المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

للفاعل. وقرأ الجمهور: {وَحُصِّلَ} بضم الحاء وتشديد الصاد مكسورًا مبنيًا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣٢

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌سورة البلد

- ‌1

- ‌2

- ‌(3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌ 14

- ‌15

- ‌ 16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌سورة الشمس

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌(6)}

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌سورة الليل

- ‌1

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌(16)}

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌سورة الضحى

- ‌1

- ‌(2)}

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌سورة الشرح

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة التين

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة العلق

- ‌(1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌(10)}

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌سورة القدر

- ‌1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌سورة البينة

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة الزلزلة

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة العاديات

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌سورة القارعة

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌(3)}

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌سورة التكاثر

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌(5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة العصر

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌سورة الهمزة

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌سورة الفيل

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌سورة قريش

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌سورة الماعون

- ‌(1)

- ‌2

- ‌ 3

- ‌4

- ‌5

- ‌(6)}

- ‌7

- ‌سورة الكوثر

- ‌1

- ‌2

- ‌3)}

- ‌سورة الكافرون

- ‌1

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌سورة النصر

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌سورة المسد

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌سورة الإخلاص

- ‌(1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌سورة الفلق

- ‌1

- ‌(2)

- ‌3

- ‌ 4

- ‌ 5

- ‌سورة الناس

- ‌(1)

- ‌2

- ‌(3)

- ‌4

- ‌5)}

- ‌6

الفصل: للفاعل. وقرأ الجمهور: {وَحُصِّلَ} بضم الحاء وتشديد الصاد مكسورًا مبنيًا

للفاعل. وقرأ الجمهور: {وَحُصِّلَ} بضم الحاء وتشديد الصاد مكسورًا مبنيًا للمفعول، وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، ومحمد بن أبي سعدان:{حَصَل} بفتح الحاء والصاد مخففًا، مبنيًا للفاعل؛ أي: ظهر.

‌11

- وقرأ الجمهور: {إِنَّ رَبَّهُمْ} بكسر الهمزة، على الاستئناف الإخباري، وبإثبات لام {لَخَبِيرٌ}؛ أي: إن رب المبعوثين كنى عنهم بعدًا لإحياء الثاني بضمير العقلاء بعدما عبر عنهم بما في قوله: {مَا فِي الْقُبُورِ} بناء على تفاوتهم في الحالين، فحين كانوا في القبور كانوا كجمادات بلا عقل ولا علم وإن كان لهم نوع حياة فيها، بخلاف وقت الحشر {بِهِمْ}؛ أي: بذواتهم وصفاتهم وأحوالهم بتفاصيلها. {يَوْمَئِذٍ} ؛ أي: يوم إذ يكون ما ذكر من بعث ما في القبور. وتحصيل ما الصدور، والعامل في {بِهِمْ} وفي {يَوْمَئِذٍ} {لَخَبِيرٌ}؛ أي: عالم بظواهرهم وبواطنهم علمًا موجبًا للجزاء متصلًا به، كما ينبىء عنه تقييده بذلك اليوم، وإلا فمطلق علمه تعالى محيط بما كان وما سيكون. وقُدِّما عليه مراعاة للفواصل، واللام غير مانعة لعمله فيهما، لكنه ضَمَّن خبير معنى مجاز لهم في ذلك اليوم، أي: إن رب المبعوثين لخبير بهم يوم إذ بعث ما في القبور وحصل ما في الصدور، لا تخفى عليه منهم خافية، فيجازيهم بالخير خيرًا وبالشر شرًا، قال الزجاج: الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى: أن الله يجازيهم في ذلك اليوم، ومثلُه قوله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} معناه: أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم، انتهى.

وقرأ الجمهور (1): {إِنَّ رَبَّهُمْ} بكسر الهمزة واللام في {لَخَبِيرٌ} كما مر آنفأ وقرأ أبو السمال والحجاج بفتح الهمزة وإسقاط اللام، ويظهر في هذه القراءة تسلط {يَعْلَمُ} على {إِنَّ} لكنه لا يمكن إعمال خبير في {إِذَا} ؛ لكونه في صلة أن المصدرية، لكنه يمكن أن يقدر له عامل فيه من معنى الكلام، فإنه يقال: يجزيهم إذا بعثر.

والمعنى (2): أفلا يعلم هذا الإنسان المنكر لنعم الله تعالى عليه الجاحد لفضله وأياديه أنه سبحانه عليم بما تنطوي عليه نفسه، وأنه مجازيه على جحده وإنكاره يوم يحصل ما في الصدور ويبعثر ما في القبور. وقد عبر سبحانه عن مجازاتهم على ما كسبت أيديهم بالخبرة بهم والعلم المحيط لأعمالهم وهذا كثير في الكلام، تقول

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 258

لشخص في معرض التهديد: سأعرف لك عملك هذا، مع أنك تعرفه الآن قطعًا، وإنما عرفانه الآتي هو ظهور أثر المعرفة، وهو مجازاته بما يستحق، وقد جاء على هذا النسق قوله تعالى:{سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} مع أن كتابة أقوالهم حاصلة فعلًا، فالمراد: سنجازيهم بما قالوا الجزاء الذي هم له أهل، والله أعلم بأسرار كتابه.

الإعراب

{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3)} .

{وَالْعَادِيَاتِ} {الواو} حرف جر وقسم، العاديات: مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قَسَم محذوف وجوبًا لكون القسم بالواو تقديره: أقسم بالعاديات، والجملة القَسَمية مستأنفة استئنافًا نحويًا {ضَبْحًا}: مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: يضبحن ضبحا، والجملة المقدرة حال من العاديات، ويجوز أن يكون {ضَبْحًا} مصدرًا وقع موضع الحال من {العاديات}؛ أي: أقسم بالعاديات حالة كونها ضابحات، ويجوز أن يكون منصوبًا بالعاديات، {فَالْمُورِيَاتِ}:{الفاء} عاطفة {الموريات} معطوف على {العاديات} ، {قَدْحًا} وقد جاء فيه الأوجه الثلاثة التي في {ضَبْحًا}. {فَالْمُغِيرَاتِ} {الفاء}: عاطفة {المغيرات} : معطوف على {الموريات} لا على {العاديات} كما توهمه بعضهم؛ لأن العطف إذا كان بحرف مرتب فكل معطوف على ما قبله كما بيّناه في "باكورتنا على الأجرومية" نقلًا عن الشيخ الحامدي، و {صُبْحًا}: منصوب على الظرفية متعلق بـ {المغيرات} أي: اللاتي تغير في وقت الصبح، قال أبو حيان وأجاد: وفي هذا دليل على أن هذه الأوصاف لذات واحدة لعطفها بالفاء التي تقتضي التعقيب، والظاهر، أنها الخيل التي يُجاهَد عليها العدو من الكفار كما مرّ بسطه في مبحث التفسير.

{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} .

{فَأَثَرْنَ} {الفاء} : عاطفة {أثرن} فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث في محل الرفع فاعل {بِهِ} متعلق بـ {أثرن} و {نَقْعًا}: مفعول به، والضمير في {بِهِ} يعود على العدو من على الصبح، و {الباء} حينئذٍ بمعنى (في)، أي:{فَأَثَرْنَ} في وقت الصبح {نَقْعًا} : قال أبو حيان: وهذا أحسن

ص: 259

من الأول؛ لأن المرجع مذكور بالصريح، والجملة الفعلية معطوفة على صلة (أل) الداخلة على الصفات المذكورة لأنها موصولة، والتقدير: واللاتي عدون ضبحًا، فأورين قدحًا، فأغرن صبحًا، فأثرن به نقعًا، {فَوَسَطْنَ} {الفاء}: عاطفة {وسطن} : فعل وفاعل معطوف على {أثرن} {بِهِ} متعلق بـ {وسطن} والضمير للصبح، و {الباء} بمعنى:(في)، من على النقع، و {الباء} للتعدية، وقيل:{الباء} متعلقة بمحذوف حالي من ضمير الفاعل، و {الباء} للملابسة، أي: حالة كونهن متلبسات بالغبار {جَمْعًا} مفعول به على الأوجه الثلاثة {إِنَّ الْإِنْسَانَ} : ناصب واسمه {لِرَبِّهِ} : متعلق بـ {كنود} ، {لَكَنُودٌ} {اللام} حرف ابتداء، {كنود}: خبر {إِنَّ} ، وجملة {إنَّ} جواب القسم لا محل لها من الإعراب {وَإِنَّهُ} {الواو}: عاطفة {إنه} : ناصب واسمه {عَلَى ذَلِكَ} متعلق بـ {شهيد} ، {لَشَهِيدٌ} {اللام}: حرف ابتداء {شهيد} : خبر إن، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها جواب قسم لا محل لها من الإعراب {وَإِنَّهُ}: ناصب واسمه. {لِحُبِّ الْخَيْرِ} : جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {شديد} . {لَشَدِيدٌ} {اللام} : حرف ابتداء {شديد} خبر {إن} وجملة {إن} معطوفة على جملة {إن} الأولى؛ لأن العاطف هنا غير مرتب كما مرت الإشارة إليه.

{أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)} .

{أَفَلَا} {الهمزة} : للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و {الفاء}: عاطفة على ذلك المحذوف {لا} : نافية {يَعْلَمُ} : فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الإنسان، معطوف على ذلك المحذوف ومفعول {يَعْلَمُ} محذوف تقديره: أيفعل الإنسان ما يفعل من القبائح فلا يعلم أن الله يجازيه إذا بعث ما في القبور؟ والجملة المحذوفة جملة إنشائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب {إِذَا} ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بمفعول {يَعْلَمُ} المحذوف لا به كما مرّ بسطه؛ أي: أفلا يعلم أن الله مجازيه وقت بعث ما في القبور؟ {بُعْثِرَ} : فعل ماض مغير الصيغة، {ما}: اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل، {فِي الْقُبُورِ} صلة لـ {ما} الموصولة، والجملة في محل الخفض بإضافة الظرف إليها، {وَحُصِّلَ}: فعل ماض مغير الضيغة {ما} : اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل

ص: 260

{فِي الصُّدُورِ} : صلة لـ {ما} الموصولة، والجملة الفعلية في محل الخفض معطوفة على ما قبلها، {إِنَّ رَبَّهُمْ}: ناصب واسمه، {بهم} متعلق بـ {خبير} ، و {يَوْمَئِذٍ}: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ {خبير} أيضًا، {بخبير} {اللام} حرف ابتداء، {خبير} خبر {إن} ، وجملة {إنّ} مستأنفة مسوقة لتعليل عامل {إِذَا} المحذوف؛ أي: أفلا يعلم أن الله مجازيه وقت ما ذكر لأنه خبير بأحوالهم وأعمالهم بتفاصيلها.

التصريف ومفردات اللغة

{وَالْعَادِيَات} : جمع عادية، كغازيات جمع غازية، وهي: الخيل الجارية بسرعة، من العدو، وهو المشي بسرعة، ففيه إعلال بالقلب، أصله: العادوات، فقلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة، يقال: عدا يعدو عدوًا، فهو عاد وهي عادية اهـ، "سمين". {ضَبْحًا} والضبح صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل، وفي "المختار": ضبحت الخيل من باب قطع والضبح: صوت أنفاسها إذا عدت اهـ، وفي "القاموس": ضبحت الخيل ضبحًا وضباحًا أسمعت من أفواهها صوتًا ليس بصهيل ولا حمحمة، قال عنترة:

وَالْخَيْلُ تَكْدَحُ حِيْنَ تَضْـ

ـبَحُ فِيْ حِيَاضِ الْمَوْتِ ضَبْحَا

والكدح: الجد في العدو. وشبه عنترة الموت بالسيل على طريق الاستعارة المكنية، والحياض تخييلُ ذلك.

{فَالْمُورِيَاتِ} : جمع مورية، من الإيراء، وهو إخراج النار من الحجارة، ففيه حذف همزة أفعل من الوصف، يقال: أورى فلان إذا أخرج النار بزند، ونحوه، وفي "المصباح": وَرَى الزندِ، يَرِيْ، من باب وعد، وفي لغة: ورى - بكسرهما - وأورى بالألف، وذلك إذا أخرج ناره، وفي "المختار": وأوراه غيره اهـ، فاستفيد من مجموعها أنه يستعمل ثلاثيًا لازمًا لا غير، ورباعيًا لازمًا ومتعديًا، وما في الآية من قبيل المتعدي. {قَدْحًا}: والقدح الضرب لإخراج النار، كضرب الزناد بالحجر، وفي "القرطبي": وأصل القدح الاستخراج، ومنه: قدحت العين إذا أخرجت منها الفاسد، واقتدحت الزند واقتدحت المرق غرفته، والمقدحة - بكسر الميم - ما تقدح به النار، والقداحة والقدح: الحجر الذي يوري النار اهـ. {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3)} : فيه إعلال بالنقل، نقلت حركة حرف العلة إلى الغين قبلها فسكن فصار حرف مد،

ص: 261

فأصله المغْيِرات، نقلت حركة الياء إلى الغين، يقال: أغار يغير إغارة، إذا باغت عدوه لنهب من قتل من أسر، وفي "المصباح": وأغار الفرس إغارة، والاسم الغارة، مثل أطاع إطاعة والاسم الطاعة، إذا أسرع في العدو، وأغار القوم إغارة أسرعوا في السير اهـ. وفي "القاموس": أغار على القوم غارة واغارة دفع عليهم الخيل، وأغار الفرس اشتد عدوه في الغارة وغيرها اهـ. قال الشاعر:

أَغَارَ عَلَى الْعَدُوِّ بِكُلِّ طَرْفٍ .... وَسَلْهَبَةٍ تَجُولُ بِلَا حِزَامِ

{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} ؛ أي: هيجن في وقت الصبح غبارًا، يقال: ثار يثور ثورًا، وثورانًا وثؤورًا، أهاج، ومنه ثارت الفتنة بينهم، وثار الغبار من الدخان ارتفع، وثار الجراد ظهر، وثارت نفسه جشأت وجاشت، وثار إليه وبه، وثب عليه. وما في الآية من الإثارة وهو التهييج وتحريك الغبار، وأصله: أَثْوَرْن من الثور وهو الهيجان، نقلت حركة الواو إلى الثاء قبلها، وقلبت الواو ألفًا فصار أثارن، فحذفت الألف لاجتماع الساكنين، فبقي أثرن بوزن أفلن. {نَقْعًا}: والنقع الغبار؛ والنقع أيضًا: أن يروى الإنسان من شرب الماء، يقال: نقعت غلي بشربة ماء، وقال بشار:

كَأَنَّ مَثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوْسِنَا

وَأَسْيَافُنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَواكِبُهْ

{فَوَسَطْنَ} ؛ أي: توسطن، وفي "المصباح": ويقال: وسطت القوم والمكان أسط وسطًا - من باب وعد - إذا توسطت بين ذلك، والفاعل واسط، وبه سمي البلد المشهور بالعراق لأنه توسط الإقليم، وفي "المختار": تقول: جلست وَسْط القوم بالتسكين؛ لأنه ظرف، وجلست وَسَط الدار بالتحريك؛ لأنه اسم لما يكتنفه غيره من جهاته، وكل موضع صلح فيه (بين) فهو وسط بالسكون، وإن لم يصلح فيه (بين) فهو وسط بالتحريك، وربما سكن وليس بالوجه اهـ.

وعبارة "القاموس": ووَسَطَهُم كوعد، وَسَطًا وسِطَة جلس وسطهم كتوسطهم وهو وسيط فيهم؛ أي: أوسطهم نسبًا، وأرفعهم محلًا، والوسيط بين المتخاصمين إلى آخر ما ذكره. {لَكَنُودٌ}: وفي "المختار": كند النعمة كفر بها، وبابه: دخل، فهو كنود وامرأة كنود أيضًا، وقال الحسن في قوله عز وجل:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} قال: الكنود الذي يذكر المصائب وينسى النعم. وقال: النمر بن تولب:

ص: 262

كَنُودٌ لَا تَمُنُّ ولَا تُفَادِيْ

إِذَا عَلِقَتْ حَبَائِلُهَا بِرَهْنِ

لَهَا مَا تَشْتَهِي عَسَلٌ مُصَفَّى

إِذَا شَاءَتْ وَحُوَّارَى بِسَمْنِ

وقال غيره:

كَنَد النعمةَ كَفَرها ولم يَشْكُرها.

وأنشدوا:

كَنُوْدٌ لِنَعْمَاءِ الرِّجَالِ وَمَنْ يَكُنْ

كَنُوْدًا لِنَعْمَاءِ الرِّجَالِ يُبَعَّدُ

وأصل الكنود: الأرض التي لا تنبت شيئًا، شبه بها الإنسان الذي يمنع الخير ويجحد ما عليه من واجبات ومعروفات {لَشَهِيدٌ}؛ أي: لشاهد على كنوده وكفره بنعمة ربه {لِحُبِّ الْخَيْرِ} ؛ أي: لأجل حب الخير {لَشَدِيدٌ} ؛ أي: لبخيل، والخير المال، كما جاء في قوله تعالى:{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} . {إِذَا بُعْثِرَ} البعثرة بالعين، والبحثرة بالحاء: استخراج الشيء واستكشافه كما تقدم في سورة الانفطار عن "المختار".

فإذا قيل: لم قال: {مَا فِي الْقُبُورِ} ، ولم يقل: من في القبور، ثم قال بعد ذلك:{إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ} ؟ أجيب عن الأول: بأن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، من أنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء. {وَحُصِّلَ}؛ أي: أُظهِر محصلًا مجموعًا في صحائف الأعمال، قال في "القاموس": التحصيل تمييز ما يحصل، والحاصل من كل ما يبقى وثبت وذهب ما سواه اهـ. {مَا فِي الصُّدُورِ}؛ أي: ما في القلوب من العزائم والنوايا.

البلاغة

وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: المخالفة بين المعطوف والمعطوف عليه بقوله: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4)} إذ عطف الفعل على الاسم الذي هو العاديات وما بعده؛ لأنها أسماء فاعلين تعطي معنى الفعل، ففيها سر بديع، وهو تصوير هذه الأفعال في النفس وتجسيدها أمام

ص: 263

العين، فإن التصوير يحصل بإيراد الفعل بعد الاسم لما بينهما من التخالف، وهو أبلغ من التصوير والتجسيد بالأسماء المتناسقة.

ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2)} ؛ حيث شبه الخيول العادية اللاتي تضرب بحوافرها الحجارة بالجماعة الذين يورون الزند، فالقدح استعارة لضرب الحجارة، من يقال: شبه الحرب بالنار المشتعلة وحذف المشبه وأبقى المشبه به، قال تعالى:{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} .

ومنها: المجاز العقلي في قوله: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3)} حيث أسند الإغارة التي هي مباغتة العدو للنهب والقتل والأسر إلى الخيل وهي حال أهلها، إيذانًا بأنها العمدة في إغارتهم.

ومنها: تخصيص إثارة النقع بالصبح؛ لأنه لا يثور، ولا يظهر ثورانه بالليل، وبهذا يظهر أن الإيراء الذي لا يظهر في النهار واقع في الليل، ولله در شأن التنزيل.

ومنها: التأكيد بـ {إن} واللام واسمية الجملة في قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} وفي قوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} وفي قوله: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7)} لزيادة التقرير والبيان.

ومنها: الجناس المحرف في قوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ} وهو الذي يكون الضبط فيه فارقًا بين الكلمتين أو بعضهما، وهو أيضًا ما اتفق ركناه في أعداد الحروف واختلفا في الحركات، سواء كانا من اسمين أو فعلين أو اسم وفعل أو من غير ذلك، والغاية فيه قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} ولا يقال: إن اللفظين متحدان في المعنى فلا يكون بينهما تجانس؛ لأنا نقول: المراد بالأول: اسم الفاعل، وبالثاني: اسم المفعول، فالاختلاف ظاهر، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم كما حسنت خَلْقِي فحسن خُلُقي" ومنه قولهم: جُبة البُرد جُنة البرد.

ومنها: الجناس اللاحق في قوله: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)} وهو الذي أبدل في إحدى الكلمتين حرف واحد بغيره من غير مخرجه، وسواء كان الإبدال من الأول نحو قوله: تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1)} أو في الوسط كهذه الآية التي نحن بصددها، أو في الآخر كقوله تعالى:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ} ومن أمثلة الشعر على هذا الترتيب المذكور أيضًا قول أبي فراس:

ص: 264

إِنَّ الْغَنِيَّ هُوَ الْغَنِيُّ بِنَفْسِهِ

وَلَوْ أَنَّهُ عَارِيْ الْمُنَاكِبِ حَافِيْ

مَا كُلُّ مَا فَوْقَ الْبَسِيْطَةِ كَافِيًا

وَإِذَا قَنِعْتَ فَكُلُّ شَيءٍ كَافِيْ

ومن الثاني قول البحتري:

وَقُعُودِيْ عَنِ التَّقَلُّبُ وَالأَرْ

ضُ لِمِثْلِي رَحِيْبَةُ الأَكْنَافِ

لَيْس عَنْ ثَرْوَةٍ بَلَغَتْ مَدَاها

غَيْرَ أَنِّي امْرُؤٌ كَفَانِي كَفَافِيْ

ومن الثالث قول بعضهم:

شَوْقِي لِذَاكَ الْمُحَيَّا الزَّاهِرِ الزَّاهِيْ

شَوْقٌ شَدِيْدٌ وَجِسْمِيْ الوَاهِنُ الْوَاهِيْ

أَسْهَرْتُ طَرْفِي وَوَلَّهْتُ الفُؤَادَ هَوًى

فَالْقَلْبُ وَالطَّرْفُ بَيْنَ السَّاهِرِ السَّاهِيْ

ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ} لإفادة التهديد والوعيد.

ومنها: التضمين في قوله: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)} ضمن لفظ {خبير} معنى المجازاة؛ أي: مجازيهم على أعمالهم.

ومنها: إيثار {ما} على (من) في قوله: {مَا فِي الْقُبُور} لكونهم إذ ذاك بمعزل عن مرتبة العقلاء.

ومنها: تخصيص أعمال القلوب بالذكر في قوله: {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} دون أعمال الجوارح؛ لأنها متابعة لأعمال القلوب فإنه لولا تحقق البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال الجوارح، اهـ "زاده".

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (1).

وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا

* * *

(1) إلى هنا تَمَّ تفسير هذه السورة الكريمة في يوم الخميس، وقت ضحوة اليوم الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة، في تاريخ (22/ 12/ 1416): ألف وأربع مئة وستّ عشرة سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين آمين.

ص: 265