الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(من أحكام السلام والاستئذان)
207 -
208 (7 - 8) قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 27 - 28].
أقول: أَدَّبَ اللهُ سبحانَه عبادَه المؤمنين في هذهِ الآيةِ بأدبينِ:
أحدهما: واجبٌ بالإجماعِ، وهو الاستئذانُ (1).
والثاني: مستحبٌ، وهو السلام، وقد قدمتُ دَعْوى الإجماعِ على استحبابِه.
* ثم بينَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما أمرَ به فرويَ عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كانَ إذا أتى بابَ قوم لم يستقبلِ البابَ من تِلقاءِ وَجْهِهِ، ولكنْ من رُكْنِهِ الأَيْمَنِ أو الأَيْسَرِ، ويقولُ:"السَّلامُ عليكُمْ"، وذلكَ أن الدُّوَر لم يكنْ عليها يومئذٍ سُتورٌ (2)، وقال:
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (14/ 130 - 131).
(2)
رواه أبو داود (5186)، كتاب: الأدب، باب: كيف الاستئذان؟ والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 339)، وفي "شعب الإيمان"(8822)، عن عبد الله بن بسر.
"إذا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاثاً، فلم يُؤذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ"(1).
* وبينَ صلى الله عليه وسلم علَّةَ الاستئذانِ:
فروى البخاريُّ عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قالَ: اطَّلَعَ رجلٌ من جُحْرٍ إلى حُجْرَة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومعَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِدْرًى (2) يحكُّ بهِ رأسَهُ، فقال:"لو أعلمُ أنكَ تنظرُ لَطَعَنْتُ بهِ في عَيْنِك، إنَّما جُعِلَ الاستِئْذانُ من أَجْلِ البَصَرِ"(3)، فكلُّ من يحرُم على الرجلِ أن ينظرَ إلى عورته يجبُ عليهِ الاستئذانُ، وإن كانَ أباهُ وأمَّهُ.
* واختلف السَّلَفُ هَلْ يُقَدَّمُ الاستئذانُ على السَّلامِ، أو يقدَّمُ السلامُ على الاستئذان؟
فقال قومٌ: يقدمُ الاستئذانُ؛ كما وردَ في القرآنِ (4)، والاستئناسُ هو الاستئذانُ، وكان ابنُ عباسِ -رضيَ الله تعالى عنهما - يقرأ:(حَتّى تستأذنوا)(5)، وأما ما رُوي عنه أنه قالَ: أخطأَ الكاتبُ، إنما هو
(1) رواه البخاري (5891)، كتاب: الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثاً، ومسلم (2153)، كتاب: الآداب، باب: الاستئذان، عن أبي سعيد الخدري.
(2)
مِدْرى: المِدراة: حديدة يسرح بها الشعر، وقد درت شعرها درى. "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري (1/ 421).
(3)
رواه البخاري (5887)، كتاب: الاستئذان، باب: الاستئذان من أجل البصر، ومسلم (2156)، كتاب: الآداب، باب: تحريم النظر في بيت غيره.
(4)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 146)، و"المجموع" للنووي (4/ 511).
(5)
قرأ بها ابن عباس، وابن مسعود، وأُبي، وسعيد بن جبير. انظر:"تفسير الطبري"(18/ 87)، و"الكشاف" للزمخشري (3/ 59)، و"المحتسب" لابن جني (2/ 107)، و"تفسير الرازي"(23/ 196)، و"تفسير القرطبي"(12/ 213)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (6/ 445). وانظر:"معجم القراءات القرآنية"(4/ 246).
تستأذِنوا (1)، فخطأٌ مَحْضٌ؛ لإجماع الأمةِ على حفظِ كتاب اللهِ جَلَّ ثنَاؤهُ من الخَطَأ؛ كما قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وكما قال:{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42]، ومعاذَ اللهِ سبحانَهُ أن يصح هذا عن الحبْرِ الترجُمانِ.
وقال قومٌ: يقدمُ السلامَ، فيقولُ: السلامُ عليكُم، أَأَدْخُلُ (2)؟ فقال بعضُ هؤلاءِ: معنى يستأنسوا: أي: يطلُبوا الاستئناسَ بالتَّنَحْنُحِ أو التسبيحِ أو التكبيرِ حَتَّى تنظُروا هلْ في الدارِ أحدٌ يأذنُ لكم؟ مُقْتَصٌّ هذا من قولِ الله تعالى: {آنَسْتُ نَارًا} [طه: 10].
وقال بعضُهم: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: حَتَّى تسُلِّموا وتستأذنوا، واستدلُوا بما روى أبو داودَ في "سننه" عن رِبْعِيِّ بنِ حِراشٍ قال: حدثنا رجلٌ من بني عامرٍ استأذَنَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو في بيتٍ، فقال: أَأَلِجُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لخادمِه: "اخْرُجْ إلى هذا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عليكُمُ، أَأَدخلُ؟ "، فسمع الرجلُ، فقال: السلامُ عليكمُ، أأدخلُ؟ فأذنَ لهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فدخل (3)، قال النوويُّ: وإسنادُهُ جيدٌ (4).
واستدلُّوا أيضًا بما خَرَّجَ أبو داودَ والترمذيُّ عن كَلَدَةَ بنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ
(1) رواه الحاكم في "المستدرك"(3496)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(8853)، وانظر:"الدر المنثور" للسيوطي (6/ 171).
(2)
واختاره المازري من الشافعية، كما في "فتح الباري" لابن حجر (11/ 27)، وانظر:"كشاف القناع" للبهوتي (2/ 159)، و"جامع الأمهات" لابن الحاجب (ص 567).
(3)
رواه أبو داود (5177)، كتاب: الأدب، باب: كيف الاستئذان؟ وابن أبي شيبة في "المصنف"(25672)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 340).
(4)
في المطبوع من "رياض الصالحين"(ص: 224) قال النووي: "رواه أبو داود بإسناد صحيح".
صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ بعثَ (1) بِلِبَأ (2) وجِداية (3) وضَغابيسَ (4) إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والنبيُّ في أعلى الوادي، قال: فدخلتُ عليه، ولم أسلِّمْ، ولم أستأذنْ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلامُ عليكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ "(5)، قال الترمذيُّ: حديثٌ حَسَنٌ.
وقال بعضُهم: إن وقعَ نظرُ المستأذِن على صاحِبِ المنزلِ، قَدَّمَ السَّلامَ، وإنْ لم يقعْ، قَدَّمَ الاستئذانَ، وقدَّمَ هذا القولَ أَقْصَى القُضاة الماورديُّ من الشافعيةِ بعدَ أَنْ حَكى ثلاثةَ أَوْجُهٍ للشافعية (6)، واختارَ النوويُّ الثانيَ (7)، وهو كما اختارَ؛ لبيانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونَصِّهِ عليه.
* فإن قلتُم: فهلْ هذا الحكمُ عامُّ في الأَحرارِ والعبيدِ، أو خاصٌّ بالأحرارِ؟
قلتُ: هو خاصٌّ بالأحرارِ، وأما العبيدُ، فقد أفردَ اللهُ سبحانَه استِئْذانهم
(1) في "ب": "بعثه".
(2)
اللِّبأ: كعِنَب، أول اللبن في النّتاج. "مختار الصحاح" (مادة: لبأ).
(3)
جداية: هي ولد الظِّباء، ما بلغ ستة أشهر أو سبعة، ذكراً كان أو أنثى، بمنزلة الجدي من المعز. "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (1/ 248).
(4)
ضغابيس: الضُّغْبُوس: بوزن العصفور، والضَّغابيس: صغاء القثاء. "مختار الصحاح"(مادة: ضغبس).
(5)
رواه أبو داود (5176)، كتاب: الأدب، باب: كيف الاستئذان؟ والترمذي (2710)، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في التسليم قبل الاستئذان، والإمام أحمد في "المسند"(3/ 414)، والبخاري في "الأدب المفرد"(1081)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(794)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 339).
(6)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 146 - 147).
(7)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (14/ 131)، و"المجموع" للنووي (4/ 511).
في آية أخرى، وسيأتي بيانُه -إن شاء الله تعالى -.
* وسَن رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المُصافَحَةَ بفعلِه وقولِه وإقرارِه، وادَّعى النوويُّ الإجْماعَ على استِحْبابها (1).
* ومفهومُ هذا الخطابِ أن الرجلَ إذا دخلَ بيتاً هو بيتُه أنه لا يستأذِنُ، ولا يسلِّمُ، فأما الاستئذانُ فالحكمُ فيه كذلكَ، وأما السلامُ فإنه يُسْتَحَبُّ للرجلِ أن يسلمَ على أهلِه إن كانَ ذا أهلٍ، وإن لم يكنْ له أهل، فيستحبُّ أن يقولَ: السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحين (2)؛ لإطلاقِ قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]، وهذه الآيةُ تبينُ أن التقييدَ جيءَ به لأجلِ الاستئذانِ، لا لأجلِ السلام.
ورويَ عن قتادَةَ ومجاهدٍ: أنهما قالا: إذا دخلتَ بيتاً ليسَ فيه أَحَدٌ، فقلِ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين (3).
* وبينَ النبيُّ أنَّ الخارجَ المُفارق يُشْرَعُ لهُ السلامُ كالدَّاخلِ.
خَرَّجَ أبو داودَ والترمذيُّ عن أبي هُريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إذا انْتَهى أَحَدُكُمْ إلى المَجْلِسِ، فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أَرادَ أن بقومَ، فيسلِّمُ، فليسَتِ الأُولى أَحَقَّ من الآخِرَةِ"(4)، قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.
(1) انظر: "المجموع" للنووي (4/ 515)، و"الأذكار" للنووي (ص 209).
(2)
روي عن قتادة وعكرمة ومجاهد، انظر:"تفسير ابن أبي حاتم"(8/ 2567)، و (8/ 2650 - 2651)، و "معالم التنزيل" للبغوي (3/ 358)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (12/ 219).
(3)
رواه عبد الرزاق في "المصنف"(19451)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(8/ 2650).
(4)
رواه أبو داود (5208)، كتاب: الأدب، باب: في السلام إذا قام من المجلس، =
* وبين النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن سلامَنا الذي هو تحيةٌ من عندِ اللهِ مباركَةٌ طيبةٌ خاصٌّ بنا دُونَ غيرنا؛ كما قيدُه الله سبحانه.
فروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَبْدَؤوا اليهودَ ولا النَّصارى بالسَّلامِ، فإذا لَقِيتُمْ أحدَهُم في طَريقٍ، فاضْطَرُّوهُ إلى أَضْيَقِهِ"(1).
واختلفَ الشافعيةُ هلْ هذا النهيُ على التحريمِ، أو الكراهةِ؟ والصحيحُ عندَ أكثرِهم التحريمُ (2).
ولو سَلَّمَ على رجلٍ ظَنَّهُ مسلِماً، فبانَ كافِراً، استردَّ سلامَهُ؛ كما فعلَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما -، وبهذا عملتِ الشافعيةُ (3).
وقالَ مالكٌ: لا يستقيله (4)(5).
= والترمذي (2706)، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في التسليم عند القيام وعند القعود، والإمام أحمد في "المسند"(2/ 230)، وابن حبان في "صحيحه"(496).
(1)
رواه مسلم (2167)، كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم؟.
(2)
انظر: "المجموع" للنووي (4/ 507 - 508)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 39 - 40).
وهو مذهب الحنابلة، انظر:"المغني" لابن قدامة (9/ 295)، و"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 129)، و"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (1/ 664)، وانظر: أيضاً "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 459).
(3)
انظر: "المجموع" للنووي (4/ 508)، و"الأذكار" للنووي (ص 200)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 46)، وهو مذهب الحنابلة، انظر:"الفروع" لابن مفلح (6/ 247)، و"كشاف القناع" للبهوتي (3/ 130).
(4)
في "أ": "يسترده".
(5)
انظر: "الموطأ" للإمام مالك (2/ 960).
* ثم لما نزلتْ هذهِ الآيةُ قيلَ: يا رسول الله! أفرأيتَ الخاناتِ والمساكنَ في الطُّرقات ليسَ فيها مساكنُ؟ فأنزل الله سبحانَهُ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} [النور: 29]: منفعة لكم (1).
ويؤخَذُ من هذا أن للرجلِ أن يأخذَ وينتفعَ بما تركَهُ الناسُ رغبةً عنهُ، أو بما يعلمُ أنهم يرضونَ بالانتفاعِ به في العادةِ، والله أعلمُ.
(1) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم"(8/ 19 - 25)، و"الدر المنثور" للسيوطي (6/ 1175).