الإنسان منذ القديم كان يعبد ما يخافه ويرجوه وانه هو الذي كان يؤله الأشياء ويعطيها أسماء مثل " تموز " و " اللات " و " زفس "، وأن هذه الأسماء تدل على الإنسان لا على حقيقة كبيرة غيبية، وأن هذا أمر لم يتغير حتى اليوم:

ويا عهد كنا كابن حلاج واحدا

مع الله، أن ضاع الورى فهو ضائع أي ليس هناك من خط فاصل بين الألوهية والانسانية، فوحدة الوجود التي آمن بها تعني بها الحلاج تعني أن مقتل الحلاج يترتب عليه فقدان الطرف الثاني من تلك الوحدة؟ فمثل هذه الفكرة قد بعث في قصائد هذه الفترة نغمة لم نكن نسمعها من قبل أبداً في شعره؛ أعني ذلك الاستخفاف الصريح بفكرة التأليه وعدم التورع عن استعمال لغة جريئة لا تدل على أثر قوي لروح التدين في نفس الشاعر. وقد يبدو من المستغرب؟ أول الأمر - أن تعلو هذه النغمة في قصائده التي تتحدث عن النضال العربي أو عن الأوضاع العربية عامة، ولكن هذه الحقيقة نفسها تؤكد أن هذه الظاهرة في تلك القصائد إنما كانت ذات دلالة عكسية، أعني أنها على الألم الدفين لاندحار الإنسان وما يؤمن به

ص: 267

من مثل دينية. وتفسيرا لهذا الأمر الذي يبدو محيرا أقول ان الناس الذين يتحدث عنهم الشاعر في هذه الفترة ينقسمون في ثلاث فئات (لا في فئتين قوية وضعيفة) : فئة الغزاة الذين يؤمنون بآلهة جديدة تحمل أسماء " نضار " و " فحم " و " حديد " وما اشبه، وهم الذين يؤلهون قوتهم تحت أسماء ترمز إلى تلك القوة، وهؤلاء هم الذين يسلطون " طائر الحديد " ليرمي الحضارة بحجارة من سجيل، وقد سمعوا أحياناً " التتر " وأحيانا أخرى " الصليبيين " وهم يعودون في تاريخ الإنسانية تحت أسماء مختلفة، وقد ظهروا في المغرب العربي يحطمون ويقتلون، كما تدفقوا تحت اسم " الصهيونية " إلى المشرق العربي كطوفان من الظلام:

وانجرف المسيح مع العباب

كان المسيح بجنبه الدامي ومئزره العتيق

يسد ما حفرته ألسنة الكلاب

فاجتاحه الطوفان حتى ليس ينزف منه جنب أو جبين (1)

والفئة الثانية هم الثائرون الذين ما يزال إلههم فيهم يحمل في مقدمتهم راية الثورة، - إلههم العربي رمز الحياة والقوة - وتحطم على أيدي أولئك الثوار ما عداه من آلهة كانت تعبد لأنها ترجى أو تخشى:

وجاء عصر سار فيه الإله

عريان يدمى كي يروي الحياة

واليوم ولى محفل الآلهة (2)

وتحطمت التيجان، وبدا الانطلاق يهز الشعوب من رقدتها، ولهذا نسمع الشاعر يقول في خطابه لجميله بوحيرد:

(1) أنشودة المطر: 61.

(2)

المصدر السابق: 73.

ص: 268

بالأمس وارى قومك الآلهة

ولكنه سرعان ما يرى فيها " نفحة من عالم الآلهة " ويريدها أن ترفع أوراس إلى السماء " حتى نمس الله حتى نثور ".

أما الفئة الثالثة فهي جماعة المغلوبين والمستسلمين إلى سبات عميق، وهؤلاء هم جميع الشعوب العربية التي يصفها بقوله:

إنا هنا كوم من الأعظم

لم يبق فينا من مسيل الدم

شيء نروي منه قلب الحياة

إنا هنا موتى حفاة عراة (1)

هم سكان " وهران " التي لا تثور؟ وبما أن هؤلاء موتى، لهذا مات محمد فيهم كما اندثرت معاني الألوهية بينهم:

فنحن جميعنا أموات

انا ومحمد والله

وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة

عليها يكتب اسم محمد والله

على كسر مبعثرة من الآجر والفخار (2)

وحينما كان الناس ضعفاء مغلوبين باكين كان زمزهم الالهي على شاكلتهم. ولهذا، كان في الريف يحمل راية الثوار، أما في يافا فقد رآه القوم " يبكي في بقايا دار ":

وأبصرناه يهبط أرضنا يوما من السحب

(1) أنشودة المطر: 77.

(2)

المصدر السابق: 83.

ص: 269

جريحا كان في أحيائنا يمشي ويستجدي

فلم نضمد له جرحا

ولا ضحى

له منا بغير الخبز والأنعام من عبد. (1)

تلك هي الصورة العامة التي تتمثل للألوهية في قصائد هذه الفترة ومع أننا لا ننفي الجرأة التي صاحبت التعبير هنا، كما لا ننفي إيمان الشاعر بأن اله كل قوم يكون شاكليهم، فاننا نرى أن الدافع لهذا التصور إنما يمثل غيرة دينية على ما أصاب الشعوب العربية والإسلامية من ضعف شديد، ولهذا ذهب في تيار هذه الغيرة المقترنة بروح الثورة يطلب ان يعيد العرب؟ كما أعاد عرب المغرب فيهم - محمدا والهه " العربي ".

لهذا نجد في هذه القصائد التي يجوز تسميتها بالقصائد العربية ميزة فارقة من السهل تمثلها إذا نحن تذكرنا حديث أفلاطون في الجمهورية عن " الكهف " الذي يعيش فيه بنو الإنسان أسرى ومن ورائهم نار تنعكس على ضوئها أشباح لحقائق الخارجية فيظنونها حقائق، حتى إذا قيض لأحد منهم أن يخرج إلى النور الحقيقي بهزه ضوء الشمس (رمز المثال الاسمى) ؟. أقول: أن هذه القصائد " الكهفية " تمثل مسير الشاعر من خلال المفهومات الجماعية إلى حومة الذات، إلى الكهف القديم المريح الذي يتمثل في الرحم أو في القبر، فهو؟ على نحو ما - يجد الراحة في أن يكون بين الموتى، ويرى نفسه دائما دائما دفينا؛ لقد عاد إلى مشكلة الموت ولكن لا ليكون وحده بل ليكون مع موتى كثيرين من أمته، وتخايله فكرة الولادة الجديدة أو الانطلاق من الكهف على لمعان أسنة الثائرين في المغرب، ولهذا نراه

(1) المصدر السابق: 85.

ص: 270

يتلذذ بتعذيب الذات في المقارنة بين موته وموت من هم على شاكلته وبين الأحياء، ويتملكه الشعور بالخجل بل بالخزي من انه لم يستطع بعد أن يهب من رقدة القبر، أو أن ينطلق من ذلك الرحم المظلم؟ أن الصراع بين الحقيقة الداخلية في الكهف؟ أي الموت - وبين الحياة في خارجه هو لحمة تلك القصائد وسداها، وهذا لا يتضح إلا إذا عرضنا لكل قصيدة منها بشيء من التحليل.

وأول هذه القصائد وهي " في المغرب العربي " تصور إنسانا ميتا في الحقيقة ولمنه حين استيقظ رأى قبره؛ وهذا رمز لإنسان الشرق العربي الذي تحطمت حضارته (رمزها المئذنة التي كان قد كتب عليها اسم الله ومحمد) واندثرت، وأخذ الغزاة الحفاة (لأنه لا حضارة لهم) يركلون ذلك الحطام بأقدامهم دون أي اهتمام بقداسة تلك الرموز الحضارية؛ وعلى مقربة من قبر هذا الميت العائد إلى اليقظة كان هناك قبر جده صنع تلك الحضارة، وصوته ينبعث من وراء القبر (1) :

يا ودياننا ثوري

ويا هذا الدم الباقي على الأجيال

يا ارث الجماهير

تشظ الآن واسحق هذه الأغلال

وقد حقق هذا الجد انتصارات في ذي قار، ولكن أبناءه انقسموا فريقين، فريق حمل راية الثورة في جبال الريف وفريق عرف عار الهزيمة في يافا. ترى ما الذي حطم هذه الحضارة؟ أنها غارات الجراد من تتر وصليبيين وهما سيان، فلما اندحر الصليبيون بالأمس جاءوا اليوم ينتقمون لانفسهم من قوتنا وانتصارنا وانتصار إلهنا؛ وهكذا ارتبط الماضي والحاضر بارتباط قبرين (كهفين متجاورين يعيش فيهما

(1) أنشودة المطر: 84.

ص: 271

الجد وحفيده) ، وما كاد هذا الربط يتم حتى تنفس عالم الأحياء، وعلت تكبيرة الثوار وأطلت شمس النهضة من كوى حضارتنا في قصر " الحمراء ".

وهب محمد وإلهه العربي والأنصار

فالقصيدة تفتح بصورة كهفية يطل منها إنسان المشرق العربي، - يقوم من قبره - ليرى كيف كان القبر المجاور له سر تلك الحضارة التي تتمثل في آجرة نقش عليها اسم الله ومحمد، ثم ليبصر الشمس؟ شمس الثورة الجديدة - تطلع من المغرب. ان هذه القصيدة من اشد القصائد التي لا يعتور بناءها افتعال أو ضعف، وكأنها قد وضعت عفوا، فجاءت العفوية في خطتها اجمل من البناء المعتمد، وفيها تتحد العلاقات بين الواقع والرموز، وتعد المقارنة بين الحاضر والماضي وبين الحفيد والجد (وتغير معنى الألوهية بين ذي قار ويافا) وبين المشرق العربي والمغرب العربي وبين الصليبية القديمة والجديدة من اجمل ما استطاع السياب ان يكتبه في محتوى شعري، أما الخاتمة التي تستشرف اليقظة الكلية لشقي العالم العربي فأنها من اشد النهايات ارتباطا بكل ما تقدمها. لقد نسج السياب تاريخ الأمة العربية من خلال بضع لمحات ورموز، وكان رحب النفس رحب الأفق طلقا رغم الدقة التركيبية في المبنى، فجاءت قصيدته منطلقة متفتحة رغم أنها اعتمدت على القاعدة الكهفية، وما ذلك إلا لأنه انحاز في النهاية إلى الشمس، إلى اليقظة على الأضواء المنبثقة من كوى الحمراء. وانا على يقين من أن الأستاذ صلاح عبد الصبور قد حكم على هذه القصيدة يوم نقدها حكما سريعا، فان الوتر الديني فيها لا يعدو ان يكون عاملا مساعدا في تصوير ماضي أمة اعتمدت في نهضتها على الدين، وقد حاول الشاعر جهده ان يعطي لهذا الدين صبغة قومية لكي ينسجم مع موقفه الحديث كما ان القصيدة ليست بحاجة إلى التمييز المستمر بين صوتين، لان الصوت

ص: 272

الثاني يشبه حديث الكورس في الرواية اليونانية، وقد قص علينا هذا الصوت قصة غزو الجراد مرتين مرة في القديم ومرة في الحديث، ولم تكن بالقصيدة من حاجة إليه في مواقف أخرى.

وثاني هذه القصائد وهي " قافلة الضياع " تتحدث عن حال اللاجئين الفلسطينيين، وتعتمد في مبناها الصوري على مجموعه من الكهوف، فقافلة اللاجئين التي تحمل جثة هابيل لتدفنه ليست سوى صورة أخرى من هابيل المسلول الجائع المطروح في كهف أو كهوف متلاصقة تسمى؟ على سبيل المجاز - بيوتا، وهذه الكهوف من الخيام والصفيح تقبع في كهف اكبر منها يسمى " الليل "؟ فالليل رحم كبير يضم هؤلاء الجائعين، " ويجهض " ملقيا قوافل من السفن تحمل مهاجرين من اليهود ليحتلوا محلهم، وهؤلاء الذين يطرحهم الليل، يجرون معهم نارا شعارها:" أنا النضار " وهي تعيد إلى الحياة صورة " عجل سيناء الذهبي "، وتحفر جدار النور ليتدفق منه الظلام فيجرف كل شيء حتى المسيح، ولا ينجم عن طوفانها إلا ظلام دامس تبنى منه دور اللاجئين؛ ويرجع الشاعر بالبصر إلى أول عهد اللاجئين بالتشرد فيرسم صورة للاجئة حبلى لكي يصور ما تقذفه الأرحام الإنسانية إلى كهف الليل الكبير ثم يعود فيبصر الكهف المظلم الواقع بين مساكن اللاجئين الجديدة ومساكنهم القديمة فيراه كهفا من ظلام يمتد ألف عام؟ بئرا لا قرار لها كهاوية الجحيم، ثم يعود إلى اللاجئين في وضعهم الجديد فيرى كل ليلة من لياليهم رحما عقيما:

كم ليلة ظلماء كالرحم انتظرنا في دجاها

نتلمس الدم في جوانبها ونعصر من قواها

شع الوميض على رتاج سنائها مفتاح نار

حتى حسبنا ان باب الصبح يفرج؟ ثم غار

وغادر الحرس الحدود

ص: 273

هنالك في القصيدة اذن صورتان متعاقبتان: الليل؟ الرحم وما يضم من كهوف، والنار الملتهبة التي تلاحق أطراف هذا الليل كأنها الخيول، وهي النار الخادعة التي كانت تضيء للقابعين في كهف أفلاطون. بل هي اشد من ذلك لأنها التهمت جدار النور - طمست مثال الخير الأسمى المتمثل في نور الشمس) ؛ وإذا كان في القصيدة من اضطراب فإنما مرده إلى عدم التزام الشاعر بتدرج طبيعي وإلى تردده بين حال اللاجئين وتاريخ لجوئهم؛ وقد كانت القصيدة تصويرا من خلال الكهوف مع شيء من التفجع على مصير اللاجئين.

وقد استغل السياب الطريقة السابقة في القصيدة الثالثة وهي " رسالة من مقبرة " وفيها يمجد ثورة الجزائر، فعاد يتصور نفسه في داخل الكهف (القبر) وهو يصيح، رامزا بذلك لإنسان المشرق العربي الذي تغير كل شيء في حاضره حتى صح أن يسمى عالمه قبرا، فالنور فيه دجى، والشمس كرة جامدة، والدود ينخر تلك الكرة، والناس في هذا الكهف أما جائعون: يطبون من صاحب ذلك القبر " رطلا من لحمه الحي "، وأما أشقياء: يريدون ضياء من مقلتيه، وأما جواسيس: يحذرونه من الصعود إلى الجلجلة ومن صخرة سيزيف. ولكنه رغم كل ذلك لا يزال يسمع أصواتا مدوية من خارج الكهف تجيء من عالم الشمس وتتحدر إليه أصداؤها الملونة وتنسكب في فوهة القبر، فيتفاءل باقتراب مخاص " الرحم " الارضي، لا بد ان يأتي القبور مخاض نقذف فيه موتاها، وتبهثها حية من جديد؛ ان سيزيف " وهران " قد ثار وخرج إلى الشمس، ولكن ها هنا " وهران " أخرى (في المشرق) :

آه لوهران التي لا تثور

وتبدو هنا محافظة السياب على رمزي الكهف والشمس وعلى

ص: 274

صلة الأول منهما بالرحم، إلا أن هذه القصيدة ابسط من الأولى التي نسجت على منوالها، ولهذا كانت اقرب منها إلى العفوية، وهي نموذج للتناتج الطبيعي بين المقدمة والخاتمة ولا تذهب روعتها إلا إذا وضعت إزاء البناء المعقد الذي تمثله القصيدة الأولى " في المغرب العربي "، لاشتراك القصيدتين في موضوع واحد، ولكنها تمتاز على تلك القصيدة بالتلاحم القوي والتدرج المحكم في المدى القصير، فهي لا تكلف القارئ شيئا من جهد لاستيعابها.

ص: 275