الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- 30 -
أسطورتان
هكذا كانت اكثر الأسماء الأسطورية أو الرمزية في هذه المرحلة تنطبق على السياب وتلائم ذاته وفرديته، أما الجانب الجماعي منها فكان قد توارى لانعدام الحاجة إليه. ولم يحاول في هذه الأسماء أن يتجاوز الإشارة أو موضع العلاقة، إلا في قصيدتين بناهما كاملتين على الأساس الاسطوري، ولعلهما؟ فيما ارى - خير قصيدتين من قصائد هذه الفترة من حيث العناية بالبناء الفني، وهما " المعبد الغريق " و " نار إرم ".
أما قصيدة " المعبد الغريق " فقد استوحاها السياب من خبر عارض ذكر روايه أن في بحيرة شيني التي يصب فيها نهر الباهنج في الملايو معبدا بوذيا غرق في قعر البحيرة بسبب زلزال بركاني حدث قبل ألف سنة، وفي المعبد كنوز تحرسها تماسيح ووحش له عين حمراء واحدة في مثل حجم كرة البنج بونج؟. " (1) ومن هذا الخيط نسج الشاعر قصيدة كاملة: فصور شيخا في حانة يعب الخمر ويقص قصته عن " رحم البحيرة " الذي تفجر باللظمى حتى قر عليه كلكل معبد مليء بالكنوز وطفا التمساح فوقه يحرح فوقه يحرس تلك الكنوز وسمى الوحش ذا
(1) مجلة شعر (العدد: 22) ص:45.
العين الواحدة " الأخطبوط "، وهنا تذكر ان هذين الحيوانين وغيرهما من الحيوانات عاشت آلاف السنين ولم يستطع الفناء ان يصيبها بسهامه وسخر من الإنسان الفاني الذي يحرس ألوفا من الكنوز الغارقة (دون فلك الضمير)، وهو ما يزال عبدا مسترقا (1) :
هنالك ألف كنز من كنوز العالم الغرقى
…
ستشبع ألف طفل جائع وتقيل آلافا من الداء
…
وتنقذ ألف شعب من يد الجلاد، لو ترقى
…
إلى فلك الضمير!
…
أكل هذا المال في دنيا الأرقاء
…
ولا يتحررون، وكيف وهو يصفد الاعناق، يربطها إلى الداء؟
…
والتفت الشاعر إلى عوليس الذي ما فتئ يجوب البلاد، فأخذ يقنعه بالذهاب إلى معبد شيني لان العودة إلى الوطن لم تعد مجدية إذ شاب الابن وأصبحت الزوجة عجوزا خرقة، وتبين له ان كنوز ذلك المعبد في انتظاره، أما شبع من الدم الذي أريق على أرض طروادة؟ ومن اجل ماذا؟ من اجل فجور أنثى اسمها (هيلين) وإشباع الرغبة في الثأر؟ أهكذا يقتل الإنسان أخاه؟ إن أرض طروادة لا تفترق في شيء عن ارض العراق التي شهدت أنها الحقد وهي تتدفق بالخناجر والعصي، وبالأجساد التي تجرر بالحبال. وهل الذي شهد حرب طروادة وعقارب " الرقاع " وهي تبث السم في الجسوم يجفل من بعض حيوانات تحرس الكنز؟
هلم نشق في الباهنج حقل الماء بالمجذاف
…
ويلح الشاعر في النداء على " عوليس " ليقطعا معا ليل آسية الطويل قبل ان تطلع عليه شمس " النظار " فيأكل هذا الوحش الموتى ويشرب
(1) المعبد الغريق: 97.
من دم الأحياء ويدس في القبلات مدى من حشرجات الموت، ويؤكد له أن عهد النبوات لم يظهر بعد، وان شريعة القوة والغضب ما تزال هي المسيطرة، وان تأليه القائمين على البحيرة أمر ممكن فطالما رفع الإنسان آلهته إلى قمة جبل.
ويبدو ان نواة القصيدة في مخيلة الشاعر كانت تعتمد المقارنة بين الوحوش الخالدة حارسة الكنز في البحيرة، وبين الإنسان الفاني الذي يحرس آلافا من الكنوز دون أن يستطع التحرر، ثم تطورت القصيدة بين يديه إلى مستوى جديد حين استحضر صورة عوليس وحرب طروادة وأخذ يجري المقارنة بينهما وبين وضع العراق في عهد قاسم، ولكنه لم يستطع ان يدرك معنى عميقا وراء عودته هو وعوليس إلى بحيرة شيني، فقد بدأ من طبيعة القصيدة أول الأمر أنها دعوة إلى استغلال مخزونات الطبيعة في سبيل رقي الإنسان ونهضته بدلا من انشغاله بالحروب والفتن، ثم تبين أنه يريد العودة إلى بحيرة شيني لأنه يريد أن يتوارى في ظلمات ليل آسية قبل ان يطلع " التبر " مثل وحش يأكل الموتى، انه يريد هو وصاحبه أن ينعما في ظلمات القرون وغيابات الجهل، مطمئنين إلى ان شريعة " الغضب " وتأليه الإنسان للقوى التي يورد تأليهها ما يزالان يحكمان الوجود؛ وهذه غاية من أسوأ ما تنتهي إليه قصيدة حتى ولو كنا اأخذ هذا القول على محمل السخرية. ولا ريب في أن الذي أوقع السياب في هذا المزلق هو فكرته الوعظية عن الذهب وقدرته على إفساد النفوس، تلك الفكرة التي استدها شعريا من اديث سيتول واستمدها معتقدا من القصص الذي يتمتع أحياناً بمسحة دينية، ورآها عمليا فكرة محببة حين أخفق في أن يجد " النقود " التي تعينه على المرض ومصاعب العيش. وتتعرض القصيدة لعيب آخر، عدا هذا التحول القاصم الذي أصابها، وهو تفكك التعبير وانبساطه وتمدده دون اعتماد على الايجاد، وقد ظهرت المقارنات فيها؟ من ثم
ساطعة تفسيرية، وتلك عودة إلى عهد " حفار القبور " و " المومس العمياء "؛ وهذا المبنى اقرب إلى طبيعة السياب إلا أنه من الناحية الفنية أشد صلة بالتقرير أو الإقناع الذهني. ومع ذلك فأننا نميز هذه القصيدة بالحرص على المبنى الفني المحكم إذا نحن قارناها بأكثر قصائد هذه الفترة.
وبين " المعبد الغريق " و " إرم ذات العماد " مشابه شكلية؛ إذ يفتتح الحديث في كل منهما قاص، فالأول كان يهمس جاحظ العينين وهو يعب الخمر عما حدث في البحيرة من هوي للمعبد تحت سطح الماء، والثاني كان يشرب الشاي ويدخن سيكارة وهو يقص قصة " إرم " التي اختفت عن عيون الناس فهي تطوف الأرض فلا تراها إلا عين امرئ سعيد مرة كل أربعين سنة، ويشرك المعبد وإرم في الاختفاء عن الانتظار ولكن كلا منهما يمثل رمزا مستقلا، فالمعبد يمثل السعي نحو المستقبل، نحو الكنز المخبا، وإرم حلم الماضي (1) .
حلم صباي ضاع؟. آه ضاع حين تم
…
وعمري انقضى.
…
وليس في بناء قصيدة " ارم " جهد كالذي بذله الشاعر في القصيدة السابقة، لأنه هنا اكتفى بقصة قصيرة ومنح للقصيدة شكلها البسيط، ولكنه اعتمد على بعض ضروب الربط والاستنكار، ففي خلال القصة ربط بين بحثه عن اللؤلؤة الفريدة وبين " نجمته البعيدة " وتذكر قصة عنتر وعبلة، وفي سيره حول سور ارم تذكر السندباد وطوافه حول بيضة الرخ، وفي وقفته في الظلام رأى نفسه مثل ناسك لا يقبله الاله في حماه وهو يدعو مسترحما؛ وبقوة هذه الانتقالات التي لم تتحول إلى استطرادات، تعمقت الأسطورة وازدادت خصبا، وتعمقت إيحاءاتها في نفس القارىء؛ ولكن السياب لا يستطيع ان يترك مشكلة يطرحها
(1) الشناشيل: 18.
دون حل، ولذلك قدم التفسير الختامي لها رغم أنها قادرة دون ذلك التفسير على ان تنقل من خلال الحلم الأسطوري شعورا عميقا بالأسى على استلاب اليقظة للمعجزة التي حققها الحلم، وحين يقول السياب:
وقال جدنا ولج في النشيج
…
ولن أراها بعد أن عمري انقضى
…
وليس يرجع الزمان ما مضى
…
سوف أراها فيكم فانتم الأريج
…
بعد ذبول زهرتي.
…
فانه ملتزم بتعميق الأسى على " الضائغ " من طريق استخلاص العبرة أو المغزى الكامن وراء احتجاب ارم، وهي طريقة مدرسية توضيحية لم يستطع الاستغناء عنها لأنه كان يؤثر أن يكون ما يقوله مفهوما واضحا بذاته دون لجوء إلى تأويلات مختلفة؛ وقد سلمت قصيدة " إرم " من التفكك والتمدد في التعبير فجاءت تعبيراتها محكمة موشحة بالايجار غالبا، وكان ذلك من العوامل التي تقوي تأثيرها في النفس إلى جانب بساطتها القصصية، وواقعيتها في النقل. وحين أحس السياب انه حقق في هذه القصيدة مبنى جميلا نظم على مثالها قصيدة " شناشيل ابنة الجلبي "(1) فجاءت صنوا لها في الغاية والمبنى المكون من أسطورة وحل، وفي شيء من اتساق السرد وان كانت قصيدة الشناشيل مثقلة بتزاحم الصور.
وتدل قصيدة الشناشيل على انه كان في مقدوره أن يخلق الأسطورة ولكنه كان؟ فيما يبدو - معجلا عن ذلك، لأسباب أقواها ان اللجوء إلى الأسطورة يتطلب تأنيا في الرسم للمبنى، وكان في هذه
(1) نظمت قصيدة " ارم " يوم 21 - 2 - 1963 وبعد ثلاثة أيام نظمت قصيدة الشناشيل.
الفترة يتدفق بالشعر تلقائيا كأنه يخشى التأمل والصمت؛ كان حديثه إلى نفسه هو البرهان الوحيد على أنه ما يزال يحيا وينتج شعرا، وكان ذلك الحديث هو نفسه تلك القصائد، وفي مثل هذا الانسياب الطوعي يتضاءل الاهتمام بخطة البناء، ويصبح أي دفق شعوري هامر قادرا على التحول إلى إيقاعات تسمى شعرا؛ وهناك سبب آخر يبعده عن الرمز والأسطورة وذلك هو سطوع الحقيقة المادية على نحو يتضاءل إلى جانبه كل رمز، بل يصبح أي لجوء إلى الرمز مضحكا. ومن اجل التعبير عن تلك الحقيقة المادية؟ بكل أبعادها - جاء الشعر منساقا بقوتها وسطوعها، ولم تدع قوتها مجالا للتأمل، لأنها كانت أقوى من كل ما قد يستشف منها (1) :
ممض ما أعاني: شل ظهر وانحنت ساق
…
على العكاز أسعى حين أسعى عاثر الخطوات مرتجفا
…
غريب غير نار الليل ما واساه من أحد
…
بلا مال بلا أمل يقطع قلبه أسفا
…
ألست الراكض العداء في الأمس الذي سلفا؟
…
ولهذا كان اللجوء إلى الصراحة السافرة والقول التحقيقي المحض طريق الشاعر التي قل ان يجد طريقا سواها (2) :
ألفيتني أحسب ما ظل في جيبي من النقد
…
أيشتري هذا القليل الشفاء؟
…
وتحت سياط هذه الحقيقية المادية وسفافيدها لم يعد الشاعر يعنى حتى بقوة اللمح الشعري. انه يريد ان يصور كل ما في عالمه المحدود على
(1) منزل الاقنان: 87.
(2)
منزل الاقنان: 100.
حقيقته، ولذلك ضاع الحد بين ما يمكن ان يقال وما يمكن ان يظل مطويا وراء حجاب الصمت؛ فإذا ثار على زوجته عبر عن تلك الثورة بمرارة لا تطاق، وإذا أحس بالحرمان الجنسي اندفعت الكلمات المحمومة تقول في صراحة (1) :
نهداها
…
يتراعشان، جوانب الظهر
…
تصطك، سوف تبل بالقطر
…
وهناك أمثلة كثيرة تعبر عن وقائع الحال بصراحة لا تعرف الكنابة أو المواربة، وتقترب في دقتها من الخبر الصحيح، لا أرى موضعا لإيرادها.
قلت: كان في مقدور بدر أن يخلق الاسطورة، لأنه بعيد عودته إلى حمى " الروحية " آثر الانسحاب من المدينة والعودة إلى جيكور عملا؟ لا تصورا، وحين صدم بواقع جيكور عاد إلى الماضي واخذ يحيي قصصه القديمة، وكأن في مقدوره؟ كما فعل في قصيدة الشناشيل - ان يجعل من كل قصة اسطورة، ولكنه لم يفعل، واكتفى بالتذكر والاستعادة، إذ لم يكن الماضي سوى مثابة للراحة من آلام الواقع؛ وهذا إيجاز لما تم يتطلب التوضيح من زاوية العلاقة بالشعر.
(1) الشناشيل: 69، وانظر أيضاً: منزل الاقنان: 61 - 63.