الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقديره أخذ يجادلنا أو جعل يجادلنا ويخاصمنا وقيل معناه يكلمنا ويسألنا فِي قَوْمِ لُوطٍ لأن العبد لا يقدر أن يخاصم ربه وقال جمهور المفسرين: معناه يجادل رسلنا في قوم لوط وكانت مجادلة إبراهيم مع الملائكة أن قال لهم أرأيتم لو كان في مدائن قوم لوط خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا لا قال فأربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا قال فما زال كذلك حتى بلغ خمسة قالوا لا قال أرأيتم لو كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها قالوا لا قال إبراهيم فإن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وقيل إنما طلب إبراهيم تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون أو يرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي، قال ابن جريج:
كان في قرى قوم لوط أربعة آلاف مقاتل إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ تقدم تفسيره في سورة التوبة فعند ذلك قالت الملائكة لإبراهيم يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا يعني أعرض عن هذا المقال واترك هذا الجدال إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ يعني: إن ربك قد حكم بعذابهم فهو نازل بهم وهو قوله سبحانه وتعالى: وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ يعني أن العذاب الذي نزل بهم غير مصروف ولا مدفوع عنهم.
وقوله عز وجل: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً يعني: هؤلاء الملائكة الذين كانوا عند إبراهيم وكانوا على صورة غلمان مرد حسان الوجوه سِيءَ بِهِمْ يعني أحزن لوط بمجيئهم إليه وساء ظنه بقومه وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً قال الأزهري: الذي يوضع موضع الطاقة والأصل فيه أن البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق ذرعه من ذلك وضعف ومد عنقه فجعل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة والمعنى وضاق بهم ذرعا إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصا، وقال غيره: معناه ضاق بهم قلبا وصدرا ولا يعرف أصله إلا أن يقال إن الذرع كناية عن الوسع، والعرب تقول: ليس هذا في يدي يعنون ليس هذا في وسعي لأن الذراع من اليد ويقال ضاق فلان ذرعا بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه وذلك أن لوطا عليه السلام لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه وخاف أن يقصدوهم بمكروه أو فاحشة وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم وَقالَ يعني لوطا هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ أي: شديد كأنه قد عصب به الشر والبلاء أي شد به مأخوذ من العصابة التي تشد بها الرأس، قال قتادة والسدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوا لوطا نصف النهار وهو يعمل في أرض له وقيل أنه كان يحتطب وقد قال الله سبحانه وتعالى للملائكة لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات فاستضافوه فانطلق بهم فلما مشى ساعة قال لهم أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا وما أمرهم قال أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملا يقول ذلك أربع مرات فمضوا معه حتى دخلوا منزله وقيل: إنه لما حمل الحطب ومعه الملائكة مر على جماعة من قومه فتغامزوا فيما بينهم فقال لوط إن قومي شر خلق الله تعالى، فقال جبريل: هذه واحدة فمر على جماعة أخرى فتغامزوا فقال مثله ثم مر على جماعة أخرى ففعلوا ذلك وقال لوط مثل ما قال أولا حتى قال ذلك أربع مرات وكلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة اشهدوا وقيل إن الملائكة جاءوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره فدخلوا عليه ولم يعلم أحد بمجيئهم إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته الخبيثة فأخبرت قومها وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط ولا أحسن منهم.
[سورة هود (11): الآيات 78 الى 80]
وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)
وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ قال ابن عباس وقتادة يسرعون إليه وقال مجاهد يهرولون، وقال الحسن:
الإهراع هو مشي بين مشيين وقال شمر هو بين الهرولة والخبب والجمز وَمِنْ قَبْلُ يعنى ومن قبل مجيء الرسل إليهم قيل ومن قبل مجيئهم إلى لوط كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني الفعلات الخبيثة والفاحشة القبيحة وهي إتيان الرجال في أدبارهم قالَ يعني: قال لوط لقومه حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان من بني آدم يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي يعني أزوجكم إياهن وقى أضيافه ببناته قيل إنه كان في ذلك الوقت وفي تلك الشريعة تزويج المرأة المسلمة بالكافر، وقال الحسن بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: أراد ببناته نساء قومه وأضافهن إلى نفسه لأن كل نبي أبو أمته وهو كالوالد لهم وهذا القول هو الصحيح وأشبه بالصواب إن شاء الله تعالى والدليل عليه أن بنات لوط كانتا إثنتين وليستا بكافيتين للجماعة وليس من المروءة أن يعرض الرجل بناته على أعدائه ليزوجهن إياهم فكيف يليق ذلك بمنصب الأنبياء أن يعرضوا بناتهم على الكفار وقيل إنما قال ذلك لوط على سبيل الدفع لقومه لا على سبيل التحقيق وفي قوله هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ سؤال وهو أن يقال أن قوله هن أطهر لكم من باب أفعل التفضيل فيقتضي أن يكون الذي يطلبونه من الرجال طاهرا ومعلوم أنه محرم فاسد نجس لا طهارة فيه البتة فكيف قال هن أطهر لكم والجواب عن هذا السؤال إن هذا جار مجرى قوله ذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ومعلوم أن شجرة الزقوم لا خير فيها وكقوله صلى الله عليه وسلم لما قال يوم أحد اعل هبل قال الله أعلى وأجل إذ لا مماثلة بين الله عز وجل والصنم وإنما هو كلام خرج مخرج المقابلة ولهذا نظائر كثيرة.
وقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني خافوه وراقبوه واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والعصيان وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي يعني ولا تسوءني في أضيافي ولا تفضحوني معهم أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ أي صالح سديد عاقل، وقال عكرمة: رجل يقول لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى ينهى عن هذا الفعل القبيح قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ يعني ليس لنا بهن حاجة ولا لنا فيهن شهوة وقيل معناه ليست بناتك لنا بأزواج ولا مستحقين نكاحهن وقيل معناه مالنا في بناتك من حاجة لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ولا نريد ذلك وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ يعني من إتيان الرجال في أدبارهم فعند ذلك قالَ لوط عليه السلام لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي لو أني أقدر أن أتقوى عليكم أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يعني أو أنضم إلى عشيرة يمنعوني منكم، وجواب لو محذوف تقديره لو وجدت قوة لقاتلتكم أو لوجدت عشيرة لانضممت إليهم قال أبو هريرة: ما بعث الله نبيا بعده إلا في منعة من عشيرته (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته» قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله: المراد بالركن الشديد هو الله عز وجل فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها ومعنى الحديث أن لوطا عليه السلام لما خاف على أضيافه ولم تكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه واشتد خزنه عليهم فغلب ذلك عليه فقال في تلك الحال لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي أو آوي إلى عشيرة تمنع لمنعتكم وقصد لوط إظهار العذر عند أضيافه وأنه لو استطاع لدفع المكروه عنهم ومعنى باقي الحديث فيما يتعلق بيوسف عليه السلام يأتي في موضعه من سورة يوسف إن شاء الله تعالى، قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار وجعل يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب وقومه يعالجون سور الدار فلما رأت الملائكة ما لقي لوط بسببهم.