المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

- 1 - ‌ ‌أحجار جيكور على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي - بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

[إحسان عباس]

الفصل: - 1 - ‌ ‌أحجار جيكور على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي

- 1 -

‌أحجار جيكور

على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، وعلى مسافة تقطعها السيارة في خمس وأربعين دقيقة تقع " أبو الخصيب " التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى، من بينها قرية لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة تقع على ما يسمى " نهر أبو فلوس " من شط العرب وتدعى " جيكور "، تسلك إليها في طريق ملتوية تمتد بالماشي مدى ثلاثة أرباع الساعة من أبي الخصيب، وهي الزاوية الشمالية من مثلث يضم أيضا قريتين أخريين هما بقيع (بكيع) وكوت بازل؟ قرى ذات بيوت من اللبن أو الطين، لا تتميز بشيء لافت للنظر عن سائر قرى العراق الجنوبي، فهي عامرة بأشجار النخيل التي تظلل المسارح المنبسطة ويحلو لأسراب الغربان أن تردد نعيبها فيها، وعند أطراف هذه القرى مسارح أخرى منكشفة تسمى البيادر تصلح للعب الصبيان ولهوهم في الربيع والخريف، وتغدو مجالا للنوارج في فصل الصيف، فكل امرئ يعمل في الزراعة، ويشارك في الحصاد والدارس، ويستعين على حياته بتربية الدجاج أو الأبقار، ويجد في سوق البصرة مجالا للبيع أو المقايضة، ويحصل على السكر والبن والشاي وبعض الحاجات الضرورية الأخرى لكي ينعم في قريته بفضائل الحضارة المادية، وإذا كان من الطامحين إلى " الوجاهة " فلا بأس أن

ص: 17

يفتح " ديوانا " يستقبل فيه الزائرين من أهل القرية أو من الغرباء ليشاركوه في فضائل تلك الحضارة المادية.

واكثر سكان جيكور إن لم نقل جميعهم ينتمون إلى عائلة واحدة هي آل " السياب "، وتمتد منازل بعضهم إلى بقيع حيث تجاورهم عائلات أخرى تربطهم بها صلة المصاهرة، أما كوت بازل فان آل السياب ينظرون إليها بنوع من الشنآن الناجم عن أحقاد وترات قديمة، ولذلك كانت الروابط بينها وبين جيكور واهية أو عدائية. وحين ندرس مواقع هذه القرى الثلاث في شعر بدر نجد كوت بازل؟ للسبب المتقدم - ممحوة مطموسة المعالم، ونجد " بقيع " باهتة تتضاءل أمام لألاء " جيكور: التي كانت منزلا لجد السياب لأمه، ففيها نشأت أمه " كريمة "، واليها كانت تتردد حتى ادركتها الوفاة.

وحين زفت كريمة إلى شاكر السياب؟ وهما ابنا عم - انتقلت من جيكور إلى بقيع وعاشت في البيت الكبير؟ بيت العائلة أو بيت الجد - عبد الجبار مرزوق السياب - وأبنائه عبد القادر وشاكر وعبد المجيد واخواتهم، وهو بيت أساسه مبني بالطابوق وسائره بالبن، وواجهته الشارعة على المجتمع القروي " ديوان " يفي الناس إلى ظله حيث يرتشفون القهوة والشاي ويتبادلون الأحاديث المختلفة، ويتناقلون الأخبار، وفي أمسيات رمضان يتحلقون حول قارىء أو رواية يقص عليهم قصة فتوح الشام أو يقرأ في سيرة عنترة أو غيرها من " ملاحم " شعبية تغذي مشاعر الريفيين، وتنقلهم من عالم الكدح وراء الرزق إلى دنيا البطولات؛ وكثيرا ما كانوا ينصتون إلى حديث مرزوق السياب (جد شاكر) وهو يتحدث اليهم عن نابليون الثالث وعن العرب في إيران وعن موضوعات أخرى أصبحت شريطا طويلا من الذكريات التي لم تفارق مخيلة والد الجد في سن كبيرة (1) . ولو أتيح لك أن تزور ذلك

(1) توفي مرزوق (جد والد الشاعر) عن سن كبيرة سنة 1936.

ص: 18

" الديوان " في أعقاب 1930 لعلق نظرك بثلاث صور بين الصور الكثيرة التي كانت تزين الجدران هي صورة كل من أبي التمن وسعد زغلول وكمال اتاتورك، وهم جميعا يعدون طلائع حركات تحريرية أو على الأقل ما كان يعرف بالحركات التحريرية في ذلك الأوان؛ واذن لوجدت أن جو الديوان لا يعلق برائحة البن والشاي وحدهما، وإنما يتموج فيه دخان نقمة على الاحتلال المقنع بقناع الاستقلال، وميل إلى الثورة على الظروف السائدة. وكان اللسان المعبر عن تلك النقمة هو عبد القادر السياب، أكبر الاخوة من أبناء عبد الجبار، ولذلك فانه سرعان ما وجد نفسه عضوا عاملا في حزب سري، أطلق أعضاؤه على أنفسهم أسم " الحزب اللاديني " واخذوا يعقدون اجتماعاتهم في ذلك " الديوان " نفسه، وينشرون مقالاتهم في صحيفة لبنانية اسمها " الشمس "(1) .

ورزق شاكر وكريمة ثلاثة من البنين وبنتا واحدة توفيت كريمة بعد وضعها ثم لحقتها الطفلة بعد قليل (سنة 1932) ، فلم ينعم بدر؟ وهو ابنها الأوسط بين عبد الله ومصطفى - في ظل أمومتها إلا قرابة ست سنوات (2) ، كان في أثنائها شديد التعلق بها، يصحبها كلما حنت إلى أمها في جيكور فخفت لزيارتها، أو قامت بزيارة عمة لها تسكن عند نهر " بويب " ولها على ضفته بستان جميل، يحب الطفل ان يلعب في جنباته أو يقطف من ثماره في ابان الثمر؛ وكثيرا ما كانت الام تذهب إلى أرض والدتها الواقعة على بويب أيضاً، فكان عالم الطفل الصغير يومئذ هو تلك الملاعب التي تمتد بين أحياء جيكور ومزارع بويب، وربما بقي هذان المكانان نصيبه من الحياة حتى النهاية، فبينهما غزل خيوط عمره وذكرياته وأمانيه، ومزج ثراهما بدموعه، وفي أعماق قلبه

(1) الحرية، العدد 1441/ 14 آب 1959.

(2)

ولد بدر سنة 1926.

ص: 19

حفر لهما صورة لا تنسى، وكان كلما مضى يشق دروب الحياة مثلا أمامه شاخصين يوهنان من عزمه ويردانه إلى الماضي ويجرانه إلى حلم طويل. وكان مما زاد في تعلقه بهما انه دفن في ثراهما أمه، فأصبح هذان المكانان هما الطبيعة - الأم، مجازا وحقيقة، وازداد إمعاناً في توثيق الوشائج بين قلبه وقلبيهما حين خيل إليه أن أباه قد أساء إلى علاقة مقدسة بزواج ثان، وشغل بزوجه الجديدة عن أطفاله، فدفع بالطفل إلى مزيد من التعلق بعرق الثرى، وفترت علاقته بوالده الذي يمثل الجحود والعصا وصوت المؤدب، ومضى يبحث عن أمه فوجد صورتها وقلبها الطيب في جدته التي تعيش في جيكور، وهكذا تضاءلت صلته ببقيع، فلم يكن يذهب إلى بيت أبيه إلا لماما، وكان أبوه يعتد هذا جفاء وإعراضا، لأنه كان يرجو لو أن أولاده ظلوا في كنفه وكنف " أمهم " الجديدة.

ولجيكور ميزة أخرى على بقيع لأن الطفل يحس كلما ذهب إليها انه منفرد أو كالمنفرد بعطف جدته وحنانها، أما بقيع فليست هي تجسيدا لزوجة الأب وحسب، بل أن بيت العائلة فيها يعج عجيجا بالناس من كبار وصغار ويلتقي فيه ثلاثة، وتحنو فيه كل أم على أطفالها، دون أن تجد متسعا في قلبها لطفل غريب، ويكبر الشعور في نفس الطفل؟ في ذلك الدور الغض - بأنه محروم مطرود من دنيا الحنو الأمومي، ولذا فهو يفر من بقيع فراره من الوحش الهائل الذي يكاد ينشب فيه مخالبه، وينأى عن ذلك الصخب الكثير، إلى طرفة تدسها جدته في جيبه، وقبلة تطبعها على خده، وابتسامة تنسيه ما يلقاه من عنت أو عناء.

والصخب يشتد في البيت الكبير الذي تتلاقى فيه الأجيال المتفاوتة

ص: 20

حين تضيق الحال المادية بين أهله، ولا يجد الفرد فيه متنفسا لأحزانه وآلامه سوى التسخط على هذا التصرف أو ذاك، والحنق على هذا الشخص أو ذاك، ويصحب ذلك من شئون الصراخ و " النتر " ما يؤذي شعور طفل مرهف الإحساس؛ وقد كان آل السياب يعدون في بقيع ثالث ذوي الأملاك، وكانت أملاكهم مشتركة فيما بينهم يتقاسمون غلتها، ويقول بدر:" لقد تحدرت من عائلة تملك بستانين للنخيل يشتغل فيها فلاحون يتقاضون الثمن من النتائج "(1) ، ولكن هذا القول يشير إلى بقية " عز " قديم، إذ أن العائلة بعيد أن جاء بدر إلى هذه قد تورطت في مشكلات كثيرة ورزحت تحت عبء الديون، فبيعت الأرض تدريجيا وطارت الأملاك ولم يبق منها إلا القليل؛ وحين كان بدر في صباه الباكر كان والده لا يملك شيئا ولا يعمل شيئا وإنما يعتمد في رزقه على أخويه. وكل ذلك ينبئ عن أن الضيق المادي في العائلة الكبيرة؟ وهو ضيق متدرج حتى نشوب الحرب العالمية الثانية - كان يخلق النكد في جو البيت، ويؤدي إلى إهمال الأطفال أو التقصير في تلبية مطالبهم، ولهذا كان بيت الجدة في جيكور ارحب صدرا وأوسع أكنافا وابعد - نسبيا - عن شئون النكد والتنغيص.

غير أن الشاعر حين يتحدث من بعد عن بيت العائلة في جيكور فإنما يعني البيت الذي ولد فيه وعاش فيه سنوات الطفولة في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنباته، وهكذا ينبسط اسم " جيكور " على القريتين، إذ ليست " بقيع " في واقع الحال الا حلة من جيكور، وقد دعاه الشاعر في إحدى قصائده المتأخرة " بيت الاقنان " وجعل عنوان القصيدة عنوانا لديوان كامل، وهي تسميه غريبة حقا، سنرجئ الحديث عنها، لنتولى القول فيها حين يحين

(1) الحرية: 1441.

ص: 21

موعدها، ولكن لا بد لنا من أن نشير إلى أن بعض الصحفيين زاروا هذا البيت في عام 1965 وكان مما قالوه في وصفه:" البيت قديم جدا وعال، وقد تحللت جذور (!) البيت حتى أصبحت كأسفل القبر، والبيت ذو باب كبير حصن كتب عليه بالطباشير اسم: عبد المجيد السياب، وهو الذي يسكن الآن في الغرفة الوحيدة الباقية؟ كان البيت قبل عشر سنين يموج بالحركة والحياة؟ أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفهم "(1) ؛ لقد انتصرت المدينة على القرية، رغم مقت بدر لهذا الانتصار، ولكنها سنة الحياة وشرعة الإنسان الذي تعود أن يطلب الرزق عند تزاحم الأقدام.

(1) جريدة الثورة العربية، بغداد (العدد: 184 - 21 شباط 1965) .

ص: 22

صورة

ص: 23

صورة السياب سنة 1934

ص: 24