الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(من أحكام البغاة)
234 -
(4) قوله جل جلاله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9].
* أوجبَ اللهُ سبحانَهُ على المؤمنينَ الصّلْحَ بينَ إخوانِهم منَ المُؤمنين، وهو أن يَدعُوهُم إلى حكمِ اللهِ جل جلاله، وأَلَّا يَبْدَؤوهم بقتالٍ إلا بعدَ الدُّعاءِ إلى حُكْمِ اللهِ سبحانَه، كما فعلَ أبو بكرِ في أهلِ الرِّدَّةِ، وعَلِيٌّ في أهلِ حَروراءَ، وغيرِهم -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.
فإن أصَرَّتْ إحداهُما على البَغْيِ، وَجَبَ على المؤمنينَ قِتالُها حتى ترجعَ إلى حُكْمِ اللهِ سبحانَهُ، فإن فاءَتْ ورَجَعَتْ، وَجَبَ عليهمْ أن يُصلِحوا بينَهم بالعدلِ والقسط؛ كما ذكرَه اللهُ سبحانَه.
* وأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الصُّلْحَ، ولم تُذْكَر تِباعَةٌ في دَمٍ ولا مالٍ.
قَالَ الشافعيُّ: فأشبَه هذا -واللهُ أعلمُ- أن تكونَ التِّباعاتُ في الجِراحِ والدِّماءِ، وما كانَ من الأموالِ ساقطاً بينهم (1).
ويحتملُ أن يصلح بينَهما بالحُكْم إذا كانوا قد فَعَلوا ما فيه حُكْمٌ، فيعطى
(1) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 214).
بعضُهم من بعضِ ما وَجَبَ له (1)؛ لقوله تعالى: {بِالْعَدْلِ} ، والعدلُ أخذُ الحَق لبعضِ الناس منْ بَعْضٍ.
قال: وإنما ذَهَبْنا إلى أن القَوَدَ ساقِطٌ، والآيةُ تحتملُ المَعْنَيينِ؛ لما أخبَرَنا مُطَرّفُ بنُ مازِنٍ (2)، عن مَعْمَرِ بنِ راشِدِ، عن الزهْريِّ قال: أدركتُ الفِتْنَةَ الأُولى في أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكانَتْ فيها دِماءٌ وأموالٌ، فلم يُقْتَصَّ فيها من دمِ ولا مالٍ ولا قَرحٍ أُصيبَ بوجهِ التأويل، إلا أَنْ يؤخَذَ مالُ رجلٍ فيدفَعَ إلى أصحابِه (3).
وقال أيضًا في القديم: وقدْ ظهرَ عَلِيٌّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - على بعضِ مَنْ قاتَلَ، وفي أصحابِه من قَتَلَ منهُم، ومنهُمْ مَنْ قَتلَ من أصحابِه، وجَرَحَ، فلم يُقَد واحِدٌ من الفريقين من صاحبه من دمِ ولا جُرحٍ، ولم يغرمْهُ شيئًا علمنا (4).
* وأحكامُ هذه الآيةِ ظاهر متفقٌ على أكثرها، وقد بَيَنَها اللهُ سبحانَهُ على أن المقصودَ من قِتالِ البُغاة إنما هُوَ كَفُّهُمْ عن البَغْيِ حتى يفيئُوا إلى الله، وليسَ المرادُ بهِ الانتقامَ منهم، فإذا أمكَنَ كَفُّهُمْ بقتالِ، فلا يُعْدَلُ إلى ما هوَ أغلظُ منه، ولا يُقْتلُ أسيرُهم، ولا يُذَفَّفُ (5) على جَريحِهم، ولا تتلَفُ أموالُهم (6).
(1)"له": ليس في "أ".
(2)
في "ب": "عامر".
(3)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 214).
(4)
انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (6/ 279).
(5)
يذفف: تذفيف الجريح: الإجهاز عليه، وتحرير قتله. "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 162).
(6)
انظر: "الكافي" لابن عبد البر (ص: 222)، و"الكافي في فقه الإمام أحمد" لابن قدامة (4/ 148)، و"شرح مسلم" للنووي (7/ 170).
وقدْ فعلَ ذلكَ عليٌّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -، فقالَ يومَ الجَمَلِ: لا تتَّبعُوا مُدبِرًا، ولا تُجهزوا على جَريحٍ، ولا تغنَموا مالًا (1).
وقال أبو أمامَةَ: شهدْتُ صِفِّيْنَ، فكانوا لا يُجهزونَ على جَريحٍ، ولا يَقْتُلون مُوَلَيًا، ولا يَسْلُبون قتيلًا (2).
وبهذا قَالَ الشافِعيُّ (3).
وقال أبو حنيفةَ: يتبعُ مُدبِرُهم؛ لأنه لا يَحصُلُ فَيْئُهُمُ بالإدبار (4).
ورأى الشافعيُّ حُصولَ الفيئةِ؛ لانْكِفافِ بعضِهم، واستدلَّ بفعلِ عَلِيّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -.
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(37778)، وبحشل في "تاريخ واسط"(165).
(2)
رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(7/ 411)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(33278)، والحاكم في "المستدرك"(2660)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 182).
(3)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (13/ 131).
(4)
لكن شرط الحنفية أن يكون له فئة ينحاز إليها، وأما إن لم يكن له فئة ينحاز إليها فلا يتبع موليهم ولا يقتل أسيرهم ولا يجهز على جريحهم. انظر:"الهداية" للمرغيناني (2/ 171).