الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عطف النسق:
تالٍ بحرف مُتبع عطف النسق
…
.........................
"تال" -أي تابع- جنس يشمل الخمسة، وقوله:"بحرف متبع" يخرج الأربعة.
فإن قلت: قوله: "بحرف" يخرج غير المحدود، فما فائدة قوله:"متبع"؟
قلت: لو اقتصر على قوله: "بحرف" لورد نحو: "مررت بغضنفر أي: أسد".
فإنه تابع بحرف1، فلما قال:"متبع" خرج؛ لأن "أي" ليس بمتبع2.
خلافا لمن عده من حروف العطف.
فإن قلت: فما أي؟ وما إعراب تاليها؟
قلت: أما أي فحرف تفسير على الصحيح، وأما تاليها فعطف بيان بالأجلى على الأخفى، وتوافق ما قبلها في التعريف والتنكير.
ثم مثّل فقال:
....................
…
كاخصُص بود وثناء من صدق
ثم شرع في ذكر حروف العطف فقال:
فالعطف مطلقا بواو ثم فا
…
حتى أم أو كفيك صدق ووفا
فهذه ستة أحرف تُشرك لفظا ومعنى3، وهذا معنى قوله:"مطلقا".
وقد مثل بقوله: "فيك صدق ووفا" وهو ظاهر4.
1 فإنه، أي: أسد تابع بحرف.
2 أي: ليست بحرف متبع.
3 أي: تشرك بين التابع والمتبوع.
4 أي: ظاهر في الأربعة الأول.
فإن قلت: كيف جعل أم وأو مشركين في اللفظ والمعنى، والذي يظهر خلاف ذلك؟
قلت: قال المصنف: أكثر النحويين يجعل أم وأو "مشركين"1 في اللفظ لا في المعنى، والصحيح أنهما يشركان لفظا ومعنى ما لم يقتضيا إضرابا؛ لأن القائل:"أزيد في الدار أم عمرو؟ " عالم بأن الذي في الدار هو أحد المذكورين، وغير عالم بتعيينه، فالذي بعد "أم" مساوٍ للذي قبلها في الصلاحية؛ لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه، وحصول المساواة إنما هو بأم.
وكذلك "أو" مشركة لما قبلها وما بعدها فيما يُجَاء بها لأجله، من شك أو غيره.
فإن قلت: أطلق في "أم" و"أو" وينبغي أن يقيدهما بألا يقتضيا إضرابا، فإن اقتضيا إضرابا كانا مشركين في اللفظ، لا في المعنى كما ذكر في التسهيل2.
قلت: دلالتهما على الإضراب قليلة؛ فلذلك لم يتعرض لها، وسيأتي بيان ذلك.
ثم قال:
وأَتبعتْ لفظا فحسبُ بل ولا
…
لكن كَلَمْ يبدُ امرؤ لكن طلا
فهذه ثلاثة أحرف تشرك لفظا لا معنى، وقد مثل بقوله:"كلم يبد امرؤ لكن طلا" وهو واضح3.
والحاصل: أن حروف العطف على ما ذكر تسعة، والمتفق عليه منها ستة: الواو، والفاء، وثم، وأو، وبل، ولا.
واختُلف في ثلاثة: حتى، وأم، ولكن.
1 أ، جـ، وفي ب "مشتركين".
2 التسهيل ص174.
3 الطلا -بفتح الطاء مقصورا- الولد من ذوات الظِّلف، وقيل: ولد بقر الوحش فقط، والجمع أطلاء كسبب وأسباب.
أما "حتى" فذهب الكوفيون إلى أنها ليست بحرف عطف، وإنما يعربون ما بعدها بإضمار1.
وأما "أم" فذكر النحاس فيها خلافا، وأن أبا عبيدة ذهب إلى أنها بمعنى الهمزة.
فإذا قال: "أقائم زيد أم عمرو؟ " فالمعنى: أعمرو قائم؟ فتصير على مذهبه استفهاما2.
وقال الغزني في البديع: أما "أم" فعديل همزة الاستفهام، وليست بحرف عطف، وأما "لكن" فذهب أكثر النحويين إلى أنها من حروف العطف.
ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تكون عاطفة إلا إذا لم تدخل عليها الواو، وهو مذهب الفارسي، قيل: وأكثر النحويين.
الثاني: أنها عاطفة ولا تستعمل إلا بالواو، والواو مع ذلك زائدة، وصحّحه ابن عصفور، قال: وعليه ينبغي أن يحمل مذهب سيبويه والأخفش؛ لأنهما قالا: إنها عاطفة، ولما مثّلا للعطف بها مثّلاه مع الواو.
الثالث: أن العطف بها، وأنت مخير في الإتيان بالواو، وهو مذهب ابن كيسان، وذهب يونس إلى أنها حرف استدراك، وليست بعاطفة، والواو قبلها عاطفة لما بعدها عطف مفرد على مفرد.
تنبيهان:
الأول: وافق المصنف هنا الأكثرين، ووافق في التسهيل يونس3، قال فيه: وليس منها "لكن" وفاقا ليونس.
1 أي: بإضمار عامل، ففي نحو:"جاء القوم حتى أبوك" ورأيتهم حتى أباك، ومررت بهم حتى أبيك، يضمرون: جاء ورأيت والباء، ويجعلون حتى ابتدائية هـ 68/ 3 صبان.
2 أي: فيكون ما بعدها في مثل هذا التركيب مبتدأ محذوف الخبر، وفي النصب والجر يقدر المناسب هـ 68/ 3 صبان.
3 التسهيل ص174.
وظهر من كلامه في الشرح أنه غير موافق له من كل وجه؛ لأنه جعل الواو قبلها عاطفة جملة على جملة، ويضمر لما بعدها عاملا.
فإن قلت: "ما قام سعد ولكن سعيد"، فالتقدير: ولكن قام سعيد.
وإنما جعله من عطف الجمل؛ لما يلزم على مذهب يونس من مخالفة المعطوف بالواو لما قبلها، وحقه أن يوافقه.
واستدل من قال بأنها ليست بعاطفة بلزوم اقترانها بالواو قبل المفرد.
قال في شرح التسهيل: وما يوجد من كلام النحويين من نحو: "ما قام سعد لكن سعيد" فمن كلامهم، "لا من"1 كلام العرب.
ولذلك لم يمثل سيبويه في أمثلة العطف إلا بـ "ولكن"، وهذا من شواهد أمانته وكمال عدالته؛ لأنه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو، وترك التمثيل به لئلا يعتقد أنه مما استعملته العرب.
قلت: وفي قوله: إن سيبويه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو، نظر.
فقد تقدم ما ذكره ابن عصفور.
الثاني: اختلف في تسعة ألفاظ أخر، وهي: إما، وإلا، وليس، ولولا، وهلا، وكيف، ومتى، وأين، وأي.
والصحيح أنها ليست من حروف العطف، وسيأتي الكلام على "أما".
ثم شرع في ذكر معاني حروف العطف، وبدأ بالواو.
فقال:
فاعطف بواو سابقا أو لاحقا
…
في الحكم أو مصاحبا موافقا
يعني: أن الواو للجمع المطلق كما ذهب إليه الجمهور، فيصح أن يعطف
1 أ، ب، وفي جـ "ليس من".
بها لاحق في الحكم نحو: "جاء زيد وعمرو بعده"، أو سابق نحو:"جاء زيد وعمرو قبله"، أو مصاحب نحو:"جاء زيد وعمرو معه".
وذهب بعض أهل الكوفة إلى أن الواو تُرَتِّب1.
وحُكي عن قطرب وثعلب والربعي.
وبذلك يُعلم أن ما ذكره السيرافي والسهيلي من إجماع النحاة بصريهم وكوفيهم على أن الواو لا ترتب، غير صحيح.
تنبيه:
قال في التسهيل: وتنفرد الواو بكون مُتبعها في الحكم محتملا للمعية برجحان، وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة2.
قيل: وليس هذا مذهب البصريين ولا الكوفيين، فهو قول ثالث.
وقوله:
واخصص بها عطف الذي لا يغني
…
متبوعه كاصطَفَّ هذا وابني
يعني: أن الواو تنفرد بعطف ما لا يستغنى عنه بمتبوعه كفاعل الافتعال والتفاعل، نحو:"اصطف هذا وابني"، و"تخاصم زيد وعمرو"، وكذا نحو:"جلستُ بين زيد وعمرو"3 و"سواء زيد وعمرو"4.
1 ورد بقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} ؛ لأن مراد المشركين بقولهم: ونحيا الحياة الدنيا لا حياة البعث؛ لإنكارهم له. هـ 61/ 2 خضري.
2 التسهيل ص174.
3 وبين زيد وبين عمرو، بزيادة "بين" الثانية للتأكيد، قاله ابن بري هـ 70/ 3 صبان.
4 وإنما انفردت الواو بذلك؛ لإفادتها معنى المصاحبة فيها.
وأجاز الكسائي: "ظننت عبد الله وزيدا مختصمينِ" بالفاء، وثم، ومنع ذلك البصريون والفراء.
ثم انتقل إلى "الفاء" فقال:
الفاء للترتيب باتصال
أي: بلا مهلة، فهي للتعقيب، وهذا مذهب الجمهور، وما أوهم خلافه يُؤَوَّل.
وذكر في التسهيل أن الفاء تقع موقع ثم1 كقوله تعالى: {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} 2.
ثم انتقل إلى "ثم" فقال:
وثم للترتيب بانفصال
أي: بمهلة، وهو مذهب الجمهور، وما أوهم خلافه يؤول.
وذكر في التسهيل أنها قد تقع موقع الفاء3 كقوله4:
....................
…
جرى في الأنابيب ثم اضطرب
1 التسهيل ص75.
2 من الآية 14 من سورة "المؤمنون".
3 التسهيل ص175.
4 قائله: هو أبو دواد حارثة بن العجاج الإيادي، من قصيدة يصف فيها فرسه، وصدره:
كهز الرُّدينيّ تحت العَجَاج
وهو من المتقارب.
اللغة: "الرديني" رمح منسوب إلى ردينة، وهي امرأة اشتُهرت بصنع الرماح بهَجَر، "العجاج" -بفتح العين وتخفيف الجيم- الغبار، والمراد ما تثيره أقدام المتحاربين أو خيولهم، "الأنابيب" -جمع أنبوبة- وهي ما بين كل عقدتين من القصب.
المعنى: إن اهتزاز هذا الفرس وسرعة عَدْوه ذهابا وجيئة أثناء القتال، يشبه اهتزاز الرمح واضطرابه في سرعة وخفة في كل ناحية، تحت غبار المعركة.
الإعراب: "كهز" جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، "الرديني" مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والمشبه اهتزاز فرس كانت تحت الممدوح، "تحت" ظرف مكان منصوب بهز، "العجاج" مضاف إليه، "جرى" فعل ماض فاعله يعود على الهز، "ثم" حرف عطف بمعنى الفاء، "اضطرب" فعل ماض مبني على الفتح وسكن للروِيّ.
الشاهد فيه: "ثم اضطرب"، فإن "ثم" هنا بمعنى الفاء؛ لأن اضطراب الرمح يحدث عقب اهتزاز أنابيبه مباشرة في لحظات من غير مهلة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 418/ 2، وابن هشام 173/ 3، والسيوطي ص97، وابن الناظم، وذكره ابن هشام في المغني 108/ 1، والسيوطي في الهمع 131/ 2.
وذكر فيه أيضا أنها قد تقع في عطف المقدم بالزمان؛ اكتفاء بترتيب اللفظ1.
وقد أشار الفراء إلى ذلك.
قال ابن عصفور: وما ذكره الفراء من أن المقصود بثم ترتيب الإخبار، يعني في نحو2:
إن من ساد ثم أبوه
…
...........
ليس بشيء؛ لأن "ثم" تقتضي تأخُّر الثاني بمهلة، ولا مهلة بين الإخبار.
1 التسهيل ص175.
2 قائله: الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس، وهو من الخفيف.
وتمامه:
ثم قد ساد قبل ذلك جده
اللغة: "ساد" ماض من السيادة، تقول: ساد الرجل يسود سيادة.
الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب، "من" اسم موصول اسم إن، "ساد" فعل ماض وفاعله ضمير يعود إلى الاسم الموصول، "ثم" حرف عطف، "ساد" فعل ماض، "أبوه" فاعل والضمير مضاف إليه، "ثم" عطف، "قد" حرف تحقيق، "ساد" فعل ماض، "قبل" ظرف زمان متعلق بساد، "ذلك" مضاف إليه واللام للبعد والكاف حرف خطاب، "جده" فاعل ساد الأخير مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه.
الشاهد فيه: "ثم ساد
…
ثم قد ساد" فإن "ثم" في هاتين العبارتين، لا يمكن أن يكون دالا على معناه الأصلي له؛ لأن سيادة الأب لا تكون بعد سيادة الابن، وكذا الجد.
مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 418/ 2، وذكره السيوطي في الهمع 131/ 2.
وذكر الشارح أن الفاء وثم قد يكونان لترتيب الذكر، وهو الذي عناه في التسهيل بترتيب اللفظ.
تنبيه:
في "ثم" أربع لغات: ثُمَّ، فُمَّ، ثُمَّتَ، ثُمَّتْ.
بقوله:
واخصص بفاء عطف ما ليس صله
…
على الذي استقر أنه الصله
يعني: أن "الفاء" تختص بعطف ما لا يصلح كونه صلة؛ لعدم الضمير على ما هو صلة كقوله: "الذي يطير فيغضبُ زيدٌ الذبابُ"، ولو عطفت بغير الفاء لم يجز، وذلك لما فيها من معنى السببية1.
قلت: وما ذكره في التسهيل2 من أنها تنفرد بتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمن جملتين من صفة أو صلة أو خبر، أعم لشموله ست مسائل تنفرد بها الفاء، هذه إحداها3.
ثم انتقل إلى "حتى" فقال:
بعضا بحتى اعطِفْ على كل ولا
…
يكون إلا غاية الذي تلا
1 ولو قلت: "ويغضب زيد"، أو "ثم يغضب زيد" لم يجز؛ لأن ما في الفاء من معنى السببية، جعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة، فأغنى ذلك عن الرابط.
ولو قلت: "الذي يطير ويغضب منه الذباب" جاز؛ لأنك أتيت بالضمير الرابط.
2 التسهيل ص175.
3 وأوضح الأمثلة للمسائل الست، كما ذكرها الأشموني 418/ 2 فأقول:
مثال الصلة نحو: "اللذان يقومان فيغضب زيد أخواك" وعكسه نحو: "الذي يقوم أخواك فيغضب هو زيدٌ".
والصفة نحو: "مررت بامرأة تضحك فيبكي زيدٌ" و"بامرأة يضحك زيدٌ فتبكي".
والخبر نحو: "زيدٌ يقومُ فتقعُدُ هندٌ" و"زيدٌ تقعدُ هندٌ فيقومُ".
لا يكون المعطوف بحتى إلا بعض متبوعه نحو: "قدم الحجاج حتى المشاة".
وقال في التسهيل: أو كبعضه1، وفي الكافية: بعضا وشبهه "ومثله"2 في شرحها بقوله: "أعجبتني الجاريةُ حتى حديثُها"، فإن حديثها ليس بعضا منها ولكنه كالبعض؛ لأنه معنى من معانيها.
قال: وقد يكون المعطوف بحتى مباينا، فنقدر بعضيَّته كقوله3:
1 التسهيل ص175.
2 أ، جـ.
3 قائله: هو أبو مروان النحوي، قاله في المتلمس حين فرّ من عمرو بن هند لما أراد قتله، والمتلمس لقي جرير بن عبد المسيح، وهو من الكامل.
اللغة: "ألقى" رمى، "الصحيفة" أراد بها الكتاب، "رحله" ما يستصحبه الرجل من متاع، "الزاد" ما يستصحبه المسافر ليبلغه مقصده.
المعنى: أن المتلمس رمى بالصحيفة ليخفف ما معه من متاع، وألقى كذلك ما معه من زاد يتبلغ به، حتى نعله التي يلبسها رمى بها.
الإعراب: "ألقى" فعل ماض وفاعله يعود على المتلمس، "الصحيفة" مفعول به، "كي" حرف تعليل، "يخفف" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد كي، "والزاد" معطوف على الصحيفة، "حتى" حرف عطف، "نعله" معطوف على الزاد، "ألقاها" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر، وضمير الغائبة مفعول به.
الشاهد فيه: "حتى نعله" عطف "نعله" بحتى على ما قبله، ولأن المعطوف بحتى لا يكون إلا بعضا وغاية للمعطوف عليه، والنعل ليس بعض الزاد بل بينهما مباينة، ولكنه مؤول، وتقديره: ألقى ما يثقله حتى نعله.
ويجوز في "نعله" ثلاثة أوجه:
1-
النصب على العطف بالتأويل المذكور.
2-
والرفع على الابتداء وجملة ألقاها خبره، وتكون "حتى" حرف ابتداء ابتُدئت بعدها الجملة.
3-
والجر على أن تكون "حتى" جارة بمنزلة "إلى"، فهي حرف غاية وجر، ونعله مجرور بها.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 419/ 3، وابن هشام 174/ 3، والمكودي ص120، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع 136/ 2.
ألقى الصحيفةَ كي يخفف رحله
…
والزادَ حتى نعلَهُ ألقاها
فعطف "النعل" وليست بعضية لما قبلها صريحة، لكنها بالتأويل؛ لأن المعنى: ألقى ما يثقله حتى نعله.
ولا يكون المعطوف بها أيضا إلا غاية لما قبلها في زيادة أو نقص نحو: "مات الناسُ حتى الأنبياءُ" و"قدم الحجاجُ حتى المشاةُ".
تنبيهات:
الأول: "حتى" بالنسبة إلى الترتيب كالواو، خلافا لمن زعم أنها للترتيب كالزمخشري.
الثاني: إذا عطف بحتى على المجرور، قال ابن عصفور: الأحسن إعادة الخافض؛ ليقع الفرق بين العاطفة والجارة، وقال ابن الخباز1: لزم إعادة الجار للفرق.
وقال في التسهيل: لزم إعادة الجار ما لم يتعين العطف2.
الثالث: حيث جاز الجر والعطف فالجر أحسن، إلا في باب "ضربتُ القومَ حتى زيدًا ضربتُهُ" فالنصب أحسن على تقدير كونها عاطفة و"ضربته" توكيد3، أو على تقدير جعلها ابتدائية و"ضربته" تفسير.
الرابع: قد فهم من اشتراط كون المعطوف بحتى بعضا، أنها لا تعطف جملة على جملة وإنما تعطف مفردا على مفرد.
1 هو أحمد بن الحسين شمس الدين بن الخباز النحوي الضرير، كان أستاذا بارعا علامة زمانه في النحو واللغة والفقه والعروض والفرائض، وله المصنفات المفيدة منها: النهاية في النحو، وشرح ألفية ابن معط، مات بالموصل عاشر رجب سنة 637هـ.
2 التسهيل ص176.
3 توكيد لضربت زيدًا، الذي تضمنه قولك: ضربت القوم؛ لدخول زيد في القوم، لا لضربت القوم، حتى يرد أن الضمير ليس راجعا للقوم حتى يكون ضربته تأكيدا لضربت القوم بل لزيد. هـ 75/ 3 صبان.
ثم انتقل إلى "أم" فقال:
وأَمْ بها اعطفْ بإثر همز التسويه
…
أو همزة عن لفظ أي مغنيه
"أم" على ضربين: متصلة ومنقطعة.
فالمتصلة: هي المعادلة لهمزة التسوية، أو همزة يطلب بها وبأم ما يطلب بأي.
وعلامة الهمزة الأولى: أن تكون مع جملة يصح تقدير المصدر في موضعها.
وعلامة الثانية: أن يصح الاستغناء بأي عنها.
مثال الأولى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} 1.
ومثال الثانية: "أزيدٌ في الدار أم عمرو؟ ".
وقد تحذف الهمزة قبل المتصلة للعلم بها، وأمن اللبس كقراءة ابن محيصن:"سَوَاءٌ عليهم أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لم تنذرهم"2، وهو في الشعر كثير3.
وإلى ذلك أشار بقوله:
وربما أُسقطت الهمزة إن
…
كان خفا المعنى بحذفها أمن
فإن قلت: فهل يطرد ذلك؟
1 من الآية 6 من سورة البقرة.
2 بإسقاط الهمزة من: أنذرتهم.
3 مثال حذف الهمزة في الشعر:
لعمرك ما أدري، وإن كنت داريا
…
شعيث بن سهم، أم شعيث بن منقر؟
الأصل: أشعيث، فحذفت الهمزة والتنوين منهما.
وقوله:
لعمرك ما أدري، وإن كنت داريا
…
بسبع رمين الجمر أم بثمان؟
أي: أبسبع.
قلت: ظاهر قوله في شرح الكافية.
فهذا وأمثاله من مواضع حذف الهمزة المعطوف على مصحوبها بأم جائز اطراده، وقد أجاز الأخفش حذف الهمزة في الاختيار، وإن لم يكن بعدها أم، وجعل من ذلك قوله تعالى:{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} 1.
والمنقطعة ما سوى المتصلة، وإليها أشار بقوله:
وبانقطاع وبمعنى بل وَفَتْ
…
إن تَكُ مما قُيِّدت به خَلَت
الذي قيدت به هو أن يكون بعد إحدى الهمزتين لفظا أو تقديرا.
فإن خلت من ذلك فهي منقطعة.
واختُلف في معنى المنقطعة، فذهب البصريون إلى أنها تقدر "بمعنى"2 بل والهمزة مطلقا.
وذهب الكسائي وهشام إلى أنها بمنزلة بل، وما بعدها مثل ما قبلها.
فإذا قلت: "قام زيد أم عمرو" فالمعنى: بل قام عمرو.
وقال في التسهيل: وتقتضي إضرابا مع استفهام ودونه3.
وذكر في غيره أن الأكثر اقتضاؤها مع الإضراب استفهاما.
فإن قلت: قوله: "وبمعنى بل" يقتضي موافقة الكسائي وهشام إذا لم يذكر الاستفهام.
قلت: إنما اقتصر على ذكر "بل"؛ لأن اقتضاء المنقطعة إضرابا لازم، وليس اقتضاؤها الاستفهام بلازم.
1 من الآية 22 من سورة الشعراء.
2 ب.
3 التسهيل ص176.
تنبيهات:
الأول: حصر "أم" في المتصلة والمنقطعة هو مذهب الجمهور، وذهب أبو زيد إلى أن "أم" تكون زائدة، فهو قسم ثالث.
الثاني: سُميت المتصلة متصلة؛ لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، ولذلك لم تقع إلا بين مفردين أو "بين"1 جملتين في تقدير مفردين، أو مفرد وجملة في تقدير مفرد.
وسُميت المنقطعة منقطعة؛ لوقوعها بين جملتين مستقلتين.
الثالث: إذا عادلت المتصلة بين جملتين، فقد تكونان فعليتين أو اسميتين أو مختلفتين2، قيل: إلا في التسوية، فإنه لا يُذكَر بعدها إلا الفعلية، ولا يجوز:"سواءٌ علي أزيدٌ قائمٌ أم عمرٌو منطلقٌ" فهذا لا تقوله العرب، وأجازه الأخفش قياسا على الفعلية.
وقد عادت بين مفرد وجملة في قوله3:
1 جـ.
2 مثال الفعليتين -وهو الأكثر- قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} ، والاسميتين قول الشاعر:
ولست أبالي بعد فقدي مالكا
…
أموتي ناءٍ أم هو الآن واقع؟
والمختلفتين: قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} .
3 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل.
وتمامه:
بأهل القباب من عمير بن عامر
اللغة: "النفر" -بفتح النون وسكون الفاء- أصل معناه التفرق والشراد، وفي شواهد العيني:"سواء عليك الفقر" -بفاء ثم قاف- وربما يكون محرفا عن "القفر" -بقاف ثم فاء- وهو الأرض الموحشة الخالية من الأنيس، "القباب" -جمع قبة- وهي الخيمة، والمراد منها هنا: اسم موضع.
المعنى: يقول الشاعر: إنه لا فرق بين أن تنفر وتأخذ في طريقك غير ملوٍ على شيء، وأن تبيت بهؤلاء القوم الذين عرفوا بمنع الجار وحمايته، فلن ينجيك مما تحذر شيء.
الإعراب: "سواء" خبر مقدم، "عليك" جار ومجرور متعلق بسواء، "النفر" مبتدأ مؤخر =
سواءٌ عليك النَّفْرُ أم بِتَّ ليلة
…
.........................
ويجري مجرى التسوية: ما أدري، وليت شعري -ويقع بعده الجملتان- وما أبالي -ويقع بعده الجملتان أيضا- خلافا لمن زعم أنه لا يكون بعده إلا الفعلية.
الرابع: فصل "أم" مما عُطفت عليه نحو: "أزيد في الدار أم عمرو" أولى من وصلها "به"1، هذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح.
قال في شرح التسهيل: ومن ادعى امتناع وصلها أو ضعفه فمخطئ؛ لأن دعواه مخالفة للاستعمال المقطوع بصحته، ولقول سيبويه والمحققين من أصحابه.
الخامس: قد يكتفى "بلا" عن ذكر المعادل نحو: "أتفعل أم لا؟ ".
السادس: ذهب ابن كيسان إلى أن ميم "أم" بدل عن واو، وأصلها أو، وهي دعوى مجردة عن الدليل.
السابع: ذكر في التسهيل أن عطف المنقطعة المفرد قليل2، ومثل في الشرح بقولهم:"إنها لإبل أم شاء". "قال: فأم هنا لمجرد الإضراب عاطفة ما بعدها على ما قبلها، كما يكون بعد "بل" فإنها بمعناها، ومذهب الفارسي وابن جني في ذلك أنها بمنزلة بل والهمزة، وأن التقدير: بل أهي شاء؟ "3.
= "أم" حرف عطف، "بت" بات فعل ماض والتاء فاعل، "ليلة" ظرف زمان متعلق ببات، "بأهل" جار ومجرور متعلق ببت، "القباب" مضاف إليه، "من عمير" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من أهل القباب، "ابن" صفة لعمير، "عامر" مضاف إليه.
الشاهد فيه: "النفر أم بت ليلة" حيث جاء بعد همزة التسوية الواقعة بعد سواء، باسم مفرد ثم عادَلَهُ بجملة فعلية. وهذا خلاف الأصل، وربما لاحظ الشاعر أن الاسم المفرد ينبئ عن الجملة؛ لكونه مصدرا، فاستساغ الشاعر أن يقيمه مقام الجملة، وكأنه قد قال:"سواء عليك أنفرت أم بتّ ليلة".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 421/ 2.
1 أ، ب.
2 التسهيل ص176.
3 أ، جـ.
وبه جزم في شرح الكافية.
وقال في شرح التسهيل، بعد حكاية هذا القول: وهذه دعوى لا دليل عليها، ولا انقياد إليها.
وقد قال بعض العرب: "إن هناك لإبلا أم شاء"1، فنصب ما بعد "أم" حين نصب ما قبلها، وهذا عطف صريح مقوٍّ لعدم الإضمار قبل المرفوع.
قيل: ولا حجة في قول بعضهم: "إن هناك لإبلا أم شاء"؛ لاحتمال كونها متصلة، والهمزة قبلها محذوفة.
ويحتمل أن ينصب "شاء" على إضمار فعل، تقديره: أم ترى شاء.
الثامن: قد ظهر من كلام المصنف أن "أم" المنقطعة تكون عاطفة، وقال في شرح الكافية: وأما "أم" المنقطعة فليست للعطف، لا في مفرد ولا جملة.
التاسع: تدخل "أم" المنقطعة على "هل" وأسماء الاستفهام نحو: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} 2، {أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} 3 وهو فصيح كثير، ولا التفات لمن زعم أنه من الجمع بين أداتي معنى، وأنه قليل جدا.
وبذلك رد على من قال: "إنها بمعنى"4 بل والهمزة في كل موضع.
ثم انتقل إلى "أو" فقال:
خيِّر أَبِحْ قسِّم بأو وأبهِمْ
…
واشكُكْ وإضراب بها أيضا نُمي
فذكر لها سبعة معانٍ:
الأول: التخيير، نحو:"خذ دينارًا أو ثوبًا".
1 ب، جـ.
2 من الآية 16 من سورة الرعد.
3 من الآية 84 من سورة النمل.
4 ب، جـ، وفي أ "أنهما يعني".
والثاني: الإباحة، نحو:"جالس الحسن أو ابن سيرين".
فإن قلت: فما الفرق بينهما؟
قلت: الفرق بينهما جواز الجمع بين الأمرين في الإباحة، ومنعه في التخيير.
فإن قلت: فهل استفيد جواز الجمع في الإباحة من لفظ "أو"؟
قلت: قد ذكر بعضهم أن ذلك ليس لأمر راجع إلى اللفظ، بل لأمر خارج، وهو قرينة انضمّت إلى اللفظ.
وذلك أن التخيير يرد فيما أصله الحظر، والإباحة ترد فيما ليس أصله الحظر.
تنبيه:
قال المصنف: من علامات الإباحة استحسان الواو موقعها، فلو جيء بالواو مكان "أو" لم يختلف المعنى.
وفرق غيره بين الواو وأو في ذلك؛ "فقال"1: إذا قلت: "جالس الحسن أو ابن سيرين"، جاز له مجالستهما ومجالسة أحدهما.
وإذا عطفت بالواو، لم يجز له مجالسة أحدهما دون الآخر.
الثالث: التقسيم، نحو:"الكلمة: اسم أو فعل أو حرف" قال في التسهيل2:
بدل التقسيم: أو تفريق مجرد، يعني: من الشك والإبهام والتخيير، ومثّله بقوله تعالى:{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} 3.
1 جـ.
2 التسهيل ص176.
3 من الآية 135 من سورة البقرة.
قال: والتعبير عن هذا بالتفريق أولى من التعبير عنه بالتقسيم؛ لأن استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال "أو" نحو: "الكلمة: اسم وفعل وحرف".
وعبّر بعضهم عن هذا المعنى بالتفصيل.
الرابع: الإبهام، نحو:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى} 1، ومعنى الإبهام أن يكون المتكلم عالما ويبهم على المخاطب.
الخامس: الشك نحو: "قام زيد أو عمرو".
والفرق بينهما أن الشك للمتكلم، والإبهام على السامع.
السادس: الإضراب، كقوله تعالى:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} 2.
قال الفراء: "أو" هنا بمعنى "بل".
وأشار بقوله: "بها أيضا نمي" أي: نُقل، إلا أن ورودها للإضراب غير متفق عليه.
وقال في شرح الكافية: أجاز الكوفيون موافقتهما "بل" في الإضراب، ووافقهم أبو علي وابن برهان. قلت: وابن جني.
قال في قراءة أبي السمال "أَوْ كُلَّمَا عاهدوا عهدا"3: معنى "أو" هنا معنى "بل".
وقال ابن عصفور: والإضراب ذكره سيبويه في النفي والنهي إذا أعدْت العامل، كقولك:"لست بشرا، أو لست عمرا، ولا تضرب زيدا، أو لا تضرب عمرا".
1 من الآية 24 من سورة سبأ.
2 الآية 147 من سورة الصافات.
3 من الآية 100 من سورة البقرة -بسكون الواو- في "أو".
قال: وزعم بعض النحويين أنها تكون للإضراب على الإطلاق، واستدلوا بقوله تعالى:{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} 1، وبقوله:{فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} 2.
قال: وما ذهبوا إليه فاسد.
السابع: معنى "الواو" كقوله3:
جاء الخلافةَ أو كانت له قَدَرَا
…
................
أي: وكانت، فأوقع "أو" مكان الواو؛ لأمن اللبس.
وإلى هذا أشار بقوله:
1 الآية 174 من سورة الصافات.
2 من الآية 74 من سورة البقرة.
3 قائله: هو جرير بن عطية، من كلمة يمدح بها عمر بن عبد العزيز.
وتمامه:
كما أتى ربه موسى على قدر
وهو من البسيط.
اللغة: "قدرا" أي: مقدرة في الأزل، "على قدر" أي: على تقدير من الله.
المعنى: تولى عمر الخلافة وكانت بتقدير الله سبحانه، فانتشل المسلمين من الظلم، وأقام بينهم صرح العدل، كما أتى سيدنا موسى ربه، وكلّمه بقضائه وقدره، فأبان للخلق طريق الحق.
الإعراب: "جاء" فعل ماض والفاعل يعود على سيدنا عمر، "الخلافة" مفعول، "أو" عطف بمعنى الواو، ويروى بدلها: إذ، "كانت" فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث واسمها يعود على الخلافة، "له" متعلق بقدرا، "قدرا" خبر كان، "كما" الكاف جارة و"ما" مصدرية، "ربه" مفعول مقدم لأتى ومضاف إليه و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف، "موسى" فاعل مؤخر بأتى، "على قدر" متعلق بأتى.
الشاهد فيه: "أو كانت" حيث استعمل فيه "أو" بمعنى الواو؛ ارتكانا على إفهام المعنى، وعدم وقوع السامع في لَبْس.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام 30/ 2، وابن عقيل 174/ 2، وابن الناظم.
وذكره السيوطي في الهمع 181/ 2.
وربما عاقبتِ الواوَ إذا
…
لم يُلفِ ذو النطق للبس مَنْفَذا
وإلى أن "أو" تأتي بمعنى "الواو" ذهب الأخفش والجرمي، واستدلا بقوله تعالى:{أَوْ يَزِيدُونَ} 1 وهو مذهب جماعة من الكوفيين.
وذكر في التسهيل أن "أو" تُعاقب "الواو" في الإباحة كثيرا، وفي عطف المصاحب والمؤكد قليلا2.
مثل الإباحة: "جالس الحسن أو ابن سيرين" وقد تقدم الكلام عليه.
ومثال المصاحب قوله عليه الصلاة والسلام: "اسكن أحد، فإنما عليك نبي أو صدِّيق أو شهيد".
ومثال المؤكِّد: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} 3.
تنبيهان:
الأول مذهب الجمهور: أن "أو" لأحد الشيئين أو الأشياء، فإذا عطف بها في الطلب فهي للتخيير أو الإباحة، وإن عطف بها في الخبر فهي للشكّ أو الإبهام أو التقسيم.
الثاني: إذا دخل النهي في الإباحة، استوعب ما كان مباحا باتفاق النحويين، ومنه قوله تعالى:{وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} 4.
فهذه هي التي تقع في الإباحة؛ لأن النهي وقع على الجمع والتفريق، وإذا دخل النهي في التخيير ففيه خلاف.
ذهب السيرافي إلى أنه يستوعب "الجميع"5 كالنهي عن المباح.
1 أي: ويزيدون.
2 التسهيل ص176.
3 من الآية 122 من سورة النساء.
4 من الآية 24 من سورة الإنسان، ولو قلت:"أو لا تُطِعْ كفورا" انقلب المعنى، يعني أنه يصير إضرابا عن النهي الأول، ونهيا عن الثاني فقط، هـ 423/ 2 أشموني.
5 أ، جـ.
وذهب ابن كيسان إلى جواز أن يكون النهي عن كل واحد، وأن يكون عن الجميع.
وقوله:
ومثل أو في القصد إما الثانيه
…
في نحو إما ذي وإما النائيه
يعني: أن "إما" مثل "أو" فيما يقصد بها، فتكون للتخيير والإباحة والتقسيم والشك والإبهام، ولم يذكر الإباحة في التسهيل1.
فإن قلت: ظاهر قوله: "مثل أو" أنها توافقها في المعاني السبعة.
قلت: لا يصح حمله على ظاهره؛ لأن "إما" لا ترد بمعنى "الواو" ولا بمعنى "بل"، والعذر له2 أن ورود "أو" لهذين المعنيين قليل ومختلف فيه، فالإحالة إنما هي على المعاني المتفق عليها.
وقد فهم من البيت فوائد:
الأولى: أن "إما" ليست بعاطفة، إذ لم يجعلها مثل "أو" مطلقا، بل في القصد فقط؛ ولذلك لم يذكرها مع حروف العطف أولا.
ونقل المصنف عن أكثر النحويين أنها عاطفة، ونقل عن يونس وابن كيسان وأبي علي أنها ليست بعاطفة، ووافقهم المصنف وهو الصحيح؛ لدخول الواو عليها.
واستدل الرماني على أنها عاطفة بأن الواو للجمع، وليست هنا كذلك؛ لأننا نجد الكلام لأحد الشيئين فعلم أن العطف لإما.
1 التسهيل ص176، وقال الأشموني 425/ 2: ولكنها بمقتضى القياس جائزة.
2 أي: في الإطلاق وعدم التقييد بما عدا المذكورين.
ونقل ابن عصفور اتفاق النحويين على أن "إما" ليست بعاطفة، وإنما أوردوها في حروف العطف "لمصاحبتها لها"1.
"وقد عدّ سيبويه"2 "إما" من حروف العطف، فجعل بعضهم كلامه على ظاهره.
وقال: إن "الواو" عطفت "إما" الثانية على "إما" الأولى، و"إما" الثانية عطفت الاسم الذي بعدها على الاسم بعد الأولى.
وتأوله بعضهم بأن "إما" لما كانت "صاحبة"3 المعنى، ومخرجة الواو عن الجمع، والتابع يليها، سماها عاطفة مجازا.
الثانية: أن المشبهة بأو إنما هي الثانية، وهي المختلف فيها، وأما الأولى فليست بعاطفة!
الثالثة: فهم من قوله: "الثانية" أن "إما" لا بد من تكرارها بخلاف "أو".
"وهذا أحد الفرقين بينهما، والثاني: أن الكلام مع "إما" مبني من أوله على ما جيء بها لأجله، بخلاف "أو""4.
الرابعة: فهم من تمثيله أنه لا بد من اقترانها بالواو.
فإن قلت: التزام الواو ظاهر عند من لم يجعل "إما" عاطفة، فما يقول من جعلها عاطفة؟
قلت: من رأى أنها عاطفة لم ير إخلاءها من الواو إلا نادرا، كقوله5:
1 أي: لبعضها وهو الواو.
2 أ، جـ.
3 أ، جـ، وفي ب "مصاحبة".
4 أ، جـ.
5 قائله: نسبه الجوهري إلى الأحوص وليس بصحيح، وإنما هو لسعد بن قرط العبدي من أبيات يهجو فيها أمه، وكان عاقّا شريرا. =
…
أيما إلى جنة أيما إلى نار
فإن قلت: فهل يحسن الاحتجاج بمثل هذا البيت، لمن قال: إنها عاطفة؟
قلت: لا؛ لندوره، فيجعل من حذف العاطف ضرورة.
تنبيهات:
الأول: ما ذكر من أن "إما" لا بد من تكرارها هو الكثير، وقد يستغنى عن الثانية بأو، كقراءة أُبَيّ:"وإنا وإِيَّاكُمْ لإما على هدى أو في ضلال مبين"1 ونحوه في الشعر كثير.
وبإن الشرطية مع "لا" النافية كقوله2:
= وصدره:
يا ليتما أمنا شالت نعامتها
وهو من البسيط.
اللغة: "شالت" ارتفعت جنازتها، "النعامة" باطن القدم، ومن مات ترتفع رجلاه وتنخفض رأسه فتظهر نعامته، وقيل: النعامة هنا النعش، "شالت نعامتها" كناية من كنايات العرب معناها: ماتت.
المعنى: يتمنى هذا العاق لأمه أن تموت وترتفع جنازتها إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
الإعراب: "يا" حرف تنبيه أو نداء والمنادى محذوف، "ليت" حرف تمنٍّ وما زائدة، "أمنا" اسم ليت ومضاف إليه، "شالت نعامتها" الجملة خبر ليت، ويجو أن تكون "ما" كافة، و"أمنا" بالرفع مبتدأ وجملة "شالت نعامتها" خبر المبتدا، "أيما" حرف للتفصيل، "إلى جنة" متعلق بشالت، "أيما" الثانية عاطفة، وقد جاءت بدون الواو شذوذا.
الشاهد فيه: "أيما" حيث حذف واو العطف في "أيما" الثانية، إذ التقدير: إلى جنة وإما إلى نار وقد أبدلت.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 425/ 2، وابن هشام 186/ 3، وابن الناظم.
وذكره ابن هشام في المغني 57/ 1، والسيوطي في الهمع 135/ 2.
1 من الآية 24 من سورة سبأ.
2 قائلهما: هو المثقب العبدي، والمثقب -بتشديد القاف مكسورة- لقبه، وهما من الوافر. =
فإما أن تكون أخي بصدق
…
فأعرف منك غثِّي من سَمِيني
وإلا فاطَّرِحْني واتخذني
…
عدوا أتقيك وتَتَّقيني
وقد يستغنى عن الأولى، كقول الفرزدق1:
= اللغة: "غثي" -بفتح الغين وتشديد الثاء- من غَثَّ اللحم يغث: المهزول، "السمين" ضد الغث.
الإعراب: "فإما" حرف تفصيل، "أن" حرف مصدري ونصب، "تكون" فعل مضارع ناقص منصوب بأن المصدرية واسمه ضمير مستتر، "أخي" خبر تكون منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه، "بصدق" متعلق بتكون، "فأعرف" فعل مضارع منصوب بالعطف على تكون وفاعله ضمير مستتر فيه، "منك" متعلق بأعرف، "غثي" مفعول به لأعرف منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم مضاف إليه، "من سميني" مجرور بمن وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره وياء المتكلم مضاف إليه، "وإلا" الواو عاطفة وإن شرطية ولا حرف نفي، وفعل الشرط محذوف تقديره: وإلا تفعل ذلك، "فاطرحني" الفاء واقعة في جواب الشرط، "اطرح" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به، "واتخذني" فعل أمر والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول أول، وجملة اطرحني في محل جزم جواب الشرط، "عدوا" مفعول ثانٍ لاتخذ، "أتقيك" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل ضمير والكاف مفعول به، "وتتقيني" مضارع والنون للوقاية والفاعل ضمير وياء المتكلم مفعول به.
الشاهد فيه: "وإلا فاطرحني"، حيث أناب "إلا" مناب "إما".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 426/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص98، وذكره في الهمع 135/ 2، وابن هشام في المغني 59/ 1.
1 قائله: هو ذو الرمة -وقيل: الفرزدق- من قصيدة يمدح فيها سليمان بن عبد الملك ويهجو الحجاج بن يوسف، وهو من الطويل.
اللغة: "تهاض" من الهيض -من هاض يهيض هيضا- أي: نكس بعد أن تماثل للشفاء، ويروى "تلم"، وهو فعل مضارع مبني للمجهول، والضمير المستتر فيه يعود إلى النفس المذكورة في بيت سابق، ويكون معناه يصيبها اللمم وهو المرض، "تقادم" طال الزمن.
المعنى: وصف الشاعر أن نفسه كلما قاربت البرء وطمع هو في أن تندمل جروحها ويبرأ سقامها تعرضت للانتكاس ورجعت إلى الأسقام بأشد مما كانت عليه؛ وذلك بسبب رؤية الديار التي كانت مسرح هواه. =
تُهَاض بدار قد تقادم عهدها
…
وإما بأموات ألمّ خيالها
الثاني: اختُلف في "إما" المذكورة؛ فقيل: بسيطة، وقيل: مركبة من: إن وما وهذا مذهب سيبويه، والدليل عليه اقتصارهم على "إن" في الضرورة، كقوله1:
....................
…
فإنْ جَزَعا وإن إجمالَ صبر
= الإعراب: "تهاض" فعل مضارع مبني للمجهول ونائبه ضمير مستتر فيه، "بدار" متعلق بتهاض، "قد" حرف تحقيق، "تقادم" فعل ماض، "عهدها" فاعل تقادم، وهو مضاف وضمير الغائبة مضاف إليه، "وإما" الواو عاطفة وإما حرف تفصيل، "بأموات" معطوف على بدار، "ألم" فعل ماض، "خيالها" فاعل مرفوع بالضمة، وضمير الغائبة مضاف إليه.
الشاهد فيه: "بدار" أصله: إما بدار قد تقادم عهدها، وإما بأموات؛ فحذفت "إما" الأولى اكتفاء بإما الثانية.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 426/ 2، وابن الناظم، والسيوطي ص98، وفي همعه 135/ 2.
1 قائله: هو دريد بن الصمة، وهو من الوافر.
وصدره:
وقد كَذَبَتْكَ نفسك فاكذبنها
اللغة: "كذبتك" بالتخفيف، "إجمال صبر" من: أجمل يجمل إجمالا إذا أحسن، وفي سيبويه:"فأكذبتها".
المعنى: يقول معزيا لنفسه عن أخيه عبد الله بن الصمة وكان قد قتل: كذبتك نفسك فيما منتك به من الاستمتاع بحياة أخيك فأكذبها في كل ما تمنيك به بعد، فإما أن تجزع لفقد أخيك وذلك لا يجدي عليك شيئا، وإما أن تجمل الصبر فذلك أجدى عليك.
الإعراب: "وقد" الواو للعطف، قد حرف تحقيق، وفي سيبويه "لقد"، "كذبتك" فعل والتاء للتأنيث والكاف مفعول، "نفسك" فاعل والكاف مضاف إليه، "فاكذبنها" فعل وفاعل ومفعول، "إن" ليست شرطية في الموضعين، إنما هي بمعنى إما، والتقدير: فإما جزعا وإما إجمال صبر، "جزعا" منصوب بفعل مضمر تقديره: فإما تجزع جزعا وأيضا "إجمال": وإما تجمل إجمال صبر، والفاء للاستئناف، ويجوز أن تكون شرطية حذف جوابها، أي: فإن تجزع جزعا فعلت، وهذا قليل.
الشاهد فيه: "فإن.... وإن"، فإن أصلهما:"فإما وإما"؛ فحذفت منهما "ما".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، والسيوطي ص98، وفي همعه 135/ 2، وذكره سيبويه 134/ 1.
وقوله1:
سقتْه الرواعد من صيف
…
وإن من خريف فلن يَعْدَما
وأجيب بأنه يحتمل أن تكون "إن" في البيتين شرطية حذف جوابها، والتقدير: فإن كنت ذا جزع فلا جزع، وإن كنت مجمل صبر فأجمل، وإن سقته من خريف فلن يعدم الري.
فرع: لو سميت "بإما" على القول بالتركيب، حكيت.
الثالث: في "إما" المذكورة لغتان: كسر همزتها، وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم وهي الفصحى، وفتح همزتها، وهي لغة قيس وأسد وتميم.
وحكي إبدال ميمها الأولى "ياء" مع كسر الهمزة وفتحها.
1 قائله: هو النمر بن تولب العكلي، وهو من المتقارب.
اللغة: "الرواعد" -جمع راعدة- وهي السحابة الماطرة، "من صيف" -بتشديد الياء- وهو المطر الذي يجيء في الصيف.
الإعراب: "سقته" فعل ماض مبني على فتح مقدر والتاء للتأنيث والهاء مفعول به، "الرواعد" فاعل، "من صيف" متعلق بسقته، "إن" بمعنى إما، والتقدير: وإما من خريف، "فلن" حرف نصب، "يعدما" فعل مضارع منصوب بلن والألف للإطلاق.
الشاهد فيه: "وإن من"، فإنه حذف "ما" وأبقى "إن".
وقال المبرد: إن "إن" في البيت شرطية، والفاء فاء الجواب، والمعنى: وإن سقته من خريف فلن يعدم الري، كما أشار الشارح.
وقال أبو عبيدة: إن "إن" في البيت زائدة، والتقدير: من خريف، والألف في يعدما للإشباع والمفعول محذوف.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، وابن هشام في المغني 56/ 1.
الرابع: تشارك "إما" المذكورة في اللفظ "إما" الشرطية وهي مركبة من: إن وما بغير إشكال، كقوله تعالى:{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} 1.
وزعم الكسائي أن لها قسما ثالثا تكون فيه جحدا، تقول:"إما زيد قائم" تريد: إن زيد قائم، وما صلة.
ثم انتقل إلى "لكن" فقال:
وأول لكن نفيا او نهيا ولا
…
نداء او أمرا أو إثباتا تلا
فالنفي "نحو"2: "ما قام زيدٌ لكن عمرٌو" والنهي: "لا تضرب زيدًا لكن عمرًا" فالمعطوف بلكن محكوم له بالثبوت بعدهما.
وفهم من ذلك أنها لا تقع في الإيجاب "وهو مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون أن يعطف بها في الإيجاب"3 نحو: "أتاني زيدٌ لكن عمرٌو"4.
تنبيه:
إنما يشترط النهي والنفي في الواقعة قبل المفرد، وتقدم الخلاف في كونها عاطفة.
وإذا وَلِيَها جملة فتكون حينئذ بعد إيجاب أو نفي أو نهي "أو أمر"5 لا استفهام، فلا يجوز:"هل زيد قائم لكن عمرو لم يقم؟ ".
فإن قلت: إذا وقعت قبل الجملة، فهل هي عاطفة أو غير عاطفة؟
قلت: الذي ذهب إليه أكثر المغاربة أنها حينئذ حرف ابتداء، لا حرف عطف.
1 من الآية 58 من سورة الأنفال.
2 أ، جـ.
3 ب، جـ.
4 وإنما يمتنع: "لكن عمرو" عند البصريين، إذا جعل "عمرو" معطوفا بلكن، وأما إذا جعل مبتدأ خبره محذوف، فإنه يجوز.
5 ب.
وقيل: إنها تكون عاطفة جملة على جملة، إذا وردت بغير واو.
قال ابن أبي الربيع: وهو ظاهر كلام سيبويه.
فإن قلت: فما المفهوم من كلام الناظم؟
قلت: المفهوم من اشتراطه قبل العاطفة النفي والنهي، أن الواقعة قبل الجملة غير عاطفة، إذ لا يشترط فيها ذلك.
ثم انتقل إلى "لا"، فقال:
..............
…
ولا نداء او أمرا أو إثباتا تلا
أي: وأَوْلِ "لا" نداء نحو: "يا يزيد لا عمرو" أو أمرا نحو: "اضرب زيدا لا عمرا" أو إثباتا نحو: "زيد كاتب لا شاعر".
وزعم ابن سعدان أن العطف "بلا" على منادى ليس من كلام العرب، ونص على جوازه سيبويه.
ومنع أبو القاسم الزجاجي في كتاب معنى الحروف أن يُعطَف بها بعد الفعل الماضي، وليس منع ذلك بصحيح؛ لثبوته في كلام العرب.
تنبيهات:
الأول: في معنى الأمر الدعاء نحو: "غفر الله لزيد لا بكر"، والتحضيض نحو:"هلا تضرب زيدا لا عمرا".
الثاني: أجاز الفراء العطف بها على اسم "لعلّ" كما يعطف بها على اسم "إنّ".
نحو: "لعل زيدًا لا عمرًا منطلق".
الثالث: فائدة العطف "بلا" قَصْر الحكم على ما قبلها؛ إما قصر أفراد كقولك: "زيد كاتب لا شاعر"، ردا على من يعتقد أنه كاتب وشاعر.
وإما قصر قلب، كقولك:"زيد عالم لا جاهل"، ردا على من يعتقد أنه جاهل.
الرابع: شرط عطف الاسم "بلا" أن يكون ما بعدها غير صالح لإطلاق ما قبلها عليه؛ فلذلك لا يجوز: "قام رجل لا زيد".
الخامس: قد يحذف المعطوف عليه "بلا" نحو: "أعطيتُك لا لتظلم" أي: لتعدل لا لتظلم.
السادس: لا يعطف "بلا" إلا مفرد أو جملة لها موضع من الإعراب نحو: "زيد يقوم لا يقعد".
فإن لم يكن للجملة موضع لم تكن عاطفة؛ ولذلك يجوز الابتداء بها.
وفي النهاية: وتعطف لا الجملة "على الجملة"1 نحو: "زيد قائم لا عمرو جالس".
ثم انتقل إلى "بل" فقال:
وبل كلكن بعد مصحوبيها
…
.............................
مصحوبا "لكن" هما النفي والنهي.
فإذا عطفت "بل" بعدهما، فهي كلكن، يعني: لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها نحو: "ما قام زيد بل عمرو"، "فتقرر"2 نفي القيام عن زيد، وتثبته لعمرو.
ومثله:
كلم أكن في مربع بل تَيْها
والمربع: منزل الربيع، والتيهاء: الأرض التي لا يُهتدَى بها.
وتقول: "لا تضرب زيدا بل عمرا" فتقرر النهي عن زيد، وثبت الأمر بضرب عمرو.
ووافق المبرد على هذا الحكم، وأجاز مع ذلك كون "بل" ناقلة حكم النفي والنهي لما بعدها.
1 ب، جـ.
2 أ، جـ، وفي ب "فتقدر".
ووافقه على ذلك أبو الحسين عبد الوارث.
قال المصنف: وما أجازه مخالف الاستعمال.
ثم قال:
وانقُل بها للثان حكم الأول
…
في الخبر المثبت والأمر الجلي
مثال الخبر المثبت: "جاء زيد بل عمرو"، والأمر:"اضرب زيدا بل عمرا".
فهي في ذلك لإزالة الحكم عما قبلها حتى كأنه سكوت عنه، وجعله لما بعدها.
وذهب الكوفيون إلى أن "بل" لا تكون نسقا إلا بعد النفي أو ما جرى مجراه، ولا تكون نسقا بعد الإيجاب.
وجملة القول في "بل" أنها إن وقع بعدها جملة كانت إضرابا عما قبلها، إما على جهة الإبطال نحو:{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ} 1.
وإما على جهة الترك من غير إبطال نحو: {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} 2.
فظهر "من هذا"3 أن قوله في شرح الكافية: فإن كان الواقع بعدها جملة فهي للتنبيه على انتهاء غرض واستئناف غيره، ولا يكون في القرآن إلا على هذا الوجه، فيه نظر.
وإن وقع بعدها مفرد وليس قبله نفي أو نهي، فهي لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها.
وإن كان قبل المفرد نفي أو نهي، فهي لتقرير حكمه وجعل ضده لما بعدها.
تنبيهات:
الأول: لا يعطف ببل بعد الاستفهام، لا يقال:"أضربتَ زيدًا بل عمرا؟ " ولا نحوه4.
1 من الآية 70 من سورة "المؤمنون".
2 من الآيتين 62، 63 من سورة "المؤمنون".
3 أ، جـ، وفي ب "بهذا".
4 أي: نحو هذا التركيب، نحو:"هل ضربت زيدا بل عمرا؟ ".
الثاني: ظاهر إطلاق المصنف أن "بل" تعطف الجملة كما تعطف المفرد.
وقد صرح به الشارح في قوله: فإن كان المعطوف بها جملة.
وذكر غيره أنها لا تكون قبل الجملة عاطفة.
الثالث: قال في التسهيل: وتزاد "لا" قبل "بل"؛ لتأكيد التقرير وغيره. انتهى1.
فإذا زيد بعد إيجاب أو أمر نحو: "قام زيد لا بل عمرو" و"اضرب زيدا لا بل عمرا" فهي لتأكيد الإضراب عن جعل الحكم للأول.
وإذا زيدت بعد نفي أو نهي نحو: "ما قام زيد لا بل عمرو" و"لا تضرب خالدا لا بل بشرا".
فهي لتأكيد بقاء النفي والنهي.
وذهب الجزولي إلى أنها بعد الإيجاب والأمر نفي، وبعد النفي والنهي تأكيد.
ومنع ابن درستويه زيادتها معها بعد النفي.
وقال ابن عصفور: لا ينبغي أن يقال بزيادتها مع "بل" في النفي والنهي إلا أن يشهد له سماع، قيل: وهو مسموع من كلام العرب.
الرابع: قد تكرر "بل" في الجمل رجوعا عما ولي المتقدمة "نحو"2:
{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} 3.
وتنبيها على رجحان ما ولي المتأخرة، نحو:{بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} 4.
ولما ذكر معاني حروف العطف، شرع في ذكر أحكام تتعلق بالباب فقال:
1 التسهيل ص177.
2 أ، جـ.
3 من الآية 5 من سورة الأنبياء.
4 من الآية 66 من سورة النمل.
وإن على ضمير رفع متصل
…
عطفت فافصِلْ بالضمير المنفصل
أو فاصل ما....
يعني: أنه إذا قصد العطف على ضمير الرفع المتصل، لم يحسن إلا بعد توكيده بضمير رفع منفصل، كقوله تعالى:{وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} 1.
أو فصل يقوم مقام التوكيد، كقوله تعالى:{يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ} 2.
ونبه بقوله: "أو فاصل ما" على أنه يكتفى بما يصدق عليه فاصل ولو قل.
أجاز صاحب الكشاف في قوله تعالى: {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} 3 أن يكون "آباؤنا"4 معطوفا على الضمير في لمبعوثون للفصل بالهمزة.
ومن صور الفصل: الفصل "بلا" بين العاطف والمعطوف نحو: {مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} 5.
وفهم من قوله: "متصل" أن المنفصل يعطف عليه بلا شرط.
فحكم المنفصلين في العطف والعطف عليهما حكم الظاهر.
ووهم الأُبَّدي في منعه: "رأيت زيدا وإياك".
ثم نبه على ورود العطف على الضمير المذكور بغير توكيد ولا فصل، فقال:
............ وبلا فصل يرد
…
في النظم فاشيا....
كقول عمر بن أبي ربيعة6:
1 الآية 91 من سورة الأنعام.
2 من الآية 23 من سورة الرعد.
3 الآية 47، 48 من سورة الواقعة.
4 ب.
5 من الآية 148 من سورة الأنعام.
6 قائله: هو عمر بن أبي ربيعة، وهو من الخفيف.
وتمامه:
كنعاج الفلا تَعَسَّفْنَ رملا
اللغة: "زهر" -بضم الزاي وسكون الهاء- جمع زهراء، وهي المرأة الحسناء البيضاء، "تهادى" أصله تتهادى -فحذفت إحدى التاءين تخفيفا- تتمايل وتتبختر، "نعاج" -جمع =
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى
…
....................
وهو كثير في الشعر، ومع كثرته فهو ضعيف؛ ولهذا قال:
........ وضعفه اعتقد
فإن قلت: فهل يطرد مع ضعفه أو يختص بالضرورة؟
قلت: نص المصنف على أنه يجوز في الاختيار مع ضعفه؛ لقول بعض العرب: "مررتُ برجلٍ سواءٍ والعدمُ"1 حكاه سيبويه.
ولأن العطف في البيت السابق ونحوه ليس بفصل مضطر؛ لإمكان النصب.
ومذهب الكوفيين وابن الأنباري جوازه في الاختيار، ونقل الجواز عن أبي علي.
قيل: ومذهب البصريين أنه لا يجوز بغير فصل بتوكيد، أو غيره إلا في الضرورة.
= نعجة- والمراد هنا الوحش، "الفلا" الصحراء، "تعسفن" ملن عن الطريق.
المعنى: قلت إذ أقبلت الحبيبة مع نسوة زهر، يتبخترن كنعاج الصحراء حين ملن عن الطريق وأخذن في الرمل.
الإعراب: "قلت" فعل وفاعل، "إذا" ظرف متعلق به، "أقبلت" فعل ماض والتاء للتأنيث وفاعله ضمير مستتر فيه، "وزهر" معطوف على الضمير المستتر، "تهادى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه والجملة في محل نصب حال من فاعل أقبلت، "كنعاج" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال ثانية من فاعل أقبلت، "الفلا" مضاف إليه، "تعسفن" فعل ماض، ونون النسوة فاعل، والجملة في محل نصب حال من نعاج، "رملا" نصب على نزع الخافض.
الشاهد فيه: "أقبلت وزهر"، حيث عطف "زهر" على الضمير المنفصل أو غيره.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 429/ 2، وابن عقيل 176/ 2، والمكودي ص122، وابن الناظم. وذكره سيبويه 390/ 1، وابن يعيش 76/ 3، والإنصاف 279/ 2.
1 برفع "العدم" عطفا على الضمير المستتر في "سواء" لأنه مؤول بمشتق، أي: مستوٍ هو والعدم وليس بينهما فصل.
ونص سيبويه والخليل على قبحه.
وفي كتاب سيبويه حين ذكر انفصال بعض الضمائر، وكذلك:"كنا وأنتم ذاهبين" إلا أن الشراح تأولوه.
تنبيه:
شرط في التسهيل في صحة العطف صلاحية المعطوف، أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل1.
الأول: نحو "قام زيد وعمرو".
والثاني: نحو "قام زيد وأنا"، فإنه لا يصح "قام أنا"، ولكن يصح "قمت"، والتاء بمعنى أنا.
فإن لم يصح هو أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل، أضمر له عامل مدلول عليه بما قبله، وجعل من عطف الجمل.
قال: وذلك كالمعطوف على الضمير المرفوع بالمضارع ذي الهمزة أو النون أو تاء المخاطب أو بفعل الأمر نحو: "أقوم أنا وزيد"، و"نقوم نحن وزيد"2، و"تقوم أنت وزيد"، و {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} 3 أي: وليسكن زوجك.
وكذا في باقيها.
قال: وكذلك المضارع المفتتح بتاء التأنيث نحو: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} 4.
قال الشيخ أبو حيان: وما ذهب إليه مخالف لما تضافرت عليه نصوص النحويين والمعربين، من أن "زوجك" معطوف على الضمير المستكن في "اسكن" المؤكد "بأنت".
1 التسهيل ص177.
2 ب، جـ.
3 من الآية 35 من سورة البقرة.
4 من الآية 233 من سورة البقرة.
ولا نعلم خلافا في جواز تقدم هند وزيد، وأنه من عطف المفردات. انتهى.
وقوله:
وعَوْد خافض لدى عطف على
…
ضمير خَفْض لازما قد جُعلا
هذا مذهب جمهور البصريين، أن إعادته لازمة إلا في الضرورة1.
وذهب الكوفيون ويونس والأخفش إلى جواز العطف عليه بدون إعادة الخافض، واختاره الشلوبين والمصنف.
ولهذا قال:
......وليس عندي لازما
ثم استدل بوروده في النثر كقراءة حمزة: "تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ"2.
والنظم كقوله3:
.................
…
فاذهب فما بِكَ والأيامِ من عَجَب
1 فمثال إعادة الخافض، حرفا كان، نحو قوله تعالى:{فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ} ، أو اسما نحو قوله تعالى:{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} وللأرض معطوف على الهاء في "لها" المجرورة باللام وأعيدت مع المعطوف، و"آبائك" معطوف على الكاف المجرورة بإضافة "إله"، وقد أعيد المضاف مع المعطوف.
2 بجر الأرحام وعطفه على الضمير المجرور بالياء بدون إعادة الجار، أي: بالأرحام "وهي من الآية الأولى من سورة النساء".
3 قائله: هو من شواهد سيبويه التي لم يعلم لها قائل، وهو من البسيط.
وصدره:
فاليوم قرَّبتَ تهجونا وتشتمنا
المعنى: شرعت اليوم في شتمنا والنيل منا، فإن فعلت ذلك فاذهب، فليس غريبا منك لأنك أهل له، وليس عجيبا من هذا الزمان الذي فسد كل من فيه.
الإعراب: "قربت" فعل ماض دال على الشروع، والتاء اسمه، "تهجونا" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه ونا مفعول به، والجملة في محل نصب خبر قربت، "تشتمنا" عطف على تهجونا، "فاذهب" الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي: إن تفعل ذلك فاذهب، واذهب فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، "فما" الفاء للتعليل، "ما" نافية، "بك" متعلق بمحذوف خبر مقدم، "والأيام" معطوف على الكاف المجرورة بالباء، "من" زائدة، "عجب" مبتدأ مؤخر.
الشاهد فيه: "بك والأيام" حيث عطف "أيام" على الضمير المجرور وهو "بك" من غير إعادة الجار.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 430/ 2، وابن عقيل 178/ 2، والمكودي ص122، وابن الناظم. وذكره ابن يعيش 78/ 3، والسيوطي في الهمع 139/ 2، وسيبويه 392/ 1.
أنشده سيبويه، وهو كثير في الشعر.
وفي المسألة مذهب ثالث، وهو أنه إذا أُكِّد الضمير جاز نحو:"مررتُ بك أنت وزيدٍ" وهو مذهب الجرمي والزيادي.
قلت: وهو حاصل كلام الفراء، فإنه أجاز:"مررت به نفسِهِ وزيدٍ، ومررت بهم كلِّهم وزيدٍ".
قال: وكذا القول في أجمعين وقضهم وقضيضهم وخمستهم، إذا خفضت.
فإن نصبت "خمستهم" لم يجز -يعني العطف- بغير إعادة الجار.
قال الشارح: ولا يبعد أن يقال في هذه المسألة: إن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار غير جائز في القياس، وما ورد من السماع محمول على شذوذ إضمار الجار.
تنبيهان:
الأول: قيل: ينبغي أن يقيد العطف على الضمير المجرور، بأن يكون الحرف غير مختص بالضمير، احترازا من المجرور بلولا على مذهب سيبويه، فإنه لا يجوز عطف الظاهر عليه، فلو رفع على توهم أنك نطقت بالضمير مرفوعا، ففي جوازه نظر.
الثاني: قد فهم من سكوته عن الضمير المنصوب المتصل أنه يجوز العطف عليه بلا شرط1.
1 مثال ذلك قوله تعالى: {جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} ، "الأولين" عطف على "كم".
وقوله:
والفاء قد تُحذف مع ما عطفتْ
يعني: إذا أمن اللبس.
ومنه: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} 1 أي: فضرب فانفجرت.
وزعم ابن عصفور أنه إنما حذف المعطوف عليه وحده وحذفت الفاء من المعطوف، فاتصلت الفاء الأولى بالمعطوف، فأبقي من كل منهما ما يدل على المحذوف. ورُدّ بقوله تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} 2 أي: فأفطر فعدة؛ لأن فاء العطف لا تنوب مناب فاء الجزاء.
وقوله: "والواو".
يعني: أن الواو أيضا قد تحذف مع ما عطفت، ومنه:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} 3.
أي: والبرد.
وإنما يجوز إذا دل عليه دليل.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن هذا مختص بالفاء والواو، وقد ذكر في التسهيل4 أن "أم" تشاركهما في ذلك، كقوله5:
1 هذا مثال للفاء، والفعل المحذوف معطوف على "فقلنا". وهو من الآية 60 من سورة البقرة.
2 من الآية 184 من سورة البقرة.
3 من الآية 81 من سورة النحل.
4 التسهيل ص178.
5 قائله: هو أبو ذؤيب الهذلي، وهو من الطويل.
وتمامه:
دعاني إليها القلب إني لأمره
…
سميع............
اللغة: "الرشد" -بضم الراء وإسكان الشين- خلاف الغي، "طلابها" الطلاب مصدر طالب بمعنى طلب.
المعنى: أن قلب الشاعر دعاه إلى طلب الوصال من هذه المحبوبة، فهل حقيقة الحال في =
................
…
فما أدري أرشد طلابها
التقدير: أم غي.
قلت: هو في الفاء والواو، وأكثر منه في "أم"، فلقلته لم يذكر هنا.
وقوله: "وَهْيَ" يعني الواو.
انفردت بعطف عامل مزال قد بقي
…
معموله
…
مثال ذلك قول الشاعر1:
= ذلك الطلب، أرشد هو أم غي؟ لكنه على كل حال لم يقوَ على مخالفة دعوة قلبه؛ لأنه لا يسمع إلى أمر غيره، وإنما غلب جانب الهوى على العقل، إذ القلب يميل إلى الهوى والعشق، ويدعو إلى الصبوة.
الإعراب: "دعاني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول به، "القلب" فاعل، "إليها" متعلق بدعا، و"إني لأمره سميع" حال من القلب أو جملة اعتراضية، وإن حرف توكيد وياء المتكلم اسمها، "لأمره" متعلق بسميع وسميع خبر إن، واللام في لأمره للتقوية وتقديم المعمول لإرادة الحصر، أي: إني أسمع أمره لا أمر غيره، وجملة "إني لأمره سميع" معطوفة على قوله:"دعاني" و"فما أدري" الفاء للسببية وما نافية وأدري فعل مضارع معلق عن العمل وجملة "أرشد طلابها" في محل نصب على أنها مفعول أدري، والهمزة في أرشد للاستفهام، والمعادل لها محذوف تقديره: أم غي، وما بعد أم وهو غير معادل لما بعد الهمزة وهو رشد، وضمير المؤنث في إليها وطلابها عائد إلى المحبوبة.
الشاهد فيه: أن "أم" تشارك الواو والفاء في جواز حذفها مع معطوفها، بدليل حذف "أم" العاطفة، و"غي" المعطوف المعادل لما بعد الهمزة في قوله: أرشد.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 431/ 2، والسيوطي في الهمع 132/ 2.
1 قائله: لم ينسب إلى قائل، وقال العيني: أنشده الأصمعي وغيره، ولم أر أحدا عزاه إلى قائله، وهو من الكامل.
وتمامه:
حتى شَتَتْ هَمَّالة عيناها
اللغة: "شتت" يروى مكانه: "بدت" وهما بمعنى واحد، "همالة" -صيغة مبالغة- من هملت العين، إذا همرت بالدموع.
المعني: علفت هذه الدابة تبنا وأشبعتها وسقيتها ماء باردا حتى فاضت عيناها بالدموع من الشبع، وتلك عادة الدواب إذا شبعت.
الإعراب: "علفتها" فعل وفاعل ومفعول أول، "تبنا" مفعول ثان، "وماء" الواو للعطف وماء =
علفتُها تبنا وماء باردا
…
....................
أي: وسقيتها ماء.
فحذف العامل المعطوف، واستغنى بمعموله، وأمثلته كثيرة نظما ونثرا.
وهذا مذهب جماعة من الكوفيين والبصريين، منهم الفراء والفارسي.
وذهب قوم، منهم أبو عبيدة والجرمي والمازني والمبرد إلى أن تالي الواو في ذلك معطوف على الأول عطف مفرد على مفرد، لا عطف جملة على جملة، وأن العامل ضمن معنى ينظم المعطوف والمعطوف عليه، واختاره بعض المتأخرين.
واحتج الأولون بأنه لو كان على التضمين، لساغ:"علفتها ماء وتبنا".
ورد بأنه مسموع من كلام العرب كقوله1:
= مفعول لفعل محذوف تقديره: وسقيتها، "باردا" صفة لماء، "حتى" حرف غاية، "همالة" حال من "عيناها" الواقع فاعلا لشتت.
الشاهد فيه: "وماء باردا" حيث حذف العامل المعطوف وبقي معموله وهو "ما" أي: وسقيتُها ماء؛ لأنه لا يصح أن يعطف "ماء" على "تبنا" عطف مفرد على مفرد لانتفاء المشاركة؛ لعدم صحة تسلط العامل عليه؛ لأن الماء لا يعلف، ولا يصح أن تكون الواو للمعية؛ لانتفاء المصاحبة لأن الماء لا يصاحب التبن في العلف.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 226/ 1، وابن هشام 157/ 2، وابن عقيل 334/ 1، والمكودي ص123، والشاهد 181 في الخزانة، وذكره السيوطي في الهمع 130/ 2، وفي الإنصاف 353/ 1.
1 قائله: هو طرفة بن العبد، وهو من الطويل.
وصدره:
أعمرُ بنُ هندٍ ما ترى رأي صِرْمَة
اللغة: "صرمة" -بكسر الصاد وسكون الراء وفتح الميم- وهي القطيع من الإبل نحو الثلاثين.
الإعراب: "أعمرو" الهمزة حرف نداء وعمرو منادى مبني على الضم، "ابن" صفة له، "هند" مضاف إليه، "ما ترى" ما نافية أو استفهامية، وترى فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل ضمير مستتر فيه، "رأي" مفعول به لترى، "صرمة" مضاف إليه، "لها" جار ومجرور خبر مقدم =
.................
…
لها سبب ترعى به الماءَ والشجرَ
واختُلف أيضا في هذا التضمين، والأكثرون على أنه ينقاس.
وضابطه عندهم: أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام.
قال الشيخ أبو حيان: والذي أختاره التفصيل، فإن كان العامل الأول تصح نسبته إلى الاسم الذي يليه حقيقة، كان الثاني محمولا على الإضمار؛ لأن الإضمار أكثر من التضمين، نحو:"جدع الله أنفه وعينه" أي: "ويفقأ عينه"1، فنسبة الجدع إلى الأنف حقيقة.
وإن كان لا يصح كان العامل مضمنا معنى ما يصح نسبته إليه؛ لأنه لا يمكن الإضمار، نحو قول العرب:"علفت الدابة ماء وتبنا" أي: أطعمتها أو غذيتها.
وقوله: دفعا لوهم اتُّقي.
يعني: أن إضمار العامل في "نحوه"2 يدفع توهم أنه معطوف أو مفعول معه.
فإن قلت: ولِمَ كان حمله على العطف أو المعية وَهْمًا؟
قلت: أما العطف؛ فلأن العامل لا يصلح للعمل فيه، وأما المعية؛ فلأنها غير مرادة هنا، وذلك واضح.
وقوله:
وحذف متبوع بدا هنا استبِحْ
= "سبب" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة صفة لصرمة، "ترعى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "به" متعلق بترعى، "الماء" مفعول به منصوب بالفتحة، "والشجر" عطف عليه.
الشاهد فيه: "ترعى به الماء والشجر" حيث إنه عطف "الشجر" على وترعى به الماء.
وإن قوله: "ترعى به الماء والشجر" يدل على صحة العطف في قول القائل: علفتها تبنا وماء باردا، وأطعمته تمرا ولبنا خالصا.
1 ب، جـ.
2 أ، ب، وفي جـ "في نحو ذاك".
يعني: أنه يجوز حذف المعطوف عليه؛ لظهوره، ويستغنى بالعاطف والمعطوف نحو:"بلى وزيدا" لمن قال: "ألم تضرب عمرا؟ ".
ومنه قول العرب: "وبك وأهلا وسهلا" لمن قال: مرحبا1.
تنبيهان:
الأول: حذف المتبوع كثُر مع الواو كما مثّل، وقلّ مع الفاء. ومنه:
{أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} 2 أي: فضرب فانفلق.
ونذر مع "أو" كقول أبي أمية الهذلي3:
1 والتقدير: مرحبا بك وأهلا، فالجار والمجرور وهو "بك" متعلقان بكلمة "مرحبا" المحذوفة، "وأهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة عطف مفرد على مفرد، فالمعطوف عليه محذوف وهو محل الشاهد، "وسهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة، فالمعطوف عليه محذوف، ولكن سيبويه يجعل "مرحبا" و"أهلا" منصوبين على المصدر.
2 من الآية 63 من سورة الشعراء.
3 شطر بيت من الطويل، وتمامه:
..................
…
يُوَشِّج أولاد العِشَار ويُفْضِل
اللغة: "يوشج" -بالجيم- قال العيني: وهو من التوشيج بمعنى الإحكام، ويروى "يوشح" -بالحاء- وهو من التوشيح ومعناه التزيين، "أولاد العشار" الحديثات العهد بالنتاج.
قال ثعلب: والعشار من الإبل: التي قد أتى عليها عشرة أشهر، وقيل: العشار: اسم يقع على النوق حتى ينتج بعضها وبعضها ينتظر نتاجها، "يفضل" من الإفضال وهو الإحسان والإجمال.
المعنى: أن أبا أمية يمن على مخاطبه بأنه هو أو قبيلته حاطه ورعاه وكان به رفيقا أحوج ما يكون إلى الرعاية والرفق، وقد شبهه بأولاد العشار لضعفها وعدم استطاعتها شيئا، وأنه كأولاد العشار كان كَلًّا على الشاعر أو على قبيلته ولم يكن له من يتولى رعايته وحمايته قبل رعايتهم له أحد من آباء أو من إخوة.
الإعراب: "فهل" الفاء بحسب ما قبلها وهل حرف استفهام، "لك" جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: هل أخ لك كائن أو موجود؟ ، "أو" حرف عطف، "من" زائدة، "والد" معطوف على أخ.
والتقدير: فهل لك أخ أو والد؟ وإعراب الباقي واضح.
الشاهد فيه: "أو من والد" حيث حذف المعطوف عليه، إذ التقدير: فهل لك من أخ أو من والد؟ و"من" في الموضعين زائدة.
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 432/ 2، وذكره السيوطي في الهمع 140/ 2.
فهل لكَ أو من والد لكَ قبلَنَا
…
......................
أي: فهل لك من أخ أو من والد؟
والثاني: جعل الزمخشري من ذلك قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا} 1 و {أَفَلَمْ يَسِيرُوا} 2.
فقدّر بين الهمزة والعاطف محذوفا هو المعطوف عليه، وإلى ذلك ذهب محمد بن مسعود الغزني.
ومذهب الجمهور أن حرف العطف عطف ما بعده على الجملة قبله ولا حذف، ولكنه اعتنى بالهمزة فصدرت.
وقوله:
وعطفك الفعل على الفعل يصح
يعني: أن الأفعال في جواز عطف بعضها على بعض كالأسماء، نحو:"زيد قام وقعد، ويقوم ويقعد".
تنبيه:
أهمل المصنف شرطا في عطف الفعل، وهو اتحاد زمانهما3.
فلا يعطف الماضي على المستقبل، ولا المستقبل على الماضي.
فإن قلت: فهل يشترط اتحاد اللفظ، أعنى: أن يكونا بصيغة الماضي أو بصيغة المضارع
…
؟
قلت: لا، بل يجوز عطف الماضي على المضارع نحو:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ} 4 وعكسه نحو: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} 5.
1 من الآية 9 من سورة الروم.
2 من الآية 82 من سورة غافر.
3 أي: مضيا أو حالا أو استقبالا.
4 فأوردهم معطوف على يقدم؛ لأنه بمعنى يوردهم، قاله أبو البقاء. وهو من الآية 98 من سورة هود.
5 الشاهد في "ويجعل" على قراءة الجزم، عطف على جعل الذي هو في محل جزم، وهو من الآية 10 من سورة الفرقان.
وإنما ساغ ذلك لاتحاد الزمان.
فإن قلت: ليس هذه المثل من عطف الفعل على الفعل، وإنما هي من عطف جملة على جملة.
قلت: لما كان الغرض منها إنما هو عطف الفعل؛ لأن فاعل الفعل الثاني هو فاعل الفعل الأول، صح أن يقال: إنها من عطف الفعل على الفعل.
وقوله:
واعطف على اسم شبه فِعْل فِعْلا
مثاله: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا} 1، {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} 2.
فإن قلت: كيف جاز ذلك "وحرف"3 العطف لا يربط بين مختلف الجنس؟
قلت: إنما جاز؛ لأن أحدهما مؤول بالآخر، فاتحد الجنس بالتأويل.
فإن قلت: فأيهما المؤول؟
قلت: الذي يؤول هو الحال محل الآخر "فيكون"4 الأول كمثال الأول؛ لأن المصدقين صلة "أل" وحق الصلة أن تكون جملة، فأل مؤولة بالذي والمصدقين بتصدقوا.
وتارة يكون الثاني كالمثال الثاني؛ لأن صافات فيه حال، وأصل الحال أن يكون اسما، فيقبضن مؤول بقابضات.
وقوله:
وعكسا استعملْ تجدْهُ سهلا
1 الآية 18 من سورة الحديد.
2 عطف "يقبضن" وهو مضارع على "صافات" وهو اسم فاعل؛ لأنها في معنى يصففن. ومعنى صافات: ناشرات أجنحتهن في الجو، ومعنى يقبضن: يضممن الأجنحة إلى الأجسام. وهو من الآية 19 من سورة الملك.
3 ب، وفي أ، جـ "وحروف".
4 أ، جـ، وفي ب "فتارة".
يعني: بالعكس أن تعطف الاسم المشابه للفعل على الفعل، كقوله تعالى:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ} 1.
وقول الراجز2:
أم صبي قد حَبَا أو دارج
عطف "دارجا" على "قد حبا".
قال في شرح الكافية: لأن دارجا بمعنى درج.
قلت: ظاهر هذا أن الاسم في البيت ونحوه مؤول بالفعل، وليس بجيد، بل الظاهر أن "حبا" مؤول بحاب؛ لأنه في موضع النعت، وأصل النعت أن يكون اسما.
1 وقدر الزمخشري عطف "مخرج" على "فالق"، فيكون من عطف الاسم على الاسم، وهو من الآية 95 من سورة الأنعام.
2 قائله: قال العيني: أنشده المبرد ولم يعزه إلى قائله، وقيل: لجندب بن عمرو يذكر امرأة الشماخ بن ضرار الغطفاني، وهو من الرجز.
وصدره:
يا رُبَّ بيضاء من العواهج
اللغة: "العواهج" -جمع عوهج- وهي في الأصل الطويلة العنق من الظباء والنوق والنعام، وأراد بها ههنا المرأة التامة الخلق، "حبا" زحف ومشى على عجزه، "دارج" اسم فاعل من درج الصبي، إذا مشى هينا متقارب الخطو.
المعنى: يريد الشاعر امرأة تامة الخلق تشبه الظباء في طول عنقها، ولا يكون معها غير صبي يحبو، أو قريب عهد بالمشي لا يكاد يدرك.
الإعراب: "يا" للتنبيه، "بيضاء" مبتدأ مجرور برب لفظا في محل رفع، "من العواهج" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لبيضاء، "أم" -بالجر- بدل أو عطف بيان لبيضاء باعتبار اللفظ وبالرفع باعتبار المحل، أو خبر لمبتدأ محذوف، "صبي" مضاف إليه، "حبا" فعل ماض والفاعل ضمير، والجملة صفة لصبي، "أو دارج" معطوف على "حبا" لتأويله بدرج.
الشاهد فيه: "حبا أو دارج" حيث إنه عطف الاسم المشبه للفعل وهو "دارج" على الفعل وهو "حبا".
مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 433/ 2، وابن هشام 196/ 3، وابن الناظم.