المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

- 20 - ‌ ‌نحو القومية ذات يوم من أيام 1951 أحس بدر - بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره

[إحسان عباس]

الفصل: - 20 - ‌ ‌نحو القومية ذات يوم من أيام 1951 أحس بدر

- 20 -

‌نحو القومية

ذات يوم من أيام 1951 أحس بدر انه تحول إلى وجهة شعرية جديدة وانه لن يكتب شعرا كالذي تضمنه ديواناه " أزهار ذابلة " و " أساطير "، وكان في الحقيقة يومئ إلى الربط بين شعره واتجاهه اليساري - ذلك الاتجاه الذي بدأ مبكرا منذ سنة 1946 - على وجه التقريب - وأستمر حتى عام 1954؛ ولو انا راجعنا حصيلة الشعر الذي يمثل ذلك الاتجاه في مدى ثماني سنوات أو تسع لوجدنا ان ما تبقى منه لا يمثل إلا نسبة ضئيلة في شعر السياب عامة أو بتعبير أدق - فيما جمع من شعره في دواوين. تلك حقيقة هامة تقول أن السياب الإنسان قد تعرض للمطاردة والمحاكمة والتنكر والفصل من العمل والسجن والاغتراب في سبيل عقيدة آمن بها مدة ثماني سنوات أو تسع، ولكن السياب الشاعر لم يقل ثماني قصائد أو تسعا يرضى عنها في نصرة تلك العقيدة. فأما جانب من قصائده فقد كان خطب تستدعيها المظاهرات والمحافل الشعبية، وأما القصائد الأخرى فأكثرها مشمول بالاقتسار والفجاجة وعدم التلاحم بين شاعريته ومعتقده. ولهذا وجد الشاعر نفسه ينسلخ فنيا من انتمائه الحزبي، وكان ذلك أمر سهلا، لأنه لم يستطيع ان يجعل الفن والانتماء حقيقتين متكاملتين، تستدعي الوحدة منها الأخرى. وبذلك انتهت المرحلة الثانية وهي مرحلة

ص: 243

البحث عن أسلوب غير ذاتي في الشعر وتتسم في مجموعها بتجارب مختلفة في السيطرة على القصيدة الطويلة وتنقسم قصائدها في ازدواجية صارخة بين سيطرة المبادىء، ومحاولة الهرب منها إلى شعر ذي لون اجتماعي كئيب تنسلل فيه الانقسام واضحا بين حرية الإدارة والجبرية الخانقة، ولكن القصائد جميعا تتميز بنظرات إنسانية وموضوعات إنسانية، وبإخلاص لا ينكر للتخلص من الذاتية ومن التغني الفردي بسحر الحبيبة وآلام الحب، فقد اخذ السياب يتحدث فيها عن الآخرين أفراداً وجماعات، عن آلامهم وأفراحهم، عن كفاحهم وبؤسهم ومتناقضات أوضاعهم، بقلب إنساني كبير ومشاركة شعورية ذات حظ من الأصالة والعمق. وهكذا اختفت الحبيبة التي كانت مصدر الأفراح والهموم، واستراحت الام في قبرها وفي أعماق قلب ابنها، ومضى بويب يشق طريقه بنفسه دون ان يحتاج وقفة رثاء أو حنين، وأصبحت جيكور نقطة في مربع من مربعات الشطرنج الكوني الكبير، وعلت لفظة " الغد " على لفظة " الموت "؛ حتى الأشخاص السلبيون أمثال الحفار والمومس كانوا يقفون - في النهاية - متشبثين بالحياة، يرفضون الدخول في عالم الظلمات الحالكة.

إلا إن التجربة الإيرانية الكويتية ردت السياب رغما عنه إلى فرديته، حين جعلته يحس بالغربة العميقة، ولكنه لم يلبث ان ربط بين نفسه وبين وطنه: فإذا هو العراق شيء واحد، وأراحه هذا الربط حين تحقق إذ كان قد اصبح لا يرضى لنفسه ان يطلع على الناس باكيا آلامه وجوعه وفقره وحبه المخفق كما كان يفعل في المرحلة الأولى؟ تلك تجارب قد مضى عهدها ولا يريد لها أن تعود، إن استطاع إلى ذلك سبيلا. وتجلت الوحدة الكاملة بينه وبين العراق في قصيدة " أنشودة المطر " فكانت فاتحة المرحلة الثالثة، مرحلة التعرف إلى حقيقة ما يعانيه

ص: 244

دون أن يزج به في سياق الكفاح العام في مختلف أقطار العالم.

وكانت قصيدة " أنشودة المطر " تنبئ أن الشاعر قد اكتشف العلاقة بين الجفاف والخصب المتعاقبين، أي اهتدى إلى أسطورة " تموز " أو " أدونيس " دون أن يذكر ذلك صراحة؛ ورأى نفسه؟ كما رأى العراق - من خلال تلك الأسطورة فتم التطابق بين الفرد ووطنه، واستراح الشاعر من الازدواج القديم المتباعد الطرفين الذي كان يجعله تارة مع حفار القبور وتارة مع الأسلحة والأطفال. وكان هذا الاهتداء يشبه الوقوع على منجم أو كنز: ذلك لأن الأسطورة في جميع وجوهها تصلح لموقفه الجديد صلاحية عجيبة؛ فأدونيس (أو تموز) شاب جميل محبوب يستطيع ان يحتضن شخصية الشاعر المحروم من الحب، وافروديت أو عشتار أم وحبيبة معا؛ والأسطورة في مجموعها خير ما يرمز للعراق حين يدرس فيه معنى الخصب والجفاف وحكم الكهنة والقرابين؛ وهي أسطورة تمثل الحضارة الزراعية ولهذا تصلح ان تكون ملاذا للشاعر الهارب من أخيلة اليسار الصناعي ومن طغيان المدينة الكبيرة ذات الحياة الآلية؛ بل ان اهتداءه لتلك الأسطورة يعني العودة إلى الريف من خلالها، وإعلان الكراهية الدفينة للمدينة الحديثة. ولهذا لا يدري الدارس أيهما اسبق: اكتشافه العلاقة النفسية بينه وبين الأسطورة الزراعية أم اعتزامه فصم العلاقة بينه وبين يساريته، إذ يبدو ان أحدهما أدى إلى الآخر على نحو طبيعي، وكان ظهور تموز أو أدونيس طريقه إلى القوى الغيبية أي إلى الإيمان بدين، ونوعا من التعويض عن تلك الغربة الطويلة التي أحس بها في ظل العقلانية الواعية. وقد انالشاعر حين يتخذ أسطورة فليس من الضروري أن يتجاوز حدود استغلال الرموز الكامنة فيها، وهذا صحيح، ولكن الذي أقوله هنا هو ان العودة إلى الرموز البدائية؟ وهي رموز دينية - قد نقلت السياب إلى مصطلح شعائري ودنيا من الشعائر

ص: 245

وبذلك سهل عليه التعامل الفكري مع منطقة دينية لتفسير الحياة الحاضرة، وكانت هذه الخطوة تمهيدا لما بعدها؟ كما سأبين من بعد -.

وليس في مقدور أحد ان يتنبأ بالوجهة التي كان شعر السياب يزمع السير فيها بهد " أنشودة المطر " لو لم يتصل بمجلة الآداب. فالقصيدة لا تتجاوز الربط الوثيق بين الفرد ووطنه، وهي قد مثلت هذه الرابطة اثر تجربة فذة ربما لم تتكرر قوة واتساعاً وعمقا، فما هو الوتر الذي يستحق أن يعزف عليه؟ وماذا يكون لون المعزوفة الجديدة؟ قرابة تسع سنوات مضت والشاعر كأنما لم يسمع إلا نبأ عابرة عن ناس يسمون اللاجئين، ولا يقرأ شيئا عن الدم المراق في جبال الاوراس، ولا يحس بوطأة الاستعمار المقنع وغير المقنع في البلدان العربية، ولا هو شديد الاحتفال بشيء مما حدث في مصر ولا يعرف من أهلها إلا شاعرا منافسا يسمى صلاح عبد الصبور: أين كان هذا الشاعر وأية صلة تربطه (أو لا تربطه) بهؤلاء الناس الذين يريد إن يقرأوا شعره؟ كانت يسارية زائفة تلك التي تصور أنها تحرم عليه تحسس الآلام والآمال في مجتمعه الكبير الذي يسمى البلاد العربية، وكان زيفها يدل على ضيق في مفهوماته الحزبية، ولذلك فلا غرابة إذا وجد نفسه أسير نفسه، فثار عليها إلى أفق اعتقد انه ارحب. وكانت المنافسات الفردية حافزه الكبير للتقرير الحاسم، ورأى البياتي قد اصبح شاعرا مرموقا تحتل قصائده كل عدد من أعداد " الثقافة الوطنية " البيروتية، فلم يكتف بقطع الروابط مع حزب يرفع من شأن البياتي، بل ذهب يفتش عن مجلة متداولة تكفل له منافسته، ومضى شوطا ابعد من ذلك: فبعد إن كان شديد الإعجاب بناظم حكمت (1) ، تغير رأيه فيه

(1) انظر العبطة ص: 13، ويقول المؤلف أن السياب ترجم له قصائد نشرها في جريدة العالم العربي دون توقيع.

ص: 246

إلى الضد، لا لأن ناظم حكمت يساري، بل لأن البياتي يتكئ عليه كثيرا ويحاكيه ويحب ان يقرن اسمه باسمه.

ولاحت الآداب واحة في صحراء شاعر ظمآن إلى الشهرة، إلا أن الارتباط بها كان يمثل صلة من نوع جديد، فهي تصل إلى أنحاء العالم العربي في المشرق والغرب، وليست مقصورة على قطر واحد كالصحف العراقية المحلية، أو كالكراسات الصغيرة التي كان السياب ينشر فيها قصائده فلا تتعدى كثيرا الحدود الإقليمية، ولهذا فان الشاعر الذي يحس بأن الشهرة والمسئولية أمران متلازمان لا بد من أن نفرض على نفسه؟ في مثل هذا الوضع - التجويد والتجديد وسوف يتضح لنا مدى حرص السياب على التجديد والتجويد حين نتحدث عن القصائد، ولكن يكفي هنا أن نقتبس فقرة من إحدى رسائله تدل على اهتمامه الشديد بالجدة في الطريقة الشعرية وتبين إحساسه بالمسئولية الجديدة في ما يسميه محاولة، فهو يتحدث عن قصيدته " أغنية في شهر آب " بقوله:" هي بالحري محاولة لمتابة الشعر بأسلوب جديد: للقارئ ان يفهم ما وراء الرموز وله ألا يرى رموزا بالمرة؛ له أن يرى في (تموز) رمزا للخصب والحياة وفي موته موتا للخصب والنماء، وفي مرجانة الزنجية التي تضيء النور وتفتح المذياع لتتصل سيدتها بالعالم ولتسمع موسيقى الجاز؟ تراث مرجانة التي لا تعلم انه ترتثها، والذي تظنه سيدتها وأمثالها " رفعة " في الذوق و " ومدنية "؟ اكثر مما يبدو على السطح، وله ان يقارن بين نقالة الإسعاف في أول القصيدة وبين نقالة الموتى في ختامها، وبين الأسماك المصنوعة من الذهب والفضة وبين الخضر وسمكته الميتة التي ألقاها في مياه " بحر الحياة: فعادت حية، له أن يغعل ذلك كله وله ألا يفعل، أنها محاولة لا أدعي أنها

ص: 247

ناجحة؟. " (1)

وفي الرسائل المبكرة بين الدكتور سهيل إدريس والسياب أوضح صاحب الآداب للشاعر انه قطع على نفسه العهد " بخدمة المجموعة العربية وأدبها السائر نحو النور "(2) وكان توجيها للشاعر في الطريق الجديد، ولهذا جاءت الرسائل تحمل نغمة جديدة لم نكن نسمعها مثل:" اننا نؤمن بالإنسانية وبالأمة العربية لا بأشخاص بذاتهم ولا بحزب سياسي بذاته " ومثل: " أن النصر لنا ولأمتنا "، ومن ذلك:" أرجو؟. أن أوفق إلى إرضاء قراء مجلتنا القومية الشريفة " وما أشبه ذلك. فهل سار شعر السياب أيضاً في هذه الطريق نفسها؟

اكبر الظن أن بعض قصائد هذه الفترة التي امتدت قرابة ثلاث سنوات قد جعلت الكثيرين يظنون ان السياب بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي العراقي استل قلمه الحاد وجنده في خدمة القضية العربية، ولم يعد من الصعب على من يحبون رفع الشعارات ان يسلكوه في صف دون آخر؛ ولكن الحقيقة الفنية أقوى دلالة من الأماني والرغبات؛ ونظرة واحدة إلى قصائد هذه الفترة تنبئنا عن واقع الحال هنالك: فالقصائد التي نظمها السياب في هذه الفترة ربما لم تزد على خمس عشرة قصيدة، منها أربع فقط تتناول القضايا العربية العامة على نحو مباشر صريح، ومن هذه اثنتان تتناولان المغرب العربي، وواحدة تتحدث عن اللاجئين، وواحدة عن بور سعيد. أما بقية القصائد فبعضها يتحدث عن قضايا إنسانية عامة كقنبلة هيروشيما، وبعضها عن لوركا، ولكن ابرز ما يلفت النظر إليها من حيث الموضوع عودة الشاعر إلى موضوعات متصلة بمشكلات ذاتية مثل " مرثية جيكور " و " عرس

(1) رسالة إلى الدكتور إدريس بتاريخ 4 - 3 - 1956، أما الجزء الذي يتحدث عن الخضر وسمكته والأسماك المصنوعة من الذهب والفضة فقد حذف من القصيدة المنشورة في أنشودة المطر: 22 - 26.

(2)

انظر صدى ذلك في رسالة من بدر بتاريخ 25 - 3 - 1954.

ص: 248

في القرية " وفي الثانية رجوع إلى موضوعه القديم وهو زواج الفتاة القروية؟ التي أحب مثلها ذات يوم - من شخص ثري.

لم يكن السياب محدد المجال في فترة انتمائه اليساري لكني يقال انه بعد انفصاله قد أخذته الحيرة إزاء الموضوع الشعري الذي يجدر به ان يطرقه، ولكن بروز الموضوعات ذات الطابع القومي العربي في شعره على نحو ساطع لأول مرة يجعلنا نؤكد محاولته لانتماء جديد. وكان كما دلت محاضرته في مؤتمر الأدباء العرب لا يزال من الزاوية النقدية يستعير مفهومات الواقعية الحديثة ويحاول قياس الأدب الصحيح بها، ولذلك فأنه لم يستطع ان يتخلى عن الالتزام الذي يربط بين الفن وتحرير الشعوب كما لم يتخل عن مفهومات إنسانية عامة تغص إليه الحرب والدمار، فكتب قصيدة عن مأساة هيروشيما والقنبلة الذرية. ولكن تسلسل الماضي إلى شعره 0في هذه الفترة - متمثلا في " عرس في القرية " و " مرثية جيكور " يدل على ان الجرح القديم الذي اكتسى بطبقة كثيفة من الحرشف الجلدي عاد فانتقض حتى ليغدو بعد قليل هو المنفذ الذي تنسكب منه الدماء، فتشغل صاحبها عن النظر إلى الدماء المنسكبة من ظهور الفقراء وجنوبهم. وأيا كان الأمر فان الشاعر عاد إلى موضوعات المرحلتين السابقتين من أبواب جديدة: باب إنساني عريض وباب قومي عربي وباب ذاتي. وقبل ان نلح هذه المداخل معا علينا أن نقرر أن السياب لم يخل تماما عن القصيدة الطويلة ولكنه عدل عنها مرغما بسبب حجم المجلة والمساحة التي تستطيع تخصيصها، وكان في هذا كل الخير لشعره، لأنه أخذ يحاول " التحليل المر " إن صح التعبير، فيمنح القصيدة تكاملا وترابطا؛ بل ان المحاولتين اللتين استمر فيهما بدعوى النفس الملحمي وهما " رؤيا فوكاي " و " بور سعيد " يكملان إخفاقه القديم في البناء الكبير.

ص: 249