المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌6 - ثم بيَّن سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان جني - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣٢

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌سورة البلد

- ‌1

- ‌2

- ‌(3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌ 14

- ‌15

- ‌ 16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌سورة الشمس

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌(6)}

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌سورة الليل

- ‌1

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌(16)}

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌سورة الضحى

- ‌1

- ‌(2)}

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌سورة الشرح

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة التين

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة العلق

- ‌(1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌(10)}

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌سورة القدر

- ‌1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌سورة البينة

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة الزلزلة

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة العاديات

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌سورة القارعة

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌(3)}

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌سورة التكاثر

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌(5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌سورة العصر

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌سورة الهمزة

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌سورة الفيل

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌سورة قريش

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌سورة الماعون

- ‌(1)

- ‌2

- ‌ 3

- ‌4

- ‌5

- ‌(6)}

- ‌7

- ‌سورة الكوثر

- ‌1

- ‌2

- ‌3)}

- ‌سورة الكافرون

- ‌1

- ‌(2)

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌سورة النصر

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌سورة المسد

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌سورة الإخلاص

- ‌(1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌سورة الفلق

- ‌1

- ‌(2)

- ‌3

- ‌ 4

- ‌ 5

- ‌سورة الناس

- ‌(1)

- ‌2

- ‌(3)

- ‌4

- ‌5)}

- ‌6

الفصل: ‌ ‌6 - ثم بيَّن سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان جني

‌6

- ثم بيَّن سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان جني وإنسي، فقال:{مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} والجِنة - بالكسر - جماعة الجن، و {مِنَ} بيان للشيطان الموسوس على أنه ضربان جني وإنسي، كقوله تعالى:{شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} والموسوس إليه نوع واحد، وهو الإنس، فكما أن شيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس أخرى، فشيطان الإنس يكون كذلك، وذلك لأنه يُلقي الأباطيل، ويُري نفسه في سورة الناصح المشفق، فإن زجره السامع يخنس ويترك الوسوسة، وإن قبل السامع كلامه بالغ فيه، و {مِنَ} على هذا بيانية مشوبة بتبعيض؛ أي: بعض الجنة وبعض الناس.

قال في "الأسئلة المقحمة": من دعا غيره إلى الباطل، فإن تصوره في قلبه كان ذلك وسوسةً، وقد قال تعالى:{وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} فإذا جاز أن توسوس نفسه جاز أن يوسوسه غيره، فإن حقيقة الوسواس لا تختلف باختلاف الأشخاص.

ويجوز أن تكون {مِنَ} متعلقة بـ {يُوَسْوِسُ} وتكون لابتداء الغاية؛ أي: يوسوس في صدورهم من جهة الجن أنهم يعلمون الغيب ويضرون وينفعون، ومن جهة الناس كالكهان والمنجمين كذلك، ويجوز أن يكون قوله:{مِنَ الْجِنَّةِ} بيانًا للوسواس، و {النَّاسِ} عطف على {الْوَسْوَاسِ} فلفظ {شَرِّ} مسلط عليه، كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس؛ وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة، وقيل: يجوز أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، ومن الجنة والناس بتقدير العاطف كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد، ثم استعاذ بربه من جميع الجنة والناس، وقيل: المراد بالناس الناسي، وسقطت الياء كسقوطها في قوله:{يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} ثم بيَّن بالجنة والناس؛ لأن كل فرد من أفراد الفريقين في الغالب مبتلى بالنسيان، وقيل: إن إبليس يوسوس في صدور الجن، كما يوسوس في صدور الإنس، وواحد الجنة: جني، كما أن واحد الإنس إنسي، وسيأتي بسط الكلام فيه، والقول الأول هو أرجح هذه الأقوال، وإن كان وسوسة الإنس في صدور الناس لا يكون إلا بالمعنى الذي قد قدمنا، ويكون هذا البيان يذكر الثقلين للإرشاد إلى أن من استعاذ منهما ارتفعت عنه محن الدنيا والآخرة، وفي ختم (1) القرآن بهذه السورة

(1) روح البيان.

ص: 479

إشارة حسنة، كأنه قيل: ما أنزلناه كاف، وما فرَّطنا في الكتاب من شيء فلا تطلب بعده شيئًا، بل اقتصر على العمل له واستعذ بالله من الشيطان والحاسد؛ لأن العبد إذا تمت نعمة الله عليه كثرت حساده إنسًا وجنًا، قال بعضهم: وفي بدء القرآن: بسم الله وختمه بالناس إشارة إلى أن الإنسان آخر المراتب الكونية؛ وذلك لأن ابتداء المراتب الكونية هو العقل الأول، وانتهاؤها هو الإنسان اهـ بتصرف.

قيل: عدد (1) حروف هذه السورة غير المكرر: ثلاث وعشرون حرفًا، وكذلك عدد الفاتحة بعدد السنين التي أُنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قيل: بس؛ أي: تم وكمل، أو حسب؛ أي: حسبك من الكونين ما أعطيناك بين الحرفين، وفي أسئلة (2) عبد الله بن سلام رضي الله عنه أخبرني يا محمد ما ابتداء القرآن وما ختمه؟ قال:"ابتداؤه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وختمه: صدق الله العظيم"، قال: صدقت، وفي "خريدة العجائب" يعني: ينبغي أن يقول القارىء ذلك عند الختم، وإلا فختم القرآن سورة الناس، وفي "قوت القلوب" للشيخ أبي طالب المكي - رحمه الله تعالى -: وليجعل العبد مفتاح درسه أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون، وليقرأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)

} وسورة {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ، وليقل عند فراغه من كل سورة صدق الله تعالى، وبلَّغ رسوله صلى الله عليه وسلم، اللهم انفعنا وبارك لنا فيه الحمد لله رب العالمين، واستغفر الله الحي القيوم.

الإعراب

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} .

{قُلْ} : فعل أمر، وفاعل مستتر تقديره: أنت يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، والجملة مستأنفة. {أَعُوذُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنا يعود على

(1) الصاوي.

(2)

روح البيان.

ص: 480

محمد صلى الله عليه وسلم، والجملة في محل النصب مقول {قُلْ}. {بِرَبِّ النَّاسِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {أَعُوذُ} . {مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3)} : بدلان، أو وصفان، أو عطفا بيان لـ {رَبِّ النَّاسِ} ، وكرر المضاف إليه إظهارًا لشرفه كما مر. {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {أَعُوذُ} . {الْخَنَّاسِ} : صفة لـ {الْوَسْوَاسِ} . {الَّذِي} : صفة ثانية لـ {الْوَسْوَاسِ} قال في "الكشاف": يجوز فيه الحركات الثلاث، فالجر على الصفة والرفع والنصب على الذم. {يُوَسْوِسُ}: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الموصول. {فِي صُدُورِ النَّاسِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ {يُوَسْوِسُ} ، والجملة صلة الموصول. {مِنَ الْجِنَّةِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل {يُوَسْوِسُ} . {وَالنَّاسِ} : معطوف على {الْجِنَّةِ} .

التصريف ومفردات اللغة

{أَعُوذُ} من عاذ إليه يعوذ - من باب قال - إذا التجأ إليه مما يخافه.

{بِرَبِّ النَّاسِ} الناس أصله إما أناس، فحذفت الهمزة، فصار ناس، أو. نَوَس تحركت الواو وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا، مأخوذ إما من ناس إذا تحرك، خص بالبشر؛ لأنه المتحرك الحركة التامة الناشئة عن فكر واختيار، أو من الأنس ضد الوحشة؛ لأنه يؤنس به، أو من النسيان؛ لكونه مطبوعًا عليه.

{مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} : وفي "السمين": قال الزمخشري: الوسواس اسم مصدر بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر، فوسواس بالكسر كزلزال، والمراد به هنا الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه؛ لأنها صنعته وشغله، أو أريد ذو الوسواس اهـ.

وفي "المصباح": أنه يطلق أيضًا على ما يخطر بالقلب من الشر، وكل ما لا خير فيه، وفي "المختار": الوسوسة حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسًا - بالكسر - ووسواسًا - بالفتح - كزلزال وزلزال.

{الْخَنَّاسِ} صيغة مبالغة من خنس يخنس - من باب دخل - خنسًا - بالسكون - وخَنَسًا - بالتحريك - وخنوسًا، والخنس التأخر والتواري والاستتار، يقال: خنس عنه إذا تاخر وأخنسه غيره؛ أي: خلَّفه ومضى عنه، والخناس الشيطان؛ لأنه يخنس

ص: 481

إذا ذكر الله عز وجل، قال في "أساس البلاغة": وخنس الرجل من بين القوم خنوسًا إذا تأخر واختفى وخنسته أنا وأخنسته بأربع، وخنس إبهامه خفض، ومنه الخناس.

{مِنَ الْجِنَّةِ} الجنة: اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني كزنج وزنجي، وغالبًا يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم؛ أي: استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصور، وتقدم ما فيهم اهـ من "الصاوي".

البلاغة

وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه وتعظيمه في قوله: {بِرَبِّ النَّاسِ} وفي الآيتين بعدها.

ومنها: تخصيص الناس بالذكر في المواضع الثلاثة مع كونه رب جميع المخلوقات وملكهم وإلههم تكريمًا لهم من بين المخلوقات حيث أخدمهم الملائكة، وأمدهم بالعقل والعلم وسائر أنواع الكرامات كما مر.

ومنها: تكرير لفظ الناس ثانيًا وثالثًا؛ لإظهار شرف الناس وتعظيمهم، وللاعتناء بشأنهم، ولو قال: ملكهم إلههم لما كان لهم هذا الشأن العظيم.

ومنها: جناس الاشتقاق بين {يُوَسْوِسُ} و {الْوَسْوَاسِ} .

ومنها: الطباق بين {الْجِنَّةِ} و {النَّاسِ} .

ومنها: المجاز المرسل في قوله: {فِي صُدُورِ النَّاسِ} ؛ أي: في قلوبهم لعلاقة المحلية.

والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (1)

* * *

(1) اللهم اجعلنا من المخلصين في أعمالنا، وادفع عنا أذى شياطين الأنس؛ والجن، وأبعد عنا شر =

ص: 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الموسوسين، وقنا عذاب الجحيم، ولا تفضحنا يوم العرض والحساب، وصل ربنا وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الذين ذادوا عن دينك بقدر ما غرستَ في قلوبهم من برد اليقين، وأثلجتَ صدورهم بمحبة هذا الدين، وعلى التابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، وارض عنا معهم يا رب العالمين بمحض فضلك وجودك وكرمك وإحسانك وعن جميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات يا رب العالمين، آمين آمين، ألف ألفي آمين.

إلى هنا تم تفسير سورة الناس بعون الله وتوفيقه أوائل ليلة الجمعة المباركة التاسعة عشرة من شهر صفر الخير من شهور سنة: 1417 هـ ألف وأربع مئة وسبع عشرة وبتمامه تم الكتاب الميمون، وكان تاريخ ابتدائه في اليوم الثاني من شهر الله المحرم من شهور سنة: 1406 هـ ألف وأربع مئة وست سنوات، من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وقد مكثت في تسويده مع ما تراكم عليَّ من الشواغل والعوائق إحدى عشرة سنة وشهرين إلا ثمانية أيام، ولقد أجاد من قال:

وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِيْ أَمْرٍ يُحَاوِلُهُ

وَاسْتَعْمَلَ الصَّبْرَ إِلَّا فَازَ بِالظَّفَرِ

ص: 483

الخواتيم نسأل الله تعالى حسنها

الأولى: في الآداب التي تُطلب لقارىء القرآن عند قراءته، والتي تتعلق باحترام القرآن وتعظيمه:

فمنها: أن لا يمسه إلا طارأ قال تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} .

ومنها: أن التالي يتطيب لتلاوته ويستاك لها لقول يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طريق من طرق القرآن، فطهروها ونظفوها ما استطعتم.

ومنها: أن يستوي له قاعدًا ولا يكون متكئًا.

ومنها: أن يلبس ثياب التجمل كما يلبسها للدخول على الملوك؛ لأنه مناج ربه.

ومنها: أن يستقبل القبلة؛ لأنها أشرف الجهات.

ومنها: أنه إذا تثاءب يمسك عن القراءة حتى يذهب تثاؤبه؛ لأنه من الشيطان.

ومنها: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند ابتداء القراءة وإن لم يكن في أول سورة، ويبسمل إن كان في أول سورة، وإلا فيخيَّر.

ومنها: إذا أخذ في القراءة لم يقطعها لمكالمة أحد من غير ضرورة.

ومنها: أن يقرأه على تؤدة وترتيل وتدبر حتى يعقل ما يخاطب به ربه، فيرغب في الوعد ويرهب عند الوعيد.

ومنها: إذا انتهت قراءته يقول: صدق الله العظيم، وبلَّغ رسوله الكريم، وأنا على ذلك من الشاهدين.

ومنها: أن يقرأ القرآن على الترتيب ولا ينكس.

ومنها: أن يضع المصحف على مكان طاهر مرتفع أو في حجره.

ومنها: أن لا يمحو القرآن من اللوح بالبصاق، ولكن يغسله بالماء، ويشرب الغسالة بقصد الاستشفاء، أو يدفنها في مكان طاهر بعيد عن ممر الأقدام.

ومنها: أن لا يتخذ الصحيفة إذا بليت، بل يمحوها بالماء، ويفعل بها ما تقدم، أو يحرقها ويدفن رمادها في مكان طاهر.

ص: 484

ومنها: أن يُعطي عينيه حقهما من النظر في المصحف، ففي الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أعطوا أعينكم حظها من العبادة" قالوا: يا رسول الله وما حظها من العبادة؟ قال: "النظر في المصحف والتفكير فيه والاعتبار عند عجائبه"، وقال صلى الله عليه وسلم:"أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن نظرًا".

ومنها: أن لا يتأول القرآن بشيء من أمور الدنيا يعرض له، كقول الرجل إذا جاءه أحد: جئتَ على قدر يا موسى، وكقوله لضيوفه مثلًا: كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية.

ومنها: أن لا يقرأ المقرآن بألحان الغناء كلحون أهل الفسق.

ومنها: أن يجوف خطه إذا كتبه.

ومنها: أن لا يقرأه في الأسواق، أو في مواطن اللغط ومجمع السفهاء.

ومنها: أن لا يقصد بتلاوته سؤال الخلق.

ومنها: أن لا يحقر المصحف، فإنه ورد النهي عن تحقير المصحف والمسجد.

ومنها: أن لا يكتبه على الأرض ولا على حائط، كما يفعل في المساجد، ففي الحديث: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته في أرض، فقال لشاب من هذيل:"ما هذا؟ " قال: من كتاب الله كتبه يهودي، فقال:"لعن الله من فعل هذا، لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه" ورأى عمر بن عبد العزيز ولده يكتب القرآن على حائط فضربه.

ومنها: إذا كتبه وشربه ينوي به الشفاء من كل داء وأذى وبلوغ الآمال من كل خير، فإن الله يؤتيه على قدر نيته.

ومنها: إذا ختم القرآن يقرأ من أوله قدر خمس آيات، فقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله عن أفضل العمل، فقال:"عليك بالحال المرتحل" قال: وما الحال المرتحل؟ قال: "صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره، ثم يضرب في أوله كلما حل ارتحل".

ومنها: إذا ختم القرآن أن يجمع أهله ويدعو بخير الدارين، كما كان السلف

ص: 485

الصالح يفعلونه لإجابة الدعاء عند ختمه، كما هو مذكور في الأحاديث الصحيحة انتهى ملخصًا من "القرطبي".

الثانية: في آداب ختم القرآن:

روي عن ابن كثير - رحمه الله تعالى - أنه كان إذا انتهى في آخر الختمة إلى قل أعوذ برب الناس قرأ سورة الحمد لله رب العالمين وخمس آيات من سورة البقرة على عدد الكوفي، وهو إلى قوله:{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ؛ لأن هذا يسمى الحال المرتحل، ومعناه: أنه حل في قراءته آخر الختمة وارتحل إلى ختمة أخرى إرغامًا للشيطان، وصار العمل على هذا في أمصار المسلمين في قراءة ابن كثير وغيرها، وورد النص عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - أن من قرأ سورة الناس يدعو عقب ذلك، فلم يستحب الإمام أحمد أن يصل ختمه بقراءة شيء من القرآن، وروي عنه قول آخر بالاستحباب، واستحسن مشايخ العراق قراءة سورة الإخلاص ثلاثًا عند ختم القرآن إلا أن يكون الختم في المكتوبة، فلا يكررها.

وفي الحديث: "من شهد خاتمة القرآن كان كمن شهد المغانم حين تُقسم، ومن شهد فاتحة القرآن كان كمن شهد فتحًا في سبيل الله تعالى"، وعن إبراهيم التيمي قال: من ختم القرآن أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، ومن ختمه أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، قال: فكانوا يستحبون أن يختموا أول الليل وأول النهار، وعن الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - أنه قال: عند كل ختمة دعوة مستجابة، إذا ختم الرجل القرآن قبَّل المَلَك بين عينيه، ومن شك في غفرانه عند الختم فليس له غفران، ونص الإمام أحمد على استحباب الدعاء عند الختم، وكذا جماعة من السلف، فيدعو بما أحب مستقبل القبلة رافعًا يديه خاضعًا لله تعالى موقتًا بالإجابة، ولا يتكلف السجع في الدعاء، بل يجتنبه ويثني على الله تعالى قبل الدعاء وبعده، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويمسح وجهه بيديه بعد فراغه من الدعاء؛ لأن ذلك أرجى للقبول.

وفي "شرح الجزري" لابن المصنف: ينبغي أن يُلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة بالكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك أو كله في أمور الآخرة وأمور المسلمين وصلاح سلاطينهم وسائر ولاة أمورهم بتوفيقهم للطاعات وعصمتهم

ص: 486

من المخالفات، وتعاونهم على البر والتقوى، وقيامهم بالحق عليه، وظهورهم على أعداء الدين وسائر المخالفين، وقال الشيخ سلطان المزاحي في رسالته "الدر المصون": ثم بعد ختم القرآن تدعو بما أردت دينًا ودنيا، وأولاه المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الثالث: في الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم عند ختم القرآن:

فمنها: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يدعو عند ختم القرآن بهذا الدعاء، وهو: اللهم إني أسألك إخبات المخبتين وإخلاص الموقنين ومرافقة الأبرار واستحقاق حقائق الإيمان والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك والفوز بالجنة والخلاص من النار.

ومنها: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول عند ختم القرآن: "اللهم ارحمني بالقرآن العظيم واجعله لي إمامًا ونورًا وهدى ورحمة، اللهم ذكرني منه ما نسيت، وعلمني منه ما جهلت، وارزقني تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، واجعله حجة لي يا رب العالمين".

ومنها: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند ختمه: "اللهم ارحمنا بالقرآن العظيم واجعله لنا إمامًا ونورًا وهدى ورحمة، اللهم ذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، واجعله لنا حجة يا رب العالمين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدًا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا".

وكان أبو القاسم الشاطبي - رحمه الله تعالى - يدعو بهذا الدعاء: اللهم إنا عبيدك وأبناء إمائك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو نزلته في شيء من كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، وشفاء صدورنا، وجلاء أحزاننا وهمومنا، وسائقنا وقائدنا إليك والى جنتك جنة النعيم،

ص: 487

ودارك دار السلام مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.

الرابعة: ترتيب السور على حسب النزول:

السور المكية

(1)

اقرأ (2) ن (3) المزمل (4) المدثر (5) تبت (6) الشمس (7) الأعلى (8) الليل (9) الفجر (10) الضحى (11) ألم نشرح (12) العصر (13) العاديات (14) الكوثر (15) التكاثر (16) الماعون (17) الكافرون (18) الفيل (19) الفلق (20) الناس (21) الإخلاص (22) النجم (23) عبس (24) القدر (25) الضحى (26) البروج (27) التين (28) قريش (29) القا رعة (30) القيامة (31) الهمزة (32) المرسلات (33) ق (34) البلد (35) الطارق (36) الساعة (37) ص (38) الأعراف (39) الجن (45) يس (41) الفرقان (42) الملائكة (43) مريم (44) طه (45) الواقعة (46) الشعراء (47) النمل (48) القصص (49) بني اسرائيل (50) يونس (51) هود (52) يوسف (53) الحجر (54) الأنعام (55) الصافات (56) لقمان (57) سبأ (58) الزمر (59) المؤمنون (60) السجدة (61) الشورى (62) الزخرف (63) الدخان (64) الجاثية (65) الأحقاف (66) الذاريات (67) الغاشية (68) الكهف (69) النحل (70) نوح (71) إبراهيم (72) الأنبياء (73) المؤمنون (74) السجدة (75) الطور (76) تبارك (77) الحاقة (78) المعارج (79) النبأ (80) النازعات (81) الانفطار (82) الانشقاق (83) الروم (84) العنكبوت (85) المطففين.

السور المدنية

(86)

البقرة (87) الأنفال (88) آل عمران (89) الأحزاب (90) الممتحنة (91) النساء (92) الزلزلة (93) الحديد (94) القتال (95) الرعد (96) الرحمن (97) الإنسان (98) الطلاق (99) البينة (100) الحشر (101) النصر (102) النور (103) الحج (104) المنافقون (105) المجادلة (106) الحجرات (107) التحريم (108) الجمعة (109) التغابن (110) الصف (111) الفتح (112) المائدة (113)

ص: 488

براءة. انتهى من "الإتقان" للحافظ السيوطي.

الخامسة: في ذكر الاختلاف الواقع في عدد سور القرآن:

قال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - جميع سور القرآن مئة واثنتا عشرة سورة، قال الفقيه في "البستان": إنما قال إنها: مئة واثنتا عشرة سورة؛ لأنه كان لا يعد المعوذتين من القرآن، وكان لا يكتبهما في مصحفه، ويقول: إنهما منزلتان من السماء، وهما من كلام رب العالمين، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقي ويعوذ بهما، فاشتبه عليه أنهما من القرآن، أو ليستا منه فلم يكتبهما في المصحف.

وقال مجاهد: جميع سور القرآن: مئة وثلاث عشرة سورة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يعد الأنفال والتوبة سورة واحدة، وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: جميع سور القرآن: مئة وست عشرة سورة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يعد القنوت سورتين إحداهما من قوله: اللهم إنا نستعينك إلى قوله: من يفجرك، والثانية من قوله: اللهم إياك نعبد إلى قوله: ملحق، وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: جميع سور القرآن: مئة وأربع عشرة سورة، وهذا قول عامة الصحابة رضي الله عنهم، وهكذا في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفي مصاحف أهل الأمصار، فالمعوذتان سورتان من القرآن روى أبو معاوية عن عثمان بن واقد قال: أرسلني أبي إلى محمد بن المنكدر، وسأله عن المعوذتين أهما من كتاب الله؟ قال: من لم يزعم أنهما من كتاب الله، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وفي "نصاب الاحتساب": لو أنكر آية من القرآن سوى المعوذتين يكفر. انتهى.

وفي "الأكمل" عن سفيان بن سخنان من قال: إن المعوذتين ليستا من القرآن لم يكفر لتأويل ابن مسعود رضي الله عنه كما في "المغرب" للمطرزي، وقال في "هدية المهديين": وفي إنكار قرآنية المعوذتين اختلاف المشايخ، والصحيح أنه: يكفر. انتهى.

وأما جملة حروف القرآن فهي ألف ألف وسبعة وعشرون ألفًا بإدخال حروف الآيات المنسوخة، ونصفه الأول باعتبارها ينتهي بالنون من قوله: في سورة الكهف {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} والكاف أول النصف الثاني، وأما جملة عدد آياته فهي: ستة

ص: 489

آلاف وخمس مئة آية، نصفها الأول ينتهي بقوله في سورة الشعراء:{فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45)} كما بسطنا الكلام على أمثال هذا في المقدمة.

السادسة: في جداول وضعناها على صورة الوفق المربع الذي أضلاعه ستة ووضعنا في الزاوية الأولى: الأرقام، وفي الثانية: أسماء السورة وفي الثالثة: عدد آياتها، وفي الرابعة: عدد كلماتها، وفي الخامسة: عدد حروفها، وفي السادسة: أن السورة مكية أو مدنية، والغرض منها: تسهيل حفظ هذه الأمور المهمة على من أراد حفظها على ظهر قلب، وهي هذه الخطوط المخطوطة في الصفحات الآتية، وهي تُغني عن الفهارس التي اعتادها الناس.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 490

جداول سور الْقُرْآن على تَرْتِيب الْمُصحف العثماني

ص: 491

جداول سور القرآن على ترتيب المصحف العثماني

ص: 492

جداول سور القرآن على ترتيب المصحف العثماني

ص: 493

جداول سور القرآن على ترتيب المصحف العثماني

ص: 494

جداول سور القرآن على ترتيب المصحف العثماني

ص: 495

وهذا آخر ما بشرني الله سبحانه بانتهائه بعدما وفقني بابتدائه، فالحمد لله الذي عدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والشكر له على ما حبانا شكرًا يوافي ما أولانا، ويكافىء ما يزاد لنا، وأسأله أن يديم نفعه بين عباده، ويرد عنه جدل منكره وجاحده، ويطمس عنه عين كائده وحاسده، خصوصًا في هذا الزمان الذي بُدل نعيمه بؤسًا، وعُدَّ جيِّده منحوسًا، قد ملأ الحسد من أهله جميع الجسد، وقاهم الغرور بحبل من مسد، فما أحسن قول من قال:

إِنْ يَسْمَعُوْا سُبَّةَ طَارُوْا بِهَا فَرَحًا

مِنِّي وَمَا سَمِعُوْا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوْا

صُمٌّ إِذَا سَمِعُوْا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ

وَإِنْ ذُكِرْتُ بِسُوْءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوْا

أو من قال:

إِنْ يَعْلَمُوْا الْخَيْرَ أخْفَوْهُ وَإِنْ عَلِمُوْا

شَرًا أَذَاعُوْا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوْا كَذَبُوْا

اللهم كما مننت علي بإكمال هذا التفسير المبارك، وأعنتني على تحصيله، وتفضلت علي بالفراغ منه بعد مدة مديدة، فامنن علي بقبوله، واجعله لي ذخيرة خير عندك بمنك وكرمك وجودك، وأجزل لي المثوبة بما لاقيته في جمعه وكتابته من التعب والنصب، وانفع به من تلقاه بالقبول، وقصد الانتفاع منه من عبادك، ليدوم لي الانتفاع به بعد موتي، فإن هذا هو المقصد المهم من تأليفه، واجعله خالصًا لوجهك الكريم، وتجاوز عني ما خطر لي من خواطر السوء مما يخالف الإخلاص، واغفر لي ما لا يطابق مرادك من معاني كتابك، فإني لم أقصد في جمع أبحاثي فيه إلا إصابة الحق وموافقة ما ترضاه فإن أخطأت فأنت غافر الخطيات، ومسبل ذيل الستر على الهفوات.

بِالذُّلِّ قَدْ وَافَيْتُ بَابَكَ عَالِمًا

إِنَّ التَّذَلُّلَ عِنْدَ بَابِكَ يَنْفَعُ

اجعَلْ لِيَا مِنْ كُل خَطْأٍ مَخْرَجَا

وَاسْمَحْهُ لِيْ يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمَفْزَعُ

مَا لِيْ سِوَى قَرْعِيْ لبَابِكَ حِيْلَةٌ

وَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ

والمرجو ممن صرف وجهه إليه بعين الرضا والرغبة لديه أن يصلح خطأه وسقطته، ويزيل زلَله وهفوته بعد المراجعة والتأمل والإمعان، لا بمجرد النظر والعِيان؛ لأن الإنسان مركز الجهل والخطأ والنسيان، ولاسيما حليف البله والبلاهة

ص: 496

والتوان؛ ليكون ممن يدفع السيئة بالحسنة، لا ممن يجازي بالسيئة:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} .

وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ أَخِيْرًا زَمَانُهُ

فَقَدْ جَمَعْتُ فِيْهِ مَا لَمْ يَجْمَعِ الأَوَائِلُ

عَلَّمَنا الله وإياكم علوم السالفين، وجنبنا وإياكم زيوف الخالفين، وما أحسن قول من قال:

وَكُلُّ خَيْرٍ فِيْ اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ

وَكُلُّ شَرٍّ فِيْ ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ

وأدبنا وإياكم بآداب الأخيار، وأذاقنا وإياكم كؤوس المعارف والأسرار، فإنه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين وأرحم الراحمين.

وما ألطف قول من قال في نداء ربه تعالى:

يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا مَن لَا شَرِيْكَ لَهُ

يَا سَامِعَ الصَّوْت يَا مَنْ جَلَّ عَنْ صَمَمِ

يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَاذَا الْجُوْدِ يَا أَمَلِيْ

يَاذَا الْجَلَالِ وَيَاذَا اللُّطْفِ فِيْ الأُمَمِ

اللهم ربنا يا ربنا تقبل منا أعمالنا، وأصلح لنا أقوالنا، وأفعالنا إنك أنت الكافي الحسيب، والقريب المجيب، وأحمدك يا ربي، لا أحصي حمدًا لك، وأشكرك لا أستقصي شكرًا لك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وحبيبك محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، آمين آمين يا رب ألف ألف آمين.

حَمْدًا لِرَبِّنَا عَلَى جَمْعِهِ

ثُمَّ غُفْرَانَهُ لِمُؤَلِّفِهِ

وَلنَاشِرِهِ وَطَابِعِهِ

وَلقَارئِهِ وَسَامِعِهِ

وَلِوَالِدَيْهِ وَكُلِّ مَنْ

إِلَيْهِ انْتَمَى مِنْ ذُرِّيَّتِهِ

وَلمَشَايِخِهِ وَكُلِّ مَنْ

أَسْدَى لَهُ الإِسْعَافَ فِيْ تَعَلُّمِهِ

ثُمَّ صَلَاةُ اللهِ عَلَى حِبِّهِ

مُحَمَّد وَآلِهِ وَصَحْبِهِ

آخر

جَزَى اللهُ خَيْرًا مَنْ تَأَمَّلَ صَنْعَتِي

وَقَابَلَ مَا فِيْهَا مِنَ السَّهْوِ بِالعَفْوِ

وَأَصْلَحَ مَا أَخْطَأتُ فِيْهِ بِفَضلِهِ

وَفِطْنَتِهِ أَسْتغفِرُ اللهَ مِنْ سَهْوِيْ

ص: 497

آخر

يَا قَارِىءَ الْخَطِّ وَالْعَيْنَانِ تَنْظُرُهُ

لَا تَنْسَ صَاحِبَهُ بِاللهِ وَاذْكُرُهُ

وَهَبْ لَهُ دَعْوَةَ للهِ خَالِصَةً

لَعَلَّهَا فِي صُرُوْفِ الدَّهْرِ تَنْفَعُهُ

شعر آخر

أَلَا أَيُّهَا الْمَأمُوْلُ فِيْ كُلِّ حَاجَةٍ

إِلَيْكَ شَكَوْتُ الضُّرَّ فَارْحَمْ شِكَايَتِيْ

أَلَا يَا رَجَائِي أَنْتَ كَاشِفُ كُرْبَتِي

فَهَبْ لِيْ ذُنُوْبِي كُلَّهَا وَاقْضِ حَاجَتِيْ

فَزَادِيْ قَلِيْلٌ مَا أرَاهُ مُبَلِّغِيْ

عَلَى الزَّادِ أَبْكِي أَمْ لِبُعَدِ مَسَافَتِيْ

أَتَيْتُ بِأعْمَالٍ قِبَاحٍ رَدِيْئَةٍ

وَمَا فِيْ الْوَرَى خَلْقٌ جَنَى كجِنَايَتِيْ

* * *

إِلَى هُنَا وَقَفَتِ الْحَدَائقْ

مُبَشرَةً بَفَكِّ الدَّقَائِقْ

يَا لَهَا جَوْهَرَةٌ مَكْنُوْنَةٌ

فِي صُدْفِهَا دُرَّةٌ مَصُوْنَةٌ

وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى إِفْضَالِهِ

وَالشُّكْرُ لِلْمَوْلَى عَلَى إِكْمَالِهِ

ص: 498