المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌النداء: فيه لغتان: كسر النون، وضمها. ومعناه لغة: الدعاء. واصطلاحا: دعاء بحروف مخصوصة، - توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك - جـ ٢

[ابن أم قاسم المرادي]

الفصل: ‌ ‌النداء: فيه لغتان: كسر النون، وضمها. ومعناه لغة: الدعاء. واصطلاحا: دعاء بحروف مخصوصة،

‌النداء:

فيه لغتان: كسر النون، وضمها.

ومعناه لغة: الدعاء.

واصطلاحا: دعاء بحروف مخصوصة، وهي: يا، وأي، وأَيَا، وهيا، والهمزة، ووا في الندبة.

وزاد الكوفيون: آ، وآيْ بالمد.

وأخبر سيبويه رواية عن العرب أن الهمزة للقريب المصغي، وأن ما سواها للبعيد مسافة أو حكما.

وعلى مذهب سيبويه اعتمد الناظم فقال:

وللمنادى الناءِ أو كالناء يا

وأَيْ وآ كذا أَيَا ثم هَيَا

والهمز للداني....

فالنائي: هو البعيد مسافة، وكالنائي: هو البعيد حكما كالساهي، والداني: هو القريب، ولا حاجة إلى ذكر سائر المذاهب؛ لأن قائليها لم يعتمدوا إلا على الرأي، والرواية لا تعارض بالرأي، كذا قال المصنف.

وقوله: ووا لمن ندب.

يعني: مختصة بالندبة، وهذا مذهب سيبويه والجمهور، وأجاز بعضهم استعمالها في غير الندبة قليلا.

وقوله: "أو يا" يعني: أن "يا" قد تستعمل في الندبة بشرط أمن اللبس1، فإن خِيفَ التباس المندوب بغيره تعينت "وا"2.

1 مثال أمن اللبس قوله:

حُمِّلتَ أمرا عظيما فاصطبرتَ له

وقمت فيه يأمر الله يا عمرا

فصدور ذلك بعد موت عمر دليل على أنه مندوب، وليس الدليل الألف لأنها تلحق آخر المستغاث والمتعجب منه. هـ 103/ 3 صبان.

2 مثل خوف اللبس فتقول عند قصد ندبة زيد الميت وبحضرتك من اسمه زيد: وا زيد -بالواو- إذ لو أتيت بيا، لتبادر إلى فهم السامع أنك قصدت النداء. هـ 103/ 3 صبان.

ص: 1051

ولذلك قال:

وغير وا لدى اللبس اجتُنب

تنبيهات:

الأول: أجمعوا على أن نداء القريب بما للبعيد يجوز توكيدا، وعلى منع العكس.

الثاني: ذهب بعض النحاة إلى أن هذه الأدوات أسماء أفعال محتملة لضمائر مستترة.

الثالث: ذهب ابن السكيت1 إلى أن ها "هيا" بدل من همزة "أيا" وتبعه ابن الخشاب2.

الرابع: قال في شرح التسهيل: لم يذكر آ، وآي -بالمد- إلا الكوفيون، رووهما عن العرب الذين يثقون بعربيتهم، ورواية العدل مقبولة.

قلت: وذكر غيره أن الأخفش حكى "آ" في الكبير، وجعلها ابن عصفور للقريب كالهمزة.

وقوله:

وغير مندوب ومُضْمَر وما

جا مستغاثا قد يُعَرَّى فاعلما

المنادى قسمان:

1 هو يعقوب بن إسحاق بن السكيت، كان عالما بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة، وأخذ عن البصريين والكوفيين كالفراء وأبي عمرو الشيباني، وله تصانيف كثيرة في النحو ومعاني الشعر، ومات يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين.

2 هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب أبو محمد النحوي، قال القفطي: كان أعلم أهل زمانه بالنحو حتى يقال: إنه كان في درجة الفارسي، وكانت له معرفة بالحديث والتفسير واللغة والمنطق والفلسفة، وله تصانيف كثيرة؛ فقد صنف شرح الجمل للجرجاني، والرد على ابن بابشاذ في شرح الجمل، وشرح اللمع لابن جني ولكن لم يتم، وغير ذلك. توفي عشية الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة.

ص: 1052

فالأول: يمتنع حذف حرف النداء معه، وهو المندوب نحو:"وا زيداه"، والمضمر نحو:"يا أنت ويا إياك"، والمستغاث نحو:"يا لزيد".

فإن قلت: ما سبب "منع"1 الحذف مع هذه الثلاثة؟

قلت: أما المندوب والمستغاث؛ فلأن المطلوب فيهما مد الصوت، والحذف ينافيه. وأما المضمر فلأن الحذف معه تفوت به الدلالة على النداء.

تنبيه:

فهم من كلامه جواز نداء المضمر، وفيه تفصيل.

فإن كان لمتكلم أو غائب لم يجز، لا يقال:"يا أنا"، ولا "يا هو"، و"إن كان"2 لمخاطب ففيه خلاف. قال في الارتشاف: والصحيح المنع. انتهى.

وقد سمع ما ظاهره نداء المضمر بصيغة النصب كقوله: "يا إياك قد كفيتُكَ"3 وهو القياس، وبصيغة الرفع كقوله4:

1 أ.

2 أ، جـ.

3 قيل: إن الأحوص اليربوعي وفد مع ابنه على معاوية، فقام الأب فخطب، فلما انتهى قام الابن ليخطب، فقال له الأب ذلك، أي: قد أغنيتك عن القول.

4 قائله: هو الأحوص اليربوعي، قاله العيني، وصوب أنه لسالم بن دارة في مُرّ بن واقع، وتمامه:

أنت الذي طلَّقت عام جُعْتَا

وهو من الرجز.

اللغة: "الأبجر" المنتفخ البطن، "طلقت" فارقت حلائلك، "عام جعتا" أي: في الوقت الذي وقعت فيه المجاعة.

المعنى: يذم المخاطب بأنه عظيم البطن وابن عظيمها، ويقول: أنت الذي فارقت زوجاتك حين لم تجد ما تسد به رمقك وتملأ به بطنك، وأبيت السعي لجلب رزقهن.

الإعراب: "يا" للنداء، "أبجر" منادى مبني على الضم، "ابن" صفة، "أبجر" مضاف إليه، وكان حق أبجر الجر بالفتحة لوزن الفعل ولكنه صرف للضرورة، "يا" للنداء، "أنتا" منادى مبني على ضم مقدر منع منه حركة البناء الأصلي، والألف للإطلاق.

الشاهد فيه: "يا أنتا"، حيث نادى الضمير الذي في موضع الرفع.

مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 443/ 2، وابن هشام 220/ 3.

وذكره ابن يعيش 127/ 1، والسيوطي في الهمع 174/ 1، والشاهد 105 في الخزانة.

ص: 1053

يا أبجرُ بنَ أبجرِ يا أنتا

وهو من نيابة بعض الضمائر عن بعض.

وتأول بعضهم: "يا إياك" على أن "يا" للتنبيه و"إياك" منصوب بمقدر يدل عليه الظاهر بعده.

و"يا أنت" على أن "يا" للتنبيه و"أنت" مبتدأ، و"أنت" الثاني مبتدأ ثانٍ أو توكيد، أو فصل، أو بدل، والخبر الموصول.

والقسم الثاني: يجوز فيه حذف النداء -وهو ما عدا القسم الأول- إلا أن منه ما يقل الحذف معه، ومنه ما يكثر.

وقد نبّه على ما يقل بقوله:

وذاك في اسم الجنس والمشار له

قل ومن يمنعه فانصر عاذله

الإشارة إلى تعرِّيه من الحرف. ومن حذفه من اسم الجنس قوله: "ثوبي حَجَر"1.

وجاءت منه ألفاظ في النثر والنظم.

ومذهب البصريين: أن حذف حرف النداء منه، لا يجوز إلا في شذوذ أو ضرورة.

وهو عند الكوفيين قياس مطرد.

1 قاله عليه الصلاة والسلام حكاية عن موسى عليه السلام حين فر الحجر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل، وكان رخاما.

ص: 1054

ومن حذفه من اسم الإشارة قوله1:

.....................

بمثلك هذا لوعة وغرام

وسمع منه أبيات.

ومذهب البصريين: أنه لا يجوز؛ ولذلك لحنوا أبا الطيب في قوله2:

هذي بَرَزتِ لنا فهجتِ رَسِيسا

1 قائله: هو ذو الرمة -غيلان بن عقبة- وهو من الطويل.

وصدره:

إذا هَمَلت عيني لها قال صاحبي

اللغة: "هملت العين" سال دمعها، "لوعة" اللوعة: حرقة القلب من ألم الحب، "غرام" شدة رغبة.

المعني: كلما بكى وسال دمعه عند تذكر المحبوبة قال له صاحبه: يا هذا، إنك شديد الحب لها والغرام بها، وهو لا يستطيع أن يعمل له شيئا يخفف من لوعته.

الإعراب: "إذا" شرطية، "هملت" فعل الشرط والتاء للتأنيث، "عيني" فاعله، "لها" متعلق بهملت، واللام للتعليل، أي: لأجل المحبوبة، "قال" فعل ماض جواب الشرط، "صاحبي" فاعله مضاف للياء، "بمثلك" جار ومجرور خبر مقدم، "هذا" ها للتنبيه، وذا اسم إشارة منادى على حذف حرف النداء، "لوعة" مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب مقول القول، "وغرام" عطف على لوعة.

الشاهد فيه: "هذا"، حيث حذف منه حرف النداء.

مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 443/ 2، وابن هشام 222/ 3، والمكودي ص124، وذكره السيوطي في الهمع 174/ 1.

2 قائله: هو أبو الطيب -أحمد بن الحسين المتنبي- وهو من الكامل.

وتمامه:

ثم انثنيتِ وما شفيتِ نسيسا

اللغة: "برزت" ظهرت، "فهجت" من هاجه إذا أثاره، "رسيسا" -بفتح الراء وكسر السين- وهو مس الحمى أو الهم، "نسيسا" -بفتح النون وكسر السين- بقية النفس.

الإعراب: "هذي" منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير: يا هذه، "برزت" فعل ماض والتاء فاعل، "لنا" جار ومجرور متعلق ببرزت، "فهجت" الفاء عاطفة وهاج فعل ماض والتاء فاعل والجملة عطف على "برزت"، "رسيسا" مفعوله، وإعراب الباقي واضح.

الشاهد فيه: "هذي" حيث حذف منه حرف النداء، وحذف حرف النداء مع اسم الإشارة لا يجوز عند البصريين.

وخُرِّج على أن "هذي" إشارة إلى البرزة، فهي مصدر.

مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه 444/ 2.

ص: 1055

ومذهب الكوفيين جوازه، وجعلوا منه قوله تعالى:{ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} 1.

تنبيه:

ظاهر كلامه موافقة الكوفيين على الجواز، وقال الشارح: وقول الشيخ: ومن يمنعه فانصر عاذله، يوهم اختيار مذهب الكوفيين.

هذا، إن لم يحمل المنع على عدم قبول ما جاء من ذلك.

قلت: قد صرح بموافقتهم في اسم الجنس في شرح الكافية، فقال: وقولهم هذا أصح. انتهى. والإنصاف القياس على اسم الجنس؛ لكثرته نثرا ونظما.

"وقصر"2 اسم الإشارة على السماع، إذ لم يرد إلا في الشعر.

وأما نحو: "ثم أنتم هؤلاء" فمتأول3.

فإن قلت: فهم من كلامه أن ما سوى هذه الخمسة يجوز معه حذف حرف النداء، وليس على إطلاقه.

فقد ذكر في التسهيل4: أن مما يلزمه الحرف لفظ الجلالة والمتعجب منه، ولم يذكرهما هنا، وقد ذكر الأول في الكافية دون الثاني.

1 من الآية 85 من سورة البقرة.

2 ب، جـ، وفي أ "وقصره على".

3 مؤولة على أن "هؤلاء" بمعنى الذين، وهو خبر عن "أنتم" أو بالعكس وجملة "تقتلون" صلة، أو "هؤلاء" اسم إشارة وجملة "تقتلون" حال.

4 التسهيل ص179.

ص: 1056

قلت: لما كان الأكثر في لفظ الجلالة تعويض الميم عن حرف النداء، لم يذكره مع ما يلزمه الحرف.

وأما المتعجب منه، فلما كان كالمشتقّات لفظا وحكما نحو:"يا للماء" استغنى بذكره عنه.

فإن قلت: إذا كان حرف النداء غير لازم مع لفظ الجلالة؛ لكونه قد يحذف إذا عوض عنه. فما وجه ذكره في التسهيل والكافية مع ما يلزم الحرف؟

قلت: وجهه أنه مما يلزمه الحرف إذا لم يعوض.

فإن قلت: أطلق في اسم الجنس، والمراد إنما هو اسم الجنس المبني للنداء، فإنه محل الخلاف.

فأما اسم الجنس المفرد غير المعين، فقد نص في الكافية وشرحها على أن الحرف يلزمه.

قلت: أجاز بعضهم حذف الحرف منه أيضا نحو: "رجلا خذ بيدي".

فلعله ذهب هنا إلى ذلك، فيكون إطلاقه مرادا.

فإن قلت: وأطلق أيضا في "اسم"1 الإشارة، وهو مقيد بألا يصحب كاف الخطاب، فإن صحبها ففي ندائه مع ثبوت الحرف خلاف، وممن منع السيرافي.

فإن لم يصحبه الحرف، فلا خلاف في جواز ندائه، ذكره في الارتشاف.

قلت: كأنه اعتمد على تقييده بالواقع؛ لقلته.

تنبيه:

قال في الكافية، بعد ذكر لفظ الجلالة والمضمر والمستغاث واسم الإشارة واسم الجنس:

وغير ذي الخمسة ناده بيا

أو غيرها أو أوله تعريا

وذكر في شرحها أن ذلك بإجماع.

1 أ، جـ.

ص: 1057

فقد يقال: يرد عليه المندوب والمتعجب منه.

والجواب: أنه ذكر المندوب قبل ذلك، فقال: وألزم المندوب وا أو لفظ يا، وتقدم الجواب عن المتعجب منه.

والحاصل: أن حرف النداء يجوز حذفه من العلم نحو: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} 1.

والمضاف نحو: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي} ، والموصول نحو:"من لا يزال محسنا أحسن إليَّ"، وأي نحو:"أيها المؤمنون"، والمطول نحو:"خيرا من زيد أقبل".

ويختلف في جواز حذفه من اسم الجنس المبني للنداء، واسم الإشارة، والنكرة غير المقصودة.

ويمتنع مع الأشياء المتقدم ذكرها.

قوله:

وابن المعرَّف المنادى المفردا

على الذي في رفعه قد عُهدا

المعرف: يشمل ما له تعريف قبل النداء نحو: "يا زيد"، وما "حصل"2 له تعريف في النداء نحو:"يا رجل".

أما نحو: "يا زيد" فقيل: باقٍ على علميته، وهو مذهب ابن السراج، وقيل: سلب تعريف العلمية وتعرف بالإقبال، وهو مذهب المبرد والفارسي.

وإلى الأول ذهب المصنف، واحتج بنداء ما لا يمكن سلب تعريفه كاسم الله تعالى واسم الإشارة.

وأما نحو: "يا رجل"، فقيل: تعرف بالإقبال والقصد3، وإليه ذهب المصنف وقيل: بأل محذوفة.

1 من الآية 29 من سورة يوسف.

2 أ، جـ، وفي ب "حدث".

3 قال الصبان 105/ 3: القصد: قصد المنكر بعينه، والإقبال أي: إقبال المتكلم على المنادى، أي: إلقاؤه الكلام نحوه.

ص: 1058

والمراد بالمفرد هنا: ما ليس مضافا ولا شبيها به كما في باب "لا"، فيشمل المثنى والجمع والمركب تركيب مزج.

وقوله:

على الذي في رفعه قد عُهدا

يعني: أنه يبنى على ما كان يرفع به قبل النداء من ضمة ظاهرة نحو: "يا زيد" و"يا رجال" و"يا مسلمات"، أو مقدرة نحو:"يا زيدون".

فإن قلت: ما علة بناء المنادى المفرد؟

قلت: شبهه بالمضمر من نحو: "يا أنت" في التعريف والإفراد، وتضمين معنى الخطاب.

وقيل: إجراؤه مجرى الأصوات، ونسب إلى سيبويه.

تنبيهات:

الأول: قال في التسهيل: ويجوز نصب ما وُصف من معرّف بقصد وإقبال1، وحكاه في شرحه عن الفراء، وأيده بما روي من قوله عليه الصلاة والسلام في سجوده:"يا عظيما يُرجَى لكل عظيم".

وجعل منه2:

أَدَارًا بجُزْوَى هجتِ للعين عَبْرة....

1 التسهيل ص180.

2 قائله: هو ذو الرمة، وهو من الطويل.

وتمامه:

فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق

اللغة: "بجزوى" -بضم الجيم وسكون الزاي وفتح الواو- اسم موضع بعينه، "هجت" حركت، عبرة" العبرة: الدمعة، "فماء الهوى" يعني: الدمع، "يرفض" يسيل بعضه في إثر بعض، "يترقرق" يبقى في العين متحيرا يجيء ويذهب، وقيل: يتدفق.

المعنى: أنه نظر إلى دار بعينها عهد فيها من يحب فهاجت شوقه وحزنه، والدمع يسيل بعضه إثر بعض، أو يبقى في العين متحيرا. =

ص: 1059

فظاهر مذهب البصريين أن النصب في هذا البيت ونحوه؛ لقصد التنكير.

الثاني: ذهب الكسائي والزيادي إلى أن ضمة "يا زيد" ونحوه ضمة إعراب، ونقله ابن الأنباري عن الكوفيين.

الثالث: ذهب بعض الكوفيين، إلى أن نداء المثنى والمجموع على حده بالياء، تشبيها بالمضاف.

قال في البسيط: وهو فاسد؛ لأنه ليس مركبا.

الرابع: إذا ناديت "اثني عشر" و"اثنتي عشرة" قلت: يا اثنا عشر ويا اثنتا عشرة، بالألف.

وقال الكوفيون: يا اثني عشر، ويا اثنتي عشرة -بالياء- إجراء لهما مجرى المضاف.

وأشار بقوله:

وانوِ انضمام ما بنوا قبل الندا

إلى أن ما كان مبنيا قبل النداء، يقدر بناؤه على الضم نحو:""يا سيبويه" و"يا رقاش" و"يا خمسة عشر" و"يا برق نحره""1.

= الإعراب: "أدارا" الهمزة للنداء ودارا نكرة منادى، "بجزوى" جار ومجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: أدارا مستقرة "بجزوى"، هجت "هاج" فعل ماض والتاء فاعل، "للعين" جار ومجرور متعلق به، "عبرة" مفعول به، "فماء" مبتدأ، "الهوى" مضاف إليه، "يرفض" خبره، "أو يترقرق" عطف عليه.

الشاهد فيه: "أدارا" نصب؛ لأنه منادى منكور في اللفظ، لاتصاله بالمجرور بعده ووقوعه في موضع صفته، كأنه قال: أدارا مستقرة بجزوى، فجرى لفظه على التنكير وإن كان مقصودا بالنداء معرفة في التحصيل.

مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 445/ 2، وذكره سيبويه 311/ 2، والشاهد 113 في الخزانة.

1 أ، جـ.

ص: 1060

"ويظهر أثر التقدير في التابع فيجوز"1: "يا سيبويه الظريف" -بالنصب- اتباعا للمحل -وبالرفع- اتباعا للبناء المقدر2.

وإلى هذا أشار بقوله:

.... وليُجْزَ مجرى ذي بناء جُدِّدا

ثم قال:

والمفرد المنكور والمضافا

وشِبْهه انصب عادما خلافا

مثال المفرد المنكور -يعني: الذي لم يقصد به معين- قول الأعمى: "يا رجلا خذ بيدي"، وقوله3:

1 أ، جـ.

2 وإنما لم يجر مراعاة لكسرة البناء؛ لأنها لأصالتها بعيدة عن حركة الإعراب بخلاف الضم، فإنه لعروضه بيا أشبهت حركة الإعراب العارضة بالعامل المتأصلة في المتبوعية، وإطلاق الرفع على حركة التابع فيه مسامحة؛ لأن التحقيق أنها حركة إتباع. هـ 107/ 3 صبان.

3 قائله: هو عبد يغوث بن وقاص، من قصيدة ينوح فيها على نفسه عندما أسرته تيم الرباب.

وتمامه:

نداماي من نجران أن لا تلاقيا

وهو من الطويل.

اللغة: "عرضت" تعرضت، أو أتيت العروض وهو مكان، "نداماي" المؤنس على الشراب، "نجران" بلد باليمن.

المعنى: يندب حظه وينادي الركبان وهو في الأسر، ويقول: إذا بلغتم العروض فبلغوا ندمائي وأحبائي أنه لا تلاقي بيننا، فإننا لا ندري ما الله صانع بنا.

الإعراب: "أيا" حرف نداء، "راكبا" منادى منصوب بالفتحة، "إما" إن شرطية وما زائدة، "عرضت" فعل ماض فعل الشرط، والتاء فاعل، "فبلغن" الفاء واقعة في جواب الشرط، وبلغن فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل جزم جواب الشرط، "نداماي" مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على الألف وياء المتكلم مضاف إليه، "من نجران" متعلق بمحذوف حال من نداماي، "أن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، "لا" نافية للجنس، "تلاقيا" اسمها والألف للإطلاق والخبر محذوف أي: لنا، والجملة في محل رفع خبر "أن" وجملة أن في محل نصب مفعول ثانٍ لبلغن.

الشاهد فيه: أيا راكبا" حيث نصب "راكبا"؛ لكونه نكرة غير مقصودة.

مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 445/ 2، وابن هشام 216/ 3، وابن عقيل 193/ 2، وابن الناظم. وذكره ابن يعيش 128/ 1، وفي الشذور ص107، وفي القطر ص204، وسيبويه 312/ 1، والشاهد 115 في الخزانة.

ص: 1061

أيا راكبا إما عرضت فبلغَنْ

........................

والمضاف نحو: "يا غلام زيد"، والمشبه بالمضاف -ويسمى المطول والممطول- وهو طول بعمل أو عطف نحو:"يا عظيما فضله" و"يا راحما عبده" و"يا لطيفا بالعباد"، ونحو:"يا ثلاثةً وثلاثين" اسم رجل.

فلو ناديت جماعة هذه عدتهم قلت: يا ثلاثة والثلاثون فيمن قال: والحارثُ، والثلاثين فيمن قال: والحارثَ.

وفصل الأخفش فقال: إن أريد بذلك جماعة مبلغها هذا العدد، فلا يجوز إلا نصب الاسمين؛ لأنهما إذ ذاك وقعا على مسمى واحد.

وإن "كان"1 الثلاثة على حدة والثلاثون على حدة، حكم لهما بحكم المعطوف "والمعطوف"2 عليه.

قيل: وينبغي أن يفصل فيما إذا كان كل منهما على حدة بين أن يكون كل منهما مقصودا بالنداء، فالحكم كذلك، وبين أن يقصد ثلاثة مبهمة فينصبا معا.

تنبيه:

لا يطول المنادى بمعموله، إلا إذا كان ملفوظا به، فلا يعتدّ بالضمير المستكن.

"فرعان" على ذلك:

لو قلت: "يا ذاهبُ" لبنيت على الضم؛ لعدم الاعتداد بالضمير.

ولو قلت: "يا ذاهبُ وزيد" فإن عطف على ذاهب فالبناء، أو على الضمير نصبت لعمله في "زيد" بواسطة الحرف.

ومن ثم وجب: "يا مشتركا وزيدا" بالنصب، عطفا على الضمير؛ لعدم استغنائه بواحد.

1 أ، جـ.

2 أ، جـ.

ص: 1062

فإن قلت: كيف قال: "عادما خلافا" مع أن في بعض ذلك خلافا؟

ذهب المازني: أنه لا يتصور وجود للنكرة غير المقبل عليها، وأن ما جاء منونا نحو:

أدارا بجزوى هجت للعين عبرة

ضرورة.

وذهب ثعلب: إلى جواز ضم المضاف الصالح للألف واللام نحو: "يا حسن الوجه".

قلت: أما الأول: فخلاف في وجود قسم، لا في حكمه.

وأما الثاني: فجوابه أن مراده: "عادما خلافا" في صحة النصب، ولم يختلف في صحته، وإن أجاز بعضهم معه الضم في بعض المواضع.

وقوله:

ونحو زيد ضُمَّ وافتحن من

نحو أزيدُ بنَ سعيد لا تهن

يجوز في المنادى المضموم أن يفتح بخمسة شروط:

الأول: أن يكون عَلَما.

الثاني: أن ينعت بابن.

الثالث: أن يضاف الابن إلى علم.

الرابع: ألا يفصل بين ابن وموصوفه.

الخامس: أن يكون المنادى مما يُضم لفظا.

فلو كان غير علم نحو: "يا غلام ابن زيد" أو منعوتا بغير ابن نحو: "يا زيد الكريم"، أو أُضيف الابن إلى غير علم نحو:"يا زيد ابن أختنا"، أو كان المنادى لا تظهر الحركة فيه نحو:"يا عيسى بن مريم" تعين الضم.

وقد جمع هذه الشروط قوله: "أزيد بن سعيد".

فيجوز في "زيد" ضمه على الأصل، وفتحه إتباعا لفتحة "ابن" ولا يعتد بفصل الساكن.

ص: 1063

وقد نص على اشتراط عَلَمية المنادى والمضاف إليه واتصاله بقوله:

والضم إن لم يَلِ الابنُ علمًا

أو يل الابنَ علمٌ قد حُتما

فإن قلت: من أين يفهم اشتراط الاتصال؟

قلت: من قوله: "يَلِ".

فإن قلت: قد أخل بالشرط الخامس.

قلت: هو شرط مختلف فيه، فإن الفراء أجاز في نحو:"يا عيسى بن مريم" تقدير الفتحة والضمة، إلا أن المصنف شرطه في التسهيل1 وأوجب تقدير الضمة، إذ لا فائدة في تقدير الفتحة.

فإن قلت: كان ينبغي أن ينص على أن شرط الفتح في ذلك جعل الابن صفة؛ لأنه لو جعل بدلا أو عطف بيان أو منادى أو مفعولا بفعل مقدر تعيّن الضم، ولا يغني تمثيله عن ذلك؛ لأن المثال يحتمل هذه الأوجه.

قلت: هي احتمالات مرجوحة، وكونه نعتا هو الظاهر، ولو نص على ذلك لكان أولى.

فإن قلت: لم يبيّن أي الوجهين أرجح.

قلت: ذهب المبرد إلى أن الضم أجود، وقال ابن كيسان: الفتح أكثر في كلام العرب.

قيل: والفتح اختيار البصريين.

تنبيهات:

الأول: لا إشكال في أن فتحة "ابن" فتحة إعراب إذا ضم موصوفه، وأما إذا فُتح فمذهب الجمهور أنها أيضا فتحة إعراب، وقال عبد القاهر: هي حركة بناء؛ لأنك ركَّبته مع "زيد".

1 التسهيل ص108.

ص: 1064

الثاني: حكم "ابنة" حكم "ابن" فيما ذكر، فيجوز الضم والفتح في نحو:"يا هند بنةَ زيدٍ" خلافا لبعضهم.

وأما النعت ببنت، فلا أثر له في النداء1.

الثالث: يلحق بالعَلَم نحو: "يا فلانُ بنَ فلان" و"يا ضُلُّ بنَ ضل"2 و"يا سيد بن سيد" ذكره في التسهيل3، وهو مذهب الكوفيين.

ومذهب البصريين في ذلك ونحوه مما ليس بعلم، التزام الضم.

الرابع: أجاز الكوفيون فتح المنعوت بغير "ابن"، إذا كان المنعوت مفردا نحو:

يا زيد الكريم" وأنشدوا4

1 نحو: "يا هند بنت عمرو" واجب الضم.

2 ضل -بضم الضاد- علم جنس لمن لا يعرف هو ولا أبوه.

3 التسهيل ص180.

4 قائله: هو جرير بن الخطفي، من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز، وهو من الوافر.

وتمامه:

فما كعب بن مامة وابن سعدى

بأجود منك...............

اللغة: "كعب بن مامة" هو كعب الإيادي الذي يضرب به المثل في الإيثار؛ لأنه آثر رفيقه في السفر بالماء حتى مات عطشا، ومامة: اسم أمه، "ابن سعدى" هو أوس بن حارثة، وسعدى: اسم أمه.

الإعراب: "فما" نافية حجازية، "كعب" اسمها، "ابن مامة" صفة ومضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، "وابن سعدى" معطوف عليه ومضاف إليه، "بأجود" الباء زائدة وأجود خبر ما، "ومنك" متعلق بأجود، "يا" حرف نداء، "عمر" منادى مبني على الفتح، "الجوادا" صفته.

الشاهد فيه: "يا عمر الجواد" حيث إن "عمر" منادى مبني على الفتح، وقد وصف بغير "ابن" وهو "الجوادا".

مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 447/ 2، وابن هشام 230/ 3، وذكره السيوطي في الهمع 176/ 1.

ص: 1065

.............

يا عمرَ الجوادا

بالفتح.

وخرج على وجهين: أحدهما: أن أصله "يا عمرا" -بالألف- عند من يجيز إلحاقها من غير الندبة والاستغاثة والتعجب.

والآخر: أصله "عمرًا" -بالتنوين- ضرورة، ثم حذفه؛ لالتقاء الساكنين.

الخامس: حكى الأخفش عن بعض العرب: "يا زيدُ بنُ عمرو" بضم النون، إتباعا لضمة الدال.

وقوله:

واضمم أو انصب ما اضطرارا نُوِّنا

مما له استحقاق ضم بُيِّنا

الذي يستحق البناء على الضم هو المعرفة، فإذا اضطر شاعر إلى تنوينه جاز له فيه وجهان:

أحدهما: الضم، تشبيها بمرفوع، اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف.

والثاني: النصب، تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين.

وكلاهما مسموع من العرب.

والضم اختيار الخليل وسيبويه، والنصب اختيار أبي عمرو وعيسى ويونس والجرمي والمبرد.

قال المصنف: وعندي أن بقاء الضم راجح في العلم، والنصب راجح في النكرة المعينة؛ لأن شبهها بالمضمر أضعف.

وقوله:

وباضطرار خُص جمع يا وأل

إلا مع الله ومحكِيِّ الجُمَل

ص: 1066

يعني: أن الجمع بين حرف النداء وحرف التعريف مخصوص بالضرورة كقوله1:

فيا الغلامان اللذان فرا

...................

إلا في موضعين:

أحدهما: "مع"2 الله، فيجوز "يا الله" بوصل الهمزة وقطعها؛ للزوم أل لهذا الاسم حتى صارت بمنزلة الحروف الأصلية.

والآخر: ما سمي به من الجمل المصدّرة بأل نحو: "يا المنطلق زيد" -في رجل مسمى بذلك- نص عليه سيبويه.

تنبيه:

قاس المبرد ما سمي به من موصول مصدر بأل على الجملة نحو: "يا الذي قام"، قال في شرح التسهيل: وهو قياس صحيح. انتهى. ونص سيبويه على منعه. فإن قلت: أهمل هنا موضعا ثالثا ذكره في التسهيل3 وهو اسم الجنس المشبه به نحو:

1 قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من السريع.

وتمامه:

إياكما أن تعقبانا شرا

وروي بدل "تعقبانا": تكسبانا، وفي الإنصاف: تكسباني.

الإعراب: "فيا" حرف نداء، "الغلامان" منادى مبني على الألف في محل نصب، "اللذان" صفة لقوله "الغلامان" باعتبار اللفظ، "فرا" فعل ماض وألف الاثنين فاعل، والجملة لا محل لها صلة الموصول، "إياكما" منصوب على التحذير لفعل مضمر وجوبا تقديره: احذر، "أن" مصدرية، "تعقبانا" فعل مضارع منصوب بحذف النون وألف الاثنين فاعل ونا مفعول أول، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بمن مقدرة، "شرا" مفعول ثانٍ.

الشاهد فيه: "فيا الغلامان" حيث جمع بين حرف النداء وأل في غير اسم الله تعالى.

مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 449/ 2، وابن عقيل 197/ 2، والمكودي ص126، والسيوطي ص102، وذكره في الهمع 174/ 1.

وذكره ابن يعيش 9/ 2، وابن الأنباري في الإنصاف 208/ 1، والشاهد 129 في الخزانة.

2 أ، جـ.

3 التسهيل ص181.

ص: 1067

"يا الأسدَ شدةً"1.

قلت: إنما لم يذكره هنا لأن مذهب الجمهور منعه، والجواز مذهب ابن سعدان في شرح التسهيل، وهو قياس صحيح؛ لأن تقديره: يا مثلَ الأسد، فحسن لتقدير دخول "يا" على غير الألف واللام.

وأجاز الكوفيون والبغداديون دخول حرف النداء على ما فيه "أل" مطلقا، ولا حجة لهم في نحو:"يا الغلامان" لأنه ضرورة.

وقوله:

والأكثر اللَّهُمَّ بالتعويض

يعني: أن الأكثر في نداء هذا الاسم الشريف تعويض الميم المشددة في آخره عن حرف النداء، فيقال:"اللهم" وهذا من خصائصه.

ثم قال:

وشذ يا اللهم في قريض

وجه شذوذه أن فيه جمعا بين العِوَض والمعوَّض، ومنه قوله2:

1 قال المصنف، وتبعه البعض: الظاهر أنه من الشبيه بالمضاف؛ لأن شدة تمييز. هـ 111/ 3 صبان.

2 قائله: هو أبو خراش الهذلي، وقيل: لأمية بن أبي الصلت، وهو من الرجز.

اللغة: "حدث" -بفتحتين- وهو الأمر الذي يحدث من مكاره الدنيا، "ألما" نزل.

المعنى: يريد أنه إذا نزلت به حادثة، أو أصابه مكروه؛ لجأ إلى الله تعالى في كشف ما ينزل به.

الإعراب: "إني" حرف توكيد ونصب وياء المتكلم اسمه، "إذا" ظرف يتعلق بأقول الآتي، "ما" زائدة، "حدث" فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، "ألما" فعل ماض والألف للإطلاق والفاعل ضمير مستتر فيه، "أقول" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة في محل رفع خبر إن، "يا" حرف نداء، "اللهم" منادى مبني على الضم في محل نصب، والميم المشددة زائدة.

الشاهد فيه: "يا اللهم يا اللهم" حيث جمع بين حرف النداء والميم المشددة التي يؤتى بها للتعويض عن حرف النداء، فجمع بين العوض والمعوض عنه.

مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني 449/ 2، وابن هشام 235/ 3، وابن عقيل 197/ 2، وابن الناظم، والمكودي ص126، والسيوطي ص102، وفي همعه 178/ 1. وذكره ابن يعيش 16/ 2، وابن الأنباري في الإنصاف 212/ 1، والشاهد 130 في الخزانة.

ص: 1068

إني إذا ما حَدَثٌ ألمّا

أقول يا اللهم، يا اللهما

تنبيهات:

الأول: مذهب الكوفيين أن الميم في "اللهم" بقية جملة محذوفة وهي: "أمّنا بخير"، وليست عوضا عن حرف النداء؛ فلذلك أجازوا الجمع بينهما في الاختيار.

الثاني: شذ أيضا حذف "أل" منه كقوله1:

لاهُمَّ إن كنت قَبِلت حجتج

..............

وهو في الشعر كثير.

الثالث: قال في الارتشاف: لا يستعمل "اللهم" إلا في النداء، وشذ استعماله في غير النداء.

1 قائله: هو رجل من اليمانيين، وهو من الرجز.

وتمامه:

فلا يزال شاحج يأتيك بِجْ

اللغة: "حجتج" الأصل: حجتي، بإبدال الجيم من الياء، وهي جعجعة قضاعة، "شاحج" البغل الذي يشحج، أي: يصوِّت، "بج" أي: بي.

المعنى: يريد: يا اللهم إن كنت قبلت حجتي، فلا يزال بي شاحج هذه صفته.

الإعراب: "لاهم" منادى حُذف منه حرف النداء وعوض عنه الميم، "إن" شرطية، "كنت" فعل ماض فعل ناقص وهو فعل الشرط والتاء اسمه، "قبلت" فعل وفاعل، "حجتج" مفعول به مضاف إلى الياء التي انقلبت جيما، وجملة قبلت في محل نصب خبر كان، "فلا يزال" الفاء واقعة في جواب الشرط ولا نافية ويزال من أخوات كان، "شاحج" اسم زال، "يأتيك" فعل مضارع والفاعل ضمير والكاف مفعول، والجملة في محل نصب خبر زال، "بج" جار ومجرور متعلق بيأتي.

الشاهد فيه: "لاهم" حيث حذف "أل" من اللهم شذوذا.

مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية 449/ 2، والسيوطي في الهمع 155/ 1.

ص: 1069

قلت: أنشد الفراء لبعض العرب1:

كحلفة من أبي رِيَاح

يسمعها لاهم الكبار

وفيه شذوذان:

أحدهما: استعماله في غير النداء؛ لأنه فاعل يسمعها.

والثاني: تخفيف ميمه.

الرابع: إذا قلت: "اللهم" ففي جواز وصفه خلاف؛ منعه سيبويه والخليل، قال بعضهم: لأنه لما اتصلت به الميم صار بمنزلة صوت كقولك: "يا هناه"، وأجازه المبرد والزجاج.

الخامس: قال في النهاية: استعمل "اللهم" على ثلاثة أنحاء:

1 قائله: قال العيني: أنشده الفراء ولم يبين قائله، وقيل: الأعشى، وهو من البسيط.

اللغة: "كحلفة" كيمين، "أبي رياح" كناية عن رجل من بني ضبيعة واسمه حصن بن عمرو، "يسمعها" روي بدلها "يشهدها"، "الكبار" -بضم الكاف وتخفيف الباء- صيغة مبالغة للكبير، بمعنى العظيم.

قال البغدادي: وإنشاد العامة: "يسمعها لاهه الكبار" وقال: أورده جماعة من النحويين منهم المرادي في شرح الألفية: "يسمعها لاهم الكبار".

وقد ذكر في العين، وفي همع الهوامع:"يسمعها اللهم الكبار".

وكان أبو رياح قد قتل رجلا من بني سعد بن ثعلبة، فسألوه أن يحلف أو يعطي الدية، فحلف ثم قتل بعد حلفته، فضربه العرب مثلا لما لا يغني من الحلف.

الإعراب: "كحلفة" الكاف للتشبيه وحلفة مجرور بالكاف والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: حلف كحلف أبي رياح، "من" حرف جر، "أبي" مجرور بمن، "رياح" مضاف إليه، والجار والمجرور صفة للحلفة تقديره: كحلفة كائنة من أبي رياح، "يسمعها" يسمع فعل مضارع وها مفعول به، "لاهم" فاعله، "الكبار" صفته.

الشاهد فيه: "لاهم" حيث استعمل "اللهم" في غير النداء.

مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع 178/ 1، والشاهد 125 في الخزانة.

ص: 1070

أحدها: أن "يراد به"1 النداء المحض، كقولهم:"اللهم أمنا".

والثاني: أن يذكره المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع، يقول لك القائل:"أزيد قائم؟ " فتقول: اللهم نعم، أو اللهم لا.

الثالث: أن تستعمل دليلا على الندرة وقلة وقوع المذكور، كقوله:

"أنا أزورك اللهم إذا لم تدعُني".

ألا ترى أن وقوع "الزيارة"2 مقرونا بعدم الدعاء قليل؟ انتهى.

1 ب، جـ، وفي أ "مرادا به".

2 ب، وفي أ، جـ "الزيادة".

ص: 1071