الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحاصله: أن خلق الإنسان من نطفة قذرة وتقويمه بشرًا سويًا، وتحويله من حال إلى حال كمالًا ونقصانًا، أوضح دليل على قدرة الله تعالى على البعث والجزاء؛ فأي شيء يضطرك بعد هذا الدليل القاطع إلى أن تكون كاذبًا بسبب تكذيبه أيها الإنسان، والمعنى: على أن الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ أي: فمن يكذبك أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل والبراهين على البعث والجزاء؛ أي: فمن ينسبك إلى الكذب بسبب إثباتك الجزاء وإخبارك عن البعث بعد ظهور الأدلة الدالة على كمال القدرة، فإن مَن خلق الإنسان السوي من الماء المهين، وجعل ظاهره وباطنه على أحسن تقويم، ودرجه في مراتب الزيادة إلى أن استكمل واستوى، ثم نكسه إلى أن يبلغ إلى أرذل العمر، لا شك أنه قادر على البعث والجزاء، فكأنه قال: من يقدر على تكذيبك في إثبات الثواب والعقاب بعدما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر، فـ {ما} بمعنى: من، كما في "الجمل"، واختار هذا المعنى الآخر ابن جرير، و {الدين} (1): الجزاء، ومنه قول الشاعر:
دِنَّا تَمِيْمًا كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا
…
دَانَتْ أَوَائِلُهُمْ مِنْ سَالِفِ الزَّمَنِ
وقال الآخر:
وَلَمَّا صَرَّحَ الشَّرُّ
…
فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ
وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعُدْوَا
…
نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوْا
8
- {أَلَيْسَ اللَّهُ} الذي فعل ما فعل مما ذكرنا {بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} ؛ أي: بأتقن (2) المتقنين صنعًا وتدبيرًا في كل ما خلق، حتى تتوهم أيها الإنسان عدم الإعادة والجزاء، وفيه وعيد شديد للكفار، أي: أليس ذلك بأبلغ إتقانًا للأمور من كل متقن لها؛ إذ الحاكم هو المتقين للأمور، ويلزمه كونه تام القدرة كامل العلم، وحيث استحال عدم كونه أحكم الحاكمين، تعين الإعادة والجزاء؛ أي: بل هو سبحانه أتقن المتقنين صنعًا في كل ما خلق؛ لأن الاستفهام تقريري، أو المعنى: أليس الله بأقضى القاضين يحكم بينك وبين من يكذبك بالحق والعدل، يقال: حكم بينهم إذا قضى، والاستفهام فيه تقريري؛ لأن نفي النفي إثبات، كما تقدم في قوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ
(1) الشوكاني.
(2)
روح البيان.
لَكَ}، والآية وعيد للمكذبين له صلى الله عليه وسلم، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله؛ أي: بل هو سبحانه أعدل القاضين وأنفذهم وأصحهم قضاء بين خلقه نافذ الحكم ولا بد، بخلاف قضاء غيره من القضاة.
وأخرج (1) الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعًا: من قرأ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)} فقرأ {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)} فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعًا:"إذا قرأت {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)}، فقرأت {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)}، فقل: بلى".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)} قال: سبحانك اللهم فبلى، وظاهر الحديثين وأثر ابن عباس رضي الله عنهما يدل على أنه يأتي قارئها بهذه الكلمات، سواء كان في الصلاة من خارجًا عنها، كما عليه الشافعية خلافًا لمن خصه بخارج الصلاة، كالحنفية.
خاتمة: قال في "فتح الرحمن": قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
…
} الآية، إن فسر (2) بالرد إلى جهنم، فهو سفل حقيقي، والاستثناء بعده متصل، وعليه فقوله تعالى:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} قائم مقام قوله: فلا نردهم أسفل سافلين، من بالرد إلى أسفل العمر، فهو تسفل في الرتب والأوصاف بالنسبة إلى رتب الشباب وأوصافه. والاستثناء بعده منقطع، وعليه فقوله تعالى:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} ، أي: غير مقطوع بالهرم والضعف.
والمعنى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال شبابهم وقوتهم إذا عجزوا بالهرم عن العمل .. كتب لهم ثواب ما كانوا يعملون إلى وقت موتهم. انتهى.
الإعراب
(1) الشوكاني.
(2)
فتح الرحمن.
{وَالتِّينِ} : {الواو} : حرف جر وقسم. {وَالتِّينِ} : مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالتين، وجملة القسم مستأنفة. {وَالزَّيْتُونِ}: معطوف على {وَالتِّينِ} . {وَطُورِ} : معطوف على {وَالتِّينِ} ، وهو الجبل، وهو مضاف. {سِينِينَ}: مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف، ومعناه: البقعة المباركة مجرور بالفتحة الظاهرة على النون نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف بعلتين فرعيتين، وهما العلمية والعُجمة؛ لأنه لفظ سرياني عُرِّب، فهو جار مجرى حين في إعرابه بالحركات الظاهرة، ويجوز أن يعرب إعراب جمع المذكر السالم بالواو رفعًا، وبالياء جرًا ونصبًا. {وَهَذَا}: في محل الجر معطوف على {وَالتِّينِ} . {الْبَلَدِ} : بدل من اسم الإشارة. {الْأَمِينِ} . صفة لـ {الْبَلَدِ} . {لَقَدْ} : {اللام} : موطئة للقسم، {قد}: حرف تحقيق. {خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} : فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب. {فِي أَحْسَن}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من {الْإِنْسَانَ} . {أَحْسَنِ} : مضاف. {تَقْوِيمٍ} : مضاف إليه. و {أَحْسَنِ} : صفة لموصوف محذوف؛ أي: في تقويم أحسن تقويم، ويجوز أن تكون {فِي} زائدة؛ أي: قومناه أحسن تقويم اهـ "سمين". {ثُمَّ} : حرف عطف وترتيب مع تراخ. {رَدَدْنَاهُ} : فعل وفاعل ومفعول به أول معطوف على {خَلَقْنَا} . {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} : مفعول ثان لرد؛ لأنه بمعنى: رجع، فينصب مفعولين، نظير قول الشاعر:
فَرَدَّ شُعُوْرَهُنَّ السُّوْدَ بِيْضًا
…
وَرَدَّ شُعُوْرَهُنَّ الْبِيْضَ سُوْدَا
أو حال من المفعول في {رَدَدْنَاهُ} ، أو صفة لمكان محذوف؛ أي: مكانًا أسفل سافلين، فهو ظرف مكان. {إِلَّا}: أداة استثناء. {الَّذِينَ} : في محل النصب على الاستثناء المتصل إن فسرنا الرد بالرد إلى جهنم، أو على الاستثناء المنقطع إن فسرنا الرد بالرد إلى الهرم، وعلى هذا تكون {إِلَّا} بمعنى لكن. {الَّذِينَ}: مبتدأ، خبره جملة قوله:{فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} ، والجملة الابتدائية جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب، وجملة {آمَنُوا} صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وجملة {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} معطوفة على {آمَنُوا} داخلة في حيز الصلة. {فَلَهُمْ}:{الفاء} : تعليلية على أن الاستثناء متصل، {لهم}: خبر مقدم. {أَجْرٌ} : مبتدأ مؤخر. {غَيْرُ مَمْنُونٍ} : صفة لـ {أَجْرٌ} ، والجملة الاسمية جملة تعليلية لا محل لها
من الإعراب مسوقة لتعليل الاستثناء؛ لأن الفاء بعد الاستثناء المتصل؛ للتعليل غالبًا، ورابطة الخبر بالمبتدأ على أن الاستثناء منقطع لما في الموصول من معنى الشرط الذي هو الإبهام.
{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)} .
{فَمَا} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أسفل سافلين، وأردت بيان ما هو النصيحة لك .. فأقول لك: ما يكذبك؛ أي: ما يحملك على أن تذكب بالبعث والجزاء على أن الخطاب للإنسان. أو إذا عرفت يا محمد ما بينا لك من دلائل قدرتنا على البعث والجزاء، وأوردت أن تطمئن قلبك على ما بينا لك .. فأقول لك على أن الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، {ما}: اسم استفهام للاستفهام التقريري المضمَّن للإنكار على أن الخطاب للإنسان، أو للاستفهام التعجبي بمعنى: من، على أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا {يُكَذِّبُكَ}: فعل مضارع ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على {ما} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدَّرة مستأنفة. {بَعْدُ}: في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على الضم؛ لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا؛ لحذف المضاف إليه، ونية معناه؛ أي: بعد هذه العبر والعظات، الظرف متعلق بـ {يُكَذِّبُكَ}. {بِالدِّينِ}: متعلق بـ {يُكَذِّبُكَ} أيضًا. {أَلَيْسَ} : {الهمزة} : فيه للاستفهام التقريري، {ليس}: فعل ماض ناقص. {اللَّهُ} : اسمها. {بِأَحْكَمِ} : {الباء} : زائدة في خبر {ليس} . {أحكمِ} : خبرها مجرور لفظًا منصوب محلًا. {الْحَاكِمِينَ} : مضاف إليه مجرور بالياء.
التصريف ومفردات اللغة
{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2)} والتين - بكسر التاء - ثمر شجر ورطبه النضيج، أحمد الفاكهة وأكثرها غذاء، وأقلها نفخًا، جاذب محلل، مفتح سدد الكبد والطحال، مليَّن، والإكثار منه مقمل، وجبل بالشام ومسجد بها، وجبل لغطفان واسم دمشق، والتينة بالكسر الدُّبُرُ، والتينان - بالكسر - جبلان لبني نعامة
والذئب، وتينات فرضة على بحر الشام اهـ من "القاموس".
والزيتون ثمر شجرة مباركة فيه إدام ودهن يؤكل ويستصبح به، وشجرته في أغلب البلاد، ولا يحتاج إلى خدمة وتربية، ويمكث في الأرض ألوفًا من السنين، كما مر.
{وَطُورِ سِينِينَ (2)} والطور: جبل كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام، وهو جبل عظيم فيه عيون وأشجار. إن قلت: كيف ذلك مع قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} المقتضي أنه دك ولم يبق له أثر؛ أجيب: بأنه متسع والذي دك قطعة منه، ومعنى {سِينِينَ}: المبارك، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته، ومعناه: الجبل المبارك؛ لكونه مباركًا مشرفًا بتكليم موسى ربه عليه، وسينين يجوز أن يُعرب بالحركات الثلاث على النون، مع لزومه الياء في أحواله كلها، ويكون ممنوعًا من الصرف للعلمية والعجمة؛ لأنه عَلَم على البقعة، أو الأرض، وأن يعرب كجمع المذكر السالم بالواو رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًا.
{الْبَلَدِ الْأَمِينِ} والبلد والبلدة مكة، شرّفها الله تعالى، وكل قطعة من الأرض معمورًا بالسكنى، والبلد أيضًا: القبر والدار، يجمع على بلاد وبلدان.
{الْأَمِينِ} ؛ أي: الآمن فعيل بمعنى: فاعل، يقال: أَمُن الرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانة مكة أنها تحفظ من دخلها جاهلية واسلامًا مِن قتلٍ وسبي، كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول بمعنى: المأمون فيه على الحذف والإيصال من أمنه إذا جعله مأمونًا مما يخاف؛ لأنها مأمونة الغوائل والعاهات والحروب.
{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ؛ أي: في أعدل قامة وأحسن صورة، يتناول مأكوله بيده، مزينًا بالعلم والفهم والعقل، والتمييز والنطق والأدب، يقال: قام إذا انتصب، وقام الأمر إذا اعتدل، كاستقام، وقوَّمته تقويمًا عدلته، كما في "القاموس"، والتقويم: تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه في التأليف والتعديل.
{أَسْفَلَ سَافِلِينَ} و {أَسْفَلَ} هنا: اسم تفضيل، يتناول المتعدد المتفاوت، والسافلون هم إما الصغار والزمنى والأطفال، والشيخ الكبير هو أسفل من هؤلاء؛ لأنه لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا؛ لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله وثقله على
أهله وجيرانه، وعلى هذا المعنى، فالاستثناء الآتي منقطع، والمعنى حينئذ، ثم رددناه أسفل سافلين، فزال عقله، وانقطع عمله، فلا يُكتب له حسنة، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم والضعف، فإنه يكتب له بعد الهرم والخرف مثل الذي كانوا يعملونه في حال الشباب والصحة، وإما عصاة المؤمنين، فيكون الاستثناء على هذا متصلًا، والمعنى: رددناه أسفل ممن سفل خلقًا وتركيبًا حسًا ومعنًى، وهو أهل النار إلا الذين آمنوا الخ، فيكون بمعنى قوله تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} ؛ أي: غير مقطوع، بل متصل دائم، مِن مَنَّهُ مَنًّا إذا قطعه قطعًا، أو غير ممنون به عليهم، فإن المنة تكدّر النعمة، مِنْ مَنَّ عليه مِنَّة، والأول هو الظاهر، ولعل المراد من الثاني: تحقيق الأجر وإثباته، وأن المأجور استحق الأجر بعمله إطاعة لربه، وإن كان ذلك الاستحقاق من فضل الله تعالى.
{بِالدِّينِ} والدين: الجزاء بعد البعث، كما مر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)} بإطلاق الحال وإرادة المحل على القول بأنه أراد موضعهما، وهو دمشق وبيت المقدس على ما رجحه ابن جرير.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: {الْبَلَدِ الْأَمِينِ} من إسناد ما للشيء إلى مكانه؛ لأن الأمن إنما يكون لمن فيه.
ومنها: الطباق بين {أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} وبين {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} .
ومنها: الاستخدام في قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ} حيث ذكر الإنسان أولًا بمعنى وهو الجنس، ثم أعاد الضمير عليه بمعنى آخر وهو الإنسان بمعنى بعض أفراده، والاستخدام عند البديعيين: ذكر الشيء بمعنى، وإعادة الضمير عليه بمعنى آخر، كما هنا.
ومنها: الاستفهام التقريعي أو التعجبي في قوله: {فَمَا يُكَذِّبُكَ} وفيه الالتفات أيضًا من الغيبة في قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} إلى الخطاب هنا، والنكتة في ذلك الالتفات: تشديد الإنكار على الإنسان بمشافهته بالخطاب، كأنه قيل له: فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبًا بعد هذه الدلائل بسبب تكذيب الجزاء.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ} ؛ لأنه دخل على النفي، ونفي النفي تقرير.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} .
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *
مقاصد هذه السورة
اشتملت هذه السورة الكريمة على خمسة مقاصد:
1 -
أقسم الله سبحانه وتعالى بأربعة أشياء على مقسم عليه واحد تعظيمًا للمقسم به، وإشعارًا بغرابة المقسم عليه.
2 -
بيان شرف الإنسان بكونه خُلق على أحسن تقويم.
3 -
استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الذين يردون إلى أرذل العمر.
4 -
التقريع والإنكار على المكذبين له صلى الله عليه وسلم في إخباره عن البعث والجزاء.
5 -
وتطمين قلبه صلى الله عليه وسلم بكون الله سبحانه أحكم الحاكمين بينه وبينهم (1).
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(1) تمت سورة التين بعون الملك المعين قُبيل الغروب من يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة من شهور سنة: ألف وأربع مئة وست عشرة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.