الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- 2 -
صورة وذكريات
غلام ضاو نحيل كأنه قصبة، ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل، على عنق دقيقة تميل إلى الطول، وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان، وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله أو تأمل العينين الصغيرتين العاديتين على جانبيه فم واسع، تبرز " الضبة " العليا منه ومن فوقها الشفة بروزا يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان كأنه عمل اقتسامي، وتنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه " الحنطي " فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة، وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين.
ولو حفظ المرء حكمة " ضمرة بن ضمرة " التي يقول فيها: " إنما المرء بأصغريه، وإن لا تكال بالقفزان " وكررها على نفسه عشرات المرات، لم تغنه شيئا كثيرا عما يعتقده الناس إذا هم طالعوه منظره، وخاصة حين يبكون الأمر بحثا عن الطريق الموصلة إلى قلب المرأة.
وقد كان من شقاء بدر الذي ورث الضعف الجسماني عن أبيه أن انفق حياته القصيرة منذ أدرك الحلم إلى أن مات، وهو يبحث عن القلب
الذي يخفق بحبه، دون أن يجده، وكان افتقاره إلى الوسامة هو القفل المصمت على القلوب العديدة التي حاول ان يفتحها، وكم استأنس بومضة عين، ونسخ من شعاعها قصة حب يخدر بها اخفاقه، ولكنه كان في قرارة نفسه واعيا بأن الحب في كل مرة كان من جانب واحد.
وشوشة المراهقة في أذن بدر وحسيسها وهي تنساب في أعصابه، وألسنة لهيبها وهي تحرق زرع سكينته، هي التي جعلته يميز أبعاد الألم والحرمان والاخفاق، ويستسلم إلى السوداوية والدموع والحسرة واللهفة. غير أن المراهقة تمثل نهاية وبداية؟ نهاية لما قبلها وبداية لما بعدها؛ ومن الخطأ ان تتجاوز سنوات الطفولة والصبا الأول بهذه السرعة لنركز القول في الفترة المراهقة وما بعدها. لكن من يدرس حياة بدر يضطر إلى ذلك لأن الذين عايشوه لم يعودوا يذكرون منه إلا الشاعر المشهور؛ وهو نفسه حين يعود إلى ماضيه الأول لا يتذكر إلا أمورا بارزة منها فقد الأم وزواج الأب من امرأة أخرى؛ وفي إحدى الرسائل يقول السياب انه حرم عاطفة الأمومة وهو ابن أربع (1) ، غير ان أخاه مصطفى يذكر ان والدتهما توفيت سنة 1932، فإذا لم يكن الأمر سهوا من مصطفى فان " تصغير " بدر لسنه يدل على إمعانه في إثارة الشفقة على حال قلوب عارفيه. ويذكر بدر من أيام طفولته الأولى كيف بكى حينما قتل أحدهم كلبة ذات جراء وكان اكثر ما أبكاه منظر جرائها اليتامى؛ كما يذكر عطفه على زنوبة التي كانت تخدم في منزلهم حين سرقت حفنة من أرز، واكتشف أهله سرقتها، فنثروا الأرز في إحدى الغرف، وطلبوا إلى زنوبة أن تذهب لكنسها، فلما رأت الأرز علمت أن أمرها قد افتضح (2) .
وتشمل ذكرياته أقاصيص جده؟ على نحو مبهم - وقصص
(1) إلى خالد الشواف (23/ 11/ 1942) .
(2)
الحرية (1441) 14 آب 1959.
العجائز من عمة وجدة وغيرهما، ومن أقاصيصهما حكاية " عبد الماء " الذي اختطف زينب الفتاة القروية الجميلة، وهي تملأ جرتها من النهر، ومضى بها إلى أعماق البحر وتزوجها، وأنجبت عددا من الاطفال، ثم رجته ذات يوم ان تزور أهلها، فأذن لها بذلك، بعد أن احتفظ بأبنائه ليضمن عودتها، ولكنها لم تعد، فاخذ يخرج من الماء ويناديها ويستثير عاطفتها نحو اطفالها، ولكنها أصرت على البقاء، وأخيرا أطلق أهلها النار على الوحش فقتلوه، أما الأطفال فتختلف روايات العجائز حول مصيرهم (1) . كذلك تشمل ذكرياته لعبة على شاطئ بويب، وهو لا يفتأ يذكر بيتا في " بقيع " يختلف عن سائر البيوت، في ابهائه الرحبة، وحدائقه الغناء، ولكن اشد ما يجذب نظرة في ذلك المنزل الإقطاعي تلك الشناشيل؟ وهي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف والزجاج الملون - وكم وقف يرقب تلك الشرفة التي تمثل الثراء والجاه بعين الفقير المحروم، من يدري لعل ابنة " الجلبي "؟ ذلك الزعيم الإقطاعي - تطل منها:
ثلاثون انقضت وكبرت، كم حب وكم وجد
…
توهج في فؤادي؛
…
غير أني كلما صفقت يدا الرعد
…
مددت الطرف ارقب ربما ائتلق الشناشيل
…
فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي (2) .
…
لكن ابنة الجلبي لم تطل ولم تقبل؛ ترى أكان للجلبي ابنة ام أن أحلام بدر خلقتها دمية تعبد دون أن ترى؟
أما عهده المدرسي في مدرسة باب سليمان الابتدائية بأبي
(1) العدد الأسبوعي من جريدة الشعب (رقم: 61) السبت 12 تموز، سنة 1958.
(2)
شناشيل: 9.
الخصيب، ثم في مدرسة البصرة الثانوية حتى 1942 فليس لديه عنهما الشيء الكثير من الخبر؛ ويفهم من كلام صديقه الوفي محمد علي إسماعيل انه قال الشعر وهو في المرحلة الابتدائية، وكانت قصيدته وصفا لمعركة القادسية، وقد حمله المدرس على ذراعه حين اخذ يلقيها (1) ؛ ولعله في هذه المرحلة من العمر، وهو يستشرف أحد الامتحانات، نذر شمغة " لصاحب الزمان " إذا هو نجح في الامتحان، فلما تحقق له مراده وحانت ليلة الثامن عشر من رجب، لم يكن معه فلسان يشتري بهما الشمغةالمطلوبة، وخشي من ان يخبر أهله بنذره لان النذر مما يقوم به النساء لا الرجال، وتفتق ذهنه عن ابتكار جديد، فقد احضر زجاجة فارغة وملأها بالنفط، ثم اخذ قطعة من القماش وضع فيها فتيلة ركبها في القنينة، وسد فوهتها بعجم التمر، ثم أوقدها وطرحها في الماء (2) . وفي المرحلة الثانوية بالبصرة سكن في محلة مناوي الباشا، ونظم قصيدة يحن فيها إلى جيكور، وكان محمد علي إسماعيل يساكنه فترة من الزمن، ويذهبان كل جمعة إلى ابي الخصيب، ومرة وجد أزهار الدفلى قد يبست فنظم قصيدة مطلعها:
لفح الأوام ازاهر الدفلى
…
فذوت كما يذوي سنا المقل (3) وكان شديد الاحتفال بهذه القصيدة، يتغنى بها وينشدها لاصدقائه، حتى لنه عاد إليها سنة 1944 فزاد فيها الأبيات التالية (4) :
(1) الثورة العربية 18/ 7/ 1965، ويقول بدر انه تظم أول قصيدة عامية وه في السنة الأولى من دراسته الابتدائية، ونظم أول قصيدة بالفصحى وهو في السنة الخامسة الابتدائية في موضوع وطني وكانت صحيحة الوزن مليئة بالأخطاء النحوية (أضواء: 18) .
(2)
جريدة الشعب (رقم: 4090) بتاريخ 15/ 2/ 1958.
(3)
الثورة العربية 18/ 7/ 1965.
(4)
رسالة إلى خالد 26/ 7/ 1944.
لرجوت لو دامت غضارتها
…
وصل التي وعدت فلم تصل
وقد كان وشك ذبولها أجلا
…
للملتقى ففجعت بالأجل
ولكنت آمل أن اقبلها
…
واعب خمرة حسنها الثمل
أما وقد ذبلت فلا أمل
…
لي بالقاء فكيف بالقبل غير انه؟ فيما يبدو - لم يحتفظ بشيء من هذه القصائد الأولى، وأقدم قصيدة مؤرخة من شعره تحمل تاريخ 1941، حين كان في ثانوية البصرة، وعنوانها " على الشاطئ " ومطلعها (1) :
على الشاطئ أحلامي
…
طواها الموج يا حب
وفي حلكة أيامي
…
غدا نجم الهوى يخبو عزاء قلبي الدامي
…
وهي ركيكة النسج، فاستبقاؤها وحذف ما قبلها لا يثني بخير كثير على همهمات فترة القرزمة، وقد كتب بدر في نهايتها عبارة اعتذارية خشية من النقد فقال:" أتسجل هنا ما قلته في سن الخامسة عشرة؟ ". على ان القصيدة فيها جميع المواد التي كان علي محمود طه المهندس يصنع منها قصائده: فيها الفجر والشاطئ والأحلام وموكبها والموج والزورق والتسبيح وما إلى ذلك.
(1) رسالة إلى خالد في 26/7/1944.