الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَانْحَرْ} البُدن التي هي خيار أموال العرب باسمه تعالى، وتصدق بها على المحاويج، خلافًا لمن يَدُعُّهم ويمنع منهم الماعون، فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، وقد فسرت الصلاة بصلاة العيد، والنحر بالتضحية، وهذا يناسب كون السورة مدنية.
وعن عطية هي صلاة الفجر بجَمْعٍ، والنحر (1) بمنى، وقال محمد بن كعب: إن ناسًا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن تكون صلاته ونحره له، وعن علي رضي الله عنه: النحر هاهنا وضع اليدين في الصلاة على النحر، وقال محمد بن كعب: النحر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر، وقيل: هو، أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبير إلى حذاء نحوه، وقيل: هو أن يستقبل القبلة بنحوه، قاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص، وروي عن عطاء أنه قال: أمره أن يستوي بين السجدتين جالسًا حتى يبدو نحوه اهـ.
وقال سليمان التيمي: المعنى وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك، وظاهر الآية الأمر له صلى الله عليه وسلم بمطلق الصلاة ومطلق النحر، وأن يجعلهما لله عز وجل لا لغيره، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص، فهو في حكم التقييد له، والمعنى؛ أي (2): اجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك وما هو نسك لك لله أيضًا، فإنه هو الذي رباك، وأسبغ عليك نعمه دون سواه، كما قال تعالى آمرًا له: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (16
3)}
3 -
وبعد أن بشر رسوله صلى الله عليه وسلم أعظم البشارة وطالبه بشكره على ذلك، وكان من تمام النعمة أن يصبح عدوه مقهورًا ذليلًا .. أعقبه بقوله:{إِنَّ شَانِئَكَ} ؛ أي: إن مبغضك يا محمد كائنًا من كان كأبي جهل وأضرابه {هُوَ} ضمير فصل {الْأَبْتَرُ} ؛ أي: المنقطع عن كل خير على العموم، المقطوع ذكره في الدنيا والآخرة؛ لبغضه لك؛ لأن (3) نسبة أمر إلى المشتق تفيد علية المأخذ، يقال: شنأه - كمنعه وسمعه - شنًا إذا أبغضه، والبغض ضد الحب، والبتر يستعمل في قطع الذَّنَب، ثم أجري قطع العقب مجراه، فقيل: فلان أبتر إذا لم يكن له عقب يخلفه، والمعنى: إن مبغضك على العموم هو الذي لا عقب له، حيث لا يبقى له نسل ولا
(1) الشوكاني.
(2)
المراغي.
(3)
روح البيان.
حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان.
وشانئوه (1) ما كانوا يبغضونه لشخصه؛ لأنه كان محببًا إلى نفوسهم، بل كانوا يمقتون ما جاء به من الهدى والحكمة؛ لأنه سفه إحلامهم وعاب معبوداتهم، ونادى بفراق ما ألفوه ونشؤوا عليه، وقد حقق الله سبحانه الذي شانئيه من العرب وغيرهم الذي زمنه صلى الله عليه وسلم ما يستحقونه من الخذلان والخسران ولم يبق لهم إلا سوء الذكر. أما النبي صلى الله عليه وسلم ومن اهتدى بهديه، فإن الله سبحانه رفع منزلتهم فوق كل منزلة وجعل كلمتهم هي العليا.
قال الحسن - رحمه الله تعالى -: عني المشركون بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله سبحانه بيَّن أن خصمه هو الذي يكون كذلك اهـ.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما (2) -: نزلت هذه السورة في كعب بن الأشرف وجماعة قريش، وذلك أنه لما قدم كعب بن الأشرف قالت له قريش: نحن أهل السقاية والسدانة، وأنت سيد أهل المدينة، أفنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ فقال: أنتم خير منه، فنزلت فيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
…
} الآية، ونزلت في الذين قالوا: إنه أبتر {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} ؛ أي: المنقطع عن كل خير، وقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الصنبور أرادوا أنه فرد ليس له ولد، فإذا مات انقطع ذكره، شبهوه بالنخلة المنفردة يدق أسفلها، وتسمى الصنبور، وقيل: هي النخلة التي يخرج في أصل أخرى لم تغرس، وقيل: الصنابر سعفات تنبت من جذع النخلة تضر بها، ودواؤها أن تُقطع تلك الصنابر منها، فأراد كفار مكة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بمنزلة الصنبور ينبت في جذع نخلة، فإذا انقطع استراحت النخلة، فكذا محمد صلى الله عليه وسلم إذا مات انقطع ذكره، وقيل: الصنبور الوحيد الضعيف الذي لا ولد له ولا عشيرة ولا ناصر من قريب ولا غريب، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، ورد عليهم أشنع رد، فقال: إن شانئك يا محمد هو الأبتر الضعيف الوحيد الحقير، وأنت الأعز الأشرف الأعظم. والله أعلم.
(1) المراغي.
(2)
الخازن.
وظاهر الآية: العموم وأن هذا شأن كل من يبغض النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل أو غيره، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما مر غير مرة. والله أعلم بمراده.
وقرأ الجمهور (1): {شَانِئَكَ} بالألف، وقرأ ابن عباس:{شنيك} بغير ألف، فقيل: هو مقصور من شانىء، كما قالوا: بَرَر وبَر في بارِر وبار، ويجوز أن يكون بناء على فعل، وهو مضاف للمفعول إن كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وإن كان بمعنى الماضي فتكون إضافته لا من نصب على مذهب البصريين، وقد قالوا: حذر أمورًا، ومزقون عرضي، فلا يستوحش من كونه مضافًا للمفعول، ولفظ {هُوَ} مبتدأ، والأحسن الأعرف في المعنى أن يكون ضمير فصل؛ أي: هو المنفرد بالبتر المخصوص به لا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجميع المؤمنين أولاده، وذكره مرفوع على المنائر والمنابر، ومسرود على لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يُبدأ بذكر الله تعالى، ويثَنَّى بذكره صلى الله عليه وسلم، وله في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وشرَّف وكرَّم صلاة وسلامًا دائمين ما بقي الدهر.
الإعراب
{إِنَّا} : ناصب واسمه، وجملة {أَعْطَيْنَاكَ}: خبره، وجملة {إن} مستأنفة استئنافًا نحويًا. {أَعْطَيْنَاكَ}: فعل وفاعل ومفعول أول، و {الْكَوْثَرَ}: مفعول به ثان؛ {فَصَلِ} : {الفاء} : عاطفة تفريعية؛ لكون ما بعدها مرتبًا على ما قبلها، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت إعطاءنا إياك الخير الكثير الذي لا يُعد ولا يحصى، وأردت بيان ما يلزمك في شكره، فأقول لك صل لربك، {صل}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، تقديره: أنت. {لِرَبِّكَ} : متعلق بـ {صل} ، والجملة الفعلية على القول الأول معطوفة على جملة {إن} ، وعلى الثاني مقول لجواب إذا
(1) البحر المحيط.
المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {وَانْحَرْ}: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على {صل}. {إِنَّ شَانِئَكَ}: ناصب واسمه {هُوَ} مبتدأ، أو ضمير فصل. {الْأَبْتَرُ}: خبر. {هُوَ} ، والجملة خبر {إِنَّ} ، أو {الْأَبْتَرُ}: خبر {إِنَّ} وجملة {إِنَّ} مستأنفة مؤكدة لما قبلها، ولا أدري كيف أجاز أبو البقاء أن يُعرب هو تأكيدًا؛ لأن المُظهَر لا يؤكد بالمضمر، وعبارة ابن هشام: ووهم أبو البقاء هنا، فأجاز في {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} التوكيد، ويحتمل أنه أراد أنه توكيد لضمير مستتر في {شَانِئَكَ} لا لنفس {شَانِئَكَ} ، وذلك لأن شانىء اسم فاعل بمعنى مبغضك.
التصريف ومفردات اللغة
{الْكَوْثَرَ} في "القاموس": والكوثر الكثير من كل شيء، والكثير الملتف من الغبار، والإِسلام، والنبوة، وقرية بالطائف كان الحجاج معلِّمًا بها، والرجل الخير المعطاء، والسيد، والنهر، ونهر في الجنة، وعبارة الزمخشري: والكوثر فوعل من الكثرة، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر، قال الكميت الأسدي:
وَأَنْتَ كَثِيْرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ
…
وَكَانَ أَبُوْكَ ابْنَ العَفَائِلِ كَوْثَرَا
والعفائل: خيار النساء، والكوثر بليغ النهاية في الخير، والمراد به هنا النبوة والدين الحق والهدى، وما فيه سعادة الدنيا والآخرة، والكوثر فوعل من الكثرة كنوفل من النفل، وجوهر من الجهر، وفي "المفردات" وقد يقال للرجل السخي كوثر، ويقال: تكوثر الشيء إذا كثر كثرة متناهية، والواو فيه زائدة مثل كوسج وجوهر ونوفل، وعبارة ابن خالويه: والكوثر نهر في الجنة، حافتاه الذهب وحصباؤه المرجان والدر، وحاله المسك يعني الحمأة، وماؤه أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
{وَانْحَرْ} والنحر في اللبة كالذبح في الحلق.
{إِنَّ شَانِئَكَ} ؛ أي: مبغضك، وفي "المصباح": شَنِئَه - كسَمِعَه ومَنَعَه - شنًا مثل فلس وشَنَآناٌ - بفتح النون وسكونها - إذا أبغضه، والفاعل شانىءٌ في المذكر، وشانئة في المؤنث، وشنئت بالأمر اعترفت به، وقال ابن خالويه: والشانِىء
المبغض قال الأعمش:
وَمِنَ شَانِىءٍ كَاسِفٍ وَجْهُهُ
…
إِذَا مَا انْتَسَبْتَ لَهُ أَنْكَرَنْ
{هُوَ الْأَبْتَرُ} : هو الذي لا عقب له، وهو الذي الأصل الشيء المقطوع من بتره إذا قطعه، وحمار أبتر لا ذنب له، ورجل أُباتر بضم الهمزة؛ أي: قاطع رحمه، قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال الذي لا ولد له، ومن الدواب الذي لا ذنب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، وأصل البتر: القطع، يقال: بترت الشيء بترًا إذا قطعته.
وعبارة ابن خالويه: معناه أن مبغضك يا محمد هو الأبتر؛ أي: لا ولد له، والأبتر الحقير، والأبتر الذليل، والأبتر من الحيات المقطوع الذنب، والأبتر ذنب الفيل، كانت قريش والشانئون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن محمدًا صنبور؛ أي: فرد لا ولد له، فإذا مات انقطع ذكره، فأكذبهم الله تعالى، وأعلمهم أن ذكر محمد مقرون بذكره إلى يوم القيامة، إذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، والصنبور: النخلة، تبقى مفردة ويدق أسفلها، قال: ولقي رجل رجلًا، فسأله عن نخلِهِ، فقال: صنبرَ أسفله، وعششَ أعلاه، والصنبور أيضًا ما في فم الإداوة من حديد أو رصاص، والصنبور الصبي الصغير، قال أوس بن حجر:
مُخَلَّفُوْنَ وَيَقْضِيْ النَّاسُ أَمْرَهُمُ
…
غِشَّ الأَمَانَةِ صُنْبُوْرٌ فَصُنْبُوْرُ
وفي "المختار": بتره قبل التمام وبابه نصر، والانبتار الانقطاع، والأبتر المقطوع الذنب، وبابه طرب، والأبتر أيضًا لا عقب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر اهـ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: تصدير الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم في قوله: {إِنَّا} فإنه بمنزلة أن يقال: إنا نحن والله أعطيناك.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: {أَعْطَيْنَاكَ} مع أن العطايا الأخروية وأكثر ما يكون في الدنيا لم تحصل بعد إشعارًا بتحقق وقوعها.
ومنها: صيغة الجمع الدالة على التعظيم في {نَّا أَعْطَيْنَاكَ} تفخيمًا لشأن المعطى له، حيث لم يقل: أنا أعطيتك.
ومنها: المبالغة في لفظ {الْكَوْثَرَ} .
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، فانتقل إلى الاسم الظاهر؛ لأنه يوجب عظمة ومهابة، وفيه أيضًا التفات من التكلم إلى الغَيبة، والأصل: فصل لنا، ولكنه عدل عن ذلك؛ لأن في لفظ الرب حثًا على فعل المأمور به؛ لأن من يربيك يستحق العبادة منك.
ومنها: الاكتفاء في قوله: {وَانْحَرْ} ؛ أي: وانحر له، فحذف له اكتفاء بما قبله.
ومنها: الإضافة للتشريف، والتكريم في قوله:{لِرَبِّكَ} .
ومنها: إفادة الحصر في قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} ؛ أي: إن مبغضك لا محبك من المؤمنين هو الأبتر عن كل خير.
ومنها: المطابقة بين أول السورة وآخرها يعني بين: {الْكَوْثَرَ} و {الْأَبْتَرُ} ، فالكوثر الخير الكثير، والأبتر المنقطع عن كل خير، فهذه السورة مع وجازتها جمعت فنونًا من البلاغة والبيان والبديع، ولولا خوف الإطالة مع كون كتابنا من المختصرات .. لأشبعنا من مباحث بلاغتها ومعانيها أوراقًا وصحائف كثيرة، كالمذهب الكلامي الذي يطول بذكره الكلام.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (1).
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(1) إلى هنا تم تفسير هذه السورة الكريمة في اليوم السابع والعشرين من شهر الله المحرم قبيل المغرب من شهور سنة: 1417 هـ ألف وأربع مئة وسبع عشرة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.