المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌سُوْرَةُ الحَجِّ

- ‌(من أحكام البيت الحرام)

- ‌(من أحكام الحج)

- ‌سُوْرَةُ النُّورِ

- ‌(من أحكام الحدود)

- ‌(من أحكام السلام والاستئذان)

- ‌(من أحكام النظر)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام الاستئذان)

- ‌سُورَةُ القَصَصِ

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌سُورَةُ الأَحْزَابِ

- ‌(من أحكام المواريث والولاية)

- ‌(من أحكام الطلاق)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام الاستئذان)

- ‌(من أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(من أحكام اللباس)

- ‌سُورَةُ ص

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌سُورَةُ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌سُورَةُ الفَتْحِ

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌سورة الحجرات

- ‌(من أحكام الأضحية)

- ‌(من أحكام الردة)

- ‌(من أحكام الشهادات)

- ‌(من أحكام البغاة)

- ‌(آداب وفضائل)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌سورة النجم

- ‌(من أحكام النيابة في العبادات)

- ‌سورة الواقعة

- ‌(من أحكام مس المصحف)

- ‌سورة المجادلة

- ‌(من أحكام الظهار)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌سورة الحشر

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌سورة الممتحنة

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الطلاق)

- ‌سورة الجمعة

- ‌(من أحكام صلاة الجمعة)

- ‌سورة الطلاق

- ‌(من أحكام الطلاق)

- ‌سورة التحريم

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌سورة المزمل

- ‌(من أحكام قيام الليل)

- ‌تراجم الأعيان في تيسير البيان

الفصل: ‌(من أحكام الحج)

(من أحكام الحج)

195 -

(2) قوله عز وجل: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].

" فيه دَلالةٌ على تَفْضيلِ المَشْي على الرُّكوبِ في الحَجِّ؛ لتقديمِه عليهِ في الذّكْرِ.

وبهِ قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ؛ كمالكٍ، والشافعى في أحدِ قولَيْه، وهوَ المُختارُ عندي وِفاقاَ لأبي قاسمٍ الرافعىِّ (1).

لتقديمِ اللهِ سبحانَهُ لهُ في الذِّكْرِ.

ولما رَوى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- أنه قالَ لبنيه: يابني! اخرجوا من مَكَّةَ حاجّينَ مُشاةً؛ فإني سمعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول "إن للحاجِّ الراكبِ بكل خُطْوَةِ تَخْطوها راحلتُهُ سبعين حسنةَ، والماشي بكل خطوةٍ يَخْطوها سبعُ مئةِ حسنةٍ"(2).

(1) انظر: "الأم" للشافعي (2/ 116)، و "المجموع" للنووي (7/ 59)، و"روضة الطالبين" للنووي (3/ 319)، و "مغني المحتاج" للشربيني (4/ 363)، وأما عند الإمام مالك فالركوب أفضل، انظر:"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12/ 39 - 40)، و "مواهب الجليل" للحطاب (2/ 540).

(2)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(12522)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"(10/ 54)، والديلمي في مسند "الفردوس"(789).

ص: 14

ولما فيه من العَناءِ والنَّصَبِ، وقد قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعائشةَ لما أَعْمَرَها مِنَ التَّنْعيمِ:"ولكنها على قَدْرِ عَنائِكِ ونَصَبِك"(1).

ولكونه وردَ عن السلف الصالح -رحمَهُم اللهُ تَعالى- فعلُه والترغيبُ فيه، وحُكِيَ من فعلِ النبيّ إبراهيمَ وإسماعيلَ -عليهما الصلاةُ والسلامُ-.

فإن قلتَ: فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يَحُجَّ إلا راكباً، وقد قالَ:"خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ"(2)، وهو يدلُّ على أن الركوبَ أفضلُ كما قالَ بهِ بعضُ العلماءِ، والشافعيُّ في القولِ الأخيرِ، واختارَهُ النَّواوِيُّ (3)، ولما فيهِ من بَذْلِ النفقةِ، وقد قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة:"ولكنها على نَصَبِكِ، أو قال: نَفَقَتِكِ"(4).

قلنا: إنما حجَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم راكبًا حتى يظهر ليقتدى (5) به ويستفتى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ"(6). فالركوبُ في حَقّهِ أَفْضَلُ منَ المَشْيِ (7)؛ لعُمومِ المصلحةِ بركوبه صلى الله عليه وسلم.

ورُوي عنْ أبي حنيفةَ كراهَةُ المَشْيِ (8).

ولَفا رأى بعضُ المتأخرينَ من أَصْحابِه ما فيه منَ البُعْدِ، حَمَلَهُ على مَنْ يسوءُ خُلُقُهُ بالمشيِ، ويُجادِلَ رفيقَه، أو يَجْمَعُ بينَ الصَّوْمِ والمَشْيِ.

(1) رواه ابن خزيمة في "صحيحه"(3027)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 331)، عن عائشة.

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

انظر: "المجموع" للنووي (8/ 383)، و"روضة الطالبين" للنووي (3/ 319).

(4)

تقدم تخريجه.

(5)

في "ب": "فيقتدى".

(6)

تقدم تخريجه.

(7)

في "ب": "والركوب أفضل في حقه من مشيه".

(8)

انظر: "شرح فتح القدير" للكمال بن الهمام (3/ 171)، و"حاشية رد المحتار" لابن عابدين (2/ 461).

ص: 15

196 -

197 (3 - 4) قوله عز وجل: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 28 - 29].

أقول: اشتملتْ هاتانِ الآيتانِ على جُمَلٍ من الأَحْكامِ:

الجملةُ الأولى: المنافعُ المشهودَةُ.

قال الواحِدِيُّ: أكثرُ المفسرينَ جعلوها منافعَ الدنيا التي هي التجارةُ والأرزاقُ، وهو قولُ السُّدِّيُّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ عَبّاسٍ في روايةِ أبي رَزينٍ (1)، فدلَّ على جَوازِ التجارةِ كقوله تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198].

ومنهُمْ من خَصَّها بمنافعِ الآخِرَةِ، وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيّبِ والعَوْفِيِّ، واختيارُ الزَّجَّاجِ.

ومنهم مَنْ عَمَّمَها فيهما، وهو قولُ مجاهدٍ، وروايةُ عطاءٍ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم- (2).

الجملة الثانية: اختلفوا في الأيامِ المعلومات.

فقال الحَسَنُ ومُجاهدٌ، وابنُ عباسٍ في روايةِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: هيَ الأيامُ العَشْرُ، وقيلَ لها: المعلوماتُ تَحْريضاً على عِلْمِها؛ لأنها وقتُ الحَجِّ، وآخرُها يومُ النَّحْرِ، وبه أخذَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ (3).

(1) انظر: "تفسير الطبري"(17/ 146 - 147)، و"الدر المنثور" للسيوطي (6/ 37).

(2)

انظر: "تفسير الطبري"(17/ 147)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12/ 41)، و "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 37).

(3)

انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (4/ 255)، و"التفسير الكبير" للرازي =

ص: 16

ويدلُّ له (1) قولهُ صلى الله عليه وسلم: "ما العَمَلُ في أيامٍ أَفْضَلَ منها في هذهِ" قالوا: ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟ قال: "ولا الجهادُ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِر بِنَفْسِه ومالِهِ، فلم يَرْجِعْ بشيءٍ"(2).

وقال ابنُ عباس في روايةِ عطاءٍ: يريدُ أيامَ الحَجِّ، وهوَ يومُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ وأيامُ التشريقِ، واختارَ الزَّجّاجُ (3).

وقال الضَّحّاكُ: يومُ الترويةِ وعرفةُ ويومُ النَّحْر.

وقالَ مالِكٌ: يومُ النحرِ، ويومانِ بعدَهُ، فيومُ النحرِ معلومٌ عندَهُ، وليسَ بمعدودٍ، وثالثُ أيامِ التشريقِ معدود، وليس بمعلومٍ، واليومانِ اللَّذانِ بينَهُما معلومانِ مَعْدودان (4).

الجملة الثالثة: خصَّ اللهُ سبحانَهُ الأيامَ المَعْلوماتِ بالذِّكْرِ، وجعلَها ظَرْفاً لذكرِه على بَهيمَةِ الأنعامِ، ومفهومُ التَّخْصيصِ أنّهُ لا يكونُ في غَيْرِها.

= (23/ 26)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (4/ 366)، و"المجموع" للنووي (8/ 273)، و"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 506)، و"الكشاف" للزمخشري (3/ 154)، و"أحكام القرآن" للجصاص (5/ 66 - 67)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 196)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (3/ 3)، و"الدر المنثور" للسيوطي (6/ 38).

وهو مذهب الحنابلة، انظر:"المغني" لابن قدامة (2/ 126).

(1)

في "ب ": "عليه".

(2)

رواه البخاري (926)، كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق، عن ابن عباس.

(3)

انظر: "تفسير الطبري"(2/ 302)، و"معالم التنزيل" للبغوي (3/ 284)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (3/ 2)، و"الدر المنثور" للبغوي (6/ 37).

(4)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 244)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 319)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (3/ 2).

ص: 17

وبهذا أخذَ كثيرونَ (1)، أَوِ الأَكْثَرونَ.

فَمْن قال: هي العَشْرُ، وآخِرُها يومُ النَّحْرِ، أو يومُ التَّرْوِيَةِ وعرفةُ ويومُ النَّحْرِ، قالَ باختصاصِ التَّضْحِيةِ بِيومِ النَّحِر، وبه قالَ محمدُ بنُ سيرينَ (2).

ومن هؤلاءِ مَنْ جَوَّزَ التَّضحِيَةَ في غيرِ يومِ النَّحْرِ لدليلٍ آخرَ يأتي ذكرُه يدلُّ على تَرْكِ التخصيصِ.

ومن قالَ: يومُ النحرِ ويومانِ بعدَهُ، خَصَّصَ التضحِيَةَ بهذه الأَيام، وبهذا قال مالِكُ وأحمدُ، وروي عن عمرَ وابنِ عمرَ وأنَسٍ، وكَذا عن عَلِيٍّ في رِوايَةِ مُنْقَطِعَةِ -رضي الله تعالى عنهم- (3).

وذهب الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ، وداودُ إلى جوازِ التضحيةِ في يومِ النحرِ، وفي أيامِ التشريقِ، وهو قولُ عَلِي، وابنِ عباسٍ، وجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وعطاء، والحَسَنِ، ومكحولٍ، وطاوسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- (4).

فمنْ هؤلاءِ مَنْ ذهبَ إلى هذا؛ لأنَّ الأيامَ المعلوماتِ عندَهُ يومُ النحرِ وأيامُ التشريقِ.

ومنهم مَنْ ذهبَ إلى هذا، وإن كانتِ المعلوماتُ عندَهُ هيَ العشرُ؛ لما

(1) في "ب": " الكثيرون".

(2)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 244)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 319)، و "المغني" لابن قدامة (9/ 359).

(3)

(127) انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 244 - 245)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12/ 43)، و "المغني" لابن قدامة (3/ 221)، و (9/ 358 - 359).

(4)

انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (7/ 235)، و"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 282)، و"أحكام القرآن" للجصاص (5/ 67 - 68)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12/ 43 - 44).

ص: 18

رَوى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِم -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال "كُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنْحرٌ، وكُلّ أَيامِ التشريقِ ذَبْحٌ"(1).

قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ؛ يجوزُ لأهلِ الأمصارِ يومَ النَّحْرِ خاصَّةً، ولأهل القرى يَوْمَ النَّحْرِ وأيامَ التشريقِ (2).

وقال جماعةٌ: يجوزُ في جميعِ ذي الحِجَّةِ، واستدلُوا بأحاديثَ مُنْقَطعةٍ لا تقومُ بمثلِها حُجَّةٌ.

وأجمعوا على أَنَّهُ لا يجوزُ الذَّبْحُ في هذهِ الأيامِ حتى يكونَ يومُ النحرِ (3).

* وذِكرُ اللهِ تَعالى في هذهِ الأيامِ على بَهيمَةِ الأنعامِ يكونُ بالتَّكبيرِ عندَ رؤيتها تُعْجِبُهُ (4)، وذكره في يوم النَّحْر النَّحْرُ والتسميةُ والتكبيرُ على الذبيحة.

* وأجمعوا على أن الذبحَ قبلَ الصلاةِ من يومِ النحرِ لا يجوزُ؛ لقولهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فإنما هيَ شاةُ لَحْمٍ"(5).

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 82)، والبزار في "مسنده"(3444)، وابن حبان في "صحيحه"(3854)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 295)، لكن بلفظ "فجاج منى" بدل "فجاج مكة". وقد رواه أبو داود (2324)، والدارقطني (2/ 163)، وغيرهما، عن أبي هريرة، بلفظ " .. وكل فجاج مكة منحر".

(2)

انظر: "شرح مسلم" للنووي (13/ 111).

(3)

انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: 57).

(4)

في "ب": "مَعْجِبَة".

(5)

رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 173)، عن جندب بن سفيان، بهذا اللفظ. وقد رواه البخاري (940)، كتاب: العيدين، باب: كلام الإمام والناس في خطبة العيد، عن البراء بن عازب بلفظ:" .. ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم".

ص: 19

* واختلفوا في جوازِهِ بعدَ الصَّلاةِ وقبلَ ذَبْح الإمامِ.

وسيأتي الكلامُ عليهِ في أَوَّلِ "سورةِ الحُجُراتِ" -إن شاءَ الله تَعالى-.

ثم اختلفوا هَلْ يَخْتَصُّ الذبحُ بالنَّهارِ في الأيام المعلوماتِ، أو يجوزُ بالليل؟ فالمشهورُ عن مالكِ وأصحابِه أنه لا يجوز الذبحُ بالليلِ، وبه قالَ أحمد في روايةِ عنه (1)، لأنَّ اسمَ اليوم لا يتناولُ الليلَ؛ بدليلِ قولهِ تعالى:{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة: 7].

وخالفه الباقون كأبي حنيفةَ وأحمدَ والشافعي (2)، ولهم أن يقولوا: اسمُ اليومِ يتناولُ الليلَ؛ بدليلِ قولهِ تعالى: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} (3)[هود: 65].

وإن سلموا، فدلالةُ الأيامِ على اختصاصِ النهارِ المتخلّلِ بينَ الليالي دُونَ الليالي دَلالةٌ (4) ضعيفة لم يعتبرْها من أهلِ الأُصولِ إلَّا الدَّقَّاقُ؛ لأنها مفهومُ لقبِ غير مشتق.

وللمالكيةِ أن يقولوا: الأصلُ في هذهِ العباداتِ التي هيَ شعائرُ اللهِ تعالى التوقُّفُ، فَيُتَمَسَّكُ بمحَل الاتفاق حتى يقومَ الدليلُ على الجَواز، ثمَّ اشتقاقُ اسمِ الذبيحةِ منِ اسمِ الوقتِ الذي يفعلُ فيه يدلُّ على اختصاصهِا بالنهار، والله أعلم.

(1) انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 246 - 247)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12/ 44)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 126)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 359).

(2)

انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 75)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 359)، و"روضة الطالبين" للنووي (3/ 200)، و"المحلى" لابن حزم (7/ 379).

(3)

في "ب" زيادة: "ذلك".

(4)

"دلالة" ليست في "ب".

ص: 20

الجملة الرابعة: خصَّ اللهُ سبحَانَهُ بَهيمَةَ الأنعام بالذِّكْرِ دونَ غَيْرِها منَ البهائِمِ.

وقد أجمعَ المسلمونَ على ذلكَ، وحكى ابنُ المُنْذِر عن الحَسَنِ بنِ صاِلحٍ أنه جَوَّزَ التضحيةَ ببقرةِ الوَحْشِ عن سَبْعٍ (1)، والظَّبْيِ عن واحِدٍ، ووافقه داودُ في بقرِ الوَحْشِ (2).

وأما ذكرُ اسمِ اللهِ تَعالى عليها: فقد قَدَّمْتُ اخْتِلافَ العُلَماء فيه، والمُخْتارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لا واجِبٌ.

وصِفَتُه هُنا عندَ الشافعيةِ وجماعةٍ من أهلِ العلمِ أن يقولَ: بسم الله، والله أكبر، اللهمَّ منكَ وإليكَ، اللهمَّ تقبلْ مني (3).

وكرهَ أبو حنيفةَ الدُّعاءَ (4)، وكرهَ مالكٌ قولَ: اللهمَّ منكَ وإليك، وقال: هو بِدْعَهٌ (5).

الجملة الخامسة: أمر اللهُ سبحانَهُ بالأَكلِ والإطعام منها، وكذلك أمرَ بهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في هذهِ الأُضْحِية، فقال؛ "إنَّما نهيَتكم منْ أجلِ الدَّافَّةِ التي دفَّت عليكُم، فكلوا وتصدَّقوا وادَّخِروا" أوجب (6) وأمرَ في هَدْيِهِ الذي

(1) في "ب": "سبعة".

(2)

انظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 370).

(3)

انظر: "الأم" للشافعي (2/ 240)، و "المجموع" للنووي (8/ 303)، و"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 273)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 361).

(4)

انظر: "الهداية" للمرغيناني (4/ 64)، و "بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 60).

(5)

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12/ 66).

(6)

رواه مسلم (1971)، كتاب: الأضاحي، باب: بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، عن عبد الله بن واقد.

ص: 21

أهداهُ أن يُؤْخَذَ من كُلِّ جزورِ بَضْعَةٌ، فطُبختْ، ثم أكلَ من لحمِها، وحسا من مَرَقِها (1).

فأما الأكلُ، فحملَهُ جمهورُ أهلِ العلمِ على الاستحبابِ (2)، وحكي عن بعضِ السَّلَفِ أنهُ واجبٌ (3) الأَكْلُ منها حَمْلًا للأمرِ على حقيقتِه، واقتداءَ بفعلهِ صلى الله عليه وسلم (4)، والحِكْمَةُ فيه مُخالَفَةُ الجاهِلِيَّةِ في تَحَرُّجِهِم من أكلِ ذبائِحِهم، وبهذا قالَ أبو الطيبِ بنُ سلمةَ من الشافعيةِ (5).

وأما الإطعامُ، فحمله ابنُ سريج من الشافعيةِ على الاستحبابِ، والصحيحُ عندَهم إطلاقُ الوُجوب، فيجبُ أن يتصدقَ بما يقعُ عليهِ اسمُ الصدقة (6).

واختلفَ قولُ الشافعيِّ في القَدْرِ المُسْتَحَبِّ؛ لإطلاقِه في الكتاب والسُّنَةِ، فقالَ في أَحَدِ القولين: يتصدقُ بالنصفِ؛ استئناساً بقوله: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28].

[وقال في الآخر: يتصدق بالثلثين (7)، استئناسًا بقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} (8) [الحج: 36]، وهذا في هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وأما

(1) رواه ابن أبي حاتم عن جابر بنحوه كما في "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 39).

(2)

انظر: "الاستذكار"(5/ 233 - 234).

(3)

"أوجب" ليس في "أ".

(4)

انظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 270).

(5)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 117).

(6)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 68)، و "المجموع" للنووي (8/ 306)، و "مغني المحتاج" للشربيني (4/ 291).

(7)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 116 - 117)، و"المجموع" للنووي (8/ 306)، و"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 290).

(8)

ما بين معكوفتين ليس في "ب".

ص: 22

الهَدْيُ الواجِبُ كَهَدْيِ الجُبْرانِ وهَدْيِ الكَفَّارَةِ والأُضْحِيَةِ المَنْذُورةِ، فَلا يجوزُ الأكلُ منها.

وقد انتهى القولُ بنا في بيانِ حُكْم الأضحيةِ جِنْساً ووَقَتْاً، ابتداءً وانتهاءً، وأما بيانُ صِفَتِها، فسيأتي -إنْ شاء اللهُ تعالى-.

الجملة السادسة: أَمَرَهُمُ الله سبحانه بقَضاءِ التَّفَثِ، وهو الوَسَخُ والقَذارَةُ من طولِ الشَّعْرِ والأَظْفارِ والشَّعَثِ (1)، قال الشاعرُ (2):[البحر البسيط]

جَفَوا رُؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثاً

ويَنْزِعُوا عَنْهُمُ قَمْلاً وصِئْبانا

وقال مالِكُ رحمه الله: التَّقَثُ: حَلْقُ (3) الشَّعْرِ، ولُبْسُ الثّيابِ، وما يَتْبَعُ ذلكَ (4).

وقد اختلفَ العلماءُ في حقيقةِ هذا الأمرِ: فمنهم من حَمَلَهُ على حقيقتِه، وقال: الحِلاقُ نُسُكٌ، وبهِ قالَ مالِكٌ، وهو الصحيحُ من قَوْلَيِ الشافعيِّ.

ومنهم من حَمَلهُ على الإباحَة؛ لتقدُّم الحَظْرِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ في القولِ الآخرِ (5).

(1) انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (1/ 191)، و"لسان العرب"(2/ 125) مادة (تفث).

(2)

هو لأمية بن الصَّلتِ، البيت (14) من قصيدة:

الحمدُ لله ممسانا ومصبحنا

بالخير صَبَّحَنَا ربي ومسانا

(3)

في "ب": "حلاق".

(4)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (4/ 315).

(5)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (4/ 313 - 314)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 269)، و"المجموع" للنووي (8/ 151)، و"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 505)

ص: 23

وترتيبُ قضاءِ التفثِ على الذبحِ يحتملُ أن يكونَ للاستحبابِ، ويحتملُ أن يكونَ للوجوبِ.

قال مالكٌ: الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا أن أَحَداً لا يَحْلِقُ رأسَهُ، ولا يأخذُ من شَعْرِهِ حتى ينحرَ هَدْياً إن كانَ معهُ، ولا يحلُّ من شيءٍ حَرُمَ عليهِ حتى (1) يَحِلَّ بمنًى يومَ النَّحْرِ، وذلكَ أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قال:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (2)[البقرة: 196]، وقَد قَدَّمْتُ الكلامَ على هذا في "سورة البقرة" عند هذه الآية (3).

الجملة السابعة: أَمَرَهُمُ اللهُ تعالى بإيفاءِ النُّذورِ، والأَمْرُ فيهِ للوجوبِ.

وعلى وُجوبِ الوفاءِ بالنذرِ أجمعَ المُسلمونَ (4)، وبوَفائه مدَحِ اللهُ سبحانَه عبادَه الصالحينَ، فقال:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7]، وذمَّ على ترْكِهِ المنافقينَ، فقال:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} [التوبة: 75] الآيات.

وذِكْرُ اللهِ سبحانَهُ لَهُ بلفظ الجَمْعِ:

يحتملُ أن يكونَ تَعْظيماً لشأنه، ولهذا قالَتْ عائشةُ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: إن النذرَ شَأْنُهُ عظيمٌ.

ويحتملُ أن يكونَ لكثرةِ أنواعِه وأقسامِه، فإنه ينقسمُ إلى مُطْلَقٍ وإلى مُعَلَّقٍ، فالمُطْلَق هو الخارِجُ مخرجَ الخَبَرِ ينقسمُ إلى مُصَرَّحٍ فيه بالمَنْذورِ، وإلى غيره.

(1)"حتى" ليست في "أ".

(2)

انظر: "الموطأ" للإمام مالك (1/ 395).

(3)

"عند هذه الآية" ليس في "أ".

(4)

انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 110).

ص: 24

فالمصرَّحُ فيهِ بجهةِ النَّذْرِ كقوله: (عَلَيَّ للهِ نَذْرٌ أَنْ أَحُجَّ)، وهذا لازمٌ عندَ الجمهورِ، وللشافعيةِ وَجْهُ أنه لا يصحُّ (1)، وأظنُّه قولَ بعضِ السلف.

والثاني كقوله: (للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ).

وقد اختلفوا في الواجبِ عليه، فقال الكثيرُ منهم: في ذلكَ كفارةُ يمينٍ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كفَّارةُ النَّذْرِ كفّارَةُ يمَينٍ"(2).

ولما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَذَرَ وسَمَّى، فعليه ما سَمَّى، ومَنْ لَمْ يُسَمِّ، فعليهِ كفارةُ يَمينٍ"(3)، وبهذا قال مالكٌ (4).

وقال قوم: فيه كفارةُ الظِّهارِ.

وقال قومٌ: أقلُّ ما يقعُ عليه الاسمُ من القُرَبِ من صيامِ يومٍ أو صلاةِ رَكْعتينِ (5).

(1) انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (6/ 274)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 469)، و"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 362 - 363).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

رواه أبو داود (3322)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر نذراً لا يطيقه، وابن ماجه (2128)، كتاب: الكفارات، باب: من نذر نذراً ولم يسمه، والطبراني في "المعجم الكبير"(12169)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 72)، عن عبد الله بن عباس، بلفظ:"من نذر نذراً لم يسمه، فكفارته كفارة يمين".

(4)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 311)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 166)، و"مواهب الجليل" للحطاب (3/ 269).

وهو مذهب الحنابلة والحنفية، انظر:"المغني" لابن قدامة (10/ 68)، و"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (3/ 473)، و"كشاف القناع" للبهوتي (6/ 274)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (3/ 7).

(5)

وإليه ذهب القاضي حسين من الشافعية، انظر:"روضة الطالبين" للنووي (3/ 296).

ص: 25

وقال الشافعيُّ: لا يلزَمُهُ شيءٌ، فليسَ بنذرٍ (1).

والمعلقُ قد يكونُ مُعَلَّقاً على فِعْلِ اللهِ سبحَانُه؛ كقولهِ: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ كذا، وهذا أجمعَ العلماءُ على صحته.

وقد يكونُ مُعَلَّقاً على فِعْل العبدِ.

ثم هذا ينقسمُ إلى ما يُقْصَدُ به التقَّرُبُ إلى اللهِ تعالى؛ كقولهِ: إن جاءَ زيدٌ من سفره، فلله عليَّ كذا وكذا، وهذا لازِمٌ أيضاً.

وإلى ما يقصدُ به الحَثُّ على الفِعْلِ أو المَنع منه؛ كقوله: إن كَلَّمْت زيداً، فلله عليَّ كذا، وهذا الذي يُسَمَّى نَذْرَ اللِّجاج والغَضَب، ويسمِّيه المالكيةُ أيماناً.

وهذا اختلفَ العلماءُ فيه، وللشافعيةِ فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ: قيل: يلزمُ الوفاءُ بما نَذَرَ، وقيل: لا يلزم، وقيل: هو مُخَيَّرٌ بين الوفاءِ بما نَذَرَ، وبين كَفارةِ يمينٍ (2).

وأما مالِكٌ، فأخذَ بعموم الآيةِ، وألزم النذرَ على أيِّ جهةٍ وقع (3).

* فإن قلتَ: فأمرُ اللهِ سبحانَهُ الحَجيجَ بوفاءِ النذورِ مستلزِمٌ استحبابَ النَّذْرِ، أو إباحَتَهُ، ولا يستلزمُ أن يكونَ مكروهاً، ولكنه يعارضُه ما رواهُ ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن النذر، قال "إنه لا يأتي بِخَيْرٍ، وإنما يُسْتَخْرَجُ بهِ مِنَ البَخيلِ (4) ".

(1) انظر: "روضة الطالبين" للنووي (3/ 296)، و"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 355 - 356).

(2)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 461)، و"المجموع" للنووي (351/ 8).

(3)

انظر: "مواهب الجليل" للحطاب (3/ 269 - 279).

(4)

رواه البخاري (6234)، كتاب القدر، باب: إلقاء العبد النذر إلى القدر، ومسلم =

ص: 26

قلنا: قد أجاب الشيخُ تقيُّ الدين بنُ دقيقِ العيدِ، وبعضُ المالكية، وقالا: إن الحديثَ محمولٌ على النذرِ الذي يكونُ في مقابلة تحصيل غرضٍ، أو دفعِ مكروه (1)، وهو نذرُ المُجازاة، وما سواهُ على نَذْرِ التبرُّرِ؛ كالنذرِ الذي يكونُ شُكْراً في مقابلةِ النعمَةِ.

الجملة الثامنة: أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالطَّوافِ بالبيتِ العتيق، وقد أجمعَ أهلُ العلمِ على أن المرادَ به طوافُ الإفاضَةِ، وأجمعوا على أنه رُكْنٌ من أركانِ الحَجِّ، وعلى أن صِفَتهُ أن يجعلَ البيتَ عن يسارِهِ.

وبيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن سِتَّةَ أَذْرُعٍ أو سبعةَ أَذْرُعٍ، أو نَحْواً منْ سبعةِ أذرعٍ منَ الحِجْرِ منَ البيتِ، وطافَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وراءِ الحِجْرِ، فإن طافَ طائفٌ داخِلَ الحِجْرِ، لم يَصَحَّ طوافُهُ؛ لمخالفتهِ الكتابَ والسُّنَّةَ قَوْلاً وفِعْلاً.

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: يصحُّ طوافُهُ داخلَ الحِجْر (2)، وأطلقَ لفظَ البيتِ على القواعدِ الموجودَةِ يومَ نُزولِ الخِطابِ، وهيَ الموجودةُ الآن.

* وأحسبُهُمْ أَجْمَعوا على أَنَّ من شرائِطِه سَتْرَ عَوْرَة الطائِف (3).

= (1639)، كتاب: النذر، باب: النهي عن النذر، وأنه لا يرد شيئاً، وهذا لفظ مسلم.

(1)

انظر: "إحكام الأحكام" لابن دقيق العيد (4/ 155 - 156).

(2)

مذهب أبي حنيفة: أنه لا يصح طوافه داخل الحجر، انظر:"الهداية" للمرغيناني (1/ 140)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 131 - 132).

(3)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (4/ 147)، و"المجموع" للنووي (6/ 8 ا-17)، و"مغني المحتاج"(1/ 485)، و "مواهب الجليل" للحطاب (3/ 68)، و"حاشية الدسوقي"(2/ 31).

ومذهب أبي حنيفة: أنه واجب ليس بشرط، انظر:"بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 129)، و "شرح فتح القدير" للكمال بن الهمام (3/ 58).

ومذهب أحمد: أنه سنة، ولكن ستر العورة واجب مطلقاً، انظر: "شرح منتهى =

ص: 27

* واختلفوا في طَهارتهِ منَ الحَدَثِ والخَبَثِ.

فذهبَ مالكٌ والشافعى إلى اشتراطِ الطهارةِ من النَّجَسِ (1)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأسماءَ بنتِ عُمَيْس: "اصْنَعي ما يَصْنَعُ الحاجُّ غَيْرَ أَلاّ تَطوفي بالبَيْت"(2).

وذهب الشافعيُّ إلى اشتراطِ الطهارةِ من الحَدَثِ (3)؛ لقولهِ صلى الله عليه وسلم: "الطَّوافُ بالبيتِ صَلاةٌ، إلا أَدن اللهَ أباحَ فيهِ الكلام"(4).

وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنه لا يشترطُ فيه شيء من ذلك؛ كالسَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ (5).

* وبيهنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم صِفَتَهُ مِنَ الرَّمَلِ والاضْطِباعِ والتقبيلِ والاستلامِ، وغيرِ ذلكَ من الأدعيةِ والأذكارِ، وأَنَّ من سُنَنِهِ رَكْعتين بعدَ الطَّوافِ خَلْفَ المَقامِ.

* ولتسميةِ اللهِ سبحانَهُ لَهُ عَتيقاً معانٍ كثيرةٌ عندَ أهلِ العلمِ، وكُلُّها حَسَنَةٌ

= الإرادات" للبهوتي (1/ 577).

(1)

انظر: "المجموع" للنووي (8/ 17)، و "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 485)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 250).

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

انظر: "المجموع" للنووي (8/ 17 - 18)، و "مغني المحتاج" للشربيني (1/ 485).

(4)

رواه الدارمي في "سننه"(1847)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(12808)، والنسائي في "السنن الكبرى"(3944)، وابن حبان في "صحيحه"(3836)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(5/ 364)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 178)، والحاكم في "المستدرك"(3058)، وابن الجارود في "المنتقى"(461)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 87)، عن ابن عباس، وفي بعض ألفاظه: "

أباح فيه المنطق".

(5)

انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 129)، و"شرح فتح القدير" للكمال بن الهمام (3/ 58).

ص: 28

لائِقَة به موافقة في مَعْناه، زادَهُ اللهُ تشريفاً وتكريماً.

فقيل: معناه كريماً؛ لأن العتقَ هو الكَرَمُ، ومنهُ عَتْقُ الرقبةِ (1) لخروجِه من ذُلِّ الرّقِّ إلى كَرَمِ الحُرِّيَّةِ.

وقيل: لقدمِهِ لأنه أولُ بيتٍ وُضِعَ للناس.

وقيل: إِنَّه أُعْتِقَ منَ الغَرَقِ.

وقيل: لأنه عتقَ من الجبابرةِ، فلا تنالُهُ يَدُ جَبَّارٍ.

وقيل: لأنه لا مُلْكَ فيهِ لأحدٍ، بل جعلَهُ اللهُ للناسِ سواءً.

* * *

198 -

(5) قوله عز وجل: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

* المرادُ بالشعائِرِ هُنا البُدْنُ المُشْعَرَةُ، أي: المُعَلَّمَةُ بِجَرْحِ سَنامها؛ لِيُعْلَمَ أَنَّها هَدْي، والدليلُ على أنها المرادُ عَوْدُ الكناياتِ المُخْتَصَّةِ بالبُدْنِ عليها، وقد أَشْعَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هَدْيَهُ، وسَلَتَ عنهُ الدَّمَ (2).

* وتعظيمُها اسْتِسْمانُها واسْتحْسانُها.

وقَدْ أهدى عُمَرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- نَجيبَةً، فأُعْطِي بها ثلاثَ مئةِ دينارٍ (3)، وكان عُرْوَةُ بنُ الزُّبيرِ يقولُ لبنيه: يا بنيَّ! لا يُهْدِيَن أَحَدُكم من

(1) في "ب": "الرقيق".

(2)

رواه مسلم (1243)، كتاب: الحج، باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام، وأبو داود (1752)، كتاب: المناسك، باب: في الإشعار، والترمذي (906)، كتاب: الحج عن رسول الله، باب: ما جاء في إشعار البدن، والنسائي (2774)، كتاب: مناسك الحج، باب: سلت الدم عن البدن، وابن ماجه (3097)، كتاب: المناسك، باب: إشعار البدن، عن ابن عباس.

(3)

روى ابن خزيمة في "صحيحه"(2911)، والضياء المقدسي في "الأحاديث =

ص: 29

الهَدْيِ شَيْئاَ يَسْتَحْيي أنْ يُهديَه لِكَريم؛ فإنَ اللهَ أَكْرَمُ الكُرَماءِ وأَحَق مَنِ اختيرَ له (1).

* وقد اتفقَ الناسُ على استحبابِ تعظيمِ الضحايا أبضاً كالهَدايا، واتفقوا على أن الأفضلَ في الهدايا الإبِلُ، ثُمَّ البَقَرُ، ثمَّ الغَنَمُ (2).

* وأَمَّا في الضحايا: فَكَذلكَ قال الشافعيُّ (3)، وذهبَ مالكٌ إلى أنه بعكسِ الهَدايا، فالأَفْضَلُ عندهُ الكِباشُ، ثمَّ الغنمُ، ثمَّ البقرُ، ثمَّ الإبلُ (4).

وقيل عنه بتقديمِ الإبلِ على البَّقَرِ.

واحتجَّ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُضَحَّي بالكِباشِ، وبأنَّ إبراهيمَ الخَليل صلى الله عليه وسلم فَدَى ابنَهُ بكَبْشٍ، وبقيَ ذلك سُنةَ بعدَهُ؛ لقولهِ تعالى:{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} [الصافات: 108].

وللشافعيِّ أن يَحْتَجَّ بانهُ قد ثبتَ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ النَّحْرَ والذبْحَ.

روى البخاري عنِ ابنِ عمرِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يذبَحُ

= المختارة، (208): أن عمر بن الخطاب أهدى نجيبة له، فأعطي بها ثلاث مئة دينار، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله! إني أهديت نجيبة لي، فأعطيت بها ثلاث مئة دينار، أفأبتاعها أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا فأنحرها؟ قال:"لا، انحرها إياها".

(1)

رواه الامام مالك في "الموطأ"(1/ 380) وعبد الرزاق في "المصنف"(8158)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 177).

(2)

انظر: "الفروع" لابن مفلح (3/ 397)، و "المجموع" للنووي (8/ 290)، و "بدافع الصنائع" للكاساني (2/ 85)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 275).

(3)

انظر: "المجموع" للنووي (8/ 290).

(4)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 9).

ص: 30

ويَنْحَرُ بالمُصَلَّى (1)، وبقوله: صلى الله عليه وسلم "مَنْ راحَ في السَّاعَةِ الأُولى، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَنْ راحَ في الساعَةِ الثانيةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَقَرةً، ومن راحَ في السّاعَةِ، الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ كبْشاً"(2).

* ومن تعظيمِ شعائرِ اللهِ تَعالى عندَ مالكٍ والشافِعيِّ وغيرهما ما اشتهرَ من عَمَلِ السلفِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- منْ تَجْليل البُدْنِ بالثِّيَابِ (3)، فكانَ بعضُ السَّلَفِ يُجَلِّلُها بالوَشْيِ، وبَعْضُهم بالحِبَرِ، وبعضُهم بالقَباطِي والمَلاحِفِ والأُزُرِ، وكانَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- يُجَلّلُها الأَجْلالَ المُرْتَفِعَةَ منَ الأَنْماطِ والبُرودِ والحِبَرِ (4)، وكان ابنُ عُمَرَ يَقِفُ بالهَدْيِ بعَرَفَةَ، ويَراهُ من تَعْظيمِها، وكانَ يقولُ: الهَدْي ما قُلِّدَ وأُشْعِرَ ووُقِفَ بِهِ بعرفَة (5).

* وأباحَ اللهُ سبحانَهُ لنا الانتفاعَ بهِا إلى أَجَل مُسَمًّى، واختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذا الأَجَلِ.

فقالَ أكثرُ المُفَسِّرينَ: هُوَ وَقْتُ تَسْمِيَتِهِ لَها هَدْياً، فَلَهُ أنْ ينتفعَ بركوبِها

(1) رواه البخاري (5232)، كتاب: الأضاحي، باب: الأضحى والمنحر بالمصلى.

(2)

رواه البخاري (841)، كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة، ومسلم (850)، كتاب: الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، عن أبي هريرة.

(3)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (4/ 249 - 250)، و"المجموع" للنووي (8/ 256).

(4)

رواه ابن المنذر من طريق أسامة بن زيد، عن نافع: أن ابن عمر كان يجلل بُدْنَه الأنماطَ والبرود والحبر حتى يخرج. انظر: "فتح الباري" لابن حجر (3/ 549).

(5)

رواه الإمام مالك في "الموطأ"(1/ 379)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(13207)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 232).

ص: 31

ولبنِها ونَسْلِها وأَصْوافِها وأَوْبارِها، ما لَمْ يُسَمِّها هَدْياً، فإذا سَمّاها، انقطَعَتِ المنافِعُ (1).

وقالَ عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: هو وَقْتُ نَحْرِها (2)، وبهِ قالَ عامَّةُ الفُقهاء (3)؛ لأنها قبلَ تسميتِها وإيجابها لا تُسَمَّى شَعائِرَ، ولِما روى أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلاً يسوقُ بَدَنَةً، فقالَ:"ارْكَبْها"، فقال: إنَّها بَدَنة، فقالَ في الثانيةِ أوِ الثالثة:"ارْكَبْها وَيْلَكَ"(4)، خَرَّجَه البخاريُّ ومسلمٌ.

ولكنهم اختلفوا:

فذهبَ بعضُ الظاهريةِ إلى جوازِ ركوبِها من غيرِ ضَرورةٍ ما لم يُضِرَّ بِها؛ لمطلق الأمرِ، ولمخالفةِ شعارِ الجاهليةِ من إكرامِ البَحيرَةِ والسَّائبة، وهو قولُ عروةَ بنِ الزبيرِ، ومالكٍ في روايةٍ عنه، وأحمدَ، وإسحاقَ.

وذهبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ ومالِكٌ في الروايَةِ الصَّحيحةِ إلى جوازِ رُكوبِها عندَ الحاجةِ والضرورةِ دُونَ غيرِها (5)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ارْكَبْها

(1) انظر: "تفسير الطبري"(17/ 157)، و "التفسير الكبير" للرازي (23/ 30)، و "تفسير ابن كثير"(3/ 221)، و "الدر المنثور" للسيوطي (6/ 46).

(2)

انظر: "تفسير الطبري"(17/ 158).

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 287)، و "المجموع" للنووي (8/ 256 - 257)، و "أحكام القرآن" للجصاص (5/ 78)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 225)، و "الاستذكار" لابن عبد البر (4/ 241).

(4)

رواه البخاري (1604)، كتاب: الحج، باب: ركوب البدن، ومسلم (1322)، كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها.

(5)

انظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 287)، و "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 12)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (4/ 376)، و"أحكام القرآن" للجصاص (5/ 78)، و "الهداية" للمرغيناني (1/ 187)، و "بداية المجتهد" لابن رشد =

ص: 32

بالمَعْروفِ إذا أُلْجِئْتَ إلَيْها (1) حَتَّى تَجِدَ ظَهْراً" (2).

* وأما بيانُ المَحِلِّ، فقد تقدَّمَ ذِكْرُهُ في "سورةِ المائدة"، هَلْ هو مَكَّةُ، أو سائرُ الحَرَمِ؟!

* * *

199 -

(6) قوله عز وجل: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34].

المَنْسَكُ هاهنا -والله أعلمُ- هو المَصْدَرُ، من: نَسَكَ يَنْسُكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ (3)، فأخبرَ اللهُ سبحانَهُ أَنَّهُ مشروعٌ لكلِّ أُمَّة، وليسَ من خصائصِ هذهِ الأمةِ.

وقد أجمعَ المسلمونَ على مَشْروعِيَّةِ التَّقَرُّبِ بالهَدْيِ والأُضْحِية.

فأَمّا الهَدْيُ، فقدْ تقدَّمَ ذكرُ انقسامهِ إلى واجبٍ ومُسْتَحَبٍّ، وأَمَّا الأضحِيَةُ، فاختلفَ أهلُ العلمِ فيها مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.

فذهبَ قومٌ إلى أنها مشروعَةٌ على الوُجوبِ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ (4).

= (1/ 277 - 276)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (4/ 240 - 241).

(1)

"إليها" ليست في "أ".

(2)

رواه مسلم (1324)، كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، عن جابر بن عبد الله.

(3)

انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 26)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 47)، و"لسان العرب"(10/ 498) مادة (نسك).

(4)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (5/ 86)، و"الهداية" للمرغيناني (4/ 70)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 61)، و"تفسير ابن كثير"(3/ 225).

ص: 33

وذهبَ قومٌ إلى أنها على الاستحبابِ، وبه قالَ الشافعيُّ (1) وعنْ مالكٍ روايتانِ كالمَذْهبين (2).

* * *

200 -

(7) قوله عز وجل: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36].

البُدْنُ أَصْلُها الإِبِلُ المُبَدَّنة، ثمَّ صارَ اسمَ جِنْسٍ للإبِلِ.

ثمَّ قيل: معنى صَوَافَّ: مُصَطَفَّة، وقيل: مَعْقولَة، وقرأَ ابْنُ مَسعودٍ:(صَوَافِنَ)(3) أي: معقولَةَ إِحْدى القوائم.

* واستحبَّ جمهورُ أهلِ العلمِ نَحْرَها على هذهِ الصِّفَةِ (4).

(1) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 71)، و "المجموع" للنووي (8/ 275).

وهو مذهب أحمد، انظر:"المغني" لابن قدامة (9/ 345)، و "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 21).

(2)

انظر: "مواهب الجليل" للحطاب (3/ 238)، و "حاشية الدسوقي"(2/ 218).

(3)

قرأ بها ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والكلبي، والأعمش، والنخعي. انظر:"تفسير الطبري"(17/ 118)، و"إعراب القرآن" للنحاس (2/ 403)، و"معاني القرآن" للفراء (2/ 226)، و "الكشاف" للزمخشري (3/ 14)، و"تفسير القرطبي"(12/ 61)، و "البحر المحيط" لأبي حيان (6/ 369). وانظر:"معجم القراءات القرآنية"(4/ 182).

(4)

انظر: "المغني" لابن قدامة (3/ 221)، و"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 7)، و"المجموع" للنووي (9/ 88)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12/ 62 - 63).

ص: 34

روينا في "صحيح مسلم" أَنَّ ابن عُمَرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- رأى قَوْما أَضْجَعوا بَدَنَة، فقال: قياما مُقَيَّدَة، سُنَّةَ نَبِيِّكُم صلى الله عليه وسلم (1).

وقال أبو حنيفةَ والثوري: يستوي نَحْرُها قِياماً، وباركَةً (2).

- ثمَّ أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالأكلِ والإطعامِ منها:

فمنَ الفقهاءِ من حملَ الأَمْرَيْنِ على الوُجوبِ، ومنْهم من حملهما على الاستحباب، ومنهم من استحبَّ الأكلَ وأوجبَ الإطعامَ، وقد تقدَّمَ ذكرُه قريبًا.

وقد استدَلَّ مَنْ قالَ بتثليثِ لَحْمِ الأُضْحِيَةِ إمَّا وُجوبًا وإمّا استِحْبابًا بقوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36]، ولا دليلَ فيه على التقدير، ولا سيما مع معارضَةِ قولهِ تعالى:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28].

* وقد اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في حقيقةِ القانعِ والمُعْتَرِّ:

فقيلَ: لقانعُ: الذي يسألُ، والمُعْتَرُّ: المُتَعَرِّضُ، قالَ الشاعرُ (3):[البحر الوافر]

لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي

مفَاقِرَهُ أَعَفُّ منَ القُنوعِ

وقيل: القانعُ: الذي يَقْنَعُ ولا يَسْأَلُ، والمُعْتَرُّ: الذي يَعْتَري بالسُّؤالِ،

(1) رواه البخاري (1627)، كتاب: الحج، باب: نحر الإبل مقيدة، ومسلم (1320)، كتاب: الحج، باب: نحر البدن قياماً مقيدة، وهذا لفظ مسلم.

(2)

انظر: "الهداية" للمرغيناني (1/ 187)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (5/ 79)، و"شرح فتح القدير" للكمال بن الهمام (3/ 164).

(3)

هو الشماخ. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (2/ 156)، و"لسان العرب"(8/ 297).

ص: 35

قال الشاعرُ (1): [البحر الطويل]

عَلَى مُكْثِرِيهِمْ حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ

وَعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ وَالبَذْلُ

* وقَيَّدَ اللهُ سبحانَهُ حالَ الأكلِ بوُجوبِ جُنوبها، وذلكَ وَقْتَ خُروجِ الرُّوحِ منها، ومَفْهومُهُ أنَّهُ لا يَحِلُّ الأَكْلُ مِنْها قَبْلَ ذلكَ، وهو كذلكَ، فلا يَحِل الأَكْلُ منها، ولا القَطْعُ مِنْها قبلَ خُروجِ الروحِ منها إجماعاً.

* * *

(1) هو زهير بن أبي سلمى. انظر: "ديوانه": (ق 5/ 38)، (ص: 94).

ص: 36