الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشيخ محمد بخيت مفتى الديار المصرية حين اشارت إلى أن دعاءه ليلة القدر في دار المندوب السامى كان:
اللهم يا مجيب كل سائل ورازق كل عالم وجاهل، أنزلنا بسلطانك من هذه الدار خير المنازل وأمنحنا حمايتها من كل لائم وعادل. وقربنا اللهم من ذى البأس الشديد مولانا السيد العميد، وأبسجط لنا في ظله الممدود وحوضة المورود".
وقد كان هذا جزءا من حملة الغزو الثقافي التي حرصت على تصوير الأزهريين بصورة مغرقة في المادية، وذلمك عن طريق ايجاد فوارق في التقييم المادى للمتخرجين من النوعين من التعليم مما جعل الأزهريين إلى طلب المساواة في التقدير المادى هو ما استغله الاستعمار لتصوير الأزهريين بأنهم أصحاب دنيا وليسوا أصحاب رسالة على نحو ما صوره الدكتور محمد البهى - "بأنه أدى إلى أن تخف منزلتهم رويدا رويدا من نفوسهم، ويعلم الله أنهم لم يكونوا أصحاب دنيا وانما أرادوا أن يعيشوا فقط من أجل رسالة أزهرهم وهى في الواقع رسالة مقاومة الاستعمار". وأشار إلى أن هذا العمل قد بلغ به المستعمر غاية له وهى "أضعاف المنزلة الأدبية للأزهر والمتخرجين فيه في الرأى العام المصري والرأى العام الإسلامي العالمى" ..
***
(2) الأزهر والاستعمار
وتتجلى مفاهيم الاستعمار لرسالة الأزهر فيما صوره اورد لويد 1928 عن المهمة التي بدأها لورد كرومر ومضى فيها لتعويق الأزهر عن مهمته والحيلولة بينه وبين رسالته، ومن رأى الاستعمار أن الأزهر هو مركز خطير من مراكز الدعاية ضد بريطانيا وأنه في مهمته تلك متعدد الامكانيات، وأن الوطنيين قد استغلوا ذلك لتأييد مآربهم مما ترتب عليه نمو روح المعارضة الشديدة لسيطرة الانجليز على التعليم. ولما كان الانجليز يريدون القضاء على كل مقاومة فقد اتجهوا إلى الأزهر الذي كان اسلوبه الوطنى عاملا هاما من عوامل المقاومة لتمسكه بالدين ووصفوا منهجه بأنه من الأساليب الجافة القديمة التي تقف حاجزا في طريق أى أصلاح تعليمى كما وصفوا خريجى الأزهر بأنهم يحملون معهم قدرا عظيما من غرور التعصب الدينى ولا يصيبون الا قدرا ضئيلا جدا من مرونة التفكير والتقدير.
وكان الاستعمار يهدف من وراء ذلك إلى غرض ماكر هو أن يلتقى الأزهر بالاستعمار في "مرونة" تبعد عنه ما أطلق عليه روح التعصب. فاذا لم يستطع الأزهر والاتجاه إلى التعليم المدنى الذي يحقق له ما يريد من تفاهم ولا شك أن ممثلوا الاستعمار البريطانى قد أخفقوا في أن يحققوا هذا اللقاء مع الأزهر كما أخفق من قبل المستعمر الفرنسي وفي كلا الحالين عجزوا عن أن يحققوا في الأزهر خطة تؤدى إلى ما أطلق عليه "اختفاء التعصب" والواقع أن أصلاح الأزهر على النحو الذي أراده له الأبرار من دعاته لم يكن المقصود به القضاء على روحه الوطنية في مقاومة الاستعمار وانما كان يراد به أن يحقق عن طريق فتح باب الاجتهاد والتطور في نظمه ومناهجه خلق قوة أشد قوة لمقاومة الاستعمار والغزو الثقافي واستبداد الملوك وطغيان الساسة والاقطاع وفساد انظمة المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
فهذه هى المهمة الأساسية التي كان الأزهر مسئولا عن مواجهتها على نحو ايجابى قوى.
***
(3) الأزهر والسياسة
تأثر الأزهر بالصراع الحزبى وسيطرة الاستعمار بعد ثورة 1919 وجرى في مجارى الحزبية السياسية، وكان أن أصبح للأزهر لونا حزبيا ومشاركة في الخلاف بين الملك والوزارة أو بين الأحزاب بعضها البعض، ويروى عبد الرحمن الرافعى (ك: في أعقاب الثورة جـ ا) "أنه ظهرت في نهاية وزارة سعد زغلول 1924 معارضة قوية في صفوف الأزهريين ضد وزارة سعد ولم يعرف على وجه التحقيق سر هذا التحول على أنه قد بدأ على أثر تقديم لجنة ألفتها الحكومة لاصلاح الأزهر تقريرها إلى الحكومة وعدم نشره وحسبان الأزهريين أن مطالبهم لم تتحقق فأضربوا عن الدرس في اوائل نوفمبر، وقام المضربون في العاصمة بمظاهرة كبيرة في الشوارع نادوا فيها نداء جديدا لم يكن مألوفا من قبل: "لا رئيس الا الملك" بعد أن كان نداءهم المألوف "لا رئيس الا سعد" فعرف من أية ناحية حدث الايعاز بهذا الاضراب وفهم أن السراى أرادت أن تحرج الوزارة فأثارت مسألة الأزهر وكان معروفا أن السراى تؤلب الأزهر على الوزراء وتدبر مظاهرات الأزهريين".
وفى مذكرات الشيخ الظواهرى أشار إلى ظروف تعيين شيخ الأزهر (أواسط عام 1927) بعد وفاة الشيخ أبو الفضل الجيزاوى. وتدخل اللورد لويد في شئون الدين ونصيحته بتعيين الشيخ المراغى.
وقد أثار الظواهرى شبهات كثيرة وكان خصها للمراغى وعلى خلاف دائم معه خلال فترة تبادلهما تولى مشيخة الزهر الواحد بعد الآخر في خلال فترة تمتد من عام 1927 إلى عام 1935.
وكما وقع الخلاف بين الشيخ محمد عبده - ولم يكن شيخا للأزهر - وبين الشيخ سليم البشرى شيخ الأزهر حول أصلاح الأزهر وتجديده. فقد صنع الاستعمار محورين في الأزهر: أحدهما المراغى (22 أغسطس عام 1945) داعية اصلاح الأزهر والرجل الذي يدين بمذهب محمد عبده وأبن تيمية في مفاهيم الاصلاح وتحريره من الزيوف والبدع وبين الظواهرى (13 مايو 1944) صديق الملك فؤاد والرجل الصوفى المعروف بمحبته للأولياء والمؤمن بروح الأزهر التقليدية. وقد تولى المراغى شيخا للأزهر على كره من الملك فؤاد ثم قدم مذكرته في أصلاح الأزهر، وكان لها ضجيج فلما أحس بمعارضتها من جهات متعددة كانت لا ترغب في تطوير الأزهر قدم استقالته، هنالك ولى الظواهرى هذا المنصب وأتيحت له الفرصة لأن يتحقق على يديه تنظيم للأزهر في صورة الأنظمة الحديثة.
ويقتصر مفهوم الاصلاح عنده إلى حد تهذيب الكتب وطرق التدريس. غير أن عهده وقد اقترن بظروف سياسية حادة فاضطر إلى أن يواجه ثورة أزهرية ضخمة كانت تطالب بعودة المراغى، فلم يبث أن استقال وعاد المراغى إلى الأزهر مرة أخرى.
ولقد حاول الشيخ الظواهرى في مذكراته أن يصور الشيخ المراغى بأنه صديق الانجليز لأنه أمضى مدة طويلة من حياته في القضاء الشرعى في السودان "وكان طبيعيا أن تنشأ الألفة والمودة بينه وبين كبار الموظفين البريطانيين وساستهم في ذلك القطر الشقيق".
وأنه "هذه الفترة الطويلة التي قضاها الشيخ المراغى قاضيا في السودان قد مهدت له الفرصة الواسعة لكى يتعرف على عقلية هؤلاء الانجليز ويتفهم مشاربهم ومقدار تفكيرهم وحكمهم على الأشياء فلقد تصادقوا، ولقد جلس وتناقش معهم فتبادلوا المودة وأرتاح كل منهم للآخر". وأشار الظواهرى إلى أن "المراغى" قد اشتهر عند الانجليز بسعة العقل والفكر وذلك "عندما أفتى ابان الحرب العالمية الأولى وكانت تركيا قد أعلنت الحرب وقتئذ على بريطانيا بأنه لا مانع من محاربة المسلم لأخيه المسلم. فقد كانت هذه الفتوى من أسباب استقرار النظام حينئذ في السودان".
وأشار الظواهرى أيضا إلى أن الشيخ المراغى الذي رشحه الانجليز كان منذ تخرجه قد ترك الأزهر فنسيه زملاؤه الأزهرين لأنه لم يجلس معهم للتدريس على الكراسى المقامة بجوار الأعمدة ولم يتخرج أحد من الطلبة على يديه.
وذكر الظواهرى أن عودة المراغى للمرة الثانية إلى الأزهر كانت بسعى ألانجليز أيضا وأن ذلك ابان مرض الملك فؤاد اذ طلب مايلز (لامبسون) السفير البريطانى تعيين المراغى شيخا للأزهر، وتساءل عن الدوافع لرغبة الانجليز في عودة المراغى للأزهر، "أعلان ذلك صراحة في الجرائد مع أن هذا المنصب، منصب دينى ولم يسبق تدخلهم فيه بهذا الشكل الظاهر" وأشار الظواهرى إلى أن الأزهر قد زج به في خصم السياسة الحزبية فيما عدا تدخل الأحزاب والمندوب البريطانى في اختيار شيخ الأزهر وذلك "عندما، تألفت في الأزهر لجان للوغد وأخرى للأحرار الدستوريين، فانصرف الطلبة بالسياسة عن الدرس وعن التحصيل والتفقه في الدين وشغلوا بالنقاش السياسى والتهريج السياسى والدعاية السياسية" أ. هـ.
وفيما يتصل بالسياسة وموقف الأزهر من الملك، أخذ على علماء الأزهر أنهم أيدوا رغبة الملك فؤاد في مطعمه بالخلافه وعقدوا مؤتمرا هاما لتأييد تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين بالرغم مما قد يتعارض مع مفهوم الحاكم وأهليته لمثل هذا المنصب الإسلامي الكبير مما عد أنه تأييد من الأزهر لحاكم مستبد.