الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشَّك بقوله (لِأَن الْمَوْت فِي سنة غير نَادِر) والمشكوك لَا يزاحم الْمُتَيَقن فَيتَعَيَّن الْعَام الأول للْأَدَاء تَحَرُّزًا عَن الْفَوات (فيأثم) بِالتَّأْخِيرِ عَنهُ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن للِاحْتِيَاط (فموجبه) أَي الْحَج أَمر (مُطلق) عَن خُصُوصِيَّة الْوَقْت فَلَا مُوجب للفور (وَلذَا) أَي الِاحْتِيَاط (عِنْده اتفقَا) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد (على أَنه لَو فعل) الْحَج (بعده) أَي أول سني الْإِمْكَان (وَقع أَدَاء) وَإِنَّمَا قُلْنَا لتعيينه للْأَدَاء بِلَا شكّ فِي إِدْرَاك الْعَام الثَّانِي لَا لِأَنَّهُ خَارج عَن وقته فَإِذا أدْرك زَالَ الشَّك وَحصل الْيَقِين بِكَوْنِهِ من عمره وَوَقع الْأَمْن من الْفَوات وَتعين الثَّانِي للْأَدَاء، وَكَذَا الحكم فِي كل عَام (وتأدى فَرْضه) أَي الْحَج (بِإِطْلَاق النِّيَّة) لِلْحَجِّ (لظَاهِر الْحَال) أَي حَال من يجب عَلَيْهِ الْحَج: إِذْ الظَّاهِر مِنْهُ أَنه لَا يتَحَمَّل المشاق الْكَثِيرَة لغيره مَعَ شغل ذمَّته بِالْفَرْضِ الرُّكْن فِي الْإِسْلَام، وَكَثْرَة ثَوَاب أَدَاء الْفَرْض، وَبَرَاءَة الذِّمَّة، وَلَيْسَ التأدى الْمَذْكُور لتعين الْوَقْت كَمَا فِي رَمَضَان (لَا من حكم الأشكال) إِمَّا جمع شكل بِمَعْنى الْمثل والشبيه، وَإِمَّا مصدر، يُقَال أشكل الْأَمر: أَي الْتبس، وَالْمعْنَى لِأَن تأديه بِمُطلق النِّيَّة من حكم كَون الْوَقْت شَبِيها بالظرف وبالمعيار، فباعتبار شبهه بالمعيار تأدى بالمطلق (وَلذَا) أَي وَلكَون التأدى بِهِ لظَاهِر الْحَال (يَقع) حجه (عَن النَّفْل إِذا نَوَاه) أَي النَّفْل (لانْتِفَاء الظَّاهِر) بالتصريح بِخِلَافِهِ، (وَقد يبنيان) أَي تأدى فَرْضه بِمُطلق النِّيَّة، ووقوعه عَن النَّفْل إِذا نَوَاه (على الشبهين) شبه المعيار، وَشبه الظّرْف (فَالْأول) أَي التأدي الْمَذْكُور (لشبه المعيار) كَمَا أَن فرض الصَّوْم يتَأَدَّى بالمطلق (وَالنَّفْل) أَي ووقوعه عَن النَّفْل (للظرف) أَي لشبه الظّرْف كوقوع الْمَنوِي عَن الصَّلَاة النَّافِلَة إِذا نَوَاهَا فِي وَقت الصَّلَاة (وَلَا يخفى عدم وُرُود الدَّلِيل، وَهُوَ ظَاهر الْحَال على الدَّعْوَى) وَهِي (تأديه بنية الْمُطلق) بِإِسْقَاط الْفَرْض عَن ذمَّته (وَإِنَّمَا يسْتَلْزم) الدَّلِيل الْمَذْكُور (حكم الْخَارِج) أَي غير الناوي لِخُرُوجِهِ عَن دَائِرَة الِاطِّلَاع على مَا فِي ضَمِيره (عَلَيْهِ) أَي الْخَارِج الناوي مُطلقًا مُتَعَلق بالحكم (بِأَنَّهُ) أَي الْخَارِج (نوى الْفَرْض لَا) أَنه يسْتَلْزم (سُقُوطه) أَي الْفَرْض (عَنهُ) أَي الْخَارِج (عِنْد الله إِذا نوى الْحَج مُطلقًا فِي الْوَاقِع) وَلَيْسَ الْكَلَام إِلَّا فِي هَذَا.
مَبْحَث الْوَاجِب الْمُخَير
(مسئلة: الْأَمر بِوَاحِد) أَي إِيجَاب وَاحِد مُبْهَم (من أُمُور مَعْلُومَة صَحِيح) عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء والأشاعرة، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب، وَيعرف بِالْوَاجِبِ الْمُخَير (كخصال الْكَفَّارَة) أَي كَفَّارَة الْيَمين فَإِن قَوْله تَعَالَى - {فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين} - فِي قُوَّة الْأَمر بِالْإِطْعَامِ
وَقد عطف عَلَيْهِ الْكسْوَة والتحرير فَكل وَاحِد مِنْهَا وَاجِب على الْبَدَل لَا الْجمع على مَا يَقْتَضِيهِ كلمة أَو (وَقيل) وَالْقَائِل بعض الْمُعْتَزلَة هُوَ (أَمر بِالْجَمِيعِ وَيسْقط) وجوب الْجَمِيع (بِفعل الْبَعْض، وَقيل) وَالْقَائِل مِنْهُم أَيْضا أَمر (بِوَاحِد معِين عِنْده تَعَالَى) دون الْمُكَلّفين (وَهُوَ) أَي الْوَاحِد الْمعِين (مَا يَفْعَله كل) من الْمُكَلّفين بِهِ (فيختلف) الْمَأْمُور بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم ضَرُورَة أَن الْوَاجِب فِي حق كل وَاحِد مَا يختاره وَهُوَ يخْتَلف (وَقيل لَا يخْتَلف) الْمَأْمُور بِهِ باخْتلَاف الْمَفْعُول لَهُم (وَيسْقط) ذَلِك الْوَاجِب الْمعِين (بِهِ) أَي بالإتيان بالمأمور بِهِ (و) بالإتيان (بِغَيْرِهِ) أَي غير الْمَأْمُور بِهِ مِنْهَا، وَيُسمى هَذَا قَول التزاحم، لِأَن الأشاعرة ترويه عَن الْمُعْتَزلَة والمعتزلة عَن الأشاعرة، فاتفق الْفَرِيقَانِ على فَسَاده، وَعَن السُّبْكِيّ أَنه لَا يسوغ نَقله عَن أَحدهمَا. وَقَالَ وَالِده لم يقل بِهِ قَائِل (وَنقل) وجوب (الْجَمِيع على الْبَدَل لَا يعرف وَلَا معنى لَهُ إِلَّا أَن يكون) مَعْنَاهُ هُوَ الْمَذْهَب (الْمُخْتَار) بِنَاء على اعترافهم بِأَن تاركها جَمِيعًا لَا يَأْثَم إِثْم من ترك وَاجِبَات ومقيمها جَمِيعًا لم يثب ثَوَاب وَاجِبَات (لنا الْقطع بِصِحَّة أوجبت أحد هَذِه) الْأُمُور (فَإِنَّهُ) أَي قَوْله هَذَا (لَا يُوجب جَهَالَة مَانِعَة من الِامْتِثَال لحُصُول التَّعْيِين بِالْفِعْلِ) يَعْنِي إِذا اخْتَار وَاحِدًا مِنْهَا بِعَيْنِه فَفعله تعين كَونه الْوَاجِب لتحَقّق الْوَاحِد الْمُبْهم فِي ضمنه، وَعدم احْتِمَال تحَققه بعد ذَلِك فِي ضمن معِين آخر، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد، وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فَمَا يَفْعَله العَبْد مُتَعَيّن قبل أَن يفعل، ثمَّ أجَاب عَن القَوْل بِأَنَّهُ أَمر بِوَاحِد معِين عِنْده تَعَالَى إِلَى آخِره فَقَالَ (وَتعلق علمه تَعَالَى بِمَا يفعل كل) من الْمُكَلّفين (لَا يُوجِبهُ) أَي مفعول كل (عبنا على فَاعله، بل) يُوجب تعين (مَا يسْقط) بِهِ الْوُجُوب من مفعول كل من الْأُمُور الْمُخَير فِيهَا، على أَن تعلق الْعلم بِمَا ذكر مَخْصُوص بِصُورَة تحقق الْفِعْل امتثالا، وَأما إِذا لم يتَحَقَّق فَمَا الَّذِي يُوجب تعين ذَلِك الْمُبْهم؟ فالدليل لَا يَفِي بِتمَام الْمُدَّعِي، وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن كل وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه خير فِيهِ الْمُكَلف بَين الْفِعْل وَالتّرْك، وَلَا يتَحَقَّق لأحد هَذِه الْأُمُور إِلَّا فِي ضمن وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه، فَيلْزم أَن يكون الْوَاجِب وَهُوَ أحد هَذِه الْأُمُور خير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك، وَهَذَا يُنَافِي الْوُجُوب أجَاب عَنهُ بقوله (وَلَا يلْزم اتِّحَاد الْوَاجِب والمخير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن الْوَاجِب) إِنَّمَا هُوَ الْوَاحِد (الْمُبْهم) والمخير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك إِنَّمَا هُوَ كل وَاحِد بِعَيْنِه، والمبهم وَإِن لم يكن لَهُ تحقق إِلَّا فِي الْوَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه: لَكِن التَّخْيِير فِيهِ بَين الْفِعْل وَالتّرْك لَا يكون تخييرا فِي الْمُبْهم، إِذْ ترك الْوَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه لَا يسْتَلْزم ترك الْكل بِخِلَاف ترك الْمُبْهم فَإِنَّهُ يسْتَلْزم: إِذْ نفي الْأَعَمّ يسْتَلْزم نفي الْأَخَص، ثمَّ لما كَانَ قَوْله الْوَاجِب الْمُبْهم يُوهم أَن يكون بِشَرْط الْإِبْهَام دفع ذَلِك بقوله (لَا على معنى) أَنه الْمُبْهم مأخوذا (بِشَرْط الْإِبْهَام) بل بِمَعْنى أَنه (لَا يُعينهُ الْمُوجب) تَعَالَى بِأَن يطْلب من الْمُكَلف إِيقَاع ذَلِك الْوَاحِد فِي ضمن وَاحِد