الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كل من مَاتَ على كفر أَو مَعْصِيّة بِالْإِيمَان وَالْإِسْلَام) المتضمن التَّكْلِيف بِمَا هُوَ ضد للمعاصي (وَإِذ منكره) أَي مُنكر جَوَاز التَّكْلِيف بل وُقُوعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى من مَاتَ على كفر أَو مَعْصِيّة (يكفر بإنكار) حكم (ضَرُورِيّ ديني) لأَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ من الدّين أَن الْكفَّار والعصاة مأمورون بترك الْكفْر وَالْمَعْصِيَة إِلَى الْإِيمَان وَالطَّاعَة، فإنكار إِيجَاب الْإِيمَان كفر إِجْمَاعًا (استبعدنا الْخلاف خُصُوصا الإِمَام) أَي من الإِمَام، نقل الشَّارِح عَن السُّبْكِيّ أَن مَا لوُقُوعه شَرط إِن علم الْآمِر الشَّرْط وَاقعا فَلَا إِشْكَال، وَأَن جَهله ويفرض فِي أَمر السَّيِّد عَبده فَكَذَلِك، وَنقل المُصَنّف الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وَإِن علم انتفاءه فعلى قسمَيْنِ: أَحدهمَا مَا يتَبَادَر إِلَى الذِّهْن فهمه حِين إِطْلَاق التَّكْلِيف كالحياة والتمييز. فَإِن السَّامع مَتى سمع التَّكْلِيف يتَبَادَر ذهنه إِلَى أَنه يستدعى حَيا مُمَيّزا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي خَالف فِيهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَالثَّانِي خِلَافه وَهُوَ تعلق علم الله تَعَالَى بِأَن زيدا لَا يُؤمن، فَإِن انْتِفَاء التَّعَلُّق شَرط فِي وجود إيمَانه لَكِن السَّامع يقْضِي بِإِمْكَان إِيمَان زيد غير نَاظر إِلَى هَذَا الشَّرْط، وَهَذَا لَا يُخَالف فِيهِ الإِمَام وَلَا غَيره، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
مسئلة
(مانعو تَكْلِيف الْمحَال) مجمعون (على أَن شَرط التَّكْلِيف فهمه) أَي تصور التَّكْلِيف بِأَن يفهم الْمُكَلف الْخطاب قدر مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الِامْتِثَال، لَا بِأَن يصدق بِأَنَّهُ مُكَلّف، وَإِلَّا لزم الدّور وَعدم تَكْلِيف الْكفَّار (وَبَعض من جوزه) أَي تَكْلِيف الْمحَال أَيْضا على أَن شَرط التَّكْلِيف فهمه (لِأَنَّهُ) أَي التَّكْلِيف (للابتداء وَهُوَ) أَي الِابْتِلَاء، وَهُوَ الاختبار (مُنْتَفٍ هَهُنَا) لِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق بِدُونِ الْفَهم (وَاسْتدلَّ) كَمَا فِي أصُول ابْن الْحَاجِب وَغَيره للمختار (لَو صَحَّ) تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (كَانَ) تَكْلِيفه (طلب) حُصُول (الْفِعْل) مِنْهُ متلبسا (بِقصد الِامْتِثَال) لِأَنَّهُ مُعْتَبر فِي معنى التَّكْلِيف (وَهُوَ) أَي طلبه بِهَذَا الْقَصْد (مُمْتَنع مِمَّن لَا يشْعر بِالْأَمر، وَقد يدْفع) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَن المستحيل) فِي تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (الِامْتِثَال وَلَا يُوجب) اسْتِحَالَة الِامْتِثَال فِيهِ (اسْتِحَالَة التَّكْلِيف، إِذْ غَايَته) أَي غَايَة تَكْلِيف من لَا يفهم (تَكْلِيف بمستحيل، وَبلا فَائِدَة الِابْتِلَاء وَيجب) تَجْوِيز مثل (ذَلِك) فِي أَنه خلاف مَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة بِحَسب ظَاهر الْعقل (مِمَّن يُجِيز عَلَيْهِ) أَي على الله تَعَالَى (تَعْذِيب الطائع، تَعَالَى عَنهُ، بل) جَوَاز هَذَا (أولى) من جَوَاز تَعْذِيب الطائع (وَأَيْضًا لَو صَحَّ) تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (صَحَّ تَكْلِيف الْبَهَائِم، إِذْ لَا مَانع فِيهَا) أَي الْبَهَائِم من التَّكْلِيف (سوى عدم الْفَهم وقلتم لَا يمْنَع) عدم الْفَهم التَّكْلِيف (وَلَا يتَوَقَّف مجيز تَكْلِيف الْمحَال عَن الْتِزَامه) أَي جَوَاز تَكْلِيف الْبَهَائِم (غَايَته) أَنه جَائِز (لم يَقع وَلَيْسَ
عدم الْمَانِع من التَّكْلِيف عِلّة لثُبُوته) أَي التَّكْلِيف (ليلزم الْوُقُوع بل هِيَ) أَي عِلّة ثُبُوت التَّكْلِيف (الاختبار) أَي اختبار الله تَعَالَى وَلم يثبت (وَلَو جعل هَذَا) الْخلاف (وَنَحْوه) خلافًا (لفظيا فالمانع) من تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف يَقُول: تَكْلِيف من لَا يفهم مُمْتَنع (لاتفاقنا على أَن الْوَاقِع) أَي الْمُحَقق فِي نفس الْأَمر (نقيضه) وَهُوَ عدم تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (فَيمْتَنع) التَّكْلِيف (بِلَا فهم) للتكليف فِي نفس الْأَمر (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يمْتَنع كَانَ مُمكنا فِي نفس الْأَمر فيفرض تحَققه فِي نفس الْأَمر، وَإِذا فرض (اجْتمع النقيضان) عل ذَلِك التَّقْدِير: التَّكْلِيف وَعَدَمه، وَفِيه أَن مثل هَذَا لَا يُقَال فِي عدم كل مُمكن (والمجيز) لتكليفه يَقُول: جَائِز مَعَ قطع النّظر عَن أَن الْوَاقِع نقيضه مَوْجُود فَلَا طائل تَحْتَهُ، وَالْمَطْلُوب فِي دَعْوَى امْتنَاع الشَّيْء امْتِنَاعه مَعَ قطع النّظر عَن تحقق نقيضه (بِالنّظرِ إِلَى مَفْهُوم تَكْلِيف) كَائِن (بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَهُ الْقُدْرَة عَلَيْهِ) أَي على الْفِعْل، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى من لَا قدرَة لَهُ عَلَيْهِ كَالْبَهَائِمِ (على نَحْو مَا قدمْنَاهُ فِي) فصل (الْحَاكِم) من أَنه يُمكن أَن يَقُول قَائِل: إِن الْخلاف فِي جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وتعذيب الطائع لَفْظِي (أمكن) جَوَاب لَو جعل (قَالُوا) أَي المخالفون (لَو لم يَصح) تَكْلِيف من لَا يفهم التَّكْلِيف (لم يَقع) لكنه وَقع، كَيفَ لَا (وَقد كلف السَّكْرَان حَيْثُ اعْتبر طَلَاقه وإتلافه أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي اعتبارهما مِنْهُ (من ربط المسببات بأسبابها وضعا) شَرْعِيًّا كربط وجوب الصَّوْم بالشهر، لَا من التَّكْلِيف (قَالُوا) أَيْضا (قَالَ تَعَالَى: لَا تقربُوا الصَّلَاة الْآيَة فَخُوطِبُوا) أَي السكارى (حَال السكر أَلا يصلوا) وَهُوَ تَكْلِيف لمن لَا يفهم التَّكْلِيف (أُجِيب بِأَنَّهُ) أَي الِاسْتِدْلَال بهَا (مُعَارضَة قَاطع) وَهُوَ الدَّلِيل الدَّال على امْتنَاع تَكْلِيف من لَا يفهم (بِظَاهِر) وَهُوَ الْآيَة (فَوَجَبَ تَأْوِيله) أَي الظَّاهِر لِأَنَّهُ يؤول عِنْد مُعَارضَة الْقَاطِع (أما بِأَنَّهُ نهي عَن السكر عِنْد قصد الصَّلَاة) لِأَن النهى إِذا ورد على وَاجِب شرعا مُقَيّد بِغَيْر الْوَاجِب انْصَرف إِلَى الْغَيْر، فَالْوَاجِب الصَّلَاة، والمقيد السكر، فالمنهي عَنهُ فِي الْحَقِيقَة السكر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ} - فَإِن الْمنْهِي عَنهُ فِيهِ عدم الْإِسْلَام إِلَّا الْمَوْت (أَو) بِأَنَّهُ (نهى الثمل) بِفَتْح الْمُثَلَّثَة وَكسر الْمِيم، قيل هُوَ من بَدَت بِهِ أَوَائِل الطَّرب وَلم يزل عقله دون الطافح (لعدم التثبت) فِيمَا يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بِهِ فِي الصَّلَاة (كالغصب) تَمْثِيل لما لَا يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بِهِ فِيهَا، ويلائمه قَوْله - {حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ} - وناقش الشَّارِح فِي كَون الثمل أَوَائِل الطَّرب لما ورد فِي الحَدِيث فِي حق حَمْزَة رضي الله عنه حَيْثُ قَالَ فِي شربه قبل التَّحْرِيم للنَّبِي صلى الله عليه وسلم وعليّ: وَهل أَنْتُم إِلَّا عبيد أبي، فَعرف صلى الله عليه وسلم أَنه ثمل: أَي سَكرَان شَدِيد السكر، وَلَا يخفى دَفعه (وَلَا يخفى أَنه) أَي الدَّلِيل الدَّال على امْتنَاع تَكْلِيف مَا لَا يفهم (إِنَّمَا يكون قَاطعا بِلُزُوم) اجْتِمَاع (النقيضين) على تَقْدِير تَكْلِيفه (كَمَا ذكرنَا
فِي الْجمع) بَين قولي الْمَانِع والمجيز (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن قطعيته بذلك (فَمَمْنُوع) كَونه قَاطعا (عِنْدهم) أَي المجزين (كَيفَ وَقد ادّعوا الْوُقُوع) قَالَ الشَّارِح: ثمَّ لقَائِل أَن يَقُول: إِن كَانَ النَّهْي خطابا حَال سكره فنصّ، وَإِن كَانَ قبل سكره كَمَا هُوَ التَّأْوِيل الأول استلزم أَن يكون مُخَاطبا فِي حَال سكره أَيْضا، إِذْ لَا يُقَال للعاقل: إِذا جننت فَلَا تفعل كَذَا، لِأَنَّهُ إِضَافَة الْخطاب إِلَى وَقت بطلَان أَهْلِيَّته، وَأَيْضًا كَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف رحمه الله أَنه لَو لم ينسحب هَذَا الْخطاب بِالتّرْكِ عَلَيْهِ حَال سكره لم يفد لَهُ، وَإِن كَانَ تَوْجِيه الْخطاب فِي حَال صحوه لَكِن الْمَطْلُوب التّرْك فِي حَال سكره، وَهَذَا معنى كَونه مُخَاطبا حَال سكره انْتهى.
وَلَا يخفى أَن التَّوْجِيه الأول حَاصله لَا تشرب الْمُسكر وَلَا معنى لاستلزامه كَونه مُخَاطبا بترك الصَّلَاة حَال السكر فَالْتبسَ عَلَيْهِ فَتوهم أَنه عين مَا أولُوا بِهِ من أَن خطاب ترك الصَّلَاة حَال السكر إِنَّمَا توجه إِلَيْهِم قبل السكر، فأورد عَلَيْهِ مَا أوردهُ على ذَلِك، وَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف من أَن الانسحاب الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّأْوِيل الأول، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ السُّبْكِيّ تعقبا للتأويل الأول: وَلقَائِل أَن يَقُول هَذَا صَرِيح فِي تَحْرِيم الصَّلَاة على المنتشي مَعَ حُضُور عقله بِمُجَرَّد عدم التثبيت، وَلَا يعْمل من قَالَ بِهِ، ثمَّ قَالَ: وَالْحق الَّذِي نرتضيه مذهبا أَن من لَا يفهم أَن كَانَ لَا قابلية لَهُ كَالْبَهَائِمِ فامتناع تَكْلِيفه مجمع عَلَيْهِ سَوَاء خطاب التَّكْلِيف وخطاب الْوَضع، فَإِن كَانَت لَهُ قابلية فإمَّا أَن يكون مَعْذُورًا فِي امْتنَاع فهمه كالطفل والنائم وَمن أكره على شرب مَا أسكره فَلَا تَكْلِيف إِلَّا بِالْوَضْعِ، وَإِمَّا أَن يكون غير مَعْذُور كالعاصي يسكره فيكلف تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَقد نَص الشَّافِعِي رحمه الله على هَذَا، وَيشْهد لتفرقتنا بَين من لَهُ قابلية وَمن لَا قابلية لَهُ إِيجَاب الضَّمَان على الْأَطْفَال دون الْمَيِّت، فَإِن أَصْحَابنَا قَالُوا: لَو انتفخ ميت وتكسرت قَارُورَة بِسَبَب انتفاخه لم يجب ضَمَانهَا انْتهى، وَقَوله تعقبا للتأويل الدَّال أَيْضا مَبْنِيّ على الالتباس وَكَانَ وَقع فِي كَلَام الْقَوْم أَيْضا تَأْوِيلَانِ: أَولهمَا مَا الْتبس عَلَيْهِ أَولا، وَثَانِيهمَا عين الثَّانِي فِي هَذَا الْكتاب، وَهَذَا الَّذِي تعقبه السُّبْكِيّ. (هَذَا، واستلزم) القَوْل بِأَن الْفَهم شَرط التَّكْلِيف (اشْتِرَاط الْعقل الَّذِي بِهِ الْأَهْلِيَّة) للتكليف (فالحنفية) قَالُوا: الْعقل (نور) يضيء بِهِ طَرِيق (يبتدأ بِهِ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْجَار وَالْمَجْرُور فِي مَحل الرّفْع (من مُنْتَهى دَرك الْحَواس) قَالَ صدر الشَّرِيعَة فابتداء دَرك الْحَواس ارتسام المحسوس فِي الحاسة الظَّاهِرَة، ونهايته ارتسامه فِي الْحَواس الْبَاطِنَة فَحِينَئِذٍ بداية تصرف الْقلب فِيهِ بِوَاسِطَة الْعقل بِأَن يدْرك الْغَائِب من الشَّاهِد وتنتزع الكليات من تِلْكَ الجزئيات المحسوسة إِلَى غير ذَلِك من تمثيلات وَبَيَان مَرَاتِب للنَّفس الناطقة فَأفَاد المُصَنّف رحمه الله جَمِيع ذَلِك وَزَاد عَلَيْهِ فَقَالَ (فيبدو) أَي يظْهر (بِهِ) أَي بذلك النُّور (الْمدْرك) بِصِيغَة الْمَفْعُول (للقلب) ثمَّ فسر الْقلب بقوله (أَي الرّوح
وَالنَّفس الناطقة فيدركه) أَي الْقلب (بخلقه تَعَالَى) الْإِدْرَاك فِيهِ من غير تَأْثِير لذَلِك النُّور، (فالنور آلَة إِدْرَاكهَا) أَي النَّفس الناطقة (وَشَرطه) أَي إِدْرَاكهَا (كالضوء لِلْبَصَرِ) أَي كَمَا أَن الضَّوْء شَرط عادي (فِي إيصاله) أَي الْبَصَر المبصرات إِلَى النَّفس الناطقة (وَمُقْتَضى مَا ذكرنَا) من هَذَا التَّعْرِيف (أَن لدرك الْحَواس) جمع حاسة بِمَعْنى الْقُوَّة الحساسة (مبدأ، قيل) وَقد عرفت الْقَائِل (هُوَ) أَي المبدأ (ارتسام المحسوسات) أَي انطباعها (أَي صورها) بِحَذْف الْمُضَاف، لِأَن أَنْفسهَا موجودات خارجية لَا يُمكن ارتسامها (فِيهَا) أَي فِي الْحَواس (ونهايته) أَي نِهَايَة دَرك الْحَواس (فِي الْحَواس الْبَاطِنَة) الْخمس (وَهِي الْحس الْمُشْتَرك فِي مقدم الدِّمَاغ) ينطبع فِيهِ صور المحسوسات كلهَا عِنْد غيبتها عَن الْحَواس الظَّاهِرَة، ومقدمة الْبَطن الأول مِنْهُ الَّذِي هُوَ مبدأ عصب الْحَواس (فيودعها) أَي الْحس الْمُشْتَرك (خزانته الخيال) عطف بَيَان لخزانتها لتحفظها، وَهِي قُوَّة مرتبَة فِي مُؤخر الْبَطن الأول من الدِّمَاغ (ثمَّ المفكرة) وَهِي قُوَّة مرتبَة فِي الْجُزْء الأول من الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ بهَا يَقع التَّرْكِيب وَالتَّفْصِيل بَين الصُّور المحسوسة الْمَأْخُوذَة من الْحس الْمُشْتَرك والمعاني المدركة بالوهم كإنسان لَهُ رأسان، أَو عديم الرَّأْس، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (تأخذها) أَي المفكرة صور المحسوسات (مِنْهُ) أَي من الْحس الْمُشْتَرك (للتركيب كَمَا تَأْخُذ من خزانَة الْوَهم) أَي الْقُوَّة (الحافظة فِي الْمُؤخر) أَي مُؤخر الدِّمَاغ (مستودعاته) مفعول تَأْخُذ (من الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالمحسوس) فالوهم قُوَّة مرتبَة فِي آخر الْبَطن الْأَوْسَط من الدِّمَاغ يدْرك بهَا الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمَذْكُورَة (كصداقة زيد) وعداوة عَمْرو، والحافظة قُوَّة مرتبَة فِي الْبَطن الْأَخير مِنْهُ (وَهَذَا الْأَخْذ) الْمعبر عَنهُ بقوله: ثمَّ المفكرة تأخذها مِنْهُ للتركي (ابْتِدَاء عمل الْعقل، وَلما احْتَاجَ) ثُبُوت (هَذِه) الْأُمُور من الْعقل الَّذِي هُوَ الْجَوْهَر المجرّد الْمُتَعَلّق بِالْقَلْبِ والحواس الْبَاطِنَة (إِلَى سمع) أَي دَلِيل سَمْعِي يثبتها (عِنْد كثير من أهل الشَّرْع وَلم يكتف) فِي الِاسْتِدْلَال على وجودهَا (بِكَوْن فَسَاد هَذِه الْبُطُون) الَّتِي هِيَ محالها (يُوجب فَسَاد ذَلِك الْأَثر) الْمَذْكُور من ارتسام صور المحسوسات والتركيب والمعاني الْجُزْئِيَّة (وَكَانَ الْمُحَقق) الَّذِي لَا شُبْهَة فِي وجوده (هُوَ الْإِدْرَاك، وَهُوَ) أَي الْإِدْرَاك (بخلقه تَعَالَى) أَي مخلوقه عِنْد وجود السَّبَب العادي (لم يزدْ القَاضِي الباقلاني على أَن الْعقل بعض الْعُلُوم الضرورية) إِذْ لَو كَانَ كلهَا لزم عدم وجود الْعقل لفاقد الْبَعْض لفقد شَرط من الْتِفَات أَو تجربة أَو تَوَاتر وَنَحْو ذَلِك، والاتفاق على أَنه عَاقل، وَلَو كَانَ الْعلم بالنظريات للَزِمَ مثل ذَلِك (وَالْأَكْثَر) على أَن الْعقل (قُوَّة بهَا إِدْرَاك الكليات للنَّفس) وَقَالَ الإِمَام غريزة يتبعهَا الْعلم بالضروريات عِنْد سَلامَة الْآلَات. وَقَالَ بَعضهم: قُوَّة بهَا يُمَيّز بَين الْأُمُور المستحسنة
والقبيحة (ومحلها) أَي الْقُوَّة الَّتِي هِيَ الْعقل (الدِّمَاغ) وَهَذَا الرَّأْي (للفلاسفة) قَالَ الشَّارِح وخصوصا الْأَطِبَّاء وَأحمد فِي رِوَايَة وَأبي الْمعِين النَّسَفِيّ، وَعَزاهُ صدر الْإِسْلَام إِلَى أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، فَقَالَ: وَهُوَ جسم لطيف مضيء مَحَله الرَّأْس عِنْد عَامَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وأثره يَقع على الْقلب فَيصير الْقلب مدْركا بِنور الْعقل الْأَشْيَاء كَالْعَيْنِ تصير مدركة بِنور الشَّمْس الْأَشْيَاء. وَاحْتَجُّوا بِأَن الرجل يضْرب فِي رَأسه فيزول عقله وَلَا يَزُول بِضَرْب عُضْو آخر (وَالْقلب) عطف على الدِّمَاغ (اللَّحْم) الصنوبري الشكل الْمُودع فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الصَّدْر، عطف بَيَان للقلب (للأصوليين) كَالْقَاضِي أبي زيد، وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة لقَوْله تَعَالَى - {فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا} {إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب} -: أَي عقل من ذكر الْمحل وَإِرَادَة الْحَال وَأجِيب عَن حجَّة الْأَوَّلين بِأَنَّهُ لَا يمْنَع زَوَال الْعقل وَهُوَ فِي الْقلب بِفساد الدِّمَاغ لما بَينهمَا من الارتباط كَمَا لَا يمْنَع عدم نَبَات شعر اللِّحْيَة بِقطع الاثنيين، وَقيل التَّحْقِيق: أَن أَصله ومادته من الْقلب وَيَنْتَهِي إِلَى الدِّمَاغ (وَهِي) أَي الْقُوَّة الْمُفَسّر بهَا الْعقل (المُرَاد بذلك النُّور وَقَوْلهمْ) أَي الْحَنَفِيَّة (من مُنْتَهى دَرك الْحَواس إِشَارَة إِلَى أَن عمل الْعقل لَيْسَ فِيهَا) أَي فِي مدركات الْحَواس (فَإِنَّهَا مدركات الصّبيان والبهائم) والمجانين، فَعلم أَن مُجَرّد الْحَواس كَاف فِي ذَلِك من غير حَاجَة إِلَى الْعقل (بل) عمل الْعقل (فِيمَا يَنْزعهُ مِنْهَا) أَي المدركات الحسية (وَهُوَ) أَي عمله (عِنْد انْتِهَاء دَرك الْحَواس، وَعَمله التَّرْتِيب السالف) أَي النّظر الْمَذْكُور فِي أول الْكتاب (فيخلق الله عَقِيبه) أَي التَّرْتِيب الْمَذْكُور (علم الْمَطْلُوب بِالْعَادَةِ) من غير وجوب على مَا هُوَ الْحق، وَلَيْسَ المُرَاد من قَوْلهم عِنْد انْتِهَاء دركها أَنه لَا يصدر مِنْهُ عمل إِلَّا عِنْد ذَلِك، بل المُرَاد أَنه لَا عمل لَهُ قبل ذَلِك (وَأما جعل النُّور الْعقل الأول) الثَّابِت (عِنْد الفلاسفة الْجَوْهَر) الْفَرد (الْمُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي نَفسه وَفعله) عطف بَيَان لِلْعَقْلِ الأول وَزَعَمُوا أَنه أول الْمَخْلُوقَات، فَالْمُرَاد بِالنورِ الْمنور أَو المضيء بِذَاتِهِ كنور الشَّمْس، فَإِن مَا سوى الشَّمْس مضيء بِغَيْرِهِ وَهُوَ الشَّمْس، وَالشَّمْس مضيء بوصفها وَهُوَ نورها، ونورها مضيء بِذَاتِهِ والجاعل صدر الشَّرِيعَة، لَكِن على سَبِيل الِاحْتِمَال الْمُمكن (فبعيد عَن الصَّوَاب) فَإِن الْأُصُولِيِّينَ جعلُوا الْعقل من صِفَات الْمُكَلف وفسروه بِهَذَا التَّفْسِير، فَكيف يتَصَوَّر أَن يُرَاد بِالنورِ الْمَذْكُور فِي تفسيرهم ذَلِك! (وَكَذَا) بعيد عَن الصَّوَاب (جعله) أَي النُّور الْمَذْكُور (إشراقه) أَي الْأَثر الفائض من هَذَا الْجَوْهَر على نفس الْإِنْسَان كَمَا ذكره صدر الشَّرِيعَة احْتِمَالا آخر مُمكنا، لِأَنَّهُ لَيْسَ من صِفَات الْمُكَلف: بل هُوَ من تَوَابِع ذَلِك الْجَوْهَر: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يتجوز فِيهِ مُسَامَحَة، وَلَا يخفى بعده والاستغناء عَنهُ (مَعَ أَن مَا يحصل بإشراقه) وإفاضة نوره (على النَّفس
والمدرك) عطف تفسيري لَهَا (الْإِدْرَاك) فَاعل يحصل (عِنْدهم) أَي الفلاسفة خبر إِن (الْعقل الْعَاشِر الْمُتَعَلّق بفلك الْقَمَر، وَإِلَيْهِ ينسبون الْحَوَادِث اليومية على مَا هُوَ كفرهم): يَعْنِي مَذْهَبهم الْمُشْتَمل على أَنْوَاع من الْكفْر (لَا) الْعقل (الأول، وَكَذَا) بعيد عَن الصَّوَاب (جعله) أَي النُّور الْمَذْكُور (الْمرتبَة الثَّانِيَة من مَرَاتِب النَّفس) الناطقة بِحَسب مَالهَا من التعقل، وَهِي أَرْبَعَة: الأولى استعداد بعيد نَحْو الْكَمَال بِمُجَرَّد قابليتها لإدراك المعقولات مَعَ خلوّها عَن إِدْرَاكهَا بِالْفِعْلِ كَمَا للأطفال وَهِي لَيست لسَائِر الْحَيَوَانَات، وَيُسمى عقلا هيولانيا تَشْبِيها بالهيولي الخيالية فِي نَفسهَا عَن جَمِيع الصُّور الْمُقَابلَة لَهَا الثَّانِيَة استعداد متوسط لتَحْصِيل النظريات بعد حُصُول الضروريات، وَتسَمى عقلا بالملكة كَمَا سَيَجِيءُ لما حصل بهَا من ملكة الِانْتِقَال إِلَى النظريات وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ فِيهَا جدا الثَّالِثَة الإقدار على استحصال النظريات مَتى شَاءَت من غير احْتِيَاج إِلَى كسب جَدِيد لكَونهَا مكتسبة مخزونة تحضر بِمُجَرَّد الِالْتِفَات، وَيُسمى عقلا بِالْفِعْلِ لقربها من الْفِعْل الرَّابِعَة حُصُول النظريات مُشَاهدَة، وَيُسمى عقلا مستفادا لاستفادتها من الْعقل الفعال (أَعنِي) بالمرتبة الثَّانِيَة (الْعقل بالملكة) وَإِنَّمَا كَانَ بَعيدا (لِأَنَّهُ) أَي النُّور الْمَذْكُور (آلَة لَهَا) أَي لهَذِهِ الْمرتبَة لَا نَفسهَا (والمسمى) بِالْعقلِ بالملكة (هِيَ) أَي النَّفس (فِي هَذِه الْمرتبَة أَو الْمرتبَة) الَّتِي فِيهَا النَّفس (وكل هَذِه) الِاحْتِمَالَات (فضلات الفلاسفة لَا يَلِيق بالشرعي) كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: أَي بِالَّذِي لَهُ نِسْبَة إِلَى الشَّرْع ليرتبط بِهِ قَوْله (الْبناء عَلَيْهَا) أَي على الاعتبارات الْمَذْكُورَة الموهومة (لعدم الِاعْتِدَاد بهَا شرعا، ثمَّ يتَفَاوَت) الْعقل بِحَسب الْفطْرَة بِالْإِجْمَاع وَشَهَادَة الْآثَار، فَرب صبي أَعقل من بَالغ (وَلَا يناط) التَّكْلِيف (بِكُل قدر) بِأَن يُكَلف كل من لَهُ مِقْدَار من الْعقل قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا لقُصُور بعض مراتبه عَن فهم الْخطاب وتدبير الْعَمَل لكَونه خَارِجا عَن وَسعه، وَلَا تَكْلِيف إِلَّا على قدر الوسع فاحتيج إِلَى ضَابِط بِكَوْن منَاط التَّكْلِيف (فأنيط بِالْبُلُوغِ) حَال كَونه (عَاقِلا، وَيعرف) كَونه عَاقِلا (بالصدر عَنهُ) من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال، فَإِن كَانَ على سنَن وَاحِد كَانَ معتدل الْعقل، وَهَذَا الِاعْتِدَال إِنَّمَا يحصل غَالِبا عِنْد الْبلُوغ، فأدير التَّكْلِيف عَلَيْهِ تيسير للعباد، فَإِذا بلغ وَمَا يصدر عَنهُ على نمط وَاحِد على الْوَجْه الْمَعْرُوف بَين النَّاس حكم بِكَوْنِهِ مُكَلّفا (وَأما قبله) أَي الْبلُوغ هَل يتَحَقَّق التَّكْلِيف (فِي صبي عَاقل فَعَن أبي مَنْصُور) الماتريدي وَكثير من مَشَايِخ الْعرَاق كَمَا سبق فِي الْفَصْل الثَّانِي فِي الحكم (والمعتزلة إناطة وجوب الْإِيمَان بِهِ) أَي بعقله (وعقابه) أَي الصَّبِي الْعَاقِل (بِتَرْكِهِ) أَي الْإِيمَان لمساواته البالع فِي كَمَال الْعقل، وَإِنَّمَا عذر فِي عمل الْجَوَارِح لضعف الْبَيِّنَة بِخِلَاف عمل الْقلب، غير أَن عِنْد هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ كَمَال الْعقل معرف للْوُجُوب كالخطاب، والموجب
هُوَ الله تبارك وتعالى، بِخِلَاف الْمُعْتَزلَة فَإِن الْعقل عِنْدهم يُوجب بِذَاتِهِ كَمَا أَن العَبْد موجد لأفعاله. كَذَا ذكره الشَّارِح (ونفاه) أَي وجوب الْإِيمَان (بَاقِي الْحَنَفِيَّة دارية) لقَوْله صلى الله عليه وسلم " رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث: عَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ، وَعَن الصبيّ حَتَّى يَحْتَلِم، وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يعقل ". قَالَ النَّوَوِيّ رحمه الله: مَعْنَاهُ امْتنَاع التَّكْلِيف، لَا أَنه رفع بعد وَضعه انْتهى، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ رحمه الله: الْأَحْكَام إِنَّمَا تعلّقت بِالْبُلُوغِ بعد الْهِجْرَة، وَقبلهَا إِلَى عَام الخَنْدَق كَانَت تتَعَلَّق بالتمييز: فعلى هَذَا يكون الرّفْع بعد الْوَضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُمَيز، كَذَا ذكره الشَّارِح (وَرِوَايَة لعدم انْفِسَاخ نِكَاح المراهقة بِعَدَمِ وَصفه) أَي الْإِيمَان كَمَا مر فِي الْفَصْل الثَّانِي فِي الْحَاكِم. (وَاتفقَ غير الطَّائِفَة من البخاريين) من الْحَنَفِيَّة (على وُجُوبه) أَي الْإِيمَان (على بَالغ) عَاقل (لم تبلغه دَعْوَة على التَّفْصِيل) السَّابِق فِي الْفَصْل الْمَذْكُور: وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. (وَهَذَا فصل اخْتصَّ الْحَنَفِيَّة بعقده فِي الْأَهْلِيَّة) أَهْلِيَّة الْإِنْسَان للشَّيْء صلاحيته لصدوره وَطَلَبه مِنْهُ وقبوله إِيَّاه (وَهِي ضَرْبَان: أَهْلِيَّة الْوُجُوب) للحقوق الْمَشْرُوعَة لَهُ وَعَلِيهِ (وأهلية الْأَدَاء كَونه مُعْتَبرا فعله شرعا، وَالْأول بِالذِّمةِ وصف شَرْعِي) أَي ثَابت بِاعْتِبَار الشَّرْع تثبت (بِهِ الْأَهْلِيَّة لوُجُوب مَاله و) مَا (عَلَيْهِ) من الْحُقُوق الْمَشْرُوعَة: إِذْ الْوُجُوب شغل الذِّمَّة، وَأورد عَلَيْهِ أَنه يصدق على الْفِعْل بالتفسير الأول، وَأَن الْأَدِلَّة لَا تدل على ثُبُوت مُغَاير لِلْعَقْلِ وَأجِيب بِمَنْع الصدْق عَلَيْهِ وَلَا يظْهر وَجه الْمَنْع، نعم قد يُقَال: إِن الدَّلِيل يدل على ثُبُوت مُغَاير لِلْعَقْلِ، إِذْ الْمَجْنُون لَهُ أَهْلِيَّة مَاله وَعَلِيهِ فِي الْجُمْلَة (و) قَالَ (فَخر الْإِسْلَام) الذِّمَّة (نفس ورقبة لَهَا) أَي للنَّفس (عهد) والعطف تفسيري (وَالْمرَاد أَنَّهَا) أَي الذِّمَّة (الْعَهْد) الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى - {وَإِذا أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} -: الْآيَة. وَعَن أبيّ بن كَعْب فِي تَفْسِيرهَا جمعهم لَهُ يَوْمئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فجعلهم أَزْوَاجًا ثمَّ صورهم فاستنطقهم فتكلموا، وَأخذ عَلَيْهِم الْعَهْد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم؟ قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة أَنا كُنَّا عَن هَذَا غافلين، فَلَا تكفرُوا بِي فَإِنِّي أرسل إِلَيْكُم رسلًا يذكرونكم عهدي وميثاقي، والْحَدِيث فَإِن قيل كَيفَ قَامَت عَلَيْهِم الْحجَّة الْآن بذلك الْإِقْرَار وهم لَا يذكرُونَ ذَلِك الْعَهْد، فَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ المُرَاد إِلَّا قيام الْحجَّة يَوْم الْقِيَامَة وهم يذكرُونَ عِنْد ذَلِك إِمَّا بِخلق الذّكر فيهم، أَو بِإِزَالَة الْمُوجب للنسيان، أَو لِأَن الصَّادِق أخْبرهُم بِوُقُوع ذَلِك فلزمهم تَصْدِيقه (فَفِي ذمَّته) أَي فَقَوْل الْقَائِل فِي ذمَّته كَذَا يُرَاد بِهِ (فِي نَفسه بِاعْتِبَار عهدهما من) إِطْلَاق اسْم (الحالّ) وَهُوَ الذمّة (فِي الْمحل) وَهُوَ النَّفس (جعلت) النَّفس (كظرف) يسْتَقرّ فِيهِ الْوُجُوب (لقُوَّة التَّعَلُّق) أَي تعلق الْعَهْد الَّذِي هُوَ منشأ الْوُجُوب بِالنَّفسِ
(فَقبل الْولادَة ثمَّ نفس مُنْفَصِل من وَجه) لاستقلاله بِنَفسِهِ من جِهَة التفرد بِالْحَيَاةِ وَإِن كَانَ جُزْءا من أمه من وَجه لقراره وانتقاله بقرارها، وانتقالها كيدها ورجلها، وتبعيته لَهَا فِي الْعتْق وَالرّق ودخوله فِي بيعهَا (فَهِيَ) أَي الذِّمَّة ثَابِتَة لَهُ (من وَجه من الْوُجُوب لَهُ من وَصِيَّة وميراث وَنسب وَعتق على الِانْفِرَاد) أَي دون الْأُم إِذا كَانَ مُحَقّق الْوُجُود وَقت تعلق وُجُوبهَا لَهُ على مَا عرف فِي مَحَله (لَا عَلَيْهِ) أَي غير ثَابِتَة فِيمَا يجب عَلَيْهِ (فَلَا يجب فِي مَاله ثمن مَا اشْترى الْوَلِيّ لَهُ، وَبعد الْولادَة تمت لَهُ) الذِّمَّة من كل وَجه (فاستعقبته) أَي الذِّمَّة الْوُجُوب (لَهُ وَعَلِيهِ إِلَّا مَا) أَي إِلَّا وجوب فعل (يعجز عَن أَدَائِهِ لانْتِفَاء فَائِدَته) أَي ذَلِك الْوُجُوب. ثمَّ بَين الْمُسْتَثْنى بقوله (مِمَّا لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ مُجَرّد المَال) كالعبادة الْمَحْضَة، فَإِن فَائِدَة وُجُوبهَا الْأَدَاء على سَبِيل التَّعْظِيم عَن اخْتِيَار وَقصد صَحِيح، وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يعقل لَا يتَصَوَّر مِنْهُ مَا ذكر وَالَّذِي يعقل عَن أَدَائِهِ وَلَا يَنُوب عَنهُ وليه فِي ذَلِك، لِأَن ثُبُوت الْولَايَة جبري لَا اختياريّ: فَلَا يصلح طَاعَة (وَذَلِكَ) أَي مَا بَقِي بعد الثنيا: أَي مَا يجب على الصَّبِي الْمَذْكُور مِمَّا الْمَقْصُود مِنْهُ مُجَرّد المَال (كَمَال الْغرم) أَي الغرامات الْمَالِيَّة الَّتِي هِيَ من حُقُوق الْعباد كَمَا لَو انْقَلب على مَال إِنْسَان فأتلفه عَلَيْهِ الضَّمَان (والعوض) فِي الْمُعَاوَضَات الْمَالِيَّة من البيع وَالشِّرَاء وَنَحْوهمَا لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُمَا المَال جبرا لفائت، وَأَدَاء لحق الْمُعَارضَة لَا الطَّاعَة، فَيحصل بأَدَاء وليه (والمؤنة) أَي مُؤنَة مَا فِي ملكه من الأَرْض وَغَيرهَا (كالعشر وَالْخَرَاج وصلَة كالمؤنة) أَي وَمثل تَشْبِيه صلَة الْمُؤْنَة (كَنَفَقَة الْقَرِيب) فَإِنَّهَا تشبه الْمُؤْنَة من جِهَة أَنَّهَا تجب على الْغَنِيّ كِفَايَة لما يحْتَاج إِلَيْهِ أَقَاربه، وَكَذَا لَا يجب على غير الْمُوسر، وَالْمَقْصُود مِنْهَا سد خلة الْقَرِيب بوصول كِفَايَته، وَذَلِكَ بِالْمَالِ (وكالعوض) أَي وَمثل صلَة تشبه الْعِوَض (كَنَفَقَة الزَّوْجَة) فَإِنَّهَا تشبهه من جِهَة وُجُوبهَا جُزْء للاحتباس الْوَاجِب عَلَيْهَا، وَمَا جعلت عوضا مَحْضا لِأَنَّهُمَا لم تجب بِعقد الْمُعَاوضَة، ولكونها صلَة تسْقط بمضيّ الْمدَّة إِذا لم يُوجد الْتِزَام كَنَفَقَة الْقَرِيب، ولشبهما بالأعواض تعْتَبر دينا بالالتزام (لَا) مَا يكون من الصِّلَة (كالأجزية) فَإِنَّهَا لَا تجب فِي مَاله (كالعقل) أَي كتحمل شَيْء من الدِّيَة مَعَ الْعَاقِلَة فَإِنَّهُ صلَة، لَكِن فِيهِ معنى الْجَزَاء على ترك حفظ السَّفِيه وَالْأَخْذ على يَد الظَّالِم، وَلذَا اخْتصَّ بِهِ رجال الْعَشِيرَة دون الصَّبِي وَالنِّسَاء لأَنهم لَيْسُوا من أهل الْحِفْظ مَعَ أَنه عُقُوبَة وَالصَّبِيّ لَيْسَ من أَهلهَا، وَهَذَا (بِخِلَاف الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا لم تجب عَلَيْهِ (للْحَرج) وَذهب بعض الْمَشَايِخ كَالْقَاضِي أبي زيد إِلَى وجوب حُقُوق الله تَعَالَى جَمِيعًا على الصَّبِي، لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على صِحَة الْأَسْبَاب وَقيام الذِّمَّة وَقد تحققا فِيهِ، لَا على الْقُدْرَة والتمييز لِأَنَّهُمَا قد يعتبران فِي حق وجوب الْأَدَاء، وَهُوَ غير أصل الْوُجُوب، ورده الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم بِأَنَّهُ
إخلاء لَا يُجَاب الشَّرْع من الْفَائِدَة فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة، وَهِي الْجَزَاء إِلَى غير ذَلِك مِمَّا بَين فِي الشَّرْح (وَلذَا) أَي للُزُوم الْحَرج (لَا يقْضِي) أَي لَا يجب عَلَيْهِ قَضَاء (مَا مضى من الشَّهْر) أَي شهر رَمَضَان (إِذا بلغ فِي أَثْنَائِهِ) أَي الشَّهْر (بِخِلَاف الْمَجْنُون والمغمى عَلَيْهِ إِذا لم يستوعباه) أَي الْجُنُون وَالْإِغْمَاء الشَّهْر فَإِنَّهُ يجب قَضَاء مَا فاتهما مِنْهُ لثُبُوت أصل الْوُجُوب فِي حَقّهمَا ليظْهر فِي الْقَضَاء، لِأَن صَوْم مَا دون الشَّهْر من سنة لَا يُوجب الْحَرج (بِخِلَاف الْمُسْتَوْعب من الْجُنُون) للشهر فَإِنَّهُ لَا يجب فِي حَقه الْقَضَاء، لِأَن امتداد الْجُنُون كثير فَيلْزم الْحَرج، بِخِلَاف الْإِغْمَاء فَإِنَّهُ يثبت الْوُجُوب مَعَه إِذا استوعب الشَّهْر ليظْهر حكمه فِي الْقَضَاء، لِأَنَّهُ نَادِر وَلَا حرج فِي النَّادِر (والممتد مِنْهُمَا) أَي وَبِخِلَاف الممتد من الْجُنُون وَالْإِغْمَاء (يَوْمًا وَلَيْلَة فِي حق الصَّلَاة) قَالَ الشَّارِح رحمه الله: وَهَذَا سَهْو، وَالصَّوَاب مَا نذكرهُ فِي بحث الْجُنُون أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة فَإِن الممتد مِنْهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَة فِي حق الصَّلَاة لَا يمْنَع ثُبُوت الْوُجُوب مَعَه ليظْهر فِي حق الْقَضَاء لعدم الْحَرج بِانْتِفَاء ثُبُوت الْكَثْرَة لعدم الدُّخُول فِي حد التّكْرَار انْتهى، وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن المُرَاد بِقَرِينَة مَا سَيَأْتِي المتجاوز مِنْهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَة لما فِي الامتداد من معنى التجاوز وَلَا يخفى مَا فِي عباراته من ترك الْأَدَب مَعَ الْأُسْتَاذ (بِخِلَاف النّوم فيهمَا) أَي الْيَوْم وَاللَّيْلَة استيعابا لَهما فَإِنَّهُ لَا يمْنَع ثُبُوت الْوُجُوب مَعَه لمصْلحَة الْقَضَاء (إِذْ لَا حرج لعدم الامتداد عَادَة) لِأَنَّهُ نَادِر (وَالزَّكَاة وَإِن تأدت بالنائب لَكِن إِيجَابهَا للابتلاء بِالْأَدَاءِ بِالِاخْتِيَارِ، وَلَيْسَ) الصَّبِي (من أهلهما) أَي الْأَدَاء وَالِاخْتِيَار (وَلذَا) أَي وَلكَون الْإِيجَاب لما ذكر (أسقط مُحَمَّد الْفطْرَة) أَي وُجُوبهَا عَلَيْهِ (تَرْجِيحا لِمَعْنى الْعِبَادَة، واكتفيا) أَي أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف رحمهمَا الله (فِيهِ بالقاصرة) أَي بالأهلية القاصرة فِيهَا فأوجباها عَلَيْهِ (تَرْجِيحا للمؤنة) فِيهَا وَقد سبق أَن قَول مُحَمَّد أوضح (وَبِخِلَاف الْعُقُوبَات كَالْقصاصِ والأجزية كحرمان الْإِرْث بقتْله) لمورثه فَإِنَّهَا لَا تجب عَلَيْهِ لعدم أَهْلِيَّته للعقوبات وَالْجَزَاء لِأَنَّهُمَا للتقصير، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله:(لِأَنَّهُ) أَي الصَّبِي (لَا يُوصف بالتقصير، وَاسْتثنى فَخر الْإِسْلَام) وَالْقَاضِي أَبُو زيد والحلواني (من الْعِبَادَات الْإِيمَان فَأثْبت) فَخر الْإِسْلَام وَمن وَافقه أصل (وُجُوبه) أَي الْإِيمَان (فِي الصَّبِي الْعَاقِل لسببية حُدُوث الْعَالم) لما فِيهِ من الْآيَات الدَّالَّة على وجود الْمُحدث تبارك وتعالى لنَفس وُجُوبه وَقيام الذِّمَّة لَهُ (لَا الْأَدَاء) أَي لم يثبت وجوب الْأَدَاء لِأَنَّهُ بِالْخِطَابِ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْل للخطاب لعدم كَمَال الْعقل واعتداله (فَإِذا أسلم) الصَّبِي (عَاقِلا وَقع) إِسْلَامه (فرضا) لِأَن صِحَّته لَا تتَوَقَّف على وجوب الْأَدَاء بل على مشروعيته كَصَوْم الْمُسَافِر، ثمَّ هُوَ فِي نَفسه غير متنوع إِلَى فرض وَنفل فَتعين كَونه فرضا (فَلَا يجب تجديده) أَي الْإِسْلَام حَال كَونه (بَالغا كتعجيل الزَّكَاة بعد السَّبَب) لوُجُوبهَا إِذْ كل مِنْهُمَا وَقع بعد
تحقق أصل الْوُجُوب قبل الْأَدَاء فَكَمَا صَحَّ ذَلِك عَن الْفَرْض صَحَّ هَذَا عَنهُ (فَإِن قيل مثله) أَي جَوَاز الحكم بعد تحقق سَبَب وُجُوبه قبل تحقق سَبَب وجوب أَدَائِهِ (يتَوَقَّف على السّمع) لِأَن سُقُوط مَا يسْتَحبّ أَدَاؤُهُ بِفِعْلِهِ قبل أَن يجب على خلاف الْقيَاس (قُلْنَا) نعم، وَقد وجد وَهُوَ (إِسْلَام عليّ رضي الله عنه أخرج الإِمَام البُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَن عُرْوَة رضي الله عنه وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. وَأخرج الْحَاكِم من طَرِيق إِسْحَاق أَنه رضي الله عنه أسلم وَهُوَ ابْن عشر سِنِين، وَعَن عبد الله بن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: دفع النَّبِي صلى الله عليه وسلم الرَّايَة إِلَى عليّ رضي الله عنه يَوْم بدر وَهُوَ ابْن عشْرين سنة، وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَالَ الذَّهَبِيّ رحمه الله: هَذَا نَص على أَنه أسلم وَله أقل من عشر سِنِين، بل نَص على أَنه أسلم وَهُوَ ابْن سبع أَو ثَمَان سِنِين، وَقَالَ بعض الْمُحدثين فعلى هَذَا يكون عمره حِين أسلم خمس سِنِين لِأَن إِسْلَامه رضي الله عنه كَانَ فِي أول المبعث، وَمن المبعث إِلَى بدر خمس عشرَة سنة فَلَعَلَّ فِيهِ تجوزا بإلغاء الْكسر الَّذِي فَوق الْعشْرين، وَكَأن تَصْحِيح النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِسْلَامه مَأْخُوذ من تَقْرِيره عليه الصلاة والسلام لَهُ على ذَلِك، وَقَالَ عفيف عَن الْعَبَّاس رضي الله عنه أَنه قَالَ فِي أول المبعث لم يُوَافق مُحَمَّدًا عليه الصلاة والسلام على دينه إِلَّا امْرَأَته خَدِيجَة رضي الله عنها وَهَذَا الْغُلَام عليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه. قَالَ عفيف: فرأيتهم يصلونَ فوددت أَنِّي أسلمت حِينَئِذٍ فَأَكُون ربع الْإِسْلَام، وَعَن المُصَنّف رحمه الله أَنه إِن أُرِيد تَصْحِيحه صلى الله عليه وسلم فِي أَحْكَام الْآخِرَة فَمُسلم، وكلامنا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا وَالْآخِرَة حَتَّى لَا يَرث أَقَاربه الْكفَّار وَنَحْو ذَلِك وَلم ينْقل تَصْحِيحه إِلَّا فِي الْعِبَادَات فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَه وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يصحح صلَاته، وَصِحَّة الصَّلَاة فرع صِحَة الْإِيمَان انْتهى. وَلَا يخفى أَن الظَّاهِر مِنْهُ تَصْحِيحه فِي حق كل مَا يترفع عَلَيْهِ وَالله سبحانه وتعالى أعلم، ثمَّ قَالَ صَاحب الْكَشْف وكلامنا فِي صبي عَاقل يناظر فِي وحدانية الله تَعَالَى وَصِحَّة رِسَالَة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم على وَجه لَا يبْقى فِي مَعْرفَته شُبْهَة (وعَلى مَا قدمنَا) هـ من الْبَحْث الَّذِي ينتفى بِهِ تحقق أصل الْوُجُوب فِي مسئلة ثُبُوت السَّبَبِيَّة لوُجُوب الْأَدَاء بِأول الْوَقْت موسعا فِي الْفَصْل الثَّالِث (يَكْفِي السّمع) أَي الْأَدِلَّة السمعية معينا (عَن) اعْتِبَار (أصل الْوُجُوب) تَوْضِيحه أَن الدَّاعِي لاعْتِبَار وُقُوع بعض الْأَفْعَال عَن الْوَاجِب قبل وجوب الْأَدَاء بعد تحقق سَببه فَلَو لم يعْتَبر هُنَاكَ أصل الْوُجُوب لم يبْق لوُقُوعه عَنهُ وَجه، وَلَا حَاجَة لاعْتِبَار أصل الْوُجُوب (ونفاه) أَي أصل الْوُجُوب للْإيمَان عَن الصَّبِي الْعَاقِل (شمس الْأَئِمَّة) السَّرخسِيّ رحمه الله (لعدم حكمه) أَي الْوُجُوب وَهُوَ لُزُوم الْأَدَاء وَهُوَ لَا يجب بِدُونِهِ وَإِن وجد السَّبَب وَالْمحل (وَلَو أدّى) الصبيّ الْمَذْكُور أَي آمن (وَقع) ذَلِك المؤدّي (فرضا لِأَن عدم الْوُجُوب كَانَ لعدم حكمه) أَي كَانَ لعَجزه المفضي إِلَيّ
عدم تحقق الْأَدَاء نظرا إِلَى ظَاهر حَاله (فَإِذا وجد) الحكم الَّذِي هُوَ الْأَدَاء (وجد) الْوُجُوب كَمَا مر فِي صَوْم الْمُسَافِر، وكأداء صَلَاة الْجُمُعَة فِي حق من لَا يجب عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يصير بِهِ مُؤديا للْفَرض وَإِن لم يكن وجوبا ثَابتا فِي حَقه قبل الْأَدَاء (وَالْأول) أَي قَول فَخر الْإِسْلَام وَمن وَافقه (أوجه) إِذْ الْمُسَافِر وَمن لَا تجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة إتيانهما بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة مَسْبُوق بِالْوُجُوب فِي الْجُمْلَة فوقوعهما عَن الْفَرْض موجه، بِخِلَاف فعل الصَّبِي على طَريقَة شمس الْأَئِمَّة، وَأَيْضًا لَا نسلم أَن حكم الْوُجُوب هُوَ وجوب الْأَدَاء إِنَّمَا ذَلِك حكم الْخطاب بل حكمه صِحَة الْأَدَاء وَهِي متحققة. هَذَا وَقد أَجمعُوا على عدم وجوب نِيَّة فرض الْإِيمَان على الْبَالِغ الْمَحْكُوم بِصِحَّة إِسْلَامه صَبيا تبعا لِأَبَوَيْهِ الْمُسلمين (وَلعدم حكمه) أَي الْوُجُوب (من الْأَدَاء لم تجب الصَّلَاة على الْحَائِض لانْتِفَاء الْأَدَاء شرعا) فِي حَالَة الْحيض (وَالْقَضَاء) بعد الطَّهَارَة مِنْهُ (للْحَرج والتكليف) أَي وَالْحَال أَن تَكْلِيف الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ مَا هُوَ فِي قدرتهم إِنَّمَا هُوَ (لِرَحْمَتِهِ) تَعَالَى لَهُم لِأَنَّهُ طَرِيق حُصُول الثَّوَاب فِي السّنة الإلهية (والحرج طَرِيق التّرْك) الْمُوجب للعقاب (فَلم يتَعَلَّق) التَّكْلِيف (ابْتِدَاء بِمَا فِيهِ) الْحَرج (فضلا) من الله سبحانه وتعالى (بِخِلَاف الصَّوْم) فَإِنَّهُ لَا حرج فِي قَضَائهَا إِيَّاه لوُقُوعه فِي السّنة مرّة (فَثَبت) أصل الْوُجُوب عَلَيْهَا (لفائدة الْقَضَاء وَعدم الْحَرج وأهلية الْأَدَاء نَوْعَانِ) أحداهما (قَاصِرَة لقُصُور الْعقل وَالْبدن كَالصَّبِيِّ الْعَاقِل) أَي كأهليته (وَالْمَعْتُوه الْبَالِغ) وَإِن كَانَ قوي الْبدن، فِي الْقَامُوس عَنهُ كغني عتها وعتاها فَهُوَ معتوه: نقص عقله (وَالثَّابِت مَعهَا) أى القاصرة (صِحَة الْأَدَاء) لَا وُجُوبه اذ فِيهَا نفعة بِلَا شَائِبَة ضَرَر (و) الْأُخْرَى (كَامِلَة بكمالهما) أَي الْعقل وَالْبدن (ويلزمها) أَي الْكَامِلَة (وُجُوبه) أَي الْأَدَاء، وَقد يكون كَامِل الْعقل ضَعِيف الْبدن كالمفلوج فَيسْقط عَنهُ أَدَاء مَا يتَعَلَّق بِقُوَّة الْبدن وسلامته (فَمَا) يكون (مَعَ القاصرة) سنة لِأَنَّهُ (إِمَّا حق لله) تبارك وتعالى (لَا يحْتَمل حسنه الْقبْح) بِأَن يُبدل بالقبح فِي بعض الْأَحْوَال لبَعض الْعَوَارِض الْمُقْتَضِيَة لذَلِك (أَو قَبِيح لَا يحْتَمل الْحسن) بعكس مَا ذكرنَا (أَو مُتَرَدّد) بَين الْحسن والقبح (أَو غَيره) أَي غير حق الله تَعَالَى وَهُوَ حق العَبْد وَحِينَئِذٍ (فإمَّا) يكون مِمَّا (فِيهِ نفع أَو ضَرَر محضان) بِأَن لَا يكون أَحدهمَا مشوبا بِالْآخرِ (أَو مُتَرَدّد) بَين النَّفْع وَالضَّرَر (فَالْأول) أَي مَا هُوَ حق الله تَعَالَى وَلَا يحْتَمل حسنه الْقبْح (الْإِيمَان لَا يسْقط حسنه وَفِيه نفع مَحْض) إِنَّمَا ذكر هَذَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِيهِ شَائِبَة ضَرَر لَكَانَ يتَوَهَّم سُقُوط حسنه فِي بعض الْأَحْوَال، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد من الْإِيمَان التَّصْدِيق إِذْ الْإِقْرَار فِي بعض الْأَحْوَال يضر وَذَلِكَ عِنْد غَلَبَة الْكفَّار عَلَيْهِ (وتخلف الْوُجُود الْحكمِي عَن) الْوُجُود (الْحَقِيقِيّ) إِنَّمَا يكون (لحجر الشَّرْع) عَن الْحكمِي (وَلم يُوجد) حجره عَنهُ، وَالْمرَاد بالوجود الْحَقِيقِيّ حسن الْفِعْل لذاته بِحَسب نفس الْأَمر
فَإِن الْحَنَفِيَّة أثبتوا للْفِعْل حسنا وقبحا لذاته وَإِن لم يثبتوا الْوُجُوب وَالْحُرْمَة بِمُجَرَّد ذَلِك بِدُونِ السّمع كَمَا أثبت الْمُعْتَزلَة، وبالوجود الْحكمِي بحسنه وَالْعَمَل بِمُوجبِه، وَحجر الشَّرْع مَنعه عَن الْعَمَل بِمُوجبِه لمصْلحَة أهمّ من ذَلِك وَلم يُوجد مَنعه من الْعَمَل بِمُوجب حسن الْإِيمَان وَهُوَ الْإِتْيَان بِهِ (وَلَا يَلِيق) الْحجر عَنهُ بالشارع لعدم احْتِمَال حسنه الْقبْح بِوَجْه مَا، وَلَو صَار مَحْجُورا عَنهُ لأمر لَكَانَ قبيحا من تِلْكَ الْجِهَة. وَقد مر أَن نَفعه لَا يشوبه ضَرَر ثمَّ لما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَنه قد يكون فِيهِ ضَرَر فِي أَحْكَام الدُّنْيَا كحرمانه عَن مُوَرِثه الْكَافِر، والفرقة بَينه وَبَين زَوجته الْمَجُوسِيَّة أجَاب بقوله (وضرر حرمَان الْمِيرَاث وَفرْقَة النِّكَاح) أَي زَوَاله: أَي بينونة الْمَنْكُوحَة (مضافان إِلَى كفر الْقَرِيب و) كفر (الزَّوْجَة) لَا إِلَى إِيمَان الْقَرِيب وَالزَّوْج (وَلَو سلم) لُزُوم ذَلِك لَهُ (فَحكم الشَّيْء الْمُوجب) بِالرَّفْع صفة الحكم وفاعله (ثُبُوته) ومفعوله (صِحَّته) الضَّمِير الأول عَائِد إِلَى الحكم، وَالثَّانِي إِلَى الشي لَا الْعَكْس، وجر الْمُوجب صفة للشَّيْء كَمَا قَالَ الشَّارِح إِذْ يسْتَدلّ بِثُبُوت حكم الشَّيْء على صِحَة ذَلِك الشَّيْء لِأَنَّهُ لَو لم يكن صَحِيحا لما ثَبت حكمه. فَإِن غير الصَّحِيح لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الحكم فَإِن قلت كَذَلِك يسْتَدلّ بِثُبُوت الشَّيْء على صِحَة حكمه قلت حكم الشَّيْء ذَلِك الشَّيْء والتوصيف بِالصِّحَّةِ وضدها إِنَّمَا يَلِيق بِالْأَصْلِ دون الْفَرْع، يُقَال: البيع صَحِيح أَو فَاسد، وَلَا يُقَال: الْملك صَحِيح أَو فَاسد، ثمَّ حكم الشَّيْء مُبْتَدأ خَبره (مَا) أَي الحكم الَّذِي (وضع) الشَّيْء (لَهُ) أَي لذَلِك الحكم (وَوَضعه) أَي الْإِيمَان (لَيْسَ لذَلِك) أَي لحرمان الْإِرْث والفرقة بَين الزَّوْجَة وَبَينه (وَإِن لزم) ذَلِك (عِنْده) أَي الْإِيمَان لَازِما من لوازمه التابعة لوُجُوده، يَعْنِي لَو كَانَ الحرمان والفرقة حكما للْإيمَان بِأَن يكون الْإِيمَان مَوْضُوعا لَهُ فَيُوجب ثُبُوته صِحَة الْإِيمَان لَكَانَ يخل بِكَوْن الْإِيمَان نفعا مَحْضا، أما كَون بعض تَوَابِع وجوده ضَرَرا فَغير مخل بِهِ إِذْ لَا عِبْرَة بِهِ فِي جنب مَنَافِعه الْخَارِجَة عَن الْحَد وَالْعد (بل) وضع (لسعادة الدَّاريْنِ) فَهِيَ حِكْمَة الْمُوجب ثُبُوته صِحَة الْإِيمَان (مَعَ أَنه) أَي الْإِسْلَام (مُوجب إِرْثه من الْمُسلم فَلم يكن) لَازمه (محصورا فِي الأول) أَي حرمَان الْإِرْث وَيعود ملك نِكَاحه إِذا كَانَت أسلمت قبله فيتعارضان النَّفْع وَالضَّرَر ويتساقطان فَيبقى الْإِسْلَام فِي نَفسه نفعا مَحْضا، وَصَارَ هَذَا (كقبول هبة الْقَرِيب) من إِضَافَة الْمصدر إِلَى مَفْعُوله، والقابل الوليّ (من الصَّبِي) صلَة للقريب (يَصح) الْقبُول (مَعَ ترَتّب عتقه) أَي الْقَرِيب الْمَوْهُوب على الْقبُول (وَهُوَ) أَي عتقه (ضَرَر لِأَن الحكم الْأَصْلِيّ) للهبة إِنَّمَا هُوَ (الْملك بِلَا عوض) لَا الْعتْق الْمُرَتّب عَلَيْهَا فِي هَذِه الصُّورَة (وَعرض الْإِسْلَام عَلَيْهِ) أَي على الصَّبِي الَّذِي لَهُ زَوْجَة (لإسلام زَوجته) لِئَلَّا تبين عَنهُ (لصِحَّته) أَي الْإِسْلَام (مِنْهُ) أَي الصَّبِي (لَا لوُجُوبه) عَلَيْهِ (وضربه) أَي الصَّبِي
(لعشر) أَي عِنْد بُلُوغ سنه عشرا (على الصَّلَاة) أَي لأَجلهَا لقَوْله صلى الله عليه وسلم " مروا الصَّبِي بِالصَّلَاةِ إِذا بلغ سبع سِنِين. وَإِذا بلغ عشر سِنِين فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا " قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح إِنَّمَا شرع (تأديبا) أَي ليتخلق بأخلاق الْمُسلمين ويعتاد الصَّلَاة فِي الْمُسْتَقْبل (كالبهيمة) أَي كضربها على بعض الْأَفْعَال فَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم " تضرب الدَّابَّة على النفار وَلَا تضرب على العثار وَفِيه مقَال (لَا للتكليف وَالثَّانِي) أَي مَا هُوَ حق الله تَعَالَى وَلَا يحْتَمل قبحه الْحسن (الْكفْر) فَإِنَّهُ قَبِيح فِي كل حَال، وَهُوَ (يَصح مِنْهُ) أَي من الصَّبِي الْمُمَيز أَيْضا وَإِن لم يكن مُكَلّفا بالكف عَنهُ لعدم توجه الْخطاب إِلَيْهِ فَهُوَ إِذا اخْتَار الْكفْر اعْتبر كفره (فِي) حق (أَحْكَام الْآخِرَة) كالخلود فِي النَّار (اتِّفَاقًا) إِذْ الْعَفو وَدخُول الْجنَّة مَعَ الْكفْر مِمَّن يعْتَبر أَدَاؤُهُ لعقله وَصِحَّة دركه لم يرد بِهِ شرع وَلَا يحكم بِهِ عقل، كَذَا قَالُوا. وَقد يُقَال أَن قَوْله تَعَالَى - {وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا} - دلّ على أَن الْعَذَاب للمبعوث إِلَيْهِ، والمبعوث إِلَيْهِ: إِنَّمَا هُوَ الْمُكَلف، وَالصَّبِيّ لَيْسَ بمكلف، وَقد يُجَاب بِأَن عدم تَكْلِيفه مَعَ عُمُوم الخطابات إِنَّمَا هُوَ رَحْمَة لَهُ لضعف عقله أَو بنيته وَحَيْثُ اخْتَار الْكفْر مَعَ التَّمْيِيز بَين الْكفْر وَالْإِيمَان لم يبْق محلا للرحمة، وكلف بِالْإِيمَان فَتَأمل (وَكَذَا) يَصح (فِي) أَحْكَام (الدُّنْيَا خلافًا لأبي يُوسُف) آخرا وَالشَّافِعِيّ وَفِي الْمَبْسُوط وَفِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَهُوَ الْقيَاس، لِأَنَّهُ ضَرَر مَحْض كإعتاق عَبده، وَإِذا لم يَصح مِنْهُ مَا هُوَ مُتَرَدّد بَين النَّفْع وَالضَّرَر، فَمَا كَانَ ضَرَرا مَحْضا أولى، وَجه الِاسْتِحْسَان أَن الْكفْر مَحْظُور مُطلقًا فَلَا يسْقط بِعُذْر فيستوي فِيهِ الْبَالِغ وَغَيره (فَتبين امْرَأَته الْمسلمَة وَيحرم الْمِيرَاث) من مُوَرِثه الْمُسلم بِالرّدَّةِ تبعا للْحكم بِصِحَّتِهَا، لَا قصدا لضرره كَمَا إِذا ثَبت الارتداد تبعا لِأَبَوَيْهِ بِأَن ارتدا أَو لَحقا بدار الْحَرْب (وَإِنَّمَا لم يقتل) حِينَئِذٍ (لِأَنَّهُ) أَي الْقَتْل لَيْسَ لمُجَرّد الارتداد (بل) قتل الْكَافِر إِنَّمَا هُوَ (بالحرابة) لأهل الْإِسْلَام (وَلَيْسَ) الصَّبِي (من أَهلهَا، وَلَا) يقتل الصَّبِي الْمُرْتَد (بعد الْبلُوغ) ظرف للْقَتْل سَوَاء ارتداده قبل الْبلُوغ أَو بعده إِذا لم يجدد إيمَانه بعد الْبلُوغ (لِأَن فِي صِحَة إِسْلَامه صَبيا خلافًا) بَين الْعلمَاء فَلَا يتَحَقَّق الارتداد على قَول من لم يصحح إيمَانه، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أورث شُبْهَة فِيهِ) أَي فِي الْقَتْل (وَالثَّالِث) أَي مَا هُوَ حق لله تَعَالَى مُتَرَدّد بَين الْحسن والقبح (كَالصَّلَاةِ وَأَخَوَاتهَا) من الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة كَالصَّوْمِ وَالْحج، فَإِن مشروعيتها وحسنها فِي وَقت دون وَقت كوقت طُلُوع الشَّمْس واستوائها وغروبها فِي حق الصَّلَاة ويومي الْعِيد وَأَيَّام التَّشْرِيق فِي حكم الصَّوْم، وَحكم هَذِه الْعِبَادَة أَنَّهَا (تصح) من الصَّبِي (لمصْلحَة ثَوَابهَا) فِي الْآخِرَة واعتياد أَدَائِهَا بعد الْبلُوغ بِحَيْثُ لَا يشق عَلَيْهِ (بِلَا عُهْدَة فَلَا يلْزم بِالشُّرُوعِ) فَيجب الْمُضِيّ فِيهَا (وَلَا بالإفساد) فَيجب قَضَاؤُهَا، وَلَا يلْزم جَزَاء مَحْظُور إِحْرَامه: أَي الصَّبِي كَمَا لَو شرع الْبَالِغ
فِي عبَادَة يظنّ أَنَّهَا عَلَيْهِ ثمَّ تبين أَنَّهَا لَيست عَلَيْهِ يَصح مِنْهُ الْإِتْمَام مَعَ فَوَات صفة اللُّزُوم حَتَّى لَو فسد لَا يجب عَلَيْهِ شَيْء، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ ماليا كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا يصحّ مِنْهُ لكَونه ضَرَرا فِي العاجل بِنُقْصَان مَاله (وَالرَّابِع) أَي مَا هُوَ حق العَبْد، وَهُوَ نفع مَحْض (كقبول الْهِبَة وَالصَّدَََقَة تصح مُبَاشَرَته مِنْهُ بِلَا إِذن وليه لِأَنَّهُ نفع مَحْض، وَلذَا) أَي لصِحَّة مُبَاشَرَته مِمَّا فِيهِ نفع مَحْض (وَجَبت أجرته) أَي الصَّبِي الْمَحْجُور بِغَيْر إِذن وليه (إِذا آجر نَفسه وَعمل مَعَ بطلَان العقد لِأَنَّهُ) أَي بطلَان عقده بِغَيْر إِذن وليه (لحقه) أَي الصَّبِي وَهُوَ (أَن يلْحقهُ ضَرَر) لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة مُتَرَدّد بَين الضَّرَر والنفع فَلَا يملكهُ بِدُونِ إِذن وليه (فَإِن عمل بَقِي الْأجر نفعا مَحْضا) وَهُوَ غير مَحْجُور فِيهِ (فَتجب) الْأُجْرَة (بِلَا اشْتِرَاط سَلَامَته) أَي الصَّبِي من الْعَمَل حَتَّى لَو هلك فِي الْعَمَل لَهُ الْأجر بِقدر مَا أَقَامَ من الْعَمَل (بِخِلَاف العَبْد) الْمَحْجُور (آجر نَفسه) بِغَيْر إِذن مَوْلَاهُ (تجب) أجرته (بشرطها) أَي السَّلامَة من الْعَمَل (فَلَو هلك ضمن) الْمُسْتَأْجر (قِيمَته من يَوْم الْغَصْب) وَهُوَ اسْتِعْمَاله إِيَّاه (فَيملكهُ) أَي الْمُسْتَأْجر العَبْد ملكا استناديا بعد تقرر ضَمَان الْقيمَة (فَلَا تجب أجرته) إِذْ لَا يجب على الْمَالِك أُجْرَة مَمْلُوكه (وَصحت وكالتهما) أَي قبُول الصَّبِي وَالْعَبْد تَوْكِيل غَيرهمَا لَهما بِغَيْر إِذن وليهما (بِلَا عُهْدَة) ترجع إِلَيْهِمَا من لُزُوم الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِالْعقدِ كتسليم الْمَبِيع وَالثمن وَالْخُصُومَة فِي الْعَيْب (لِأَنَّهُ) أَي قبولهما الْوكَالَة بِلَا عُهْدَة (نفع) مَحْض لَهما (إِذْ يكْتَسب بذلك) الْقبُول (إِحْسَان التَّصَرُّف وجهة الضَّرَر وَهِي لُزُوم الْعهْدَة منتفية فتمحض نفعا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: {وابتلوا الْيَتَامَى} أَي اختبروا عُقُولهمْ وتعرفوا أَحْوَالهم بِالتَّصَرُّفِ قبل الْبلُوغ حَتَّى إِذا تبينتم مِنْهُم هِدَايَة دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم بِلَا تَأْخِير عَن حد الْبلُوغ (وَلذَا) أَي لصِحَّة مباشرتهما مَا فِيهِ نفع مَحْض (استحقا الرضخ) أَي مَا دون السهْم من الْغَنِيمَة (إِذا قَاتلا بِلَا إِذن) من الْوَلِيّ وَالْمولى، وَالْقِيَاس أَنه لَا شَيْء لَهما لِأَنَّهُمَا ليسَا من أهل الْقِتَال وَإِنَّمَا يصيران من أَهله بِالْإِذْنِ كالحربي الْمُسْتَأْمن، وَجه الِاسْتِحْسَان أَنَّهُمَا غير محجورين عَن النَّفْع الْمَحْض وَاسْتِحْقَاق الرضخ بعد الْقِتَال كَذَلِك، (وَقيل هُوَ) أَي اسْتِحْقَاق الرضخ (قَول مُحَمَّد) لِأَن عِنْده أمانهما صَحِيح وَهُوَ لَا يَصح إِلَّا مِمَّن لَهُ ولَايَة الْقِتَال، وَأما عِنْدهمَا فَلَا يَصح أمانهما فَلم يكن لَهما ولَايَة الْقِتَال فَلَا يرْضخ لَهما، وَلِهَذَا لَا يحل لَهما شُهُود الْقِتَال إِلَّا بِالْإِذْنِ إِجْمَاعًا وَالأَصَح أَن هَذَا جَوَاب الْكل لما ذكر (وَإِنَّمَا لَا تصح وَصيته) بِثلث مَاله فَمَا دونه (مَعَ حُصُول نفع الثَّوَاب وَعدم الضَّرَر إِذْ لَا يخرج عَن ملكه حَيا) لِأَن الْوَصِيَّة تمْلِيك مُضَاف إِلَى مَا بعد الْمَوْت (لإبطالها) أَي الْوَصِيَّة (نفع الْإِرْث عَنهُ) لأقاربه (وَهُوَ) أَي نفع إرثهم لَهُ (أَنْفَع) لَهُ من نفع الْوَصِيَّة للأجانب (لِأَن نقل
الْملك إِلَى الْأَقَارِب أفضل شرعا للصدقة والصلة) لقَوْله صلى الله عليه وسلم " الصَّدَقَة على الْمُسلمين صَدَقَة، وعَلى ذِي الرَّحِم ثِنْتَانِ صَدَقَة وصلَة ": حسنه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَلقَوْله صلى الله عليه وسلم لسعد:" إِنَّك أَن تدع وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تَدعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس " مُتَّفق عَلَيْهِ (وَالْخَامِس) أَي مَا هُوَ حق للْعَبد وَهُوَ ضَرَر مَحْض (كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق وَالصَّدَََقَة) وَالْهِبَة، وَحكم هَذَا أَنه (لَا يملكهُ وَلَو) وَقع (بِإِذن وليه) لِأَن ولَايَته نظرية وَلَا نظر فِيهِ، لِأَن ضَرَر مَحْض (كَمَا لَا يملكهُ عَلَيْهِ غَيره) من ولي ووصي وقاض كَمَا ذكرنَا. قَالَ صَاحب الْكَشْف المُرَاد عدم شَرْعِيَّة الطَّلَاق فِي حَقه بِدُونِ الْحَاجة، وَأما عِنْدهَا فمشروع. قَالَ شمس الْأَئِمَّة الدّين السَّرخسِيّ: زعم مَشَايِخنَا أَن هَذَا الحكم غير مَشْرُوع أصلا فِي حق الصَّبِي حَتَّى أَن امْرَأَته لَا تكون محلا للطَّلَاق، وَهَذَا وهم عِنْدِي، فَإِذا تحققت الْحَاجة إِلَى صِحَة إِيقَاع الطلاع من جِهَته لدفع الضَّرَر كَانَ صَحِيحا حَتَّى إِذا أسلمت امْرَأَته وَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَأبى فرق بَينهمَا، وَكَانَ ذَلِك طَلَاقا فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد، وَإِذا ارْتَدَّ وَقعت الْبَيْنُونَة وَكَانَ طَلَاقا عِنْد مُحَمَّد، وَإِذا وجدته مجبوبا فرق بَينهمَا وَكَانَ طَلَاقا عِنْد بعض الْمَشَايِخ (إِلَّا إقراض القَاضِي فَقَط من الملي) مَاله فَإِنَّهُ يملكهُ (لِأَنَّهُ) أَي إقراضه (حفظ) لَهُ (مَعَ قدرَة الِاقْتِضَاء عَلَيْهِ) من غير حَاجَة إِلَى دَعْوَى وَبَيِّنَة: فاعتبار هَذَا يكون نظرا من القَاضِي ونفعا (بِخِلَاف الْأَب) لِأَنَّهُ لَا يتَمَكَّن من الِاقْتِضَاء بِنَفسِهِ كالوصي: فَلَا يملكهُ (إِلَّا فِي رِوَايَة) لِأَنَّهُ يملك التَّصَرُّف فِي المَال وَالنَّفس (كاقتراضه) أَي كَمَا يجوز للْأَب أَن يقترض مَال الصَّبِي، وَلَا يجوز للْوَصِيّ عِنْد أبي حنيفَة. وَقَالَ مُحَمَّد رحمه الله: لَا بَأْس إِذا كَانَ مَلِيًّا قَادِرًا على الْوَفَاء وَلَيْسَ للْقَاضِي ذَلِك، ذكره فِي الْمُنْتَقى. (وَالسَّادِس) أَي مَا هُوَ حق للْعَبد مُتَرَدّد بَين النَّفْع وَالضَّرَر (كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالنِّكَاح فِيهِ احْتِمَال الرِّبْح والخسران، وتعليل النَّفْع بِدُخُول الْبَدَل فِي ملكه، وَالضَّرَر بِخُرُوج الآخر) كَمَا ذكر صدر الشَّرِيعَة (يُوجب أَنه لَو بَاعَ بأضعاف قِيمَته) كَانَ ضَرَرا ونفعا، وَيلْزمهُ أَنه (لَا ينْدَفع الضَّرَر قطّ) لِأَنَّهُ لَازم الْخُرُوج الْمَذْكُور وَهُوَ مَوْجُود (وَذكر) الْمُعَلل (أَنه ينْدَفع احْتِمَال الضَّرَر بانضمام رَأْي الْوَلِيّ فَيملكهُ) أَي الصَّبِي هَذَا الْقسم (مَعَه) أَي من رَأْي الْوَلِيّ فبينهما تدافع، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال اندفاع الِاحْتِمَال الْمَذْكُور مَعْنَاهُ صَيْرُورَته بِحَيْثُ لَا يعْتد بِهِ عِنْد وجود رَأْيه و (لِأَنَّهُ) أَي الصَّبِي (أهل لحكمه) أَي حكم هَذَا التَّصَرُّف (إِذْ يملك الْبَدَل)
الثّمن أَو الْعين فِي البيع أَو الشِّرَاء، وَالْأُجْرَة فِي الْإِجَارَة (إِذا بَاشرهُ الْوَلِيّ وَأهل لَهُ) أَي لهَذَا التَّصَرُّف (إِذا صحت وكَالَته بِهِ) أَي بِالتَّصَرُّفِ الْمَذْكُور بِأَن يكون وَكيلا للْغَيْر فِيهِ (وَفِيه)
أَي فِي جَوَاز هَذَا التَّصَرُّف لَهُ (نفع توسعة طَرِيق تَحْصِيل الْمَقْصُود) الْإِضَافَة الأولى بَيَانِيَّة، وَذَلِكَ لحصوله تَارَة بالولي وَتارَة بِنَفسِهِ مَعَ تَصْحِيح عِبَارَته، وَزِيَادَة دربته (ثمَّ عِنْده) أَي أبي حنيفَة (لما انجبر الْقُصُور بِالْإِذْنِ كَانَ كَالْبَالِغِ فَيملكهُ) أَي هَذَا التَّصَرُّف (بِغَبن فَاحش) وَهُوَ مَا لَا يدْخل تَحت تقوم المقومين (مَعَ الْأَجَانِب وَالْوَلِيّ فِي رِوَايَة) أَي سَوَاء كَانَ مُقَابلَة فِي التَّصَرُّف الْأَجَانِب أَو الْوَلِيّ فِي هَذِه الرِّوَايَة (وَفِي) رِوَايَة (أُخْرَى لَا) يملكهُ مَعَ الْوَلِيّ (لِأَنَّهُ) أَي الصَّبِي الْمَأْذُون (إِذا كَانَ أصيلا فِي الْملك) لكَونه مَالِكًا حَقِيقَة فتصرفه تصرف الْملاك من هَذَا الْوَجْه (فَفِي الرَّأْي) أصيل (من وَجه) لَا مُطلقًا إِذْ فِي رَأْيه خلل فِي حد ذَاته، وَإِلَّا لم يحْتَج إِلَى الانجبار بِرَأْي الْوَلِيّ، فَيُشبه تصرفه تصرف الوكلاء من هَذَا الْوَجْه (فَفِيهِ) أَي فِي هَذَا التَّصَرُّف (شُبْهَة النِّيَابَة عَن الْوَلِيّ فَكَأَن الْوَلِيّ بَاعه من نَفسه، فَلَا يجوز) بَيْعه مِنْهُ (بِغَبن) فَاحش كَمَا لَا يَبِيع الْوَلِيّ مَاله من نَفسه بِغَبن فَاحش (وَأَيْضًا إِذا كَانَ) فِي الرَّأْي أصيلا (من وَجه صَحَّ) التَّصَرُّف (لَا فِي مَحل التُّهْمَة) وَهُوَ مَا إِذا بَاعَ من الْأَجْنَبِيّ وَمَعَ الْوَلِيّ بِمثل الْقيمَة أَو بِمَا لَا يتَغَابَن النَّاس فِيهِ، وَالْبيع من الْوَلِيّ بِالْغبنِ الْفَاحِش فِي مَحل يُمكن فِيهِ التُّهْمَة، وَهُوَ أَن الْوَلِيّ إِنَّمَا أذن لَهُ لتَحْصِيل مَقْصُوده لَا للنَّظَر للصَّبِيّ (وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز) بِالْغبنِ الْفَاحِش (مُطلقًا) أَي لَا من الْوَلِيّ وَلَا من غَيره (لِأَنَّهُ لما شَرط الْإِذْن) من الوليّ (كَانَ) الصَّبِي (آلَة تصرف الْوَلِيّ بِنَفسِهِ) وَهُوَ لَا يجوز مِنْهُ بِالْغبنِ الْفَاحِش ،
(وَهَذَا فصل آخر اختصوا) أَي الْحَنَفِيَّة (بِهِ فِي بَيَان أَحْكَام عوارض الْأَهْلِيَّة: أَي أُمُور لَيست ذاتية لَهَا) أَي للأهلية (طرأت أَولا) أَي خِصَال أَو آفَات مُغيرَة للْأَحْكَام كالسفر، أَو مزيلة لَهَا لمنعها أَهْلِيَّة الْوُجُوب أَو الْأَدَاء عَن الثُّبُوت كالموت وَالنَّوْم وَالْإِغْمَاء (فَدخل الصغر) فِي الْعَوَارِض الْمَذْكُورَة لعدم الطروّ والحدوث بعد الْعَدَم، وَكَونه لَيْسَ من الْأُمُور الذاتية للْإنْسَان، وملخصها أَحْوَال مُنَافِيَة لأهليته فِي الْجُمْلَة غير لَازمه لَهُ (وَهِي) أَي الْعَوَارِض (نَوْعَانِ سَمَاوِيَّة: أَي لَيْسَ للْعَبد فِيهَا اخْتِيَار) فنسبت إِلَى السَّمَاء لنزولها مِنْهَا، وَهِي (الصغر، وَالْجُنُون، والعته، وَالنِّسْيَان، وَالنَّوْم، وَالْإِغْمَاء، والرّق، وَالْمَرَض، وَالْحيض، وَالنّفاس، وَالْمَوْت) قَالُوا: وَإِنَّمَا لم يذكر الْحمل والأوضاع والشيخوخة الْقَرِيبَة إِلَى الفناء الَّتِي يتَغَيَّر بهَا بعض الْأَحْكَام لدخولها فِي الْمَرَض، وَأورد أَن الْإِغْمَاء وَالْجُنُون أَيْضا من الْمَرَض وَأجِيب بِأَنَّهُمَا أفردا بِالذكر لاختصاصهما بِأَحْكَام كَثِيرَة يحْتَاج إِلَى بَيَانهَا (ومكتسبة: أَي اكسبها العَبْد، أَو ترك إِزَالَتهَا) وَهِي سَبْعَة: السَّفه، وَالسكر، وَالْجهل، والهزل، وَالْخَطَأ، وَالسّفر، والاكراه
(النَّوْع الأول السماوية: أما الصغر فَقبل أَن يعقل) الصَّغِير (كَالْمَجْنُونِ الممتدّ) لانْتِفَاء الْعقل والتمييز: بل فِي أول الْحَال الصَّغِير أدنى من الْمَجْنُون، إِذْ قد يكون للمجنون تَمْيِيز لَا عقل، وَهُوَ عديمهما فَلَيْسَ بِأَهْل للتكليف (فَإِذا عقل تأهل للْأَدَاء) أَهْلِيَّة قَاصِرَة، فَإِذا أدّى شَيْئا مِمَّا لم يجب عَلَيْهِ صَحَّ أَدَاؤُهُ (دون الْوُجُوب) أَي لم يتأهل للْوُجُوب بِمُجَرَّد الْعقل (إِلَّا الْإِيمَان) أَي لم يتأهل لوُجُوب شَيْء من الْوَاجِبَات إِلَّا الْإِيمَان (على مَا تقدم) قَرِيبا من الْخلاف فِيهِ، وَمن قَوْله: وَعَن أبي مَنْصُور الماتريدي والمعتزلة إناطة وجوب الْإِيمَان بِهِ: أَي بِالْعقلِ (وَتقدم وضع الأجزية عَنهُ) كحرمان الْإِرْث بقتْله (وبينونة زَوجته) الْمسلمَة (بِكُفْرِهِ) أَي ردته وإبائه عَن الْإِسْلَام بعد إسْلَامهَا (لَيْسَ جَزَاء، بل لانْتِفَاء أَهْلِيَّته لاستفراش الْمسلمَة) لقَوْله تَعَالَى - {فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ} - (كحرمانه الْإِرْث بِهِ) أَي بِكُفْرِهِ (لذَلِك) أَي لانْتِفَاء أَهْلِيَّته للإرث مِنْهُ (لعدم الْولَايَة) الَّتِي هِيَ شَرط لسببية الْإِرْث. قَالَ تَعَالَى - {فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي} - وَلَا ولَايَة للْكَافِرِ على الْمُسلم. قَالَ تَعَالَى - {وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا} - (كالرقيق) أَي كَمَا يحرم المرقوق الْإِرْث وافرا كَانَ الرقّ فِيهِ أَو نَاقِصا لعدم الْولَايَة الَّتِي هِيَ شَرط سَبَبِيَّة اتِّصَال الشَّخْص بِالْمَيتِ بِقرَابَة أَو زوجية، وَإِلَّا فَلَا يكون انْتِفَاء الْإِرْث فيهمَا جَزَاء على فعلهمَا (وَأما الْجُنُون) وَهُوَ اختلال الْعقل بِحَيْثُ يمْنَع جَرَيَان الْأَفْعَال والأقوال على نهجه إِلَّا نَادرا إِمَّا لنُقْصَان جبل عَلَيْهِ دماغه، فَلَا يصلح لقبُول مَا أعدّ لَهُ كعين الأكمه، ولسان الْأَخْرَس: وَهَذَا لَا يرجي زَوَاله، وَإِمَّا لخُرُوج مزاج الدِّمَاغ من الِاعْتِدَال بِسَبَب خلط أَو رُطُوبَة أَو يوسة متناهية، وَهَذَا يعالج، وَإِمَّا باستيلاء الشَّيْطَان وإلقاء الخيالات الْفَاسِدَة إِلَيْهِ. وَقد ينجع فِيهِ الْأَدْوِيَة الإلهية (فينافي شَرط الْعِبَادَات النِّيَّة) لسلبه الِاخْتِيَار (فَلَا تجب) الْعِبَادَات مُطلقًا (مَعَ الممتدّ مِنْهُ مُطلقًا) أَي الْأَصْلِيّ الْمُتَّصِل بِزَمَان الصِّبَا بِأَن جن صَغِيرا فَبلغ مَجْنُونا، والعارضي بِأَن بلغ عَاقِلا ثمَّ جن: أما وجوب الْأَدَاء فلعدم الْقُدْرَة عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا بعقل وَقصد صَحِيح، وَأما الأَصْل فلعدم حكمه وَهُوَ الْأَدَاء وَالْقَضَاء (وَمَا لَا يمتدّ مِنْهُ) حَال كَونه (طارئا) عَلَيْهِ (جعل كالنوم من حَيْثُ أَنه) أَي كلا مِنْهُمَا (عَارض يمْنَع فهم الْخطاب زَالَ قبل الامتداد) الْمُوجب للْحَرج عِنْد إِيجَاب الْقَضَاء (وَلِأَنَّهُ) أَي الْجُنُون (لَا يَنْفِي أصل الْوُجُوب: إِذْ هُوَ) أَي أصل الْوُجُوب مُتَعَلق (بِالذِّمةِ، وَهِي) أَي الذِّمَّة مَوْجُودَة (لَهُ) أَي للمجنون (حَتَّى ورث) من بَينه وَبَينه سَبَب من أَسبَاب الْإِرْث (وَملك) بِمَا هُوَ سَبَب الْملك من مَال أَو حق مَالِي، وَالْملك من بَاب الْولَايَة وَلَا ولَايَة بِدُونِ الذِّمَّة (وَكَانَ أَهلا للثَّواب) لبَقَاء إِسْلَامه بعد الْجُنُون، وَالْمُسلم قد يُثَاب
وَإِن جنّ (كَأَن نوى صَوْم الْغَد فجنّ فِيهِ) أَي فِي الْغَد قبل الْفجْر وَهُوَ على نِيَّته حَال كَونه (ممسكا كُله) أَي كل الْغَد (صحّ) صَوْم الْغَد عَن الْفَرْض (فَلَا يقْضِي) ذَلِك الْيَوْم (لَو أَفَاق بعده) أَي بعد الْغَد، وَالْأَصْل فِيهِ أَن الشَّارِع ألحق الْعَارِض من النّوم وَالْإِغْمَاء بِالْعدمِ فِي حق الْأَدَاء حَيْثُ حكم بِصِحَّة الْفِعْل الْوَاقِع فيهمَا، وعلماؤنا الثَّلَاثَة ألْحقُوا الْعَارِض من الْجُنُون بِالْعدمِ بعد زَوَاله فِي حق الْوُجُوب وَجعلُوا السَّبَب الْمَوْجُود فِيهِ مُعْتَبرا فِي حق إِيجَاب الْقَضَاء بعد زَوَال الْعَارِض (وَصَحَّ إِسْلَامه تبعا) لِأَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا كَالصَّبِيِّ (وَإِنَّمَا يعرض الْإِسْلَام لإسلام زَوجته) أى الْمَجْنُون (على أَبِيه أَو أمّه لصيرورته مُسلما بِإِسْلَامِهِ) أَي إِسْلَام أَحدهمَا، فَإِن أسلم أقرّ على النِّكَاح، وَإِن أَبى فرّق بَينهمَا دفعا للضَّرَر عَن الْمسلمَة (بِخِلَافِهِ) أَي بِخِلَاف إِسْلَام الْمَجْنُون (أَصَالَة) فَإِنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ (لعدم رُكْنه) أَي الْإِسْلَام (الِاعْتِقَاد) عطف بَيَان لركنه، وَالْمرَاد من الرُّكْن مَا هُوَ أَعم من الْعين والجزء، وَذَلِكَ لِأَن عقد الْقلب على التَّصْدِيق إِنَّمَا يكون بِالْعقلِ (لَا حجرا) يَعْنِي شرع عدم صِحَة إِسْلَامه لعدم الرُّكْن، لَا لِأَنَّهُ مَحْجُور عَن الْإِيمَان إِذْ هُوَ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ نفع مَحْض (بِخِلَاف) الْإِسْلَام (التبع) أَي التَّابِع لإسلام الْأَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ (لَيْسَ) الِاعْتِقَاد فِيهِ (ركنا وَلَا شرطا لَهُ) أَي لِلْإِسْلَامِ التبع (وَإِنَّمَا عرض) على وليه إِذا أسلمت الزَّوْجَة (دفعا للضَّرَر عَنْهَا: إِذْ لَيْسَ لَهُ) أَي للجنون (نِهَايَة مَعْلُومَة) تنْتَظر، فَفِي التَّأْخِير ضَرَر بهَا، مَعَ مَا فِيهِ من الْفساد لقدرة الْمَجْنُون على الْوَطْء وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة: لَيْسَ عرض الْإِسْلَام على وَالِديهِ بطرِيق الْإِلْزَام، بل يعرض لاحْتِمَال أَن تحمله الشَّفَقَة على الْوَلَد على الْإِسْلَام لِئَلَّا يَقع التَّفْرِيق بَينه وَبَين زَوجته (بِخِلَاف الصَّبِي غير الْعَاقِل) إِذا (أسلمت زَوجته لَا يعرض) الْإِسْلَام (على وليه، لِأَن لعقله حدا مَعْلُوما) ينْتَظر وَهُوَ الْبلُوغ: فَإِذا بلغ عرض عَلَيْهِ (وَلَا ينْتَظر بُلُوغه) أَي الصَّبِي الْمَجْنُون لما ذكر (وَيصير) الْمَجْنُون (مُرْتَدا تبعا بارتداد أَبَوَيْهِ (ولحاقهما بِهِ) أَي بالمجنون بدار الْحَرْب (إِذا بلغ مَجْنُونا وهما مسلمان) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يثبت إِسْلَامه تبعا لَهما، فيزول بِزَوَال مَا يتبعهُ. قَالَ الشَّارِح: ثمَّ كَون أَبَوَيْهِ مُسلمين لَيْسَ بِقَيْد، لِأَن إِسْلَام أَحدهمَا وارتداده ولحوقه مَعَه بدار الْحَرْب كَاف فِي ارتداده انْتهى. وَفِيه بحث، فَإِن مفَاد كَلَامه أَمْرَانِ: أَحدهمَا أَن إِسْلَام أَحدهمَا كَاف عِنْد بُلُوغه مَجْنُونا وَهَذَا مُسلم. وَالثَّانِي أَن ارتداد أَحدهمَا أَيْضا كَاف بِشَرْط اللحوق بِهِ وَهُوَ غير مُسلم: إِذْ يجوز إِسْلَام أَحدهمَا عِنْد الْبلُوغ وَإِسْلَام الآخر بعده، فَحِينَئِذٍ إِذا ارتدّ أَحدهمَا وَلحق بِهِ دون الآخر لَا نسلم أَن يحكم بصيرورة الْمَجْنُون مُرْتَدا. هَذَا، ويفيد تَقْيِيد بُلُوغه مَجْنُونا بكونهما مُسلمين حِينَئِذٍ أَنَّهُمَا لَو كَانَا كَافِرين وَقت بُلُوغه بِكفْر أُصَلِّي أَو عارضيّ لم يصر مرتدّا بارتداد أَحدهمَا نظرا إِلَى اعْتِبَار مَفْهُوم
الْمُخَالفَة فِي الرِّوَايَات وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه إِذا كَانَ أَبَوَاهُ على الْكفْر الْأَصْلِيّ حَال بُلُوغه ثمَّ أسلما يصير مُسلما تبعا ثمَّ ارتدّا ولحقا بِهِ يصير مرتدّا أَيْضا تبعا، إِذْ لَا أثر لكَون إسلامهما حَال الْبلُوغ أَو بعده، وَأما إِذا كَانَا على الْكفْر العارضي حَال بُلُوغه فَالْقِيَاس أَنه يحكم بِإِسْلَامِهِ من حَيْثُ الدَّار، لِأَن الحكم بِكُفْرِهِ تبعا من حَيْثُ الْجُنُون مَشْرُوط باللحوق بِهِ، ثمَّ إِذا أسلما ثمَّ ارتدّا ولحقا بِهِ يصير مرتدّا تبعا لتحَقّق الشَّرْط الْمَذْكُور حِينَئِذٍ، فَيَنْبَغِي أَن لَا يعْتَبر مَفْهُوم الْمُخَالفَة فِي قَوْله (بِخِلَاف مَا إِذا تركاه فِي دَار الْإِسْلَام) لكَونه مُسلما حِينَئِذٍ لظُهُور تَبَعِيَّة الدَّار بِزَوَال تَبَعِيَّة الْأَبَوَيْنِ لِأَنَّهَا كالخلف عَنْهَا (أَو بلغ مُسلما ثمَّ جن) مَعْطُوف على قَوْله تركاه (أَو أسلم عَاقِلا فجن) قبل الْبلُوغ (فارتدّا ولحقا بِهِ) بدار الْحَرْب، لِأَنَّهُ صَار أصلا فِي الْإِيمَان بتقرر رُكْنه فَلَا يتَقَدَّم بالتبعية أَو عرُوض الْجُنُون، ثمَّ وصل بقوله: وَلِأَنَّهُ لَا يَنْفِي أصل الْوُجُوب قَوْله (إِلَّا أَنه إِذا انْتَفَى الْأَدَاء أَي الْفِعْل) فسره لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن المُرَاد بِهِ مَا يُقَابل الْقَضَاء (تَحْقِيقا) أَي انْتَفَى بِاعْتِبَار نَفسه حَقِيقَة لعدم إِمْكَانه (وتقديرا) أَي بِاعْتِبَار بدله (بِلُزُوم الْحَرج فِي الْقَضَاء وَتقدم وَجهه) حَيْثُ قَالَ: والتكليف رَحْمَة، والحرج طَرِيق التّرْك فَلم يتَعَلَّق ابْتِدَاء بِمَا فِيهِ حرج فضلا من الله تَعَالَى (انْتَفَى) أصل الْوُجُوب (لانْتِفَاء فَائِدَته) من الْأَدَاء وَالْقَضَاء (وَكَذَا) الْجُنُون (الْأَصْلِيّ عَن مُحَمَّد) رحمه الله حكمه حكم الممتدّ من الْجُنُون الطَّارِئ فَلم يفرق فِي الْأَصْلِيّ بَين الممتدّ وَغَيره فِي الْإِسْقَاط كَمَا فرّق فِي الطَّارِئ بَينهمَا بالإسقاط وَعَدَمه (إناطة للإسقاط بِكُل من الامتداد والأصالة) فِي الْهِدَايَة، وَهَذَا مُخْتَار بعض الْمُتَأَخِّرين. وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة: مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ والزاهد الصفار وَالْإِمَام الرستغفنى (وَخَصه) أَي الْإِسْقَاط (أَبُو يُوسُف بالامتداد) فأسقط بالممتدّ مِنْهُمَا دون غَيره، وَقيل هُوَ ظَاهر الرِّوَايَة، ثمَّ الْخلاف على هَذَا الْوَجْه فِي الْمَبْسُوط وَغَيره (وَقيل الْخلاف على الْقلب) وَهُوَ الْمَذْكُور فِي أصُول فَخر الْإِسْلَام وكشف الْمنَار، وَمَشى عَلَيْهِ المُصَنّف فِي فتح الْقَدِير، نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن وَجه التَّسْمِيَة بَين الْأَصْلِيّ والعارضي أَن الأَصْل فِي الْجُنُون الْحُدُوث: إِذْ السَّلامَة عَن الْآفَات هِيَ الأَصْل فِي الجبلة فَتكون أَصَالَة الْجُنُون أمرا عارضا، فَيلْحق بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْجُنُون الطَّارِئ، وَأَن زَوَال الْجُنُون بعد الْبلُوغ دلّ على أَن حُصُوله كَانَ لعَارض على أصل الْخلقَة، لَا لنُقْصَان جبل عَلَيْهِ دماغه فَكَانَ مثل الطَّارِئ، وَوجه التَّفْرِقَة أَن الطريان بعد الْبلُوغ رجح الْعرُوض فَجعل عفوا عِنْد عدم الامتداد إِلْحَاقًا بِسَائِر الْعَوَارِض، بِخِلَاف مَا إِذا بلغ مَجْنُونا فَزَالَ فَإِن حكمه حكم الصَّغِير فَلَا يُوجب قَضَاء مَا مضى، وَأَن الْأَصْلِيّ يكون لآفة فِي الدّماغ مَانِعَة من قبُول الْكَمَال، فَيكون أمرا أَصْلِيًّا لَا يقبل اللحاق بِالْعدمِ، والطارئ قد اعْترض على مَحل كَامِل للحوق آفَة فَيلْحق
بِالْعدمِ، وَفِي الْمَبْسُوط وَلَيْسَ فِيمَا إِذا كَانَ جُنُونه أَصْلِيًّا رِوَايَة عَن أبي حنيفَة. وَاخْتلف فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ على قِيَاس مذْهبه، وَالأَصَح أَنه لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء مَا مضى (وَإِذا كَانَ الْمسْقط) لوُجُوب الْعِبَادَات فِي التَّحْقِيق (الْحَرج لزم اخْتِلَاف الامتداد الْمسْقط) بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْنَاف الْعِبَادَات (فَقدر) الامتداد الْمسْقط (فِي الصَّلَاة بِزِيَادَتِهِ على يَوْم وَلَيْلَة عِنْدهمَا) أَي أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف بِزَمَان يسير (وَعند مُحَمَّد بصيرورة الصَّلَوَات) الْفَوَائِت (سِتا) بِخُرُوج وَقت السَّادِسَة (وَهُوَ أَقيس) لِأَن الْحَرج إِنَّمَا ينشأ من الْوُجُوب عِنْد كثرتها، وَكَثْرَتهَا بِدُخُولِهَا فِي حق التّكْرَار وَهُوَ إِنَّمَا يكون بِخُرُوج وَقت السَّادِسَة (لكنهما) أَي أَبَا حنيفَة وَأَبا يُوسُف (أَقَامَا الْوَقْت مقَام الْوَاجِب) أَي الصَّلَاة (كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَة) وَسَائِر أَصْحَاب الْأَعْذَار تيسيرا على الْعباد، وَقد يُقَال أَن الْمُنَاسب أَن يُقَام الْوَقْت الَّذِي يكون سَببا لوُجُوب الصَّلَاة مقَام الْوَاجِب بِالزِّيَادَةِ على الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَلَا يلْزم حُصُول وَقت هُوَ سَبَب لوُجُوبه، وَجعل الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر هَذَا القَوْل رِوَايَة عَن أبي حنيفَة (و) قدر (فِي الصَّوْم) امتداد الْجُنُون الْمسْقط لوُجُوبه (باستغراق الشَّهْر ليله ونهاره) بِهِ حَتَّى لَو أَفَاق فِي جُزْء مِنْهُ يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء. قَالَ صَاحب الْكَشَّاف: وَهُوَ ظَاهر الرِّوَايَة. وَعَن الْحلْوانِي: لَو كَانَ مفيقا فِي أوّل لَيْلَة مِنْهُ فَأصْبح مَجْنُونا واستوعب بَاقِي الشَّهْر لَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَهُوَ صَحِيح، لِأَن اللَّيْل لَا يصام فِيهِ، فالجنون والإفاقة فِيهِ سَوَاء، وَكَذَا لَو أَفَاق فِي لَيْلَة من الشَّهْر ثمَّ أصبح مَجْنُونا وَلَو أَفَاق فِي يَوْم مِنْهُ فِي وَقت النِّيَّة لزمَه الْقَضَاء، وَلَو أَفَاق بعده اخْتلفُوا فِيهِ، وَالصَّحِيح أَنه لَا يلْزمه لِأَن الصَّوْم لَا يفْسخ فِيهِ انْتهى (و) قدر (فِي الزَّكَاة) امتداده الْمسْقط (باستغراق الْحول) بِهِ كَمَا هُوَ رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة والأمالي عَن أبي يُوسُف وَابْن رستم عَن مُحَمَّد. قَالَ صدر الْإِسْلَام: وَهُوَ الْأَصَح، لِأَن الزَّكَاة تدخل فِي حدّ التّكْرَار بِدُخُول السّنة الثَّانِيَة قَالَ الشَّارِح. قَالَ المُصَنّف وَفِيه نظر، فَإِن التّكْرَار بخروجها لَا بِدُخُولِهَا لِأَن شَرط الْوُجُوب أَن يتم الْحول، فَالْأولى اعْتِبَار الْحول لِأَنَّهُ كثير فِي نَفسه (وَأَبُو يُوسُف) فِي رِوَايَة هِشَام عَنهُ قَالَ (أَكْثَره) أَي الْحول إِذا استوعبه الْجُنُون (ككله) إِقَامَة للْأَكْثَر مقَام الْكل تيسيرا وتخفيفا فِي سُقُوط الْوُجُوب، وَالنّصف مُلْحق بِالْأَقَلِّ (فَلَو بلغ مَجْنُونا مَالِكًا) ثمَّ أَفَاق (فابتداء الْحول من الْإِفَاقَة) عِنْد أبي يُوسُف بِنَاء على أَن الأَصْل مُلْحق بالصبا عِنْده (خلافًا لمُحَمد) فَإِن ابْتِدَاء الْحول من الْبلُوغ عِنْده بِنَاء على أَن الْأَصْلِيّ والعارضي سَوَاء عِنْده فِي أَن الْمسْقط فيهمَا الامتداد وَلم يُوجد (وَلَو أَفَاق بعد سِتَّة أشهر مثلا وتمّ الْحول وَجَبت عِنْد مُحَمَّد) و (لَا) تجب عِنْد (أبي يُوسُف مَا لم يتمّ) الْحول من الْإِفَاقَة وَلَو كَانَ هَذَا فِي العارضي وَجَبت اتِّفَاقًا من غير توقف على تَمام الْحول من وَقت الْإِفَاقَة (وَأما العته) وَهُوَ (اخْتِلَاط الْكَلَام مرّة و) عدم
اخْتِلَاطه (مرّة) وَهَذَا حَاصِل مَا قيل: هُوَ اختلال الْعقل بِحَيْثُ يخْتَلط كَلَامه فَيُشبه مرّة كَلَام المجانين وَمرَّة كَلَام الْعُقَلَاء (فكالصبي الْعَاقِل) أَي فالمعتوه مثله (فِي صِحَة فعله وتوكيله) يَعْنِي قبُول الْوكَالَة من غَيره فِي بيع مَال الْغَيْر وَالشِّرَاء لَهُ (بِلَا عُهْدَة) حَتَّى لَا يُطَالب فِي الْوكَالَة بِالْبيعِ وَالشِّرَاء بِنَقْد الثّمن وَتَسْلِيم الْمَبِيع، وَلَا يردّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ وَلَا يُؤمر بِالْخُصُومَةِ فِيهِ (و) فِي صِحَة (قَوْله) الَّذِي هُوَ نفع مَحْض وَهُوَ أهل لاعتباره مِنْهُ لوُجُود أصل العقد (كإسلامه) أَي كصحة إِسْلَامه بِخِلَاف مَا هُوَ ضَرَر مَحْض كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق فَإِنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ إِلَّا بِإِذن وليه، لَا بِدُونِ إِذْنه (وَلَا تجب الْعِبَادَات عَلَيْهِ) كَمَا لَا تجب على الصَّبِي الْعَاقِل كَمَا هُوَ اخْتِيَار عَامَّة الْمُتَأَخِّرين (و) لَا تجب (الْعُقُوبَات) كَمَا لَا تجب على الصَّبِي الْعَاقِل لتمكن خلل فِي الْعقل فيهمَا دفعا للْحَرج (وَضَمان متلفاته لَيْسَ عُهْدَة) لِأَن الْعهْدَة إِنَّمَا تكون مَعَ التَّصَرُّف الشَّرْعِيّ والإتلاف لَيْسَ بِتَصَرُّف شَرْعِي وَلِأَن الْمَنْفِيّ عُهْدَة تحْتَمل الْعَفو فِي الشَّرْع، وَضَمان الْمُتْلف لَا يحْتَملهُ لِأَنَّهُ حق العَبْد شرع جبرا لما اسْتهْلك من الْمحل الْمَعْصُوم، وَلِهَذَا قدر بِالْمثلِ لَا جَزَاء للْفِعْل، وَكَون الْمُسْتَهْلك غير كَامِل الْعقل لَا يُنَافِي عصمَة الْمحل (وَتوقف نَحْو بَيْعه) وشرائه وإجازته على إِذن وليه وَإِثْبَات الْولَايَة عَلَيْهِ من بَاب النّظر والشفقة عَلَيْهِ لنُقْصَان عقله الْمُوجب لعَجزه (وَلَا يَلِي على غَيره) لِأَنَّهُ عَاجز عَن التَّصَرُّف فِي حق نَفسه فَمن أَيْن لَهُ قدرَة التَّصَرُّف على غَيره (وَلَا يُؤَخر الْعرض) لِلْإِسْلَامِ (عَلَيْهِ عِنْد إِسْلَام امْرَأَته) إِذا لم يكن مُسلما (لما قُلْنَا) فِي الصَّبِي الْعَاقِل وَهُوَ صِحَّته مِنْهُ لوُجُود أصل الْعقل بِخِلَاف الْمَجْنُون (وَفِي التَّقْوِيم تجب عَلَيْهِ الْعِبَادَات احْتِيَاطًا) فِي وَقت الْخطاب وَهُوَ الْبلُوغ، وَذَلِكَ لوُجُود الْعقل فِيهِ فِي الْجُمْلَة فَيحْتَمل كَونه مُكَلّفا بِهَذَا الِاعْتِبَار، وَالْحمل عَلَيْهِ يُوجب الْعَمَل المنجي عَن احْتِمَال الْعقَاب، بِخِلَاف الْحمل على عدم كَونه مُكَلّفا، وَفِي عبارَة المُصَنّف إِشْعَار بِأَن التَّحْقِيق فِيهِ القَوْل السَّابِق فَافْهَم (وَأما النسْيَان) وَهُوَ (عدم الاستحضار) للشَّيْء (فِي وَقت حَاجته) أَي الْحَاجة إِلَى استحضاره (فَشَمَلَ) هَذَا التَّعْرِيف (النسْيَان عِنْد الْحُكَمَاء والسهو) هَكَذَا وجدنَا عبارَة الْمَتْن فِي نُسْخَة الشَّارِح وَالنُّسْخَة الَّتِي اعتمادنا عَلَيْهَا غَالِبا، غير أَنه كَانَت فِيهَا الْوَاو قبل السَّهْو أَولا فمحيت وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا لِأَن السَّهْو على تَقْدِير عدم وَاو الْعَطف شَامِل للنسيان عِنْد الْحُكَمَاء وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن النسْيَان عِنْدهم زَوَال الصُّورَة عَن المدركة والحافظة فَيحْتَاج فِي حُصُولهَا إِلَى سَبَب جَدِيد والسهو عِنْدهم زَوَالهَا عَن المدركة مَعَ بَقَائِهَا فِي الحافظة، وَقيل النسْيَان عدم ذكر مَا كَانَ مَذْكُورا والسهو غَفلَة عَمَّا كَانَ مَذْكُورا وَمَا لم يكن مَذْكُورا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون ذكر السَّهْو بعد النسْيَان على سَبِيل التعداد وَلَا يخفى مَا فِيهِ (لِأَن اللُّغَة لَا تفرق) بَين النسْيَان والسهو: يَعْنِي أَن النسْيَان المبحوث عَنهُ فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَحْكَام الْآتِيَة هُوَ الْمَذْكُور فِي السّنة، وَقد اسْتعْمل
هُنَاكَ فِي الْمَعْنى اللّغَوِيّ واللغة لَا تفرق بَينهمَا (فَلَا يُنَافِي الْوُجُوب) وَلَا وجوب الْأَدَاء لِأَن عدم الاستحضار لَا يُوجب عدم أَهْلِيَّته، إِذْ هِيَ بِالْعقلِ وَالْبُلُوغ وَلَا نُقْصَان فيهمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لكَمَال الْعقل وَلَيْسَ) النسْيَان (عذرا فِي حُقُوق الْعباد) كَمَا أَنه عذر فِي حُقُوق الله تَعَالَى بِاعْتِبَار دفع الْإِثْم، فَإِن أتلف مَال إِنْسَان بنسيانه يجب عَلَيْهِ الضَّمَان، لِأَنَّهُ حق مُحْتَرم لِحَاجَتِهِ لَا للابتلاء، وبالنسيان لَا يَنْتَفِي هَذَا الاحترام (وَفِي حُقُوقه تَعَالَى) هُوَ (عذر فِي سُقُوط الْإِثْم) وَهُوَ المُرَاد بقوله صلى الله عليه وسلم " رفع الله تَعَالَى عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ " رَوَاهُ الإِمَام ابْن حبَان وَصَححهُ الْحَاكِم وَقَالَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ (أما الحكم) الدنيوي للْفِعْل الْوَاقِع نِسْيَانا (فَإِن كَانَ) النسْيَان مَقْرُونا (مَعَ مُذَكّر) لَهُ بِمَا هُوَ بصدده (وَلَا دَاع) قَالَ الشَّارِح وَالْأَحْسَن وَلَا دَاعِي كَأَنَّهُ أَرَادَ الْبناء على الْفَتْح تنصيصا على نفي الْجِنْس بِخِلَاف لَا المشبهة بليس لنُقْصَان نصوصيته عَلَيْهِ، وَكَأن المُصَنّف رحمه الله أَشَارَ إِلَى أَن الْمَعْنى بمعونة الْمقَام على أَنه وَلَا علم لَهُ بِالْفِعْلِ المنسي وَلَا دَاعِي لَهُ (إِلَيْهِ) أَي إِلَى مَا فعله نَاسِيا (كَأَكْل الْمُصَلِّي) أَي كمذكره عِنْد الْأكل نَاسِيا فِي أثْنَاء الصَّلَاة وَهُوَ هَيئته الْمَخْصُوصَة وَلَا دَاعِي لَهُ إِلَى الْأكل لقصر مدَّتهَا (لم يسْقط حكمه) أَي ذَلِك الْفِعْل الصَّادِر نِسْيَانا فتفسد الصَّلَاة الْمَذْكُورَة (لتَقْصِيره بِخِلَاف سَلَامه فِي الْعقْدَة) الأولى نِسْيَانا على ظن أَنَّهَا الْأَخِيرَة فَإِنَّهُ يسْقط حكمه فَلَا يُفْسِدهَا لانْتِفَاء الْمُذكر لِأَنَّهُ لَيْسَ للْمُصَلِّي هَيْئَة مذكرة أَنَّهَا الأولى، وَكَثْرَة تَسْلِيمه فِي الْقعدَة دَاعِيَة إِلَيْهِ (أَو) كَانَ (لَا مَعَه) أَي لَا مَعَ مُذَكّر وَلَكِن (مَعَ دَاع) إِلَى ذَلِك الْفِعْل (كَأَكْل الصَّائِم) فِي النَّهَار نَاسِيا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّوْم هَيْئَة مذكرة بِهِ والطبع دَاع إِلَيْهِ لطول مدَّته فَيسْقط حكمه (أَو) كَانَ (لَا) مَعَ مُذَكّر (وَلَا) مَعَ دَاع إِلَيْهِ (فَأولى) أَن يكون حكمه السُّقُوط أولى من كَون حكمه عدم السُّقُوط لِأَنَّهُ لما تعَارض مَا يَقْتَضِي السُّقُوط وَهُوَ عدم الْمُذكر، وَمَا يَقْتَضِي عدم الدَّاعِي رجح جَانب السُّقُوط تيسيرا (كَتَرْكِ الذَّابِح التَّسْمِيَة) فَإِن قيل هَيْئَة اضجاع الْحَيَوَان وَبِيَدِهِ المدية لقصد إزهاق روحه مذكرة لَهُ بِالتَّسْمِيَةِ قُلْنَا الدهشة والهيئة الْحَاصِلَة عِنْد قتل الْحَيَوَان تمحو ظُهُور أثر تذكرة فَلَا مُذَكّر فِي الْحَقِيقَة.
(وَأما النّوم ففترة تعرض مَعَ) وجود (الْعقل توجب الْعَجز عَن إِدْرَاك المحسوسات وَالْأَفْعَال الاختيارية و) عَن (اسْتِعْمَال الْعقل، فالفترة هِيَ معنى قَوْلهم: انحباس الرّوح من الظَّاهِر إِلَى الْبَاطِن، وَهَذِه الرّوح بِوَاسِطَة الْعُرُوق الضوارب تَنْتَشِر إِلَى ظَاهر الْبدن وَقد تنحجر) أَي تنحبس (فِي الْبَاطِن بِأَسْبَاب مثل طلب الاسْتِرَاحَة من كَثْرَة الْحَرَكَة والاشتغال بتأثير فِي الْبَاطِن كنضج الْغذَاء) وَكَذَا تغلب النّوم عِنْد امتلاء الْمعدة (وَنَحْوه) كَأَن يكون الرّوح قَلِيلا لَا يَفِي بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِن جَمِيعًا ولنقصانه ولزيادته أَسبَاب طبيعية، وَحَقِيقَة الإعياء نُقْصَان الرّوح بالتحلل بِسَبَب الْحَرَكَة. قَالَ
الشَّارِح، وَكَانَ الأولى تَقْيِيد الفترة بالطبيعية ليخرج الْإِغْمَاء قلت: وَفِي قَوْله تعرض بِصِيغَة الْمُضَارع المفيدة الِاسْتِمْرَار التجدّدي إغنا عَنهُ، على أَن مَفْهُوم النّوم بديهي يعرفهُ كل أحد، وَالْمَقْصُود بِصُورَة التَّعْرِيف بَيَان حكمته، وَقيد الْأَفْعَال بالاختيارية لِأَن الطبيعية كالنفس بَاقِيَة على حَالهَا، وَقيل: النّوم ريح يَأْتِي الْحَيَوَان إِذا شمها ذهب حواسه كَمَا تذْهب الْخمر بعقل شاربها، وَقيل: انعكاس الحواسّ الظَّاهِرَة إِلَى الْبَاطِنَة (فَأوجب تَأْخِير خطاب الْأَدَاء) إِلَى زَوَاله لِامْتِنَاع الْوَهم وإنجاز الْفِعْل حَالَة النّوم (لَا) تَأْخِير (أصل الْوُجُوب) وَلَا إِسْقَاطه حِينَئِذٍ لعدم إخلاله بِالذِّمةِ وَالْإِسْلَام، وَلَا مَكَان الْأَدَاء حَقِيقَة بالانتباه أَو خلفا بِالْقضَاءِ (وَلذَا) أَي لوُجُود أصل الْوُجُوب حَالَة النّوم (وَجب الْقَضَاء) للصَّلَاة الَّتِي دخل وَقتهَا وَهُوَ نَائِم (إِذا زَالَ) النّوم (بعد الْوَقْت) لِأَنَّهُ فرع وجود الْوُجُوب فِي حَالَة النّوم (و) أوجب (إبِْطَال عباراته من الْإِسْلَام والردّة وَالطَّلَاق) وَالْعتاق وَالْبيع وَالشِّرَاء إِلَى غير ذَلِك، وَالْمرَاد بقوله من الْإِسْلَام الخ الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْمَذْكُورَات (وَلم تُوصَف) عباراته (بِخَبَر وإنشاء وَصدق وَكذب كالألحان) أَي كَمَا لَا يُوصف بهَا أصوات الطُّيُور لانْتِفَاء الْإِرَادَة وَالِاخْتِيَار (فَلِذَا اخْتَار فَخر الْإِسْلَام) وَصَاحب الْهِدَايَة فِي جمَاعَة (أَن قِرَاءَته لَا تسْقط الْفَرْض) ونصّ فِي الْمُحِيط على أَنه الأصحّ، لِأَن الِاخْتِيَار شَرط الْعِبَادَة وَلم يُوجد (وَفِي النَّوَادِر تنوب) وَاخْتَارَهُ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث، لِأَن الشَّرْع جعل النَّائِم كالمستيقظ فِي حق الصَّلَاة تَعْظِيمًا لأمر الْمُصَلِّي، وَالْقِرَاءَة ركن زَائِد يسْقط فِي بعض الْأَحْوَال، فَجَاز أَن يعتدّ بهَا مَعَ النّوم. نقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ أَنه الْأَوْجه، وَالِاخْتِيَار الْمَشْرُوط قد وجد فِي ابْتِدَاء الصَّلَاة، وَهُوَ كَاف: أَلا ترى أَنه لَو ركع وَسجد ذاهلا غافلا عَن فعله كل الذهول أَنه يُجزئهُ انْتهى. وَفِي الْمُنْتَقى ركع وَهُوَ نَائِم لَا يجوز إِجْمَاعًا. وَقد يفرق بَينهمَا بِأَن الرُّكُوع ركن أصليّ لَا يسْقط بِخِلَاف الْقِرَاءَة، والغفلة لَيست مثل النّوم لِأَنَّهَا تَزُول بِأَدْنَى توجه، ثمَّ عطف على أَن قِرَاءَته (وَأَن لَا تفْسد قهقهته) أَي النَّائِم (الْوضُوء وَلَا الصَّلَاة، وَإِن قيل أَن أَكثر الْمُتَأَخِّرين) على أَن قهقهته (تفسدهما) أَي الْوضُوء وَالصَّلَاة: أما الْوضُوء فلكونها حَدثا فِي صَلَاة ذَات رُكُوع وَسُجُود بِالنَّصِّ، وَقد وجدت، وَلَا فرق فِي الْأَحْدَاث بَين النّوم واليقظة، وَأما الصَّلَاة فَلِأَن فِي القهقهة معنى الْكَلَام، وَالنَّوْم كاليقظة فِيهِ عِنْد الْأَكْثَر، وَوجه مُخْتَار فَخر الْإِسْلَام وَهُوَ الْأَصَح على مَا صرح بِهِ المُصَنّف فِي شرح الْهِدَايَة زَوَال منع الْجِنَايَة بِالنَّوْمِ (وتفريع النَّوَازِل الْفساد بِكَلَام النَّائِم عَلَيْهِ) أَي على قَول أَكثر الْمُتَأَخِّرين (لعدم فرق النصّ) وَهُوَ مَا فِي صَحِيح مُسلم " أَن صَلَاتنَا هَذِه لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس ". (بَين المستيقظ والنائم، وإنزال) الْمُصَلِّي (النَّائِم كالمستيقظ) شرعا لما روى عَنهُ صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ " إِذا نَام العَبْد فِي سُجُوده باهى الله بِهِ
الْمَلَائِكَة فَيَقُول: انْظُرُوا لعبدي روحه عِنْدِي، وَجَسَده بَين يديّ ": رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ لَيْسَ بِالْقَوِيّ، كَذَا قَالَ الشَّارِح (وَعَن أبي حنيفَة رحمه الله تفْسد الْوضُوء لَا الصَّلَاة) وَتقدم وَجه كل (فيتوضأ) الْمصلى المقهقه فِي صلَاته نَائِما (وَيَبْنِي) مَا بَقِي من صلَاته على مَا أدّاه قبله، (وَقيل عَكسه) أَي تفْسد صلَاته لَا وضوؤه وَهُوَ الْمَذْكُور فِي عَامَّة الْفَتَاوَى: وَفِي الْخُلَاصَة هُوَ الْمُخْتَار وَوَافَقَهُ المُصَنّف بقوله (وَهُوَ أقرب عِنْدِي لِأَن جعلهَا) أَي القهقهة (حَدثا للجناية وَلَا جِنَايَة من النَّائِم) لعدم الْقَصْد (فبقى) القهقهة، التَّذْكِير بِاعْتِبَار الضحك وَالْفِعْل (كلَاما) حَقِيقَة أَن تبين فِيهَا حُرُوف، أَو حكما إِن لم يتَبَيَّن (بِلَا قصد فتفسد) الصَّلَاة بِهِ (كالساهي) أَي كَصَلَاة الساهي (بِهِ) أَي بالْكلَام.
(وَأما الْإِغْمَاء فآفة فِي الْقلب أَو الدِّمَاغ) على سَبِيل منع الخلوّ (تعطل القوى المدركة والمحركة عَن أفعالها مَعَ بَقَاء الْعقل مَغْلُوبًا) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ينبعث عَن الْقلب بخار لطيف يتكون من ألطف أَجزَاء الأغذية يُسمى روحا حيوانيا، وَقد أفيضت عَلَيْهِ قُوَّة تسري بسريانه فِي الأعصاب السارية وأعضاء الْإِنْسَان، فتثير فِي كل عُضْو قُوَّة تلِيق بِهِ وَيتم بهَا مَنَافِعه، وَهِي تَنْقَسِم إِلَى مدركة: وَهِي الْحَواس الظَّاهِرَة والباطنة، ومحركة وَهِي تحرّك الْأَعْضَاء بتمديد الأعصاب وإرخائها لتنبسط إِلَى الْمَطْلُوب أَو تنقبض عَن الْمنَافِي، فَمِنْهَا مَا هِيَ مبدأ الْحَرَكَة إِلَى جلب الْمَنَافِع وَتسَمى قُوَّة شهوانية، وَمِنْهَا مَا هِيَ مبدأ الْحَرَكَة إِلَى دفع المضارّ وَتسَمى قُوَّة عصبية، وَأكْثر تعلق المدركة بالدماغ والمحركة بِالْقَلْبِ، فَإِذا وَقعت فِي الدِّمَاغ أَو الْقلب آفَة بِحَيْثُ تتعطل تِلْكَ القوى عَن أفعالها وَإِظْهَار آثارها كَانَ ذَلِك إِغْمَاء (وَإِلَّا) أَي وَلَو لم يكن الْعقل بَاقِيا مَغْلُوبًا فِي الْإِغْمَاء (عصم مِنْهُ الْأَنْبِيَاء) كَمَا عصموا من الْجُنُون، وَاللَّازِم مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاع (وَهُوَ) أَي الْإِغْمَاء (فَوق النّوم) فِي سلب الِاخْتِيَار وتعطل القوى: وَلذَا يمْتَنع فِيهِ التَّنْبِيه، بِخِلَاف النّوم لغلظ مواد الْإِغْمَاء ولطف الأبخرة المتصاعدة إِلَى الدِّمَاغ الْمُوجبَة للنوم وَسُرْعَة تحللها، فَلهُ أَن يُنَبه بِأَدْنَى تَنْبِيه (فَلَزِمَهُ) أَي الْإِغْمَاء (مَا لزمَه) أَي النّوم من تَأْخِير الْخطاب وَإِبْطَال الْعِبَادَات بطرِيق أولى (وَزِيَادَة كَونه) أَي الْإِغْمَاء عطف على الْمَوْصُول (حَدثا وَلَو) حدث (فِي جَمِيع حالات الصَّلَاة) من قيام وركوع وَسُجُود واضطجاع لزوَال المسكة على وَجه الْكَمَال على كل حَال (وَمنع الْبناء) أَي بِنَاء مَا بَقِي من الصَّلَاة بعد الْإِفَاقَة على مَا قبله إِذا وَقع فِي خلالها (بِخِلَاف النّوم فِي الصَّلَاة مُضْطَجعا) بِأَن غَلبه فاضطجع وَهُوَ نَائِم (لَهُ الْبناء) إِذا تَوَضَّأ، بِمَنْزِلَة مَا لَو سبقه الْحَدث، وَذَلِكَ لكَون الْإِغْمَاء نَادرا، بِخِلَاف النّوم فَإِنَّهُ كثير الْوُقُوع، وَالنَّص الْوَارِد فِي جَوَاز الْبناء إِنَّمَا ورد فِي الحَدِيث الْغَالِب الْوُقُوع، وَقيد بالاضطجاع لِأَن نوم الْمُصَلِّي غير مُضْطَجع لَا ينْقض الْوضُوء. هَذَا وَالْإِغْمَاء إِذا زَاد على يَوْم وَلَيْلَة بِاعْتِبَار الْأَوْقَات عِنْد أبي حنيفَة
وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله، وَبِاعْتِبَار الصَّلَوَات عِنْد مُحَمَّد يسْقط بِهِ الصَّلَوَات اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الْجُنُون. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِذا استوعب وَقت الصَّلَاة سقط، بِخِلَاف النّوم. وَفِي الْمُحِيط: لَو شرب حَتَّى ذهب عقله أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة لَا يسْقط عَنهُ الْقَضَاء مَتى كثر، لِأَنَّهُ حصل بِمَا هُوَ مَعْصِيّة، فَلَا يُوجب التَّخْفِيف والترفيه انْتهى. وَفِيه: لَو شرب البنج والدواء حَتَّى أُغمي عَلَيْهِ، قَالَ مُحَمَّد: هُوَ يسْقط عَنهُ الْقَضَاء مَتى كثر لِأَنَّهُ حصل بِمَا هُوَ مُبَاح فَصَارَ كَمَا لَو أُغمي عَلَيْهِ بِمَرَض، وَقَالَ أَبُو حنيفَة رحمه الله: يلْزمه الْقَضَاء لِأَن النَّص ورد فِي إِغْمَاء حصل بِآفَة سَمَاوِيَّة وَهَذَا بصنع العَبْد، وَلَو أُغمي عَلَيْهِ لفزع من سبع أَو آدَمِيّ أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة لَا يلْزمه الْقَضَاء بِالْإِجْمَاع، ثمَّ هَذَا إِذا لم يفق الْمغمى عَلَيْهِ أصلا فِي هَذِه الْمدَّة، فَإِن كَانَ يفِيق سَاعَة ثمَّ يعاوده لم يذكرهُ مُحَمَّد، وَهُوَ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا إِن كَانَ لإفاقته وَقت مَعْلُوم فَهِيَ إفاقة مُعْتَبرَة تبطل حكم مَا قبلهَا من الْإِغْمَاء، وَثَانِيهمَا أَن لَا يكون لَهَا وَقت مَعْلُوم بل يفِيق بَغْتَة فيتكلم بِكَلَام الأصحاء، ثمَّ يغمى عَلَيْهِ بَغْتَة فَهِيَ غير مُعْتَبرَة، كَذَا فِي الذَّخِيرَة.
(وَأما الرّق) فَهُوَ لُغَة الضعْف، وَمِنْه صَوت رَقِيق، وَأما فِي الشَّرْع (فعجز حكمي عَن الْولَايَة وَالشَّهَادَة وَالْقَضَاء ومالكية المَال) والتزوج وَغَيرهَا (كَائِن عَن جعله) أَي الرَّقِيق (شرعا عرضة) أَي محلا مَنْصُوبًا متهيئا (للتَّمَلُّك والابتذال) أَي الامتهان، وَإِنَّمَا قَالَ حكمي لعدم الْعَجز الْحَقِيقِيّ، بل الرَّقِيق فِي الْغَالِب أقوى من الْحر فِي القوى الحسية، ثمَّ هُوَ حق الله ابْتِدَاء يثبت جَزَاء للكفر، إِذْ الْكفَّار باستنكافهم عَن عبَادَة الله ألْحقُوا بالبهائم فِي عدم النّظر فِي الْآيَات الدَّالَّة على التَّوْحِيد فَجعلُوا عبيد عبيده، وَلِهَذَا لَا يثبت على الْمُسلم ابْتِدَاء ثمَّ صَار حَقًا للْعَبد من غير نظر إِلَى معنى الْجَزَاء وجهة الْعقُوبَة فَلَا يرْتَفع الرّقّ وَإِن أسلم (فَلَا يتَجَزَّأ الرّقّ) تَفْرِيع على كَونه عَجزا كَمَا ذكر إِذْ التجزئة تَقْتَضِي أَن لَا يكون الْبَعْض مِنْهُ عَاجِزا فَيحصل لَهُ تِلْكَ الولايات كَمَا سيشير إِلَيْهِ، ثمَّ أَنه قَالَ غير وَاحِد من الْمُتَأَخِّرين، بِاتِّفَاق أَصْحَابنَا: وَيشكل بقول مُحَمَّد بن سَلمَة يحْتَمل التجزي ثبوتا حَتَّى لَو فتح الإِمَام بَلْدَة وَرَأى الصَّوَاب فِي استرقاق أَنْصَافهمْ نفذ ذَلِك، وَالأَصَح الأول (لِاسْتِحَالَة قُوَّة الْبَعْض الشَّائِع) من الْمحل الْحَاصِل على تَقْدِير التجزئة بِمَعْنى عدم عَجزه عَمَّا ذكرنَا (باتصافه) أَي الْبَعْض الشَّائِع (بِالْولَايَةِ والمالكية، فَكَذَا ضِدّه) أَي الرّقّ (وَهُوَ الْعتْق) لَا يتَجَزَّأ أَيْضا اتِّفَاقًا (وَإِلَّا) لَو تجزأ الْعتْق (تجزأ) الرّقّ، لِأَنَّهُ إِذا ثَبت الْعتْق فِي بعض الْمحل فالبعض الآخر أَن عتق فَلَا تجزأ وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض وَإِن لم يعْتق لزم الْمحَال الْمَذْكُور (وَكَذَا الْإِعْتَاق عِنْدهمَا) لَا يتَجَزَّأ فَإِذا أعتق نصف عَبده عتق كُله (وَإِلَّا) لَو تجزأ بِأَن يتَحَقَّق إِعْتَاق النّصْف بِدُونِ النّصْف الآخر، وَالْمُعتق لَا يتَجَزَّأ اتِّفَاقًا (ثَبت المطاوع) بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ إِعْتَاق الْبَعْض (بِلَا مُطَاوع)
بِكَسْر الْوَاو وَهُوَ الْعتْق (إِن لم ينزل) أَي لم يعْتق مِنْهُ (شَيْء) أما المطاوعة فَلِأَنَّهُ يُقَال أَعتَقته فَعتق ككسرته فانكسر، والمطاوعة حُصُول الْأَثر عَن تعلق الْفِعْل الْمُتَعَدِّي بمفعوله، وَأثر الشَّيْء لَازم لَهُ (وَقَلبه) أَي وَيثبت المطاوع بِكَسْر الْوَاو بِلَا مُطَاوع بِفَتْحِهَا (إِن نزل) أَي عتق (كُله) إِن تحقق عتق الْبَعْض الَّذِي لم يتَعَلَّق بِهِ الْإِعْتَاق كتحقق عتق الْكل بِدُونِ إِعْتَاقه (وتجزأ) الْإِعْتَاق (عِنْده) أَي عِنْد أبي حنيفَة رحمه الله (لِأَنَّهُ) أَي الْإِعْتَاق (إِزَالَة الْملك المتجزئ) اتِّفَاقًا (حَتَّى صَحَّ شِرَاء بعضه وَبيعه) أَي بيع بعضه (وَإِن تعلق بِتَمَامِهِ) أَي الْإِعْتَاق (مَا لَا يتَجَزَّأ) وَهُوَ الْعتْق، فَإِن وصلية: يَعْنِي كَون الْعتْق بِحَيْثُ لَا يَتَرَتَّب إِلَّا على إِعْتَاق التَّمام، وَهُوَ إِعْتَاق الْكل لَا يَسْتَدْعِي عدم تُجزئ الْإِعْتَاق لجَوَاز تُجزئ الْمَاهِيّة مَعَ عدم تُجزئ أثر قسم مِنْهَا وَإِن كَانَ ذَلِك الْأَثر مطاوعا لذَلِك الْقسم (كَالْوضُوءِ تعلق بِتَمَامِهِ إِبَاحَة الصَّلَاة وَهُوَ) أَي الْوضُوء (متجزئ دونهَا) أَي إِبَاحَة الصَّلَاة فَإِن قلت مدَار استدلالهما على استلزام تُجزئ كل من المطاوع والمطاوع تجزأ الآخر، لَا على استلزام تُجزئ الْمُتَعَلّق تجزأ الْمُتَعَلّق، وَالْوُضُوء من الثَّانِي دون الأول فَلَا ينفع هَذَا النّظر قلت المُرَاد نفي كَون الْإِعْتَاق مُطلقًا مطاوعا لِلْعِتْقِ وَبعد نَفْيه لَا يبْقى إِلَّا كَونه بِحَيْثُ يتَعَلَّق بِتَمَامِهِ دون نقصانه، وَحِينَئِذٍ لَا يصير مثل الْوضُوء، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (والمطاوعة فِي أعْتقهُ فَعتق) إِنَّمَا هِيَ (عِنْد إِضَافَته) أَي الْإِعْتَاق (إِلَى كُله) أَي كل العَبْد (كَمَا هُوَ اللَّفْظ) أَي مفاده: يَعْنِي لفظ أعْتقهُ، فَإِن الْمُتَبَادر مِنْهُ إِعْتَاق الْكل فَإِنَّهُ الْحَقِيقَة (فَلَا يثبت بِإِعْتَاق الْبَعْض شَيْء من الْعتْق وَلَا زَوَال شَيْء من الرّقّ عِنْده) أَي أبي حنيفَة رحمه الله. وَفِي قَوْله وَلَا زَوَال إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن الْعتْق قُوَّة شَرْعِيَّة تحصل فِي الْمحل، والزوال الْمَذْكُور لَازمه، وَإِنَّمَا ذكره للتَّأْكِيد، وَذَلِكَ لِأَن ملزوم الْعتْق ومطاوعته إِنَّمَا هُوَ إِعْتَاق الْكل وَلم يتَحَقَّق وإعتاق الْبَعْض لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء من الْعتْق وَإِلَّا لزم عتق الْكل لعدم تُجزئ الْعتْق اتِّفَاقًا فَيلْزم عَلَيْهِ الْعتْق جبرا (بل هُوَ) أَي مُعتق الْبَعْض (كَالْمكَاتبِ) فِي أَنه لَا يَصح مِنْهُ أَحْكَام الْحُرِّيَّة (إِلَّا أَنه) أَي مُعتق الْبَعْض (لَا يرد) إِلَى الرّقّ الْخَالِص، لِأَن سَببه إِزَالَة الْملك، لَا إِلَى أحد وَهِي لَا تحْتَمل الْفَسْخ بِخِلَاف الْمكَاتب فَإِنَّهُ يرد إِلَيْهِ إِذا عجز عَن المَال لِأَن السَّبَب فِيهِ عقد يحْتَمل الْفَسْخ (فأثره) أَي إِعْتَاق الْبَعْض (حِينَئِذٍ) أَي حِين كَانَ إِزَالَة بعض الْملك من غير حُصُول الْعتْق (فِي فَسَاد الْملك) فِي الْبَاقِي حَتَّى لَا يملك الْمولى بيع مُعتق الْبَعْض وَلَا إبقاءه فِي ملكه، وَيصير هُوَ أَحَق بمكاسبه وَيخرج إِلَى الْحُرِّيَّة بالسعاية (وَهَذَا) أَي كَونه مؤثرا فِي فَسَاد الْملك الَّذِي هُوَ حق للْعَبد، لَا فِي الرّقّ الَّذِي هُوَ حق لله تَعَالَى إِنَّمَا كَانَ (لوُجُوب قصر ملاقاة التَّصَرُّف) فِي (حق الْمُتَصَرف) أَي على حَقه لَا يتجاوزه إِلَى حق غَيره: يَعْنِي أَن تَصَرُّفَات الْإِنْسَان إِنَّمَا
تقتصر ملاقاتها وتأثيرها على حق نَفسه وَلَا تلاقي فِي حق غَيره (إِلَّا ضمنا) وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ تَصرفا قصديا مستلزما تحَققه تحقق الضمني، وَحَيْثُ انْتَفَى المطاوعة فِي إِعْتَاق الْبَعْض انْتَفَى الاستلزام (كَمَا فِي إِعْتَاق الْكل) تَمْثِيل للمستثنى فَإِن فِيهِ إِزَالَة حق العَبْد قصدا وأصالة وَثَبت فِي ضمنه زَوَال حق الله تَعَالَى، وَكم من شَيْء ثَبت ضمنا وَلَا يثبت قصدا (وَالرّق حق الله تَعَالَى) ابْتِدَاء يثبت أثرا للكفر (وَالْملك حَقه) أَي العَبْد يثبت ثَانِيًا (وَأَنه) أَي الرّقّ (يُنَافِي ملك المَال لِأَنَّهُ) أَي الرَّقِيق (مَمْلُوك) حَال كَونه (مَالا فاستلزم) كَونه مَمْلُوكا مَالا (الْعَجز والابتذال) لكَونه مقهورا تَحت يَد مَالِكه (والمالكية تَسْتَلْزِم ضدهما) أَي كَونه مَمْلُوكا مَالا: أَي العجزه والابتذال وضدهما الْقُدْرَة والكرامة (وتنافي اللوازم يُوجب تنَافِي الملزومات فَلَا يجْتَمع إِلَى مملوكيته) حَال كَونه مكَاتبا (مَالا مالكيته لِلْمَالِ فَلَا يتسري) الرَّقِيق الْأمة (وَلَو ملكهَا) بِصِيغَة الْمَجْهُول بِأَن جعله السَّيِّد مَالِكهَا حَال كَونه (مكَاتبا) مَعَ أَن الْمكَاتب مَالك لما فِي يَده (بِخِلَاف غَيره) أَي غير المَال (من النِّكَاح لِأَنَّهُ) أَي النِّكَاح (من خَواص الْآدَمِيَّة) فَإِنَّهُ جعل فِيهِ بِمَنْزِلَة المبقي على أصل الْحُرِّيَّة (حَتَّى انْعَقَد) إنكاحه نَفسه مَوْقُوفا على إجَازَة الْمولى إِذا كَانَ (بِلَا إِذن) من الْمولى (وَشرط الشَّهَادَة عِنْده) أَي العقد (لَا عِنْد الْإِجَازَة، وَإِنَّمَا وقف إِلَى إِذْنه لِأَنَّهُ) أَي العقد (لم يشرع إِلَّا بِالْمَالِ) لقَوْله تَعَالَى - {أَن تَبْتَغُوا بأموالكم} - إِلَى غير ذَلِك (فَيضر) العقد (بِهِ) أَي الْمولى، لِأَنَّهُ لما فِيهِ من نُقْصَان مَالِيَّة العَبْد الَّتِي هِيَ حق الْمولى لِأَن الْمهْر يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ إِذا لم يُوجد لَهُ مَال آخر يتَعَلَّق بِهِ (فَيتَوَقَّف) نَفاذ العقد (على الْتِزَامه) أَي الْمولى بِالْإِذْنِ السَّابِق أَو الْإِمْضَاء اللَّاحِق (و) من (الدَّم لملكه الْحَيَاة) كَونه بِالْحَيَاةِ مَمْلُوكا لَهُ أَنَّهَا لَيست مِمَّا يتَصَرَّف فِيهِ الْمولى وَأَنه باعتبارها كالحرّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَا يملك الْمولى إِتْلَافه) أَي العَبْد بِإِزَالَة حَيَاته: إِذْ لَا ملك لَهُ فِيهَا (وَقتل الحربة) أَي بِالْعَبدِ، فلولا أَنه فِي حق الدَّم كَالْحرِّ مَا قتل بِهِ قصاصا فِي الْعمد: إِذْ الْقصاص يُنبئ عَن الْمُسَاوَاة (وودى) أَي فدى بِالدِّيَةِ على تَفْصِيل فِيهَا بالْخَطَأ (وَصَحَّ إِقْرَاره) أَي العَبْد على نَفسه مَأْذُونا كَانَ أَو مَحْجُورا (بالحدود وَالْقصاص) أَي بِمَا يوجبهما، لِأَنَّهُ فِي حق نَفسه وَلَا يمْنَع صِحَّته لُزُوم إِتْلَاف مَالِيَّته الَّتِي هِيَ حق الْمولى لكَونه ضمنيا فَانْدفع مَا قَالَ زفر رحمه الله من أَنه لَا يَصح إِقْرَاره لَهما لكَونه واردا على نَفسه وطرفه وَكِلَاهُمَا مَال الْمولى، وَالْإِقْرَار على الْغَيْر لَا يقبل (وَالسَّرِقَة المستهلكة) أَي وَصَحَّ إِقْرَاره بِسَرِقَة مَال غير قَائِم بِيَدِهِ سَوَاء كَانَ مَأْذُونا أَو مَحْجُورا (والقائمة) أَي وبسرقة مَال قَائِم بِيَدِهِ (فِي الْمَأْذُون اتِّفَاقًا، وَفِي الْمَحْجُور وَالْمَال قَائِم كَذَلِك) أَي صَحَّ إِقْرَاره بهَا (إِن صدقه الْمولى) فِي ذَلِك (فَيقطع) فِي هَذِه الصُّور عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة، لِأَن وجوب الحدّ عَلَيْهِ بِاعْتِبَار
أَنه آدميّ مُكَلّف بِاعْتِبَار أَنه مَال مَمْلُوك (وَيرد) المَال إِذا كَانَ قَائِما لسُقُوط حق الْمولى بِالْإِذْنِ والتصديق (وَلَا ضَمَان فِي الهالكة) صدّقه الْمولى أَو كذبه، لِأَن الْقطع وَالضَّمان لَا يَجْتَمِعَانِ عِنْد أَصْحَابنَا. وَقد بَين فِي مَحَله (وَإِن قَالَ) الْمولى (المَال لي) فِيمَا إِذا كَانَ العَبْد مَحْجُورا وَالْمَال قَائِم (فلأبي يُوسُف) رحمه الله (يقطع) لِأَن إِقْرَاره حجَّة فِي الْقطع لِأَنَّهُ مَالك دم نَفسه (وَالْمَال للْمولى لِأَنَّهُ) أَي كَون المَال للْمولى هُوَ (الظَّاهِر) تبعا لرقبته (وَقد) ينْفَصل أحد الْحكمَيْنِ عَن الآخر: إِذْ قد (يقطع بِلَا وجوب مَال كَمَا لَو اسْتَهْلكهُ) أَي المَال الْمَسْرُوق (وَعَكسه) أَي وَقد يجب المَال وَلَا يقطع كَمَا (إِذا شهد بِالسَّرقَةِ رجل وَامْرَأَتَانِ) لما عرف من أَن شَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرجل تقبل فِي الْأَمْوَال دون الْحُدُود (ولمحمد) رحمه الله (لَا) يقطع (وَلَا يرد) المَال (لما ذكر أَبُو يُوسُف) رحمه الله من أَن كَون المَال للْمولى هُوَ الظَّاهِر وَإِقْرَاره على الْمولى بَاطِل (وَلَا قطع) على العَبْد (بِمَال السَّيِّد) أَي بسرقته (وَلأبي حنيفَة) رَحمَه (يقطع ويردّ) المَال إِلَى الْمَسْرُوق مِنْهُ (الْقطع لصِحَّة إِقْرَاره بالحدود ويستحيل) الْقطع (بمملوك) أَي بِمَال مَمْلُوك (للسَّيِّد فقد كذبه) أَي الْمولى (الشَّرْع والمقطوع) أَي الَّذِي قطع بِهِ شرعا (انحطاطه) أَي الرَّقِيق (بِالْحجرِ) من قبل الشَّرْع (فِي أُمُور إجماعية مِمَّا ذكرنَا) من الْولَايَة وَالْقَضَاء وَالشَّهَادَة ومالكية المَال (فَمَا استلزم مِنْهَا) أَي من الْأُمُور الأجماعية (غَيره) الضَّمِير رَاجع إِلَى الْمَوْصُول (كَعَدم مالكية المَال) فَإِنَّهُ مُسْتَلْزم عدم صِحَة تصرف يتَوَقَّف صِحَّته على الْمَالِكِيَّة: فعلى هَذَا يكون مستلزما مِنْهَا، وَيحْتَمل أَن يكون مِثَالا للْغَيْر الَّذِي ألزمهُ أَمر إجماعيّ، وَهُوَ كَون الرَّقِيق عرضة للتَّمْلِيك والابتذال فَإِن قلت قَوْله: مِمَّا ذكرنَا يأبي هَذَا الِاحْتِمَال، لِأَن عدم الْمَالِكِيَّة مِمَّا ذكره قلت هَذَا إِذا كَانَ من هِيَ مِمَّا ذكرنَا بَيَانِيَّة، وَأما إِذا كَانَت تبعيضية فَيجوز أَن يكون عدم الْمَالِكِيَّة مِمَّا يستلزمه الْأَمر الإجماعي فَافْهَم (أَو قَامَ بِهِ) أَي بإثباته مَعْطُوف على صلَة الْمَوْصُول، وَالضَّمِير الْمَجْرُور رَاجع إِلَيْهِ وَالْفَاعِل (سمع) أَي دَلِيل سَمْعِي (حكم بِهِ) أَي بِمُوجب مَا ذكر من أحد الْأَمريْنِ (فَمن الْمَعْلُوم انحطاط ذمَّته) أَي الرَّقِيق عَن تحمل الدّين لِضعْفِهَا، لِأَنَّهُ من حَيْثُ أَنه مَال رَقِيق لَا ذمَّة لَهُ، وَمن حَيْثُ أَنه مُكَلّف لَهُ ذمَّة فَيثبت لَهُ ذمَّة ضَعِيفَة، فَلَا بُد لتقويتها لتحمله بانضمام مَالِيَّة الرَّقَبَة أَو الْكسْب إِلَيْهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (حَتَّى ضم إِلَيْهَا) أَي ذمَّته غَايَة للانحطاط (مَالِيَّة رقبته أَو كَسبه) فَلَا يُطَالب بِدُونِ انضمام أَحدهمَا إِلَيْهَا، فَإِن الِاحْتِمَال عبارَة عَن صِحَة الْمُطَالبَة، وَإِنَّمَا يَنْضَم إِلَيْهَا الْمَالِيَّة إِذا تعلق الْحق بهَا شرعا بِمُوجب كالإذن بِالتِّجَارَة صِيَانة لأموال النَّاس، وَكَذَلِكَ مَا اكْتَسبهُ الْمَأْذُون بهَا، وَمعنى تعلقه بهما حق الِاسْتِيفَاء مِنْهُمَا (فَبيع فِيمَا يلْزم) من الدُّيُون (فِي حق الْمولى إِن لم يفده وَلَا كسب أَو لم يَفِ) كَسبه بذلك إِن كَانَ لَهُ كسب
إِلَّا أَن يُمكن بَيْعه كالمدبر وَالْمكَاتب ومعتق الْبَعْض عِنْد أبي حنيفَة رحمه الله، فَحِينَئِذٍ يستسعى، وَالدّين الَّذِي يظْهر فِي حق الْمولى (كمهر وَدين تِجَارَة عَن إِذن) لرضا الْمولى بِالْعقدِ وَالتِّجَارَة (أَو تبين اسْتِهْلَاك) أَي باستهلاك علم يَقِينا لانْتِفَاء التُّهْمَة (لَا إِقْرَاره) أَي لَا بِإِقْرَارِهِ بالاستهلاك حَال كَونه (مَحْجُورا) لوُجُود التُّهْمَة وَعدم رضَا الْمولى بذلك فَلَا يظْهر فِي حَقه، فَلَا يُبَاع وَلَا يُؤْخَذ من كَسبه لَكِن يُؤَخر إِلَى عتقه (وحله) أَي وانحطاط الْحل الثَّابِت لَهُ بِالنِّكَاحِ عَن الْحل الثَّابِت للحرية (فاقتصر) حلّه (على ثِنْتَيْنِ نسَاء) لَهُ حرتين كَانَتَا، أَو أمتين كَمَا هُوَ قَول أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ رحمه الله وَأحمد. وَقَالَ مَالك: يتَزَوَّج أَرْبعا، لِأَن الرّقّ لَا يُؤثر فِي مالكية النِّكَاح، لِأَنَّهُ من خَصَائِص الْآدَمِيَّة وَأجِيب بِأَن لَهُ أثرا فِي تنصيف المتعدّد كإقراء الْعدة، وَعدد الطَّلَاق، وجلدات الْحُدُود، لِأَن اسْتِحْقَاق النعم بآثار الإنسانية، وَقد أثر الرقّ فِي إنسانها حَتَّى لحق بالبهائم يُبَاع بالأسواق: لِأَنَّهُ أثر الْكفْر الذى هُوَ موت حكمي كَمَا أثر فِي الْعقُوبَة. قَالَ تَعَالَى - {فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب} -. وَقَالَ جمع من الصَّحَابَة: إِن العَبْد لَا ينْكح أَكثر من اثْنَتَيْنِ. وَأخرج الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى عَن عمر مثله (وَاقْتصر) الْحل (فِيهَا) أَي الْأمة على تَقْدِير الْجمع بَينهَا وَبَين الْحرَّة (على تقدمها على الْحرَّة لَا) تحل (مُقَارنَة) لَهَا فِي العقد (ومتأخرة) عَنْهَا لقَوْله صلى الله عليه وسلم " ويتزوج الْحرَّة على الْأمة، وَلَا يتَزَوَّج الْأمة على الْحرَّة ": رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِيه ظَاهر بن أسلم ضَعِيف: لَكِن أخرجه الطَّبَرِيّ وَعبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة مُرْسلا وَعبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح عَن جَابر مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَأما نفي حل مقارنتها فَلِأَن هَذِه الْحَالة لَا تحْتَمل التجزي فتغلب بِالْحُرْمَةِ على الْحل (و) اقْتصر طَلاقهَا على (طَلْقَتَيْنِ) حرا كَانَ زَوجهَا أَو عبدا خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة فِيمَا إِذا كَانَ حرا، وَاقْتصر تربصها لتعظيم ملك النِّكَاح وَالْعلم بِبَرَاءَة الرَّحِم (و) عدّتها على وجود (حيضتين عدَّة) لقَوْله صلى الله عليه وسلم " طَلَاق الْأمة ثِنْتَانِ، وعدتها حيضتان ": صَححهُ الْحَاكِم، وَإِنَّمَا كَانَ طَلاقهَا ثِنْتَيْنِ وعدتها حيضتين (تنصيفا) للثابت مِنْهَا للْحرَّة غير أَن التنصيف للثلاث يَقْتَضِي تَكْمِيل نصف الطَّلَاق وَالْحيض تَرْجِيحا لجَانب الْوُجُود على الْعَدَم (وَكَذَا فِي الْقسم) اقْتصر على النّصْف مِمَّا للْحرَّة هُوَ قَول أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيّ وَمَالك فِي رِوَايَة أُخْرَى إِلَى التَّسْوِيَة بَينهمَا، وَالْحجّة للْأولِ مَا عَن عليّ رضي الله عنه قَالَ:" إِذا نكحت الْحرَّة على الْأمة، فلهذه الثُّلُثَانِ، ولهذه الثُّلُث ". وَفِي مَعْنَاهُ مَا عَن سُلَيْمَان بن يَاسر: " للْحرَّة ليلتان، وللأمة لَيْلَة ": أخرجهُمَا الْبَيْهَقِيّ (وَعَن تنصف النِّعْمَة) فِي حق الرَّقِيق (تنصف حِدة) لقَوْله تَعَالَى - {فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب} -: إِلَّا فِيمَا لَا يُمكن تنصيفه كالقطع فِي السّرقَة، فَإِن الْحر وَالْعَبْد فِيهِ سَوَاء (وَإِنَّمَا نقصت دِيَته إِذا ساوت
قِيمَته دِيَة الْحر) كَمَا فِي قَول أبي حنيفَة رحمه الله وَمُحَمّد (لِأَنَّهُ) أَي المؤدّى (ضَمَان النَّفس وَهُوَ) أَي ضَمَان النَّفس وَاجِب (بخطرها) أَي بِسَبَب شرفها (وَهُوَ) أَي خطرها (بالمالكية لِلْمَالِ ولملك النِّكَاح، وَهَذَا) أَي ملك النِّكَاح (مُنْتَفٍ فِي الْمَرْأَة) الْحرَّة: إِذْ هِيَ مَمْلُوكَة فِيهِ لَا مالكة (فتنصفت دِيَتهَا) عَن دِيَة الذّكر الحرّ (وثابت للْعَبد مَعَ نقص) مَا (فِي) مالكية (المَال لتحققه) أَي ملك المَال (يدا) أَي تَصرفا (فَقَط) أَي لَا رَقَبَة، فَلَزِمَ بِسَبَب نُقْصَان ملك الْيَد نُقْصَان شَيْء من دِيَته الَّتِي جعلت دِيَته (وَلكَون مالكية الْيَد فَوق مالكية الرَّقَبَة لِأَنَّهُ) أَي ملك الْيَد هُوَ (الْمَقْصُود مِنْهُ) أَي من ملك الرَّقَبَة، لِأَنَّهُ شرع وَسِيلَة إِلَى التَّصَرُّف الَّذِي بِهِ قَضَاء الْحَوَائِج (لم يتَقَدَّر نقص دِيَته بِالربعِ) يَعْنِي لما كَانَ الْخطر بِمَجْمُوع الْملكَيْنِ وَكَانَ أَحدهمَا حَاصِلا للْعَبد كَامِلا، وَكَانَ الآخر منقسما إِلَى قسمَيْنِ وَأَحَدهمَا حَاصِل لَهُ كَانَ مُقْتَضى ذَلِك كَون النُّقْصَان فِي الْخَبَر قدر الرّبع، لَكِن لما كَانَ الْقسم الْحَاصِل من الْقسمَيْنِ فَوق الَّذِي لم يحصل لَهُ لزم أَن لَا يقدّر بِالربعِ، بل بِمَا هُوَ أقل مِنْهُ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (بل لزم أَن ينقص بِمَالِه خطر فِي الشَّرْع وَهُوَ الْعشْرَة) إِذْ بهَا يملك الْبضْع الْمُحْتَرَم، وتقطع الْيَد المحترمة وَلَا معِين سواهُ (وَاعْترض) والمعترض صدر الشَّرِيعَة، لِأَنَّهُ (لَو صَحَّ) مَا ذكر من الْعلَّة لنُقْصَان دِيَة العَبْد (لم تتنصف أَحْكَامه) أَي العَبْد (إِذْ) مُقْتَضَاهُ أَنه (لم يتَمَكَّن فِي كَمَاله إِلَّا نُقْصَان أقلّ من الرّبع) وَيجب أَن يكون نقصانه فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق وَغَيرهمَا على طبقه، وَاللَّازِم بَاطِل إِجْمَاعًا (وَأَيْضًا لَو كَانَت مالكية النِّكَاح) ثَابِتَة (لَهُ كملا) أَي كَامِلَة (لم ينتقص) العَبْد (فِيمَا يتَعَلَّق بالازدواج كعدد الزَّوْجَات، والعدّة، وَالْقسم، وَالطَّلَاق لِأَنَّهَا) أَي الْأُمُور الْمَذْكُورَة (مَبْنِيَّة عَلَيْهَا) أَي على مالكية النِّكَاح (وَهِي) أَي مالكية النِّكَاح (كَامِلَة) فِيهِ، وَاللَّازِم بَاطِل (بل) إِنَّمَا نقصت دِيَته عَن دِيَة الْحر إِذا ساوت (لِأَن الْمُعْتَبر فِيهِ) أَي فِي تعْيين دِيَة العَبْد (الْمَالِيَّة) فَيتَعَيَّن دِيَة بحسبها، وَكَانَ مُقْتَضى ذَلِك فِي صُورَة مساواتها وزياداتها أَن تتعيين بحسبها (غير أَن فِي الْإِكْمَال) عِنْد الْمُسَاوَاة بِأَن يَجْعَل الدِّيَة مِقْدَار كَمَال الْقيمَة (شُبْهَة الْمُسَاوَاة ب) بَين (الحرّ) وَالْعَبْد فِي الْخطر (فنقص بِمَا) أَي بِقدر لَهُ (خطر) شرعا وَلَا يخفى عَلَيْك أَن عِلّة النَّقْص إِنَّمَا هِيَ شبه الْمُسَاوَاة، لِأَن الْمُعْتَبر فِيهِ الْمَالِيَّة: بل اعْتِبَار الْمَالِيَّة تربي جَانب الْإِكْمَال، وَإِنَّمَا ذكره دفعا لما فهم من التَّعْلِيل الأول من أَن المنظور من دِيَة العَبْد مجرّد الْخطر، وَكَون خطره أنقص بِالْقدرِ الْمَذْكُور لَا مَالِيَّته (وَأجِيب) عَن الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور كَمَا فِي التَّلْوِيح (بِأَن نُقْصَان الزَّوْجَات لَيْسَ لنُقْصَان خطر النَّفس الَّذِي هُوَ الْمَالِكِيَّة ليلزم) كَون ذَلِك النُّقْصَان (بِأَقَلّ من النّصْف) كَمَا فِي الدِّيَة (بل لنُقْصَان الْحل الْمَبْنِيّ على الْكَرَامَة وَتَقْدِير النَّقْص) الْكَائِن (بِهِ) أَي
بِنُقْصَان الْحل مفوض (إِلَى الشَّرْع، فقدره) الشَّرْع (بِالنِّصْفِ إِجْمَاعًا بِخِلَاف الدِّيَة فَإِنَّهَا) تثبت (بِاعْتِبَار خطر النَّفس الَّذِي هُوَ) ثَابت (بالمالكية ونقصان الرَّقِيق فِيهِ) أَي الْملك (أقل من الرّبع وَكَمَال مالكية النِّكَاح إِن لم يُوجب نُقْصَان عددهنّ) أَي الزَّوْجَات (لَا يَنْفِي أَن يُوجِبهُ) أَمر (آخر هُوَ نُقْصَان الْحل وَلَا تستقيم الْمُلَازمَة بَين كَمَال ملك النِّكَاح وَعدم تنصيف مَا يتَعَلَّق بالازدواج، فَإِن أَكْثَره) أَي مَا يتَعَلَّق بالازدواج (كَالطَّلَاقِ والعدّة وَالْقسم إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالزَّوْجَةِ، وَلَا تملك) الْأمة (النِّكَاح أصلا) فضلا عَن كَمَال الْمَالِكِيَّة، فَانْدفع الْوَجْه الثَّانِي من الِاعْتِرَاض أَيْضا (وَإِنَّمَا قَالَ شُبْهَة الْمُسَاوَاة، لِأَن قيمَة العَبْد لَو وَجَبت وَكَانَت ضعف دِيَة الْحر لَا مُسَاوَاة لِأَنَّهَا) أَي الْقيمَة (تجب فِي العَبْد بِاعْتِبَار المملوكية) والابتذال (وَفِي الْحر بِاعْتِبَار الْمَالِكِيَّة والكرامة) فالضعف الَّذِي لزم لوصف دنيء لَا يُسَاوِي نصفه الَّذِي لزم لوصف شرِيف (وَكَون مُسْتَحقّه) أَي الضَّمَان (السَّيِّد لَا يسْتَلْزم أَنه) أَي الضَّمَان (بِاعْتِبَار الْمَالِيَّة) كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله (أَلا ترى أَنه) أَي السَّيِّد (الْمُسْتَحق للْقصَاص بقتل عبد إِيَّاه) أَي عَبده (وَهُوَ) أَي الْقصاص (بدل الدَّم) لَا مَالِيَّة العَبْد (إِجْمَاعًا فَالْحق أَن مُسْتَحقّه) أَي الضَّمَان (العَبْد وَلِهَذَا يقْضِي مِنْهُ) أَي من الضَّمَان (دينه) أَي دين العَبْد، وَهَذَا إِنَّمَا يدل على كَون العَبْد مُسْتَحقّا إِذا لم يكن من الدُّيُون الَّتِي يجب على السَّيِّد أَدَاؤُهَا من رَقَبَة العَبْد (غير أَنه) أَي العَبْد (لما لم يصلح شرعا لملك المَال خَلفه الْمولى) فِيهِ (لِأَنَّهُ أَحَق النَّاس بِهِ كالوارث وَاخْتلف فِي أَهْلِيَّته) أَي العَبْد (للتَّصَرُّف وَملك الْيَد، فَقُلْنَا نعم) أهل لَهما (خلافًا للشَّافِعِيّ، لِأَنَّهُمَا) أَي التَّصَرُّف وَملك الْيَد (بأهلية التَّكَلُّم والذمة، وَهِي) أَي الذِّمَّة (مخلصة عَن المملوكية، وَالْأولَى) أَي أَهْلِيَّة التَّكَلُّم (بِالْعقلِ) وَالرّق لَا يخلّ بِهِ (وَلذَا) أَي وَلكَون أَهْلِيَّة التَّكَلُّم بِالْعقلِ (كَانَت رواياته) أَي العَبْد (ملزمة الْعَمَل لِلْخلقِ وَقبلت) رواياته (فِي الْهَدَايَا) فَإِن قَالَ هَذَا الطَّعَام هَدِيَّة لَك من فلَان يجوز أكله (وَغَيرهَا) من الدِّيات. (وَالثَّانيَِة) أَي أَهْلِيَّته للذمة (بأهلية الْإِيجَاب) عَلَيْهِ (والاستيجاب) لَهُ (وَلذَا) أَي ولتاهله للْإِيجَاب والاستيجاب (خُوطِبَ بحقوقه تَعَالَى) وَيصِح إِقْرَاره بالحدود وَالْقصاص (وَلم يَصح شِرَاء الْمولى على أَن الثّمن فِي ذمَّته) أَي العَبْد كَمَا لَو شَرطه على أجنبيّ، لِأَن ذمَّته غير مَمْلُوكَة للْمولى (وَلَا يملك) الْمولى (أَن يسْتَردّ مَا استودع عِنْد العَبْد) قَالَ الشَّارِح: وَالْمُنَاسِب كَمَا فِي غير مَوضِع أَن يسْتَردّ مَا أودعهُ العَبْد غَيره انْتهى. وَذَلِكَ أَن إِطْلَاق الِاسْتِرْدَاد على أَخذ المَال وَدِيعَة النَّاس من يَد العَبْد غير ظَاهر وَلَا يخفى أَن الْأَمر فِيهِ هَين على أَن فِيهِ إِفَادَة مَسْأَلَة غير مَا ذكرُوا
(وَصِحَّة إِقْرَاره) أَي الْمولى (عَلَيْهِ) أَي العَبْد بدين (لملك مَالِيَّته) أَي العَبْد (كإقرار الْوَارِث) على مُوَرِثه بِالدّينِ (فَهُوَ) أَي إِقْرَار الْمولى على عَبده (إِقْرَار على نَفسه بِالْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا حجر) العَبْد (عَنهُ) أَي عَن التَّصَرُّف مَعَ قيام الْأَهْلِيَّة (لحق الْمولى) لِأَن الدّين إِذا وَجب فِي الذِّمَّة يتَعَلَّق بمالية العَبْد وَالْكَسْب فيستوفي مِنْهُمَا، وهما ملك الْمولى، فَلَا يتَحَقَّق بِدُونِ رِضَاهُ، فَإِذا أذن رَضِي بِسُقُوط حَقه (فإذنه فك الْحجر وَرفع الْمَانِع) من التَّصَرُّف لَا إِثْبَات أَهْلِيَّة التَّصَرُّف لَهُ (كَالنِّكَاحِ) تَمْثِيل لأهلية التَّصَرُّف، فَينْعَقد أصل العقد إِذا تزوج مَوْقُوفا على إِذن الْمولى فَامْتنعَ نفاذه لحق الْمولى (فيتصرف) بعد الْإِذْن (بأهليته لَا إنابة) عَن الْمولى حَتَّى تكون يَده فِي أكسابه يَد نِيَابَة كَالْمُودعِ (كالشافعي) أَي كَمَا قَالَ الشَّافِعِي رحمه الله أَنه لَو كَانَ أَهلا للتصرّف لَكَانَ أَهلا للْملك، لِأَن التصرّف وَسِيلَة إِلَيْهِ وَسبب لَهُ، والمسبب لم يشرع إِلَّا لحكمه، وَاللَّازِم بَاطِل إِجْمَاعًا، وَإِذا لم يكن أَهلا للتصرّف لم يكن أَهلا لاسْتِحْقَاق الْيَد: كَذَا ذكره الشَّارِح، وَكَلَام المُصَنّف كَمَا سَيَأْتِي يدلّ على أَن الشَّافِعِي رحمه الله يَقُول: إِن ملك التَّصَرُّف لَا يُسْتَفَاد إِلَّا من ملك الرَّقَبَة. وَقد يُقَال لَا مُنَافَاة بَينهمَا لجَوَاز تَأَخّر صِحَة التَّصَرُّف عَن ملك مَعَ تقدمه على ملك آخر: أَلا ترى أَنَّك لَا تملك البيع إِلَّا بعد ملك الْمَبِيع، ثمَّ إِن البيع سَبَب ملك الْبَدَل غير أَنه يرد عَلَيْهِ أَنه لَا تَنْحَصِر فَائِدَة التَّصَرُّف فِي كَونه وَسِيلَة للْملك حَتَّى يلْزم من اعْتِبَاره الخلوّ من الْفَائِدَة ثمَّ أَفَادَ ثَمَرَة الِاخْتِلَاف بقوله (فَلَو أذن) الْمولى (فِي نوع) من التِّجَارَة (كَانَ لَهُ التَّصَرُّف مُطلقًا) أَي فِي كل أَنْوَاعهَا (وَتثبت يَده) أَي العَبْد (على كَسبه كَالْمكَاتبِ وَإِنَّمَا ملك) الْمولى (حجره) أَي الْمَأْذُون لَا الْمكَاتب (لِأَنَّهُ) أَي فك الْحجر فِي الْمَأْذُون (بِلَا عوض) فَلَا يكون لَازِما كَالْهِبَةِ (بِخِلَاف الْكِتَابَة) فَإِنَّهَا بعوض فَتكون لَازِمَة كَالْبيع: وَهَذَا عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة لرفع الْمَانِع من التَّصَرُّف، وَهُوَ الْحجر مَعَ أَهْلِيَّته للتصرّف، وَالتَّقْيِيد بِنَوْع من التِّجَارَة حِينَئِذٍ لَغْو، وَلقَائِل أَن يَقُول: سلمنَا أَن الْمَانِع من التصرّف الْحجر لَا غير، لَكِن لَا نسلم ارْتِفَاع الْحجر مُطلقًا بِالْإِذْنِ فِي نوع مِنْهَا لجَوَاز أَن يعلم الْمولى عدم صلاحيته لسَائِر الْأَنْوَاع وَلَا يرضى بِرَفْع الْحجر عَنهُ فِيهَا. وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله: يخْتَص بِمَا أذن فِيهِ، لِأَن تصرفه لما كَانَ بطرِيق النِّيَابَة عَنهُ اقْتصر على مَا أذن فِيهِ كَالْوَكِيلِ، ثمَّ للمشايخ فِي ثُبُوت ملك الرَّقَبَة فِي أكسابه للْمولى طَرِيقَانِ: أَحدهمَا أَن تصرفه يُفِيد ثُبُوت ملك الْيَد لَهُ وَثُبُوت ملك الرَّقَبَة لمَوْلَاهُ ابْتِدَاء ثَانِيهمَا أَنه يُفِيد ثُبُوت كليهمَا لَهُ، ثمَّ يسْتَحق الْمولى ملك الرَّقَبَة خلَافَة عَن العَبْد لعدم أَهْلِيَّته لَهَا، كَذَا ذكره الشَّارِح، وَزعم أَن المُصَنّف مَشى على الثَّانِي بقوله (وَثُبُوت الْملك للْمولى فِيمَا يَشْتَرِيهِ) العَبْد (ويصطاده ويتهبه لخلافته) أَي الْمولى (عَنهُ) أَي العَبْد (لعدم أَهْلِيَّته) لملك الرَّقَبَة.
وَأَنت خَبِير بِأَن كَلَام المُصَنّف رحمه الله سَاكِت عَن ثُبُوت كليهمَا لَهُ، ثمَّ يسْتَحق الْمولى ملك الرَّقَبَة ابْتِدَاء، ثمَّ اسْتِحْقَاق الْمولى بخلافة: بل الْمُتَبَادر مِنْهُ ثُبُوت ملك الرَّقَبَة للْمولى ابْتِدَاء، لَكِن على سَبِيل الْخلَافَة عَنهُ لما ذكر، وَكَيف يتَصَوَّر سُقُوط ثُبُوت ملك الرَّقَبَة لَهُ ابْتِدَاء مَعَ عدم أَهْلِيَّته لَهُ، وَعدم الْأَهْلِيَّة كَمَا يُنَافِي مالكيته بَقَاء كَذَلِك ينافيها ابْتِدَاء وَهُوَ ظَاهر (كالوارث) مَعَ الْمُورث، فَإِن ثُبُوت الْملك بطرِيق الْخلَافَة (وَكَون ملك التصرّف لَا يُسْتَفَاد إِلَّا من ملك الرَّقَبَة مَمْنُوع، نعم هُوَ) أَي ملك الرَّقَبَة (وَسِيلَة إِلَيْهِ) أَي إِلَى ملك التَّصَرُّف فِي الْجُمْلَة (وَلَا يلْزم من عدم ملكهَا) أَي الرَّقَبَة (عدم الْمَقْصُود) من الْوَسِيلَة (لجَوَاز تعدد الْأَسْبَاب) للمقصود، وَهُوَ ملك التَّصَرُّف (وَإِذ كَانَت لَهُ) أَي للْعَبد (ذمَّة وَعبارَة) وَلم يكن مَحْجُورا عَن التَّصَرُّف (صَحَّ الْتِزَامه فِيهَا) أَي فِي الذِّمَّة (وَوَجَب لَهُ) أَي للْعَبد، أَو الْتِزَامه (طَرِيق قَضَاء) لما الْتَزمهُ (دفعا للْحَرج اللَّازِم من أَهْلِيَّة الْإِيجَاب فِي الذِّمَّة بِلَا أَهْلِيَّة الْقَضَاء، وَأَدْنَاهُ) أَي طَرِيق الْقَضَاء (ملك الْيَد) فَلَزِمَ ثُبُوته للْعَبد وَهُوَ الْمَطْلُوب (وَلذَا) أَي ثُبُوت ملك الْيَد لَهُ (قَالَ أَبُو حنيفَة دينه) أَي العَبْد الْمَأْذُون (يمْنَع ملك الْمولى كَسبه) لِأَن ملك يَده للْمصْلحَة قَضَاء مَا الْتَزمهُ من كَسبه، فَهُوَ مَشْغُول بحاجته الْمُتَقَدّمَة على ملك الْمولى. (وَاخْتلف فِي قتل الْحر بِهِ) أَي بِالْعَبدِ (فَعنده) أَي الشَّافِعِي (لَا) يقتل بِهِ قصاصا (لابتنائه) أَي الْقَتْل قصاصا (على الْمُسَاوَاة فِي الكرامات) وَهِي منتفية بَينهمَا: إِذْ الْحر نفس من كل وَجه، وَالْعَبْد نفس من وَجه (قُلْنَا) لَا نسلم ابتناءه على الْمُسَاوَاة فِي الكرامات (بل) المناط فِيهِ الْمُسَاوَاة (فِي عصمَة الدَّم فَقَط للاتفاق على إهداره) أَي التَّسَاوِي بَين الْقَاتِل والمقتول (فِي الْعلم، وَالْجمال، وَمَكَارِم الْأَخْلَاق والشرف، وهما) أَي الحرّ وَالْعَبْد (مستويان فِيهَا) أَي عصمَة الدَّم (وينافي) الرّقّ (مالكية مَنَافِع الْبدن) إِجْمَاعًا (إِلَّا مَا اسْتثْنى من الصَّلَاة وَالصَّوْم إِلَّا نَحْو الْجُمُعَة) كَصَلَاة الْعِيد (بِخِلَاف الْحَج) فَإِنَّهُ لم يسْتَثْن نظرا للْمولى، علم هَذَا (بِالنَّصِّ) وَقد قَالَ صلى الله عليه وسلم " وَأَيّمَا عبد حج ثمَّ أعتق فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى ". صَححهُ الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَاشْترط فِيهِ الِاسْتِطَاعَة فِي الْكتاب، وَهِي مفسرة بالزاد وَالرَّاحِلَة، وَالْعَبْد لَا مَال لَهُ، وَأَيْضًا اشْترط فِيهِ الْحُرِّيَّة بِالْإِجْمَاع، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (لِلْمَالِ) تَعْلِيل للنَّص: أَي لم يُوجب عَلَيْهِ الشَّارِع الْحَج لاحتياجه إِلَى المَال (و) بِخِلَاف (الْجِهَاد) أَيْضا (فَلَيْسَ لَهُ الْقِتَال إِلَّا بِإِذن مَوْلَاهُ أَو) إِذن (الشَّرْع فِي عُمُوم النفير) عِنْد هجوم العدّو على بلد، فَإِنَّهُ يجب على جَمِيع النَّاس الدّفع بِخُرُوج الْمَرْأَة بِغَيْر إِذن زَوجهَا، وَالْعَبْد بِغَيْر إِذن الْمولى لِأَنَّهُ صَار فرض عين، وَملك الْيَمين، ورق النِّكَاح لَا يظْهر فِي حق فروض الْأَعْيَان كَمَا فِي الصَّلَاة وَالصَّوْم (وَلَا يسْتَحق) العَبْد إِذا قَاتل (سَهْما لِأَنَّهُ) أَي اسْتِحْقَاق السهْم (للكرامة) وَهُوَ نَاقص فِيهَا (بل) يسْتَحق (رضخا لَا يبلغهُ)
أَي السهْم، فَعَن عُمَيْر مولى آبي اللَّحْم: شهِدت خَيْبَر مَعَ سادتي، فَأمر لي النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِشَيْء من خرثى الْمَتَاع: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ (بِخِلَاف) اسْتِحْقَاق (السَّلب بِالْقَتْلِ يَقُول الإِمَام) من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه، فَإِنَّهُ لعُمُوم شُمُول الْحر وَالْعَبْد، وَالْعلَّة فِيهِ الْقَتْل، يدل عَلَيْهِ تَرْتِيب الحكم عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ بقول الإِمَام مَعَ قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِشَارَة إِلَى أَن الإِمَام لَو لم يقل ذَلِك لم يلْزم كَون السَّلب للْقَاتِل، لِأَنَّهُ لَيْسَ شرعا عَاما لَازِما على مَا حَقَّقَهُ المُصَنّف رحمه الله فِي شرح الْهِدَايَة، وَأمر الْقِتَال وَالْغنيمَة مفوض إِلَيْهِ، فَقَوله مُوجب الِاسْتِحْقَاق (فساوى) العَبْد (فِيهِ) أَي فِي هَذَا الِاسْتِحْقَاق (الحرّ، والولايات) أَي وينافي الرّقّ الولايات المتعدية كولاية الْقَضَاء وَالشَّهَادَة وَالتَّزْوِيج وَغَيرهَا، لِأَنَّهَا منبئة عَن الْقُدْرَة الْحكمِيَّة فَإِنَّهَا تَنْفِيذ القَوْل على الْغَيْر شَاءَ أَو أَبى، وَالرّق عجز حكمي: إِذْ لَا ولَايَة لَهُ على نَفسه فضلا عَن الْولَايَة على غَيره (وَصِحَّة أَمَان) العَبْد (الْمَأْذُون فِي الْقِتَال) الْكَافِر الْحَرْبِيّ (لاسْتِحْقَاق الرضخ) فِي الْغَنِيمَة بِإِذن مَوْلَاهُ إِلَّا أَن مَوْلَاهُ يخلفه عَن ملكه كَسَائِر أكسابه (فأمانه إبِْطَال حَقه أَولا) فِي الرضخ: إِذْ بالأمان يخرج الْكَافِر الْمُسْتَأْمن عَن الْغَنِيمَة بِاعْتِبَار نَفسه وَمَاله، فَيبْطل حِصَّة العَبْد الْمَذْكُور أَولا (ثمَّ يتَعَدَّى) الْإِبْطَال (إِلَى) حق (الْكل) أَي كل الغازين، وَذَلِكَ لِأَن الْغَنِيمَة لَا تتجزأ فِي حق الثُّبُوت والسقوط (كشهادته بِرُؤْيَة الْهلَال) يجب على النَّاس الصَّوْم بقوله لإيجابه ذَلِك على نَفسه أَولا، ثمَّ يتَعَدَّى إِلَى سَائِرهمْ: وَكَذَا رِوَايَته لأحاديث الشَّارِع، فهذان أصلان لأمانه (لَا) أَن أَمَانَة (ولَايَة عَلَيْهِم) لما عرف من أَن حكم الشَّيْء مَا وضع الشَّيْء لَهُ، وَحكم أَمَانه أَولا وبالذات إِنَّمَا هُوَ مَا ذكرنَا (بِخِلَاف) العَبْد (الْمَحْجُور) عَن الْقِتَال فَإِنَّهُ لَا أَمَان لَهُ عِنْد أبي حنيفَة رحمه الله وَأبي يُوسُف رحمه الله فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنهُ وَمَالك رحمه الله فِي رِوَايَة سَحْنُون عَنهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ (لَا اسْتِحْقَاق لَهُ) وَقت الْأمان، لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الشّركَة فِي الْغَنِيمَة (فَلَو صَحَّ) أَمَانه (كَانَ إِسْقَاطًا لحقهم) أَي الغازين فِي الْكفَّار وَأَمْوَالهمْ (ابْتِدَاء) فَإِن قيل يَنْبَغِي أَن يَصح أَمَانه كَمَا هُوَ قَول أبي يُوسُف فِي رِوَايَة وَمُحَمّد وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة لاستحقاقه الرضخ إِذا قَاتل أُجِيب بِالْمَنْعِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (واستحقاقه) الرضخ (إِذا افتات بِالْقِتَالِ) أَي قَاتل بِغَيْر إِذن سَيّده (وَسلم لتمحضه) أَي الْقِتَال (مصلحَة للْمولى بعده) أَي الْقِتَال لِأَنَّهُ غير مَحْجُور عَمَّا يتمحض مصلحَة وَمَنْفَعَة، فَيكون كالمأذون فِيهِ من الْمولى دلَالَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا عجز عَنهُ لدفع الضَّرَر عَن الْمولى لانْتِفَاء اشْتِغَاله بخدمته وَقت الْقِتَال، وَرُبمَا يقتل، كَذَا ذكره الشَّارِح (فَلَا شركَة لَهُ) فِي الْغَنِيمَة (حَال الْأمان) فَلَا يكون كالمأذون فِيهِ. فِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق عَن عمر رضي الله عنه " العَبْد الْمُسلم من الْمُسلمين، وَأَمَانَة أمانهم " وَهَذَا يُفِيد إِطْلَاق صِحَة أَمَانَة كَمَا هُوَ قَول الْجُمْهُور (فَلَا يضمن) الرَّقِيق (بدل مَا لَيْسَ
بِمَال لِأَنَّهُ) أَي بدله (صلَة) لما أَمر الله أَن يُوصل، فَقطع بِالْجِنَايَةِ، وَالرَّقِيق لَا يملك الصلات لِأَنَّهَا من بَاب الْكَرَامَة وَهُوَ عرضة للتَّمَلُّك والابتذال (فَلم يجب عَلَيْهِ دِيَة فِي جِنَايَته خطأ) لِأَنَّهَا بدل الدَّم وَهُوَ لَيْسَ بِمَال، وَإِنَّمَا يجب صلَة فِي حق الْجَانِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَهبهُ ابْتِدَاء، وَلذَا لَا يملك إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَا تجب فِيهِ الزَّكَاة إِلَّا بحول بعده، وَلَا تصح الْكفَالَة بِهِ وَلَا عَاقِلَة لَهُ ليجب ب عَلَيْهِم (لَكِن لما لم يهدر الدَّم صَارَت رقبته جَزَاء) قَائِمَة مقَام الْأَرْش، فَلَا يكون الِاسْتِحْقَاق على العَبْد (إِلَّا أَن يخْتَار الْمولى فدَاء فَيلْزمهُ) أَي الْفِدَاء الْمولى (دينا) فِي ذمَّته (فَلَا يبطل) اخْتِيَاره الْفِدَاء (بالإفلاس) حَتَّى أَنه لَا يعود تعلق حق ولي الْجَنَابَة فِي رَقَبَة العَبْد إِذا لم يكن للْمولى مَا يُؤَدِّيه (عِنْده) أَي عِنْد أبي حنيفَة رحمه الله (فَلَا يجب) على الْمولى بِسَبَب الافلاس (الدّفع) للْعَبد إِلَى ولي الْجِنَايَة (وَعِنْدَهُمَا اخْتِيَاره) أَي الْمولى الْفِدَاء (كالحوالة كَأَنَّهُ) أَي العَبْد (أحَال على مَوْلَاهُ) بِالْأَرْشِ: إِذْ الأَصْل أَن يصرف إِلَى جِنَايَته كالعمد فاختيار الْفِدَاء نقل من الأَصْل إِلَى الْعَارِض كَمَا فِي الْحِوَالَة (فَإِذا لم يسلم) الْأَرْش إِلَى وليّ الْجِنَايَة (عَاد حَقه فِي الدّفع) الَّذِي هُوَ الأَصْل وَأجِيب بِمَنْع كَونه الأَصْل، بل الأَصْل هُوَ الْأَرْش الثَّابِت فِيهَا بقوله تَعَالَى - {وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة} - الْآيَة: وصير إِلَى الدّفع ضَرُورَة، فَإِن العَبْد لَيْسَ بِأَهْل للصلات. وَقد ارْتَفَعت الضَّرُورَة بِاخْتِيَار الْمولى الْفِدَاء، وَلَا يُقَال قد يجب على العَبْد ضَمَان مَا لَيْسَ بِمَال: إِذْ الْمهْر يجب فِي ذمَّته بِمُقَابلَة ملك النِّكَاح أَو مَنْفَعَة الْبضْع، فَالْجَوَاب مَا أَفَادَ بقوله (وَوُجُوب الْمهْر لَيْسَ ضمانا) إِذْ لَا تلف وَلَا صلَة (بل) يجب (عوضا عَمَّا اسْتَوْفَاهُ من الْملك أَو الْمَنْفَعَة. وَأما الْمَرَض) وَهُوَ مَا يعرض الْبدن فيخرجه عَن الِاعْتِدَال الْخَاص، وَقد يُقَال: هِيَ حَالَة غير طبيعية فِي بدن الْإِنْسَان تكون بِسَبَبِهَا الْأَفْعَال الطبيعية والنفسانية والحيوانية غير مسلمة (فَلَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الحكم) سَوَاء كَانَ من حُقُوق الله أَو الْعباد (و) أَهْلِيَّة (الْعبارَة) أَي التَّصَرُّفَات الْمُتَعَلّقَة بالحكم (إِذْ لَا خلل فِي الذِّمَّة وَالْعقل) اللَّذين هما منَاط الْأَحْكَام (و) لَا فِي (النُّطْق) الَّذِي يَصح بِهِ مَا يتَعَلَّق بالعبارة بعد الْعقل والذمة كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاق، وَالْبيع، وَالشِّرَاء وَغَيرهمَا (لكنه) أَي الْمَرَض (لما فِيهِ من الْعَجز شرعت الْعِبَادَات فِيهِ على) قدر (المكنة) حَتَّى شرع لَهُ الصَّلَاة (قَاعِدا) إِذا عجز عَن الْقيام: إِمَّا بِانْتِفَاء الْقُوَّة أَو بازدياد الْمَرَض (ومضطجعا) إِذا عجز عَنْهُمَا (وَلما كَانَ الْمَوْت عِلّة الْخلَافَة) للْوَارِث والغريم فِي مَال الْمَيِّت، لِأَن أَهْلِيَّة الْملك لَا تبطل بِالْمَوْتِ فيخلفه أقرب النَّاس إِلَيْهِ، والذمة تخرت بِهِ فَيصير المَال الَّذِي هُوَ مَحل قَضَاء الدّين مَشْغُولًا بِالدّينِ فيخلفه الْغَرِيم فِي المَال (وَهُوَ) أَي الْمَرَض (سَببه) أَي الْمَوْت لما فِيهِ من ترادف الآلام، وَضعف القوى فيفضي إِلَى مُفَارقَة الرّوح الْجَسَد (كَانَ) الْمَرَض (سَبَب تعلق حق الْوَارِث
والغريم بِمَالِه) فِي الْحَال (فَكَانَ) الْمَرَض (سَببا للحجر فِي الْكل) أَي كل المَال (للْغَرِيم) إِن كَانَ الدّين مُسْتَغْرقا (و) الْحجر فِي (الثُّلثَيْنِ فِي) حق (الْوَرَثَة إِذا اتَّصل) ظرف لتَعلق الْحَقَّيْنِ (بِهِ) أَي بِالْمرضِ (الْمَوْت) حَال كَون الْحجر (مُسْتَندا إِلَى أَوله) أَي الْمَرَض: إِذْ الحكم يسْتَند إِلَى أول السَّبَب فَلَا يرد أَن الِاتِّصَال بِالْمَوْتِ إِنَّمَا يظْهر عِنْد الْمَوْت، وَلَا اتِّصَال قبله، فَلَا تعلق لحقهما لِأَن الحكم الثَّابِت بطرِيق الِاسْتِنَاد لظُهُوره فِي الآخر غير أَنه يعْتَبر ثَانِيًا من أول زمَان وجود السَّبَب صِيَانة للحقوق، ثمَّ إِنَّه كل مَا تعلق بِهِ أحد الْحَقَّيْنِ من مَاله فَهُوَ مَحْجُور عَنهُ (بِخِلَاف مَا) أَي قدر من المَال (لم يتعلقا) أَي حق الْغَرِيم وَحقّ الْوَارِث (بِهِ) فَإِنَّهُ غير مَحْجُور عَنهُ (كَالنِّكَاحِ بِمهْر الْمثل) أَي كالمهر اللَّازِم بِسَبَب النِّكَاح الْمَذْكُور الْوَاقِع فِي حَال الْمَرَض، وَأما الْوَاقِع قبله فكونه مثل سَائِر الدُّيُون ظَاهر. ثمَّ أَنه لما ذكر عدم تعلق الْحَقَّيْنِ بِالْقدرِ الْمَذْكُور توهم كَونه مقدما على الدُّيُون فَدفع ذَلِك بقوله (فتحاصص) الزَّوْجَة (المستغرقين) الَّذين استغرقت دُيُونهم التَّرِكَة بِقدر مهر مثلهَا فَيقسم المَال عَلَيْهَا وَعَلَيْهِم على قدر حصصهم وكالنفقة وَأُجْرَة الطَّبِيب وَنَحْوهمَا كَمَا يتَعَلَّق بِهِ حَاجَة الْمَيِّت، وَكَذَلِكَ مَا زَاد على الدّين فِي حق الْغَرِيم عِنْد عدم الِاسْتِغْرَاق، وعَلى ثُلثي مَا بَقِي بعد وَفَاء الدّين إِن كَانَ، وعَلى ثُلثي الْجَمِيع إِن لم يكن. ثمَّ لما لم يعلم كَونه سَببا للحجر قبل اتِّصَاله بِالْمَوْتِ، وَكَانَ الأَصْل هُوَ الْإِطْلَاق لم يثبت الْحجر بِهِ بِالشَّكِّ (فَكل تصرف) وَاقع من الْمَرِيض (يحْتَمل الْفَسْخ) كَالْهِبَةِ وَالْبيع بالمحاباة (يَصح فِي الْحَال) لصدوره من أَهله مُضَافا إِلَى مَحَله عَن ولَايَة شَرْعِيَّة وَانْتِفَاء الْعلم بالمانع لعدم الْعلم باتصال الْمَوْت بِهِ (ثمَّ يفْسخ) ذَلِك التَّصَرُّف (إِن احْتِيجَ إِلَى ذَلِك) أَي فَسخه لما مر من أَن الْحجر يسْتَند إِلَى أول الْمَرَض إِذا اتَّصل بِهِ الْمَوْت، فَيظْهر أَن تصرفه تصرف مَحْجُور (وَمَا لَا يحْتَملهُ) أَي وكل تصرف وَاقع من الْمَرِيض لَا يحْتَمل الْفَسْخ (كالإعتاق الْوَاقِع على حق غَرِيم بِأَن يعْتق الْمَرِيض الْمُسْتَغْرق) دينه تركته عبدا مِنْهَا (أَو) الْوَاقِع (على حق وَارِث كإعتاق عبد تزيد قِيمَته على الثُّلُث يصير) الْعتْق (كالمعلق بِالْمَوْتِ) حَتَّى كَانَ عبدا فِي شَهَادَته وَسَائِر أَحْكَامه مَا دَامَ مَوْلَاهُ مَرِيضا وَإِذا مَاتَ (فَلَا ينْقض وَيسْعَى) العَبْد للْغَرِيم (فِي كُله) أَي مِقْدَار قِيمَته إِن كَانَ الدّين مُسْتَغْرقا (أَو) يسْعَى (فِي ثُلثَيْهِ) للْوَارِث إِن لم يكن عَلَيْهِ دين وَلَا مَال لَهُ سواهُ وَلم يجزه الْوَارِث (أَو أقل) مِنْهُمَا (كالسدس إِذا سَاوَى) العَبْد (النّصْف) أَي نصف التَّرِكَة وَلم يجزه الْوَارِث، فَإِن ثُلثي السِّتَّة أَرْبَعَة وثلثها ثِنْتَانِ وَالنّصف ثَلَاثَة (بِخِلَاف إِعْتَاق الرَّاهِن) العَبْد الرَّهْن (ينفذ) عتقه للْحَال مَعَ تعلق حق الْمُرْتَهن بِهِ (لِأَن حق الْمُرْتَهن فِي) ملك (الْيَد لَا) فِي ملك (الرَّقَبَة فَلَا يلاقيه) أَي الْعتْق حَقه (قصدا) فَإِن الَّذِي يلاقيه قصدا إِنَّمَا هُوَ ملك الرَّقَبَة، ثمَّ يلاقي ملك الْيَد ضمنا وتبعا، وَكم من شَيْء يثبت ضمنا وَلَا يثبت قصدا، وَحقّ الْغَرِيم وَالْوَارِث
ملك الرَّقَبَة وَالْإِعْتَاق يلاقيه قصدا، إِذْ الْإِعْتَاق يَبْنِي عَلَيْهِ لَا على ملك الْيَد، وَلذَا صَحَّ إِعْتَاق الْآبِق مَعَ زَوَال الْيَد عَنهُ (فَإِن كَانَ) الرَّاهِن (غَنِيا فَلَا سِعَايَة) على العَبْد لعدم تعذر أَخذ الْحق مِنْهُ وَهُوَ الْأَدَاء إِن كَانَ حَالا وَقِيمَة الرَّهْن إِن كَانَ مُؤَجّلا فَيُوضَع عِنْد الْمُرْتَهن بِهِ لَا عَن العَبْد، (وَإِن) كَانَ (فَقِيرا سعى) العَبْد للْمُرْتَهن (فِي الْأَقَل من قِيمَته وَمن الدّين) لتعذر أَخذ الْحق من الرَّاهِن فَيَأْخُذ مِمَّن حصلت لَهُ فَائِدَة الْعتْق، لِأَن الْخراج بِالضَّمَانِ، كَذَا قَالَ الشَّارِح وَالظَّاهِر الْغرم بالغنم ثمَّ إِنَّمَا سعى فِي الْأَقَل، لِأَن الدّين إِن كَانَ أقل اندفعت الْحَاجة بِهِ وَإِن كَانَت الْقيمَة أقل فَإِنَّمَا حصل للْعَبد هَذَا الْقدر (وَيرجع) العَبْد (على مَوْلَاهُ عِنْد غناهُ) بِمَا أَدَّاهُ لِأَنَّهُ اضْطر إِلَى قَضَاء دينه بِحكم الشَّرْع (فَعتق الرَّاهِن حر مديون فَتقبل شَهَادَته قبل السّعَايَة، ومعتق الْمَرِيض الْمُسْتَغْرق) دينه للتركة (كَالْمكَاتبِ فَلَا تقبل) شَهَادَته قبل السّعَايَة (وَقد أدمجوا) أَي أدرج الْحَنَفِيَّة فِي الْكَلَام فِي أَحْكَام الْمَرَض (فرعا مَحْضا) لَيْسَ من مسَائِل الْأُصُول وَهُوَ أَنه (لما بطلت الْوَصِيَّة للْوَارِث) بِالنِّسْبَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي النّسخ (بطلت صُورَة) أَي من حَيْثُ الصُّورَة وَإِن لم تكن وَصِيَّة من حَيْثُ الْمَعْنى لعدم حُصُول المَال كَذَلِك الْوَارِث عَنهُ (عِنْد أبي حنيفَة) رحمه الله (حَتَّى لَو بَاعَ الْمَرِيض عينا بِمثل قِيمَته) فَصَاعِدا (مِنْهُ) أَي الْوَارِث فَمن حَيْثُ أَنه ملكه الْعين وَلَو بعوض كَأَنَّهُ وصّى لَهُ، وَإِنَّمَا (لَا يجوز لتَعلق حق كلهم) أَي الْوَرَثَة (بالصورة كَمَا) أَي كتعلق حَقهم (بِالْمَعْنَى) حَيْثُ لَا يجوز لبَعْضهِم أَن يَجْعَل شَيْئا من التَّرِكَة لنَفسِهِ بِنَصِيبِهِ من الْمِيرَاث وَلَا أَن يَأْخُذ التَّرِكَة وَيُعْطِي البَاقِينَ الْقيمَة، إِذْ النَّاس يتنازعون ويتناقشون فِي صور الْأَشْيَاء مَعَ قطع النّظر عَن ماليتها (خلافًا لَهما) فَإِنَّهُمَا يجوزان ذَلِك (بِخِلَاف بَيْعه من أَجْنَبِي) حَيْثُ يجوز اتِّفَاقًا (و) بطلت (معنى) أَي من حَيْثُ الْمَعْنى وَإِن لم تكن فِي صُورَة الْوَصِيَّة (بِأَن يقر لأَحَدهم بِمَال) فَإِنَّهُ يسلم لَهُ المَال بِلَا عوض، وَانْتِفَاء الصُّورَة ظَاهر (وشبهة) أَي وَبَطلَت من حَيْثُ الشُّبْهَة وَإِن لم يكن هُنَاكَ وَصِيَّة (بِأَن بَاعَ) من الْوَارِث (الْجيد من الْأَمْوَال الربوية برديء مِنْهَا) مجانس للْمَبِيع: كالذهب الْجيد بِالذَّهَب الرَّدِيء، وَالْفرق بَين البيعين من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه لم يحصل للْوَارِث فِي الأول زِيَادَة فِي الْمَالِيَّة وَهنا يحصل، وَالثَّانِي أَن المعرض لَا يتَعَلَّق بالصور فِي الربويات على أَن الْبَدَلَيْنِ مقلان فِي الصُّورَة (لتقوم الْجَوْدَة فِي التُّهْمَة) جَوَاب لسؤال مُقَدّر وَهُوَ أَن وصف الْجَوْدَة لَا يعْتَبر فِي التَّفَاضُل، وَلذَا يجوز بيع الْجيد بالرديء مَعَ التجانس والتساوي فِي الْوَزْن والكيل. وَحَاصِل الْجَواب أَن التَّفَاوُت بِاعْتِبَار الْقيمَة وَإِن كَانَ ملغي عِنْد عدم التُّهْمَة لكنه مُعْتَبر عِنْد وجودهَا (كَمَا فِي بيع الْوَلِيّ مَال الصَّبِي كَذَلِك) أَي الْجيد مِنْهَا بالرديء المجانس (من نَفسه) فَكَانَ فِيهِ شُبْهَة الْوَصِيَّة بالجودة، أَلا ترى أَن الْمَرِيض لَو بَاعَ الْجيد بالرديء من الْأَجْنَبِيّ يعْتَبر جودته
من الثُّلُث (وَلذَا) أَي لبُطْلَان الْوَصِيَّة شُبْهَة (لم يَصح إِقْرَاره) أَي الْمَرِيض (بِاسْتِيفَاء دينه من الْوَارِث وَإِن لزمَه) أَي دين الْوَارِث (فِي صِحَّته وَهِي) أَي صِحَّته (حَال عدم التُّهْمَة فَكيف بِهِ) أَي بِالْإِقْرَارِ باستيفائه (إِذا ثَبت) لُزُومه للْوَارِث (فِي الْمَرَض) وَهُوَ حَال التُّهْمَة، فالإقرار بِالِاسْتِيفَاءِ فِي الْمَرَض كَالْإِقْرَارِ بِالدّينِ لِأَنَّهُ يُصَادف محلا مَشْغُولًا بِحَق الْوَرَثَة، وَعَن أبي يُوسُف رحمه الله إِذا أقرّ بِاسْتِيفَاء دين كَانَ لَهُ على الْوَارِث حَال الصِّحَّة يجوز لِأَن الْوَارِث لما عَامله فِي الصِّحَّة اسْتحق بَرَاءَة ذمَّته عِنْد إِقْرَاره باستيفائه مِنْهُ فَلَا يتَعَيَّن ذَلِك الِاسْتِحْقَاق بمرضه، أَلا ترى أَنه لَو كَانَ على الْأَجْنَبِيّ فَأقر باستيفائه فِي مَرضه كَانَ صَحِيحا فِي حق الْغُرَمَاء الصِّحَّة وَأجِيب بِأَن الْمَنْع لحق غُرَمَاء الصِّحَّة، وَهُوَ عِنْد الْمَرَض لَا يتَعَلَّق بِالدّينِ، بل بِمَا يُمكن اسْتِيفَاء دينهم مِنْهُ فَلم يُصَادف إِقْرَاره محلا تعلق حَقهم بِهِ، وَفِيه مَا فِيهِ (وَأما الْحيض) وَهُوَ مانعية شَرْعِيَّة بِسَبَب دم من الرَّحِم لَا بِوِلَادَة عَمَّا اشْترط فِيهِ الطَّهَارَة وَعَن الصَّوْم وَدخُول الْمَسْجِد والقربان إِن كَانَ مُسَمَّاهُ حَدثا وَنَفس الدَّم الْمَذْكُور إِن كَانَ مُسَمَّاهُ خبثا (وَالنّفاس) وَهُوَ مانعية شَرْعِيَّة بِسَبَب الدَّم من الرَّحِم عَن الْولادَة عَمَّا ذكر، أَو الدَّم الْمَذْكُور (فَلَا يسقطان أَهْلِيَّة الْوُجُوب وَلَا الْأَدَاء) لعدم إخلالهما بِالذِّمةِ وَالْعقل وقدرة الْبدن (إِلَّا أَنه ثَبت أَن الطَّهَارَة عَنْهُمَا شَرط) أَدَاء (الصَّلَاة) بِالسنةِ كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم " قَالَ للنِّسَاء أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل؟ قُلْنَ بلَى، قَالَ فَذَلِك من نُقْصَان عقلهَا، أَلَيْسَ إِذا حَاضَت لم تصلّ وَلم تصم؟ قُلْنَ بلَى، قَالَ فَذَلِك من نُقْصَان دينهَا، وبالإجماع (على وفْق الْقيَاس) لِكَوْنِهِمَا من الأنجاس أَو الْأَحْدَاث وَالطَّهَارَة مِنْهُمَا شَرط لَهَا (و) شَرط أَدَاء (الصَّوْم على خِلَافه) أَي الْقيَاس لتأديه مَعَ النَّجَاسَة وَالْحَدَث الْأَصْغَر والأكبر بِلَا خلاف بَين الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة (ثمَّ انْتَفَى وجوب قَضَاء الصَّلَاة) عَلَيْهِمَا (للْحَرج) لدخولها فِي حد الْكَثْرَة، لِأَن أقل مُدَّة الْحيض عِنْد أَصْحَابنَا ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها أَو يَوْمَانِ وَأكْثر الثَّالِث كَمَا عَن أبي يُوسُف رحمه الله، وَمُدَّة النّفاس فِي الْعَادة أَكثر من مُدَّة الْحيض، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام، وَأَقل مُدَّة الطُّهْر خَمْسَة عشر يَوْمًا فقد يَقع فِي الشَّهْر مرَّتَيْنِ فيستوفي نصفه، وَالصَّلَاة تجب فِي جَمِيع السّنة (دون الصَّوْم) أَي لم ينتف وجوب قَضَائِهِ عَلَيْهَا لعدم الْحَرج لِأَن الْحيض لَا يستوعب الشَّهْر، وَالنّفاس ينْدر فِيهِ (كَمَا مر) فِي الْفَصْل الَّذِي قبل هَذَا من قَوْله وَلعدم حكم الْوُجُوب من الْأَدَاء لم تجب الصَّلَاة على الْحَائِض لانْتِفَاء الْأَدَاء شرعا وَالْقَضَاء للْحَرج والتكليف للرحمة، والحرج طَرِيق التّرْك، بِخِلَاف الصَّوْم فَيثبت لفائدة الْقَضَاء وَعدم الْحَرج، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: كَانَ يصيبنا ذَلِك، تَعْنِي الْحيض فنؤمر بِقَضَاء الصَّوْم وَلَا نؤمر بِقَضَاء الصَّلَاة، وَعَلَيْهِمَا إِجْمَاع الْأمة، ثمَّ بَقِي أَن يُقَال (فَانْتفى) وجوب أَدَاء
الصَّوْم عَلَيْهِمَا فِي الْحَالَتَيْنِ (أَولا) فِيهِ (خلاف) بَين الشَّافِعِيَّة فَقيل يجب، نَقله السُّبْكِيّ رحمه الله عَن أَكثر الْفُقَهَاء لتحَقّق الْأَهْلِيَّة وَالسَّبَب وَهُوَ شُهُود الشَّهْر وَلِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء بِقدر مَا فَاتَ فَكَانَ المأتيّ بِهِ بَدَلا عَن الْفَائِت، وَقيل لَا يجب، وَذكر مُتَأَخّر أَنه الْأَصَح عِنْد الْجُمْهُور لانْتِفَاء شَرطه وَهُوَ الطَّهَارَة، وشهود الشَّهْر مُوجب عِنْد انْتِفَاء الْعذر لَا مُطلقًا وَوُجُوب الْقَضَاء يتَوَقَّف على سَبَب الْوُجُوب وَهُوَ شُهُود الشَّهْر، لَا على وجوب الْأَدَاء: وَإِلَّا لما وَجب قَضَاء الصَّلَاة على من نَام جَمِيع وَقتهَا، وَأما على أَنه سَبَب جَدِيد فأظهر إِذْ لَا يَسْتَدْعِي وجوبا سَابِقًا فَلَا يتَوَقَّف وُجُوبه على وجوب الْأَدَاء وَأورد عَلَيْهِ أَنه يلْزم أَن لَا يُسمى قَضَاء لعدم اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ من الْوُجُوب وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا ينْحَصر وَجه التَّسْمِيَة فِيمَا ذكر، بل يَكْفِي فِيهِ اسْتِدْرَاك مصلحَة مَا انْعَقَد بِسَبَب وُجُوبه وَلم يجب لمَانع، وَلذَا قَالَ المُصَنّف رحمه الله (والانتفاء أَقيس) لِأَن الْأَدَاء حَالَة الْحيض حرَام منهيّ عَنهُ فَلَا يكون وَاجِبا مَأْمُورا بِهِ للتنافي بَينهمَا (وَأما الْمَوْت) عزى إِلَى أهل السّنة أَنه صفة وجودية مضادة للحياة كَمَا هُوَ ظَاهر قَوْله تَعَالَى - {خلق الْمَوْت والحياة} - وَإِلَى الْمُعْتَزلَة أَنه عدم الْحَيَاة عَمَّا من شَأْنه، وَأَن الْخلق فِي الْآيَة بِمَعْنى التَّقْدِير، ثمَّ هُوَ لَيْسَ بِعَدَمِ مَحْض، وَلَا فنَاء صرف، وَإِنَّمَا هُوَ انْقِطَاع تعلق الرّوح بِالْبدنِ ومفارقته وتبدل حَال وانتقال من دَار إِلَى دَار (فَيسْقط بِهِ) عَن الْمَيِّت (الْأَحْكَام الأخروية). قَالَ الشَّارِح: وَهَذَا سَهْو وَالصَّوَاب كَمَا فِي عَامَّة الْكتب الدُّنْيَوِيَّة انْتهى، حكم بالسهو وَالْخَطَأ من غير أَن يحوم حول مُرَاده وَلم يدر أَن مَا وصفوه بالدنيوية هُوَ بِعَيْنِه مَا وَصفه المُصَنّف بالأخروية، غير ان هَذَا التَّعْبِير أولى، وَذَلِكَ لِأَن الْأَحْكَام تعم الْأَوَامِر والنواهي وَمَا يجب لَهُ على الْغَيْر وَعَكسه من الْحُقُوق الْمَالِيَّة والمظالم إِلَى غير ذَلِك، فَمِنْهَا مَا الْمَقْصُود مِنْهُ الْعَمَل لقصد الْقرْبَة وَلَا شكّ فِي سُقُوطه للعجز الْكُلِّي وَسَماهُ الْمَشَايِخ رحمهم الله دنيويا نظرا إِلَى أَن الْإِتْيَان بِهِ فِي دَار الدُّنْيَا، وَالْمُصَنّف رحمه الله أخرويا نظرا إِلَى أَن فَائِدَته تظهر فِي دَار الْآخِرَة وَالنَّظَر إِلَى الْعَاقِبَة أولى، فَالَّذِي يفهم بطرِيق الْمُقَابلَة إِنَّمَا هُوَ كَون الْحُقُوق الْمَالِيَّة وَنَحْوهَا دنيوية وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَالله سُبْحَانَهُ أعلم (التكليفية) يَعْنِي بالخطابات الْمُتَعَلّقَة بِفعل الْمُكَلف اقْتِضَاء بِخِلَاف الأخروية الَّتِي هِيَ غَيرهَا كاستحقاق الثَّوَاب وَالْعِقَاب فَإِنَّهَا لَا تسْقط (كَالزَّكَاةِ وَغَيرهَا) من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج إِلَى غير ذَلِك لِأَن التَّكْلِيف فرع الْقُدْرَة، وَلَا عجز فَوق الْعَجز بِالْمَوْتِ (إِلَّا) فِي حق (الْإِثْم) بالتقصير فِي فعلهَا حَال حَيَاته، فَإِن الحكم الأخروي بِهَذَا الِاعْتِبَار لَا يسْقط عَنهُ (وَمَا شرع عَلَيْهِ) أَي الْمَيِّت (لحَاجَة غَيره فَإِنَّهُ) كَانَ ذَلِك الشُّرُوع (حَقًا مُتَعَلقا بِعَين) من تركته (بَقِي) ذَلِك الْحق فِي تِلْكَ الْعين (ببقائها كالأمانات والودائع والغصوب لِأَن الْمَقْصُود) من شرع هَذَا النَّوْع من الْحق (حُصُوله) أَي ذَلِك الشَّيْء الْمعِين (لصحابه لَا الْفِعْل)
أَي فعل الْمَيِّت حَتَّى يُقَال: لَا وَجه لبَقَائه (وَلذَا) أَي وَلكَون الْمَقْصُود ذَلِك (لَو ظفر بِهِ) أَي بذلك الشَّيْء الْمعِين صَاحبه كَانَ (لَهُ أَخذه) لحُصُول الْمَقْصُود: وَهُوَ حُصُول الْحق إِلَى الْمُسْتَحق لَا التَّسْلِيم الَّذِي هُوَ فعل المؤتمن وَالْمُودع وَالْغَاصِب (بِخِلَاف الْعِبَادَات) فَإِن الْمَقْصُود مِنْهَا حُصُول الْفِعْل من الْمُكَلف اخْتِيَارا وَقد فَاتَ (وَلذَا) أَي وَلكَون الْمَقْصُود من الْعِبَادَات فعل الْمُكَلف (لَو ظفر الْفَقِير بِمَال الزَّكَاة لَيْسَ لَهُ أَخذه) وَلَو عين صَاحب المَال جَزَاء معينا لِلزَّكَاةِ (وَلَا تسْقط) الزَّكَاة عَن مَالِكه (بِهِ) أَي بِأَخْذِهِ إِيَّاه لانْتِفَاء الْمَقْصُود (وَإِن) كَانَ ذَلِك الْمَشْرُوع (دينا لم يبْق) وُجُوبه على الْمَيِّت (بِمُجَرَّد الذِّمَّة) الَّتِي اعتبرها الشَّرْع للْمَيت لبَعض الْمصَالح (لِضعْفِهَا) أَي الذِّمَّة (بِالْمَوْتِ فَوْقه) أَي فَوق ضعفها (بِالرّقِّ) وَقد يُرْجَى زَوَاله بِالْعِتْقِ: وَالْمَوْت لَا يزجى زَوَاله عَادَة (بل) إِنَّمَا يبْقى (إِذا قويت) ذمَّته، و (بِمَال) تَركه (أَو كَفِيل) كفل بِهِ (قبل الْمَوْت لِأَن المَال مَحل الِاسْتِيفَاء) الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود من الْوُجُوب (وَذمَّة الْكَفِيل تقَوِّي ذمَّة الْمَيِّت) لِأَن الْكفَالَة ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي الْمُطَالبَة (فَإِن لم يكن مَال) بِأَن مَاتَ مُفلسًا وَلَا كَفِيل بِهِ قبل الْمَوْت (لم تصح الْكفَالَة بِهِ) أَي بِمَا على الْمَيِّت (لانتقاله) أَي مَا على الْمَيِّت بطرِيق السُّقُوط لضعف الذِّمَّة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (عِنْد أبي حنيفَة رحمه الله لِأَنَّهَا) أَي الْكفَالَة (الْتِزَام الْمُطَالبَة) بِمَا يُطَالب بِهِ الْأَصِيل (لَا تَحْويل الدّين) عَن الْأَصِيل إِلَى الْكَفِيل (وَلَا مُطَالبَة) للأصيل والتزام الْمُطَالبَة فرع وجودهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَصِيل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (فَلَا الْتِزَام بِخِلَاف العَبْد الْمَحْجُور) الَّذِي يقر (بِالدّينِ) فَإِنَّهُ (نصح) الْكفَالَة (بِهِ) أَي بذلك الدّين الَّذِي أقرّ بِهِ (لِأَن ذمَّته قَائِمَة) لكَونه حَيا مُكَلّفا، والمطالبة مُحْتَملَة، إِذْ يُمكن أَن يصدقهُ الْمولى فِي الْحَال فَيُطَالب فِي الْحَال أَو يعتقهُ فيطالبه بعده، فباعتبار هَذَا الْمَعْنى صحت الْكفَالَة، وَإِن كَانَ الْأَصِيل غير مطَالب فِي الْحَال وَلما كَانَ هَهُنَا مَظَنَّة سُؤال، وَهُوَ أَن ضم مَالِيَّة رقبته إِلَى ذمَّته يَقْتَضِي كَونهَا غير كَامِلَة: أَشَارَ إِلَى الْجَواب بقوله (وَإِنَّمَا انْضَمَّ إِلَيْهَا) أَي إِلَى ذمَّته (مَالِيَّة الرَّقَبَة فِيمَا ظهر) أَي فِي ظُهُور الدّين (فِي حق الْمولى ليباع نظرا للْغُرَمَاء) لِأَن تعلق حَقهم بمالية العَبْد يصون حَقهم عَن التلاف إِذْ يُبَاع حِينَئِذٍ أَن لم يقر الْمولى وَلَا يصرف إِلَّا فِي اسْتِيفَاء حَقهم إِلَّا أَن يفضل الثّمن عَنهُ فَلَيْسَ الانضمام لعدم كَمَال الذِّمَّة: بل للْمصْلحَة الْمَذْكُورَة (وَتَصِح) الْكفَالَة الْمَذْكُورَة (عِنْدهمَا) وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وعزى إِلَى أَكثر أهل الْعلم (لِأَن بِالْمَوْتِ لَا يبرأ) لِأَنَّهُ لم يشرع مبرئا للحقوق ومبطلا لَهَا (وَلذَا) أَي لعدم كَونه مبرئا (يُطَالب بهَا فِي الْآخِرَة إِجْمَاعًا، وَفِي الدُّنْيَا إِذا ظهر) لَهُ (مَال، وَلَو تبرع أحد عَن الْمَيِّت) بأَدَاء الدّين (حل أَخذه، وَلَو بَرِئت) ذمَّته مِنْهُ بِالْمَوْتِ (لم يحل) أَخذه (وَالْعجز عَن الْمُطَالبَة) للْمَيت (لعدم قدرَة الْمَيِّت لَا يمْنَع صِحَّتهَا) أَي الْكفَالَة عَنهُ بِهِ (كَكَوْنِهِ) أَي
الْأَصِيل (مُفلسًا) أَي عدم قدرَة الْمَيِّت على الْمُطَالبَة كإفلاسه فَإِنَّهُ بعد ثُبُوت الإفلاس يعجز صَاحب الدّين عَن الْمُطَالبَة شرعا لقَوْله تَعَالَى - {فنظرة إِلَى ميسرَة} - (وَيدل عَلَيْهِ) أَي على عدم بَرَاءَة ذمَّة الْمَيِّت أَو عدم سُقُوط الدّين بل على كَون الْكفَالَة عِنْد صَحِيحه (حَدِيث) جَابر " كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يُصَلِّي على رجل مَاتَ وَعَلِيهِ دين: فَأتي بميت فَقَالَ: أعليه دين؟ قَالُوا نعم: دِينَارَانِ، قَالَ صلوا على صَاحبكُم فَقَالَ أَبُو قَتَادَة الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه (هما عليّ) يَا رَسُول الله (فصلى عَلَيْهِ) رَسُول الله صلى الله عليه وسلم " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (وَالْجَوَاب عَنهُ) أَي الحَدِيث (باحتماله) أَي قَوْله هما عليّ (الْعدة) بوفائهما لَا الْتِزَام الْكفَالَة (وَهُوَ) أَي كَونه للعدة (الظَّاهِر إِذْ لَا تصح الْكفَالَة للْمَجْهُول) بِلَا خلاف، وَالظَّاهِر أَن صَاحب الدّين كَانَ مَجْهُولا، وَلَا لذكر، قَالَ الشَّارِح وَهُوَ مُشكل بِمَا فِي لفظ عَن جَابر، وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد فَجعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: هِيَ عَلَيْك وَفِي مَالك، وَالْمَيِّت مِنْهَا بَرِيء قَالَ نعم: فصلى عَلَيْهِ، وعَلى هَذَا فَيحمل على أَن أَبَا قَتَادَة علم صَاحب الدينارين حِين كفلها أه وَلَا يخفى عَلَيْك أَنه قد يُقَال لمن يعد مثل هَذَا الْكَلَام للتَّأْكِيد والتقرير عَلَيْهِ كَمَا روى عَنهُ صلى الله عليه وسلم " الْعدة دين " فَلَا إِشْكَال وَأجَاب فِي الْمَبْسُوط بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن قَوْله هما عليّ كَانَ إِقْرَار بكفالة سَابِقَة، وَلَا يخفى بعده، وبأنها وَاقعَة حَال لَا عُمُوم لَهَا فَلَا يسْتَدلّ بهَا فِي خُصُوص مَحل النزاع قلت يُقَاس المنازع فِيهِ على مورد النَّص لاشتراك الْعلَّة هَذَا فِي حَدِيث ابْن حبَان فَقَالَ أَبُو قَتَادَة أَنا أكفل بِهِ قَالَ بِالْوَفَاءِ: قلا بِالْوَفَاءِ فصلى عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا يقوّي قَول أبي يُوسُف رحمه الله لَا يشْتَرط قبُول الْمَكْفُول لَهُ فِي الْمجْلس، وَبِه أفتى بعض الْمَشَايِخ (والمطالبة فِي الْآخِرَة رَاجِعَة إِلَى الْإِثْم وَلَا يفْتَقر إِلَى بَقَاء الذِّمَّة فضلا عَن قوتها، وبظهور المَال تقوت) ذكر لصِحَّة الْكفَالَة وَجْهَيْن: الأول عدم بَرَاءَة الْمَيِّت، وَالثَّانِي الحَدِيث فَأجَاب عَنهُ بقوله وَالْجَوَاب عَنهُ إِلَى آخِره، وَعلل الأول بالمطالبة فِي الْآخِرَة، فَأجَاب عَنهُ بقوله والمطالبة فِي الدُّنْيَا عَنهُ وَظُهُور المَال فَأجَاب عَنهُ بِأَن ظُهُوره يقوّي الذِّمَّة فَيُطَالب، وبالتبرع إِلَى آخِره عَن الْمَيِّت، وسيجيب عَنهُ وترقى الْجَواب الآخر فَقَالَ (بل ظُهُور قوتها) يَعْنِي كَانَت مَوْجُودَة فِي نفس الْأَمر: لَكِنَّهَا خفيت فَلَمَّا ظهر ظَهرت (وَهُوَ) أَي فِي تقويها (الشَّرْط) لصِحَّة الْكفَالَة (حَتَّى لَو تفوت بلحوق دين بعد الْمَوْت صحت الْكفَالَة بِهِ) أَي بِالدّينِ اللَّاحِق (بِأَن حفر بِئْرا على الطَّرِيق فَتلف بِهِ) أَي بالمحفور والحفر (حَيَوَان بعد مَوته) أَي الْحَافِر (فَإِنَّهُ يثبت الدّين) فِي هَذَا الْمُتْلف (مُسْتَندا إِلَى وَقت السَّبَب) أَي الْحفر (الثَّابِت حَال قيام الذِّمَّة) الصَّالِحَة للْوُجُوب يَعْنِي حَال الْحَيَاة (والمستند يثبت أَولا فِي الْحَال) ثمَّ يسْتَند (وَيلْزمهُ) أَي ثُبُوته فِي الْحَال (اعْتِبَار قوتها حِينَئِذٍ بِهِ) أَي بِالدّينِ اللَّاحِق، وَجَوَاب الشَّرْط مَا أَفَادَهُ بقوله (وَصِحَّة التَّبَرُّع لبَقَاء الدّين من
جِهَة من لَهُ) الدّين (وَإِن كَانَ سَاقِطا فِي حق من عَلَيْهِ) الدّين (والسقوط بِالْمَوْتِ لضَرُورَة فَوت الْمحل فيتقدر) السُّقُوط (بِقَدرِهِ) أَي فَوت الْمحل (فَيظْهر) السُّقُوط (فِي حق من عَلَيْهِ لَا) فِي حق (من لَهُ وَإِن كَانَ) التَّبَرُّع عَلَيْهِ مَشْرُوعا (بطرِيق الصِّلَة للْغَيْر كَنَفَقَة الْمَحَارِم وَالزَّكَاة وَصدقَة الْفطر سَقَطت) هَذِه الصلات بِالْمَوْتِ (لِأَن الْمَوْت فَوق الرّقّ) فِي ضعف الذِّمَّة (وَلَا صلَة وَاجِبَة مَعَه) أَي مَعَ الرّقّ فَكَذَا بعد الْمَوْت بِالطَّرِيقِ الأولى (إِلَّا أَن يُوصي بِهِ) أَي بالمشروع صلَة (فَيعْتَبر كَغَيْرِهِ) أَي غير هَذَا الْمَشْرُوع من المشروعات: كَذَا قَالَ الشَّارِح، وَالْوَجْه أَن يُقَال أَي غير هَذَا الْإِيصَاء من الْوَصَايَا (من الثُّلُث) لتصحيح الشَّارِع ذَلِك مِنْهُ نظرا لَهُ (وَأما مَا شرع لَهُ) أَي للْمَيت (فَيبقى مِمَّا لَهُ) أَي للْمَيت (إِلَيْهِ حَاجَة قدر مَا تنْدَفع) الْحَاجة (بِهِ) الضَّمِير للموصول، وَقَوله قدر إِلَى آخِره بدل مِمَّا لَهُ وَمن فِي مِمَّا بَيَان للموصول الأول، وَالضَّمِير فِي يبْقى رَاجع إِلَيْهِ: وَيحْتَمل أَن يكون قدر إِلَى آخِره فَاعل يبْقى، وَمن فِي مِمَّا تبعيضية، وَيقدر مِنْهُ ليرتبط بِهِ مَا بعد الْفَاء بِمَا قبله (على ملكه) أَي الْمَيِّت مُتَعَلق بيبقى، وَقَوله (من التَّرِكَة) بَيَان لقَوْله مِمَّا لَهُ إِلَيْهِ حَال كَون ذَلِك الْمُحْتَاج إِلَيْهِ (دينا وَوَصِيَّة وجهازا) لَهُ مِمَّا يَلِيق بِهِ بِالْمَعْرُوفِ (وَيقدم) الجهاز على الدّين وَالْوَصِيَّة إِجْمَاعًا: لكَونه آكِد، وَهَذَا التَّقْدِيم فِي حق كل دين (إِلَّا فِي دين عَلَيْهِ) أَي الْمَيِّت (تعلق بِعَين) فَإِنَّهُ لَا يقدم الجهاز عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْعين (كالمرهون وَالْمُشْتَرِي قبل الْقَبْض، وَالْعَبْد الْجَانِي، فَفِي هَذِه) الصُّور وأمثالها (صَاحب الْحق أَحَق بِالْعينِ) من تَجْهِيزه، ويتقدم الدّين على الْوَصِيَّة بِالْإِجْمَاع، (وَلذَا أَي ولبقاء مَاله إِلَيْهِ حَاجَة (بقيت الْكِتَابَة بعد موت الْمولى لِحَاجَتِهِ) أَي الْمولى (إِلَى ثَوَاب الْعتْق) فِي الصِّحَاح السِّتَّة عَنهُ صلى الله عليه وسلم " أَيّمَا امْرِئ مُسلم أعتق امْرأ مُسلما استنقذ الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ فِي النَّار " وَالْمكَاتب بعد أَدَاء الْكِتَابَة مُعتق (وَحُصُول الْوَلَاء) الْمُرَتّب على الْإِعْتَاق لوَرثَته (و) بقيت الْكِتَابَة (بعد موت الْمكَاتب عَن وَفَاء) للكتابة (لِحَاجَتِهِ) أَي الْمكَاتب (إِلَى الْمَالِكِيَّة الَّتِي عقد لَهَا) عقد الْكِتَابَة (وحرية أَوْلَاده الْمَوْجُودين فِي لَهَا) أَي الْكِتَابَة ولدُوا فِيهَا أَو اشتراهم فِيهَا، وَزَوَال الرّقّ الَّذِي هُوَ أثر الْكفْر عَنهُ، وَعَن أَوْلَاده (فَيعتق) الْمكَاتب (فِي آخر جُزْء من حَيَاته) لِأَن الْإِرْث يثبت من وَقت الْمَوْت: فَلَا بُد من استناد الْملك وَالْعِتْق الْمُقَرّر لَهَا إِلَى ذَلِك الْوَقْت، وَلَا شكّ فِي أَن حُدُوث الْمَوْت مُتَّصِل بآخر جُزْء من الْحَيَاة فَاعْتبر ذَلِك الْجُزْء لِأَن وَقت الْمَوْت لَا يصلح لاعْتِبَار الْعتْق (دون المملوكية) مُتَّصِل بقوله لِحَاجَتِهِ إِلَى الْمَالِكِيَّة (إِذْ لَا حَاجَة) لَهُ إِلَى الْكِتَابَة (إِلَّا ضَرُورَة بَقَاء ملك الْيَد) ومحليته التَّصَرُّف إِلَى وَقت الْأَدَاء (ليمكن الْأَدَاء فبقاؤها) أَي الْكِتَابَة (كَون سَلامَة الإكساب قَائِمَة) أَي بَاقِيَة كَمَا كَانَ قبل الْوَقْت بِمُوجب عقد الْكِتَابَة (وَثُبُوت حريَّة الْأَوْلَاد عِنْد دفع ورثته) أَي الْمكَاتب مَال
الْكِتَابَة إِلَى الْمولى (وَثُبُوت عتقه) أَي الْمكَاتب فِي آخر جُزْء حَيَاته حَال كَونه (شَرط ذَلِك): أَي حريَّة الْأَوْلَاد الَّتِي تتفرع عَلَيْهَا وراثتهم، وَصِحَّة دفعهم مَال الْكِتَابَة (ضمني فَلَا يشْتَرط لَهُ) أَي لثُبُوت عتقه (الْأَهْلِيَّة) أَي أَهْلِيَّة الْمكَاتب، فَلَا يُقَال كَيفَ يثبت الْعتْق للْمَيت فترتب على هَذَا الثُّبُوت ثُبُوته فِي آخر حَيَاته مُسْتَندا فَإِن اشْتِرَاط الْأَهْلِيَّة لَهُ فِيمَا إِذا كَانَ غير ضمني فَقَوله دون المملوكية إِشَارَة إِلَى جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَهُوَ أَن بَقَاء الْكِتَابَة يحْتَاج إِلَى وجود المملوكية إِذْ لَا تصح كِتَابَته وَحَاصِل الْجَواب أَن حَاجَة هَذَا الْمبيت إِلَى بَقَاء الْكِنَايَة لَيْسَ إِلَّا لمصْلحَة بَقَاء ملك لَهُ، وَهَذِه الْمصلحَة حَاصِلَة إِذا اعْتبر عتقه من آخر جُزْء حَيَاته: فَالْمُرَاد بِبَقَاء الْكِتَابَة بَقَاء مَا هُوَ الْمَقْصد مِنْهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله فبقاؤها كَون سَلامَة الإكساب إِلَى آخِره (لملك الْمَغْصُوب) لما ثَبت شرطا لملك الْبَدَل وَكَانَ ثُبُوته ضمنيا ثَبت (عِنْد) أَدَاء (الْبَدَل) مُسْتَندا إِلَى وَقت الْغَصْب وَإِن كَانَ الْمَغْصُوب حَال الْأَدَاء هَالكا والهالك لَا أَهْلِيَّة لَهُ للمملوكية وَلما كَانَ هُنَا مَظَنَّة سُؤال وَهُوَ أَن بَقَاء الْكِتَابَة المستلزمة لاعْتِبَار الرّقّ رَقَبَة تنَافِي ثُبُوت الْإِرْث مِنْهُ قَالَ (وَمَعَ بَقَائِهَا) أَي الْكِتَابَة (يثبت الْإِرْث) لوَارِثه مِنْهُ (نظرا لَهُ) أَي للْمَيت (إِذْ هُوَ) أَي الْإِرْث (خلَافَة لِقَرَابَتِهِ وَزَوجته وَأهل دينه) فِيمَا يتْركهُ إِقَامَة من الشَّارِع لَهُم فِي ذَلِك مقَامه لينتفعوا كانتفاعه فَلَو لم يثبت الْإِرْث لَهُم لزم عدم رِعَايَة مصلحَة الْمَيِّت الْمَذْكُور، وَهُوَ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ نظر الشَّارِع فِي حَقه (ولكونه) أَي الْمَيِّت (سَبَب الْخلَافَة خَالف التَّعْلِيق) للْمُعْتق وَغَيره (بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (على) الْمَعْنى (الْأَعَمّ) للتعليق (من الْإِضَافَة) كَقَوْلِه أَنْت حر غَدا، وَالتَّعْلِيق بِالْمَعْنَى الْأَخَص، وَهُوَ تَعْلِيق الحكم على مَا هُوَ على خطر الْوُقُوع، وَالْمعْنَى الْأَعَمّ لَهُ تَأْخِير الحكم عَن زمَان الْإِيجَاب لمَانع مِنْهُ حِينَئِذٍ مقترن بِهِ لفظا وَمعنى (غَيره) أَي غير التَّعْلِيق بِالْمَوْتِ، وَالتَّعْلِيق بِغَيْر الْمَوْت مَعْقُول خَالف علية كَونه سَببا للخلافة لمُخَالفَة التَّعْلِيق بِهِ التَّعْلِيق بِغَيْرِهِ: إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار أَنه يسْتَلْزم تحقق الْمُعَلق بِهِ فِي زمَان قيام الْخَلِيفَة مقَام من صدر مِنْهُ التَّعْلِيق، فيراعى فِي هَذَا التَّعْلِيق جَانب الْخَلِيفَة، وباعتباره تخْتَلف الْأَحْكَام (فصح تَعْلِيق التَّمْلِيك بِهِ) بِالْمَوْتِ (وَهُوَ) أَي تَعْلِيق التَّمْلِيك (معنى الْوَصِيَّة) لِأَنَّهَا تمْلِيك مُضَاف لما بعد الْمَوْت، وَجه التَّفْرِيع أَنه لَو لم يكن الْمَوْت سَببا للخلافة لما صَحَّ تَعْلِيق التَّمْلِيك بِهِ لِأَن الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ عِنْد وجود الشَّرْط تَنْجِيز من الْمُعَلق، وَهُوَ عِنْد ذَلِك ميت لَيْسَ بِأَهْل للتَّمْلِيك: لَكِن لما كَانَ خَليفَة قَائِما مقَامه صَار كَأَنَّهُ مَوْجُود عِنْد ذَلِك (وَلزِمَ تَعْلِيق الْعتْق بِهِ) أَي بِالْمَوْتِ (وَهُوَ) قَالَ الشَّارِح أَي لُزُومه، وَالْوَجْه أَن يُقَال أَي تَعْلِيق الْعتْق بِالْمَوْتِ (معنى التَّدْبِير الْمُطلق) وإطلاقه أَن لَا يُقيد الْمَوْت بِقَيْد كَأَن يَقُول: إِن مت فِي مرضِي هَذَا، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَنه قَالَ: إِنَّمَا قَالَ فصح تَعْلِيق التَّمْلِيك وَلزِمَ تَعْلِيق الْعتْق للْفرق بَين الْوَصِيَّة بِالْمَالِ وبالعتق لِأَن الْعتْق
لَا يحْتَمل الْفَسْخ: فَلَا يجوز رُجُوعه عَن تَعْلِيق الْعتْق بِهِ للزومه، وَصَحَّ فِي الْوَصِيَّة بِالْمَالِ لِأَن التَّعْلِيق يحْتَمل الْفَسْخ (فَلم يجز بَيْعه) أَي الْمُدبر الْمُطلق عِنْد الْحَنَفِيَّة والمالكية: بل قَالَ القَاضِي عِيَاض هُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء وَالسَّلَف من الْحِجَازِيِّينَ والكوفيين والشاميين (خلافًا لِأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ) أَي التَّدْبِير الْمُطلق (وَصِيَّة وَالْبيع رُجُوع) عَنْهَا وَالرُّجُوع عَن الْوَصِيَّة جَائِز (وَالْحَنَفِيَّة فرقوا بَينه) أَي التَّدْبِير الْمُطلق (وَبَين سَائِر التعليقات بِالْمَوْتِ بِأَنَّهُ) أَي التَّدْبِير (للتَّمْلِيك) أَي لتمليك العَبْد رقبته بعد الْمَوْت (وَالْإِضَافَة) للتَّمْلِيك إِي لتمليك (إِلَى زمَان زَوَال مالكيته لَا تصح وَصحت) سَائِر التعليقات بِالْمَوْتِ، وَمِنْهَا التَّدْبِير (فَعلم اعْتِبَاره) أَي التَّعَلُّق بِالْمَوْتِ (سَببا للْحَال شرعا) لِأَن اعْتِبَار سببيته فِي زمَان الْمُعَلق بِهِ، وَهُوَ الْمَوْت لَا يُمكن لِأَن زمَان زَوَال الْمَالِكِيَّة زَالَ وَلَا يعْمل السَّبَب بِدُونِ أَهْلِيَّة من لَهُ التَّصَرُّفَات فَإِن قلت هَذَا منَاف لما ذكرت من قيام الوراث مقَامه قلت ذَلِك فِي اعْتِبَار سببيته تنجيزا لحقيقة الْعتْق وَالتَّمْلِيك، والسببية الْمُعْتَبرَة حَال التَّعْلِيق لحق الْعتْق وَحقّ التَّمْلِيك (وَإِذ كَانَ أَنْت حر) فِي غير صُورَة التَّعْلِيق (سَببا لِلْعِتْقِ للْحَال وَهُوَ) أَي الْعتْق (تصرف لَا يقبل الْفَسْخ ثَبت بِهِ) أَي بأنت حر عَنهُ كَونه مُعَلّقا بِالْمَوْتِ (حق الْعتْق) للسَّبَبِيَّة الْقَائِمَة للْحَال على الْوَجْه الْمَذْكُور (وَهُوَ) أى حق الْعتْق (كالحقيقة) أى الْعتْق (كَأُمّ الْوَلَد) فانها اسْتحقَّت بِسَبَب الِاسْتِيلَاد حق الْعتْق للْحَال بالِاتِّفَاقِ (إِلَّا فِي سُقُوط التقوم) يَعْنِي أَن الْمُدبر كَأُمّ الْوَلَد فِي الْأَحْكَام إِلَّا فِي سُقُوط التقوم (فَإِنَّهَا) أَي أم الْوَلَد غير مُتَقَومَة عِنْد أبي حنيفَة (لَا تضمن بِالْغَضَبِ وَلَا بِإِعْتَاق أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه مِنْهَا) لِأَن الضَّمَان فرع الْمُتَقَوم بِخِلَاف الْمُدبر (لما عرف) فِي مَوْضِعه من أَن التقوم بإحراز الْمَالِيَّة، وَهُوَ أصل فِي الْأمة والتمتع بهَا تبع، وَلم يُوجد فِي الْمُدبر مَا يُوجب بطلَان هَذَا الأَصْل بِخِلَاف أم الْوَلَد فَإِنَّهَا لما استفرشت واستولدت صَارَت محرزة للمتعة، وَصَارَت الْمَالِيَّة تبعا فَسقط تقومها، وَعِنْدَهُمَا مُتَقَومَة كالمدبر إِلَّا أَن الْمُدبر يسْعَى للْغُرَمَاء وَالْوَرَثَة، وَأم الْوَلَد لَا تسْعَى لِأَنَّهَا مصروفة إِلَى الْحَاجة الْأَصْلِيَّة، وَهِي مُقَدّمَة عَلَيْهِم، وَالتَّدْبِير لَيْسَ من أصُول حَوَائِجه: فَيعْتَبر من الثُّلُث (وَلذَا) أَي بَقَاء الْمَالِكِيَّة بِقدر مَا تَنْقَضِي بِهِ حَاجَة الْمَيِّت (قُلْنَا الْمَرْأَة تغسل زَوجهَا لملكه إِيَّاهَا فِي الْعدة) لِأَن النِّكَاح فِي حكم الْقَائِم مَا لم تنقض (وَحَاجته) إِلَيْهَا فِي ذَلِك، فَإِن الْغسْل من الْخدمَة وَهِي فِي الْجُمْلَة من لوازمها، وَعَن عَائِشَة رضي الله عنها " لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا غسل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَّا نساؤه " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ على شَرط مُسلم (وَأما مَا لَا يصلح لِحَاجَتِهِ) أَي الْمَيِّت (فالقصاص) فَإِنَّهُ شرع (لدرك الثأر) والنشفي، والثأر الدَّم (و) الدَّم (الْمُحْتَاج إِلَيْهِ الْوَرَثَة لَا الْمَيِّت. ثمَّ الْجِنَايَة) بقتْله (وَقعت على حَقهم لانتفاعهم بحياته) بالاستئناس بِهِ والانتصار بِهِ على
الْأَعْدَاء وَغير ذَلِك (وَحقه) أَي الْمَيِّت أَيْضا (بل هُوَ أولى) لِأَن انتفاعه بحياته أَكثر إِلَّا أَنه خرج عِنْد ثُبُوت الْحق عَن أَهْلِيَّة الْوُجُوب فَثَبت ابْتِدَاء للْوَرَثَة القائمين مقَامه: فالسبب انْعَقَد فِي حق الْمُورث وَالْحق وَجب للْوَرَثَة (فصح عَفوه) رِعَايَة لجَانب السَّبَب (وعفوهم قبل الْمَوْت) رِعَايَة لجَانب الْوَاجِب وَالسَّبَب مَعَ أَن الْعَفو مَنْدُوب إِلَيْهِ فَيجب تَصْحِيحه بِحَسب الْإِمْكَان، وَهَذَا اسْتِحْسَان. وَالْقِيَاس أَن لَا يَصح لما فِيهِ من إِسْقَاط الْحق قبل ثُبُوته (فَكَانَ) الْقصاص (ثَابتا ابْتِدَاء للْكُلّ) أَي لكل الْوَرَثَة (وَعنهُ) أَي عَن كَون الْقصاص ثَابتا للْوَرَثَة ابْتِدَاء (قَالَ أَبُو حنيفَة رحمه الله لَا يُورث الْقصاص) لِأَن الْإِرْث مَوْقُوف على الثُّبُوت للمورث ثمَّ النَّقْل عَنهُ إِلَى الْوَرَثَة (فَلَا ينْتَصب بعض الْوَرَثَة خصما عَن الْبَقِيَّة) فِي طلب الْقصاص (حَتَّى تُعَاد بَيِّنَة الْحَاضِر) يَعْنِي لَو كَانَ الْقصاص يُورث لانتصب بعض وَرَثَة المقنول عَن الْبَعْض فِي الطّلب كَسَائِر الْمَوَارِيث: لِأَن الْحق حِينَئِذٍ للمورث أَصَالَة، ويكفى لمصْلحَة الْخلَافَة وَاحِد مِنْهُم: لَكِن لما كَانَ الْحق لَهُم أَصَالَة كَانَ كل وَاحِد مِنْهُم مُنْفَردا بِدَعْوَاهُ: فَإِذا كَانَ بعض الْوَرَثَة حَاضرا دون بعض فَأَقَامَ الْحَاضِر بَيِّنَة لَا يكون منتصبا عَن الْغَائِب: ثمَّ إِذا حضر الْغَائِب وَأقَام بَيِّنَة تُعَاد بَيِّنَة الْحَاضِر (عِنْد حُضُور الْغَائِب، وَعِنْدَهُمَا يُورث) الْقصاص (لِأَن خَلفه) أَي الْقصاص من المَال (موروث إِجْمَاعًا وَلَا يُخَالف) بالخلف (الأَصْل، وَالْجَوَاب أَن ثُبُوته) أَي الْقصاص (حَقًا لَهُم لعدم صلاحيته) أَي الْقصاص (لِحَاجَتِهِ) أَي الْمَيِّت (فَإِذا صَار) الْقصاص (مَالا) بإن بدل بِهِ بِالصُّلْحِ أَو عَفْو الْبَعْض (وَهُوَ) أَي المَال (يصلح لحوائجه) أَي من التَّجْهِيز وَقَضَاء الدّين وتنفيذ الْوَصِيَّة (رَجَعَ) المَال الَّذِي هُوَ خَلفه (إِلَيْهِ) أَي الْمَيِّت (وَصَارَ كَأَنَّهُ الأَصْل) بِهَذَا الأَصْل كالدية فِي الْخَطَأ لِأَن الْخلف يجب بِالسَّبَبِ الَّذِي يجب بِهِ الأَصْل (فَيثبت لوَرثَته الْفَاضِل عَنْهَا) أَي حَوَائِجه خلَافَة لَا أَصَالَة، وَالْخلف قد يُفَارق الأَصْل فِي بعض الْأَحْكَام كالتيمم وَالْوُضُوء فِي اشْتِرَاط النِّيَّة فَهَذِهِ تفاصيل أَحْكَام الدُّنْيَا (وَأَحْكَام الْآخِرَة) وَهِي أَرْبَعَة: مَا يجب لَهُ على الْغَيْر من حق رَاجع إِلَى النَّفس أَو الْعرض أَو المَال، وَمَا يجب للْغَيْر عَلَيْهِ من حق كَذَلِك، وَمَا يلقاه من عِقَاب، وَمَا يلقاه من ثَوَاب (كلهَا ثَابِتَة فِي حَقه) أَي الْمَيِّت.
(وَالنَّوْع الثَّانِي) من عوارض الْأَهْلِيَّة الْعَوَارِض (المكتسبة) الناشئة (من نَفسه و) من (غَيره فَمن الأولى) أَي المكتسبة من نَفسه (السكر) وَسَيَأْتِي حَده (وَهُوَ) بِاعْتِبَار مُبَاشرَة سَببه (محرم إِجْمَاعًا فَإِن كَانَ طَرِيقه مُبَاحا كسكر الْمُضْطَر إِلَى شرب الْخمر) وَهِي النئ من مَاء الْعِنَب إِذا غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد عِنْد أبي حنفية، وَلم يشْتَرط قذفه بالزبد، والاضطرار قد يكون لإساغة اللُّقْمَة وَدفع عَطش، وَقد يكون بإكراه على شربهَا بتهديد أَو بِقطع عُضْو (وَالْحَاصِل من
الْأَدْوِيَة) كالبنج والدواء مَا فِيهِ كَيْفيَّة خَارِجَة عَن الِاعْتِدَال بهَا تنفعل الطبيعة وتعجز عَن التَّصَرُّف فِيهِ (و) الْحَاصِل من (الأغذية المتخذة من غير الْعِنَب) والغذاء مَا ينفعل عَن الطبيعة فيتصرف فِيهِ، ويحيله إِلَى مشابهة المتغذى فَيصير جُزْءا مِنْهُ، بَدَلا عَمَّا يتَحَلَّل (والمثلث) وَهُوَ النيئ من مَاء الْعِنَب إِذا طبخ حَتَّى ذهب ثُلُثَاهُ ثمَّ رقق بِالْمَاءِ وَترك حَتَّى اشْتَدَّ: إِذا شرب مِنْهُ مَا دون السكر وَنَحْوه: أَي مَا ذكر (لَا بِقصد السكر) وَلَا للهو والطرب (بل) بِقصد (الاستمراء، وَالتَّقوى) على قيام اللَّيْل وَصِيَام النَّهَار إِلَى غير ذَلِك من الْعِبَادَات. فِي الْقَامُوس مرأ الطَّعَام مثلث الرَّاء. فَهُوَ مريء، هنيء حميد المغبة: أَي الْعَاقِبَة كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف فِيهِ، وَنَحْوه كالتداوي. ثمَّ قَوْله (فكالإغماء) لِأَنَّهُ لَيْسَ من جنس اللَّهْو: بل يعد من الْأَمْرَاض (لَا يَصح مَعَه تصرف) كَالْبيع وَالشِّرَاء (وَلَا طَلَاق وَلَا عتاق، وَإِن روى عَنهُ) أَي عَن أبي حنيفَة، والراوي عَنهُ عبد الْعَزِيز التِّرْمِذِيّ (أَنه إِن علم البنح وَعَمله) أَي تَأْثِيره فِي الْعقل ثمَّ أقدم على أكله (صَحَّ) كل من طَلَاقه وعتاقه (وَإِن) كَانَ طَرِيقه (محرما كمن) أَي كالحاصل من تنَاول (محرم) أَو مثلث، وَمن الْمحرم شرب المثلث على قصد السكر أَو اللَّهْو أَو الطَّرب: كَذَا ذكره الشَّارِح، الْمُتَبَادر من الْعبارَة بِاعْتِبَار الْمُقَابلَة عدم دُخُول المثلث فِي الْمحرم، وَأَن يُرَاد بِهِ مَا لم يقْصد بِهِ السكر وَاللَّهْو غير أَنه حِينَئِذٍ يُنَافِي مَا سبق من قَوْله:(المثلث كَمَا لَا يخفى، فَلَزِمَ حمله على مَا ذكر: فَيكون من التَّخْصِيص بعد التَّعْمِيم لمزيد الاهتمام بِهِ (فَلَا يبطل التَّكْلِيف فَيلْزمهُ الْأَحْكَام، وَتَصِح عباراته من الطَّلَاق وَالْعتاق وَالْبيع وَالْإِقْرَار وتزويج الصغار والتزوج والإقراض، والاستقراض: لِأَن الْعقل قَائِم، وَإِنَّمَا عرض فَوَات فهم الْخطاب بمعصيته فَبَقيَ) التَّكْلِيف (فِي حق الْإِثْم وَالْقَضَاء) للعبادات الْمَشْرُوع لَهَا إِذا فَاتَتْهُ فِي حَال السكر، وَإِن كَانَ لَا يَصح أَدَاؤُهَا فِي تِلْكَ الْحَال، وَجعل الْفَهم كالموجود زجرا لَهُ (إِلَّا أَنه تجب الْكَفَاءَة مُطلقًا) أَي أَبَا كَانَ المزوج أوغيره (فِي تَزْوِيج الصغار) فِي هَذِه الْحَالة، وَمهر الْمثل على هَذَا أَيْضا (لِأَن إضراره بِنَفسِهِ لَا يُوجب) جَوَاز (إضرارها) يَعْنِي فِي التَّزْوِيج من غير الْكُفْء ضرران: على نَفسه، وَعَلَيْهَا فَإِن جوز إضراره بِنَفسِهِ لَا يجوز فِي حق غَيره، وَلَا يسْتَلْزم جَوَاز الأول جَوَاز الثَّانِي (وَيصِح إِسْلَامه) لوُجُود أصل العقد (كالمكره) أَي كَمَا صَحَّ إِسْلَام الْمُكْره لِأَن " الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ ": كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا (لَا ردته لعدم الْقَصْد) لذكر كلمة الْكفْر بِدَلِيل أَنه لَا يذكرهَا بعد الصحو فَلم يُوجد ركنها وَهُوَ تبدل المَال، وَصَارَت كَمَا لَو جرت على لِسَان الصاحي خطأ (وبالهزل) أَي وَيكفر إِذا تكلم بالْكفْر هزلا مَعَ عدم تبدل اعْتِقَاده (للاستخفاف) أَي لِأَنَّهُ صدر
عَن قصد اسْتِخْفَافًا بِالدّينِ، وَلَا استخفاف من السَّكْرَان لعدم الْقَصْد، وَعدم اعْتِبَار الشَّارِع إِدْرَاكه قَائِما بِهِ، عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: صنع لنا عبد الرَّحْمَن بن عَوْف طَعَاما وَسَقَانَا من الْخمر فَأخذت الْخمْرَة منا وَحَضَرت الصَّلَاة فقدموني فَقَرَأت - قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ لَا أعبد مَا تَعْبدُونَ وَنحن نعْبد مَا تَعْبدُونَ - فَأنْزل الله تَعَالَى - {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ} - قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح غَرِيب، ثمَّ هَذَا اسْتِحْسَان قدم على الْقيَاس، وَهُوَ صِحَة ردته لكَونه مُخَاطبا كالصاحي كَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف. وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن عدم صِحَة إِرَادَته فِي الحكم، أما بَينه وَبَين الله تَعَالَى، فَإِن كَانَ فِي الْوَاقِع قصد أَن يتَكَلَّم بِهِ ذَاكِرًا مَعْنَاهُ كفر، وَإِلَّا فَلَا (وَلَو أقرّ بِمَا يحْتَمل الرُّجُوع كَالزِّنَا) وَشرب الْخمر وَالسَّرِقَة الصُّغْرَى والكبرى (لَا يحد، لِأَن حَالَة رُجُوعه يُوجب رُجُوعه) لعدم ثباته على شَيْء وَلَا سِيمَا على شَيْء يلْزم الْحَد مَعَ زِيَادَة شُبْهَة أَنه يكذب على نَفسه فيندرئ عَنهُ لِأَن مبْنى حق الله تَعَالَى على الْمُسَامحَة، نعم يضمن الْمَسْرُوق لِأَنَّهُ حق العَبْد وَلَا يبطل بِالرُّجُوعِ (و) لَو أقرّ (بِمَا لَا يحْتَملهُ) أَي الرُّجُوع (كَالْقصاصِ وَالْقَذْف وَغَيرهمَا أَو بَاشر سَبَب الْحَد) من زنا أَو سَرقَة أَو قذف مَعْطُوف على أقرّ (مُعَاينَة حد إِذا صَحا) إِذْ فِي حَال السكر لَا يحصل الانزجار الْمَقْصُود من الْحَد، وَاعْترض الشَّارِح بِأَنَّهُ يفهم من الْعبارَة أَن الْجَزَاء فِي جَمِيع ذَلِك حد وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ مَا هُوَ حق العَبْد كَالْقصاصِ لَيْسَ بِحَدّ، ثمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ المُرَاد حد إِذا صَحا وَأخذ بِمُوجب الْبَاقِي انْتهى وَالْأَمر فِيهِ هَين إِذْ يجوز إِطْلَاق الْحَد على الْكل تَغْلِيبًا. (وَحده) أَي السكر (اخْتِلَاط الْكَلَام والهذيان) على قَوْلهمَا وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف وَالْمرَاد أَن يكون غَالب كَلَامه هذيانا، فَإِن كَانَ نصفه مُسْتَقِيمًا فَلَيْسَ بسكران، وَإِلَيْهِ مَال أَكثر الْمَشَايِخ واختاروه للْفَتْوَى، وَيُؤَيّد هَذَا التَّحْدِيد قَول عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَإِذا سكر هذى، رَوَاهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله (وَزَاد أَبُو حنفية فِي) حد (السكر الْمُوجب للحد أَن لَا يُمَيّز بَين الْأَشْيَاء وَلَا يعرف الأَرْض من السَّمَاء) وَإِنَّمَا اعْتبرت السَّمَاء مبدأ معرفَة الأَرْض، لِأَن الْأَشْيَاء تتبين بأضدادها وهما بِمَنْزِلَة الضدين (إِذْ لَو ميز) بَينهمَا (فَفِيهِ) أَي فِي سكره (نُقْصَان وَهُوَ) أَي نقصانه (شُبْهَة الْعَدَم) أَي السكر وَهُوَ الصحو (فيندرئ) الْحَد (بِهِ) أَي بِهَذَا النُّقْصَان (وَأما) حد السكر (فِي غير وجوب الْحَد من الْأَحْكَام فَالْمُعْتَبر عِنْده أَيْضا اخْتِلَاط الْكَلَام حَتَّى لَا يترد بِكَلِمَة الْكفْر مَعَه) أَي مَعَ اخْتِلَاط الْكَلَام (وَلَا يلْزمه الْحَد بِالْإِقْرَارِ بِمَا يُوجب) الْحَد عِنْده. قَالَ الشَّارِح: قَالَ المُصَنّف رحمه الله: وَإِنَّمَا اخْتَارُوا للْفَتْوَى قَوْلهمَا لضعف وَجه قَوْله وَذَلِكَ أَنه حَيْثُ قَالَ يُؤْخَذ فِي أَسبَاب
الْحُدُود بأقصاها فقد سلم أَن السكر يتَحَقَّق قبل الْحَالة الَّتِي عينهَا، وَأَنه تَتَفَاوَت مراتبه وكل مرتبَة هِيَ سكر وَالْحَد إِنَّمَا أنيط فِي الدَّلِيل الَّذِي أثبت حد السكر بِمَا يُسمى سكرا إِلَّا بالمرتبة الْأَخِيرَة مِنْهُ، على أَن الْحَالة الَّتِي ذكر قَلما يصل إِلَيْهَا سَكرَان فَيُؤَدِّي إِلَى عدم الْحَد بالسكر انْتهى. وَقيل اخْتِلَاط الْكَلَام أَو عدم التَّمْيِيز بَين الْأَشْيَاء لَيْسَ نفس السكر، وَإِنَّمَا هُوَ عَلامَة، فَقيل هُوَ معنى يزِيل الْعقل عِنْد مُبَاشرَة سَببه، وَقيل غَفلَة تعرض لغَلَبَة السرُور على الْعقل بِمُبَاشَرَة مُوجبهَا، فَتخرج الْغَفْلَة الَّتِي لَيست لغلبته كَالَّتِي من شرب الأفيون والبنج، فَإِنَّهَا من قبيل الْجُنُون لَا من السكر لَكِن ألحقت بِهِ شرغا للاشتراك فِي الحكم، وَفِيه مَا فِيهِ (وَمِنْهَا) أَي أَي من المكتسب من نَفسه (الْهزْل) وَهُوَ اللّعب لُغَة، وَاصْطِلَاحا (أَن لَا يُرَاد بِاللَّفْظِ ودلالته الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَلَا الْمجَازِي) بِأَن لَا يُرَاد بِهِ شَيْء، أَو يُرَاد بِهِ مَا لَا يَصح إِرَادَته مِنْهُ (ضِدّه الْجد: أَن يُرَاد بِاللَّفْظِ أَحدهمَا) أَي الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والمجازي (وَمَا يَقع) الْهزْل (فِيهِ) من الْأَقْسَام (إنشاءات فرضاه) أَي الهازل (بِالْمُبَاشرَةِ) أَي التَّكَلُّم بألفاظها (لَا بحكمها) أَي لَا بِثُبُوت الْأَثر الْمُتَرَتب عَلَيْهَا على تَقْدِير إِرَادَة مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ أَو الْمجَازِي (أَو إخبارات أَو اعتقادات) لِأَن مَعَ يَقع فِيهِ الْهزْل إِن كَانَ إِحْدَاث حكم شَرْعِي فإنشاء، وَإِلَّا فَإِن كَانَ الْقَصْد مِنْهُ بَيَان الْوَاقِع فإخبار، وَإِلَّا فاعتقاد كَمَا سيشير إِلَيْهِ بقوله (وَالْأول) أَي الْإِنْشَاء (إِحْدَاث الحكم الشَّرْعِيّ أَي) إِحْدَاث (تعلقه) إِذْ نفس الحكم الشَّرْعِيّ قديم كَمَا مر غير مرّة (فَأَما) الْهزْل (فِيمَا يحْتَمل النَّقْض) أَي الْفَسْخ وَإِلَّا قَالَه (كَالْبيع وَالْإِجَارَة فإمَّا أَن يتواضعا فِي أَصله) أَي تجْرِي الْمُوَاضَعَة بَين الْعَاقِدين قبل العقد (على التَّكَلُّم بِهِ) أَي بِلَفْظ العقد (غير مريدين حكمه) أَي العقد (أَو) يتواضعا (على قدر الْعِوَض أَو) الثّمن أَو الْمَبِيع مثلا أَو يتواضعا على (جنسه) أَي الْعِوَض (فَفِي الأول) أَي فِيمَا تواضعا على أَصله (إِن اتفقَا بعده) أَي العقد (على الْإِعْرَاض عِنْده) أَي العقد (إِلَى الْجد) بِأَن فإلا بعد البيع: قد أعرضنا وَقت البيع عَن الْهزْل وبعنا بطرِيق الْجد (لزم البيع) وَبَطل الْهزْل، لِأَن العقد الصَّحِيح يقبل الْإِقَالَة: فَهَذَا أولى (أَو) اتفقَا (على الْبناء) للْعقد (عَلَيْهِ) أَي التَّوَاضُع (فكشرط الْخِيَار) أَي صَار العقد الْمُشْتَمل على شَرط الْخِيَار (لَهما) أَي الْعَاقِدين مُتَعَلق بِالْخِيَارِ (مُؤَبَّدًا إِذْ رَضِيا) فِي هَذَا كالعقد (بِالْمُبَاشرَةِ فَقَط) أَي بالحكم الَّذِي هُوَ الْملك أَيْضا كَمَا فِي الْخِيَار المؤبد (فَيفْسد) العقد فِيهِ كَمَا فِي الْخِيَار المؤبد (وَلَا يملك) الْمَبِيع فِيهِ (بِالْقَبْضِ لعدم الرِّضَا بالحكم) كَذَا قَالَ صدر الشَّرِيعَة وَغَيره. وَفِي التَّلْوِيح لَو قَالَ لعدم اخْتِيَار الحكم لَكَانَ أولى، لِأَنَّهُ الْمَانِع من الْملك، لَا عدم الرِّضَا كالمشتري من الْمُكْره فَإِنَّهُ يملك بِالْقَبْضِ لوُجُود الِاخْتِيَار وَلم يُوجد الرِّضَا، إِذْ الِاخْتِيَار الْقَصْد إِلَى الشَّيْء وإرادته،
وَالرِّضَا إيثاره واستحسانه، وَالْمكْره على الشَّيْء يختاره وَلَا يرضاه. وَمن هُنَا قَالُوا: الْمعاصِي والقبائح بِإِرَادَة الله تَعَالَى، لَا بِرِضَاهُ انْتهى وَلَا يخفى عَلَيْك أَن فِيمَا نَحن فِيهِ كِلَاهُمَا معدومان، فَيحمل الرِّضَا على مَا يعمهما. ثمَّ هَذَا بِخِلَاف البيع الْفَاسِد من وَجه حَيْثُ يثبت الْملك بِالْقَبْضِ لوُجُود الرِّضَا بالحكم هُنَاكَ (فَإِن نقضه) أَي العقد الَّذِي اتفقَا على أَنه مَبْنِيّ على الْمُوَاضَعَة (أَحدهمَا) أَي الْعَاقِدين (انْتقض) لِأَن لكل مِنْهُمَا النَّقْض فينفرد بِهِ (لَا إِن أجَازه) أَي أَحدهمَا العقد دون الآخر لتوقفه على إجازتهما جَمِيعًا لِأَنَّهُ كَخِيَار الشَّرْط لَهما (وَإِن أجازاه) أَي العاقدان العقد (جَازَ بِقَيْد الثَّلَاثَة) أَي بِشَرْط أَن تكون إجازتهما فِي ثَلَاثَة أَيَّام من وَقت العقد (عِنْده) أَي أبي حنيفَة كَمَا فِي الْخِيَار المؤبد عِنْده: أَي أبي حنيفَة رحمه الله لارْتِفَاع الْمُفْسد لَا فِيمَا بعْدهَا لتقرر الْفساد بمضيها (ومطلقا) عِنْدهمَا: أَي وَجَاز إِذا أجازاه أَي وَقت أَرَادَا مَا لم يتَحَقَّق النَّقْض عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد كَمَا فِي الْخِيَار المؤبد عِنْدهمَا: فَهَذِهِ ثَانِيَة صور الِاتِّفَاق (أَو) اتفقَا على (إِن لم يحضرهما) أَي لم يَقع بخاطرهما وَقت العقد (شَيْء) أَي لَا الْبناء على الْمُوَاضَعَة وَلَا الْإِعْرَاض عَنْهَا، وَلَيْسَ معنى الِاتِّفَاق هَهُنَا قصدهما عدم خطور شَيْء من الْأَمريْنِ وَقت العقد، فَإِن هَذَا لقصد يسْتَلْزم الخطور، بل المُرَاد أَنَّهُمَا أخبرا بالِاتِّفَاقِ بخطور عَنْهُمَا وَقت العقد، وَهَذِه ثَالِثَة صور الِاتِّفَاق (أَو اخْتلفَا فِي الْإِعْرَاض) عَن الْمُوَاضَعَة (وَالْبناء) عَلَيْهَا فَقَالَ أَحدهمَا بنيت العقد على الْمُوَاضَعَة، وَقَالَ الآخر: أَعرَضت عَنْهَا بالجد (صَحَّ العقد عِنْده) أَي أبي حنيفَة فيهمَا (عملا بِمَا هُوَ الأَصْل فِي العقد) الشَّرْعِيّ، وَهُوَ الصِّحَّة واللزوم، لِأَنَّهُ شرع للْملك وَالْجد هُوَ الظَّاهِر فِيهِ (وَهُوَ) أَي الْعَمَل بِالْأَصْلِ فِيهِ (أولى من اعْتِبَار الْمُوَاضَعَة) لِأَنَّهَا عَارض لم تنور دَعْوَى مدعيها بِالْبَيَانِ فلايكون القَوْل قَوْله كَمَا فِي خِيَار الشَّرْط (وَلم يَصح) العقد فيهمَا (عِنْدهمَا لعادة الْبناء) أَي لِأَن الْمُعْتَاد فِي مثله الْبناء على الْمُوَاضَعَة السَّابِقَة (وَكيلا تلغوا الْمُوَاضَعَة السَّابِقَة) فَيكون الِاشْتِغَال بهَا عَبَثا (و) لَا يفوت (الْمَقْصُود وَهُوَ صون المَال عَن المتغلب) مثلا (فَهُوَ) أَي الْبناء على الْمُوَاضَعَة (الظَّاهِر، وَدفع بِأَن) الْقَيْد (الآخر) الْخَالِي عَن أَن يحضرهما شَيْء (نَاسخ) للمواضع السَّابِقَة: مَعَ أَن الْأَلْيَق بِحَال أهل الدّيانَة الرُّجُوع عَن الْمُوَاضَعَة، وَرجح المُصَنّف قَوْلهمَا بقوله (وَقد يُقَال هُوَ) أَي كَون الآخر نَاسِخا لَهَا (فرع الرِّضَا) بِهِ إِذْ مدَار الْعُقُود والفسوخ على المراضاة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (إِذْ مُجَرّد صُورَة العقد لَا يستلزمه) أَي الْفَسْخ وَفسخ مَا اتفقَا عَلَيْهِ (إِلَّا بِاعْتِبَارِهِ) أَي الرِّضَا بِهِ وَقد (فرض عدم إِرَادَة شَيْء) فِي الصُّورَة الثَّالِثَة (فَيصْرف) العقد (إِلَى مُوَافقَة) العقد (الأول) أَي الْمُوَافقَة السَّابِقَة (وَكَون أَحدهمَا أعرض) فِي الصُّور الرَّابِعَة (لَا يُوجب صِحَّته) أَي العقد (إِذْ لَا يقوم العقد إِلَّا برضاهما، وَلَو قَالَ أَحدهمَا أَعرَضت) عِنْد العقد عَن الْمُوَاضَعَة السَّابِقَة (و) قَالَ (الآخر
لم يحضرني شَيْء) وَهَذِه صُورَة خَامِسَة (أَو بني أَحدهمَا) أَي قَالَ أَحدهمَا إِنِّي بنيت العقد على الْمُوَاضَعَة (وَقَالَ الآخر لم يحضرني) شَيْء، وَهَذِه صُورَة سادسة (فعلى أَصله) أَي أبي حنيفَة يجب أَن يكون (عدم الْحُضُور كالإعراض) فِي صِحَة العقد عملا بِمَا هُوَ الأَصْل فِي العقد فكأنهما أعرضا مَعًا فِي الصُّورَة الأولى، وَفِي الصُّورَة الثَّانِيَة بإعراض أَحدهمَا تَنْتفِي الْمُوَاضَعَة فَيصح العقد (وهما) يجعلان عدم الْحُضُور على أَصلهمَا (كالبناء) على الْمُوَاضَعَة تَرْجِيحا للمواضعة على الْإِعْرَاض بِالْعَادَةِ وأليق فَلَا يَصح العقد فِي شَيْء مِنْهُمَا. وَفِي التَّلْوِيح هَذَا مَأْخُوذ من صُورَة اتِّفَاقهمَا على أَنه لم يحضرهما شَيْء فَإِنَّهُ عِنْد أبي حنيفَة بِمَنْزِلَة الْإِعْرَاض، وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَة الْبناء، وَأورد عَلَيْهِ أَنه لم تظهر جِهَة الصِّحَّة على قَول أبي حنيفَة فِيمَا إِذا بنى أَحدهمَا، وَقَالَ الآخر: لم يحضرني شَيْء فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن لَا يَصح على أَصله لِاجْتِمَاع الْمُصَحح والمفسد وَالتَّرْجِيح للمفسد، وَكَذَا ذكره الشَّارِح وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُصَحح إِنَّمَا هُوَ الأَصْل فِي العقد وَهُوَ الصِّحَّة، وَلَا مُفسد هُنَا سوى الْمُوَاضَعَة فَلَا تتَحَقَّق الْمُوَاضَعَة إِلَّا ببنائهما مَعًا، وَقد عرفت أَن عدم الْحُضُور كالإعراض عَن الْمُوَاضَعَة عِنْده، وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم هَذِه الْمُقدمَة لَا يرد شَيْء على مَا فِي التَّلْوِيح لِأَنَّهُ لَا يضر بِكَوْنِهِ مأخوذا من صُورَة الِاتِّفَاق كَون تقدمتها مدخولة (وَلَا يخفى أَن تمسكه) أَي أبي حنيفَة (بِأَن الأَصْل فِي العقد الصِّحَّة وهما) أَي تمسكهما (بِأَن الْعَادة تَحْقِيق الْمُوَاضَعَة السَّابِقَة هُوَ) أَي كل من التمسكين (فِيمَا إِذا اخْتلفَا فِي دَعْوَى الْإِعْرَاض أَو الْبناء) بِأَن يدعى أَحدهمَا أَنه كَانَ هُنَاكَ إِعْرَاض من الْجَانِبَيْنِ أَو من جَانب، وَيَدعِي الآخر خِلَافه: وَكَذَا فِي الْبناء (وَأما إِذا اتفقَا على الِاخْتِلَاف بِأَن يقرا بإعراض أَحدهمَا وَبِنَاء الآخر فَلَا قَائِل بِالصِّحَّةِ) بل عدم الصِّحَّة حِينَئِذٍ بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ ظَاهر (ومجموع صور الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ، فالاتفاق على إعراضهما أَو بنائهما أَو ذهولهما أَو بِنَاء أَحدهمَا وإعراض الآخر أَو) بِنَاء أَحدهمَا (وذهوله) أَي الآخر (أَو إِعْرَاض أَحدهمَا وَذُهُول الآخر سِتَّة، وَالِاخْتِلَاف) أَي صوره وَهِي (دَعْوَى أَحدهمَا إعراضهما و) دعواهما (بناءهما و) دَعْوَاهُ (ذهولهما و) دَعْوَاهُ (بناءه) أَي أَحدهمَا الْمُدَّعِي (مَعَ إِعْرَاض الآخر أَو) دَعْوَاهُ بناءه مَعَ (ذُهُوله) أَي الآخر (و) دَعْوَاهُ (إعراضه مَعَ بِنَاء الآخر أَو) دَعْوَاهُ إعراضه (مَعَ ذُهُوله) أَي الآخر (و) دَعْوَاهُ (ذُهُوله مَعَ بِنَاء الآخر أَو) دَعْوَاهُ ذُهُوله مَعَ (إعراضه) أَي الآخر وَقَوله وَالِاخْتِلَاف مُبْتَدأ خَبره (تِسْعَة، وكل) من الصُّور التِّسْعَة يركب (مَعَ دَعْوَى) الْعَاقِد (الآخر) وَهُوَ (إِحْدَى الثَّمَانِية الْبَاقِيَة) وَإِنَّمَا نقص عدم المضموم إِلَيْهِ بِوَاحِدَة وَهِي مُوَافقَة لما ضم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي بَيَان صور الِاخْتِلَاف، فَإِذا ضربت التِّسْعَة فِي الثَّمَانِية (تمت) صور الِاخْتِلَاف الْحَاصِلَة من الضَّرْب (ثِنْتَيْنِ وَسبعين و) ضم إِلَيْهَا (سِتَّة الِاتِّفَاق) على مَا آنِفا، فمجموع صور الِاتِّفَاق
وَالِاخْتِلَاف ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ. قَالَ الشَّارِح: قيل وَالْحق أَن يَجْعَل صور الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف سِتا وَثَلَاثِينَ إِن أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا غير معِين، وَإِحْدَى وَثَمَانِينَ إِن أَرَادَ معينا، فَحِينَئِذٍ صور الِاتِّفَاق تسع وصور الِاخْتِلَاف اثْنَان وَسَبْعُونَ انْتهى، هَكَذَا نقل، وَقد تبين مُرَاد هَذَا الْقَائِل مَعَ كَمَال حَاجته إِلَى الْبَيَان، وَلَعَلَّه أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا الَّذِي جوز فِيهِ التَّعْيِين وَعدم التَّخْيِير أحد الْعَاقِدين وَأَنه إِذا لم يعين بِحَيْثُ يعم كلا مِنْهُمَا على سَبِيل الْبَدَل لم يتَحَقَّق فِي الِاخْتِلَاف تسع صور بل ينْحَصر فِي فِي سِتّ: دَعْوَاهُ إعراضهما أَو بناءهما أَو ذهولهما أَو إِعْرَاض أَحدهمَا لَا على التَّعْيِين مَعَ بِنَاء الآخر أَو ذُهُوله وَلم يبْق إِلَّا دَعْوَاهُ بِنَاء أَحدهمَا مَعَ ذُهُول الآخر، وَلَا يُمكن أَن يُقَال حِينَئِذٍ أَو مَعَ إعراضه لاندراجه فِيمَا سبق بِسَبَب تَعْمِيم أَحدهمَا، بِخِلَاف مَا إِذا ادّعى إِعْرَاض زيد مَعَ بِنَاء عَمْرو أَو ذُهُوله أَو ادّعى بِنَاء زيد مَعَ إِعْرَاض عَمْرو أَو ذُهُوله أَو ادّعى ذُهُول زيد مَعَ إِعْرَاض عَمْرو أَو بنائِهِ فَهَذِهِ سِتَّة بعد تِلْكَ الثَّلَاثَة الأول وَلَا يخفى أَن مَجْمُوع صور الِاخْتِلَاف إِذا كَانَت سِتَّة وَضربت فِي الْخَمْسَة يحصل ثَلَاثُونَ، وَإِذا كَانَت تِسْعَة وَضربت فِي الثَّمَانِية يحصل مَا ذكره المُصَنّف، وعَلى هَذَا الِاتِّفَاق عدم التَّعْيِين لعدم النزاع الْمخْرج إِلَى ذكر تِلْكَ التفاصيل (وَأما) أَن يتواضعا (فِي قدر الْعِوَض بِأَن تواضعا) على البيع بِأَلفَيْنِ وَالثمن بِأَلف) أَي وعَلى أَن الثّمن ألف (فهما) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد (يعملان) فِي جَمِيع صور الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف (بالمواضعة) فيحكمان بِمَا تواضعا عَلَيْهِ (إِلَّا فِي إعراضهما) عَنْهُمَا فَإِنَّهُمَا يعملان بِالْإِعْرَاضِ فَيصح العقد على أَلفَيْنِ وَهُوَ رِوَايَة مُحَمَّد فِي الْإِمْلَاء عَن أبي حنيفَة (وَهُوَ) أَي أَبُو حنيفَة فِي الْأَصَح عَنهُ يعْمل (بِالْعقدِ) فَنَقُول بِصِحَّتِهِ بِأَلفَيْنِ (فِي الْكل، وَالْفرق لَهُ) أَي لأبي حنيفَة (بَين الْبناء هُنَا وثمة) أَي فِيمَا إِذا كَانَ الْمُوَاضَعَة فِي الحكم يحكم بِمُوجب الْمُوَاضَعَة بِسَبَب (أَن الْعَمَل بالمواضعة) هُنَا (يَجْعَل قبُول أحد الْأَلفَيْنِ شرطا لقبُول البيع بِالْألف) الآخر لعدم دُخُول الآخر فِي العقد فَيصير كَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُك بِأَلفَيْنِ على أَن لَا يجب أحد الْأَلفَيْنِ وَهَذَا شَرط فَاسد لِأَنَّهُ خلاف مُقْتَضى العقد وَفِيه نفع لأَحَدهمَا (فَيفْسد) البيع لنَهْيه صلى الله عليه وسلم عَن بيع وَشرط، رَوَاهُ أَبُو حنيفَة (فَالْحَاصِل التَّنَافِي بَين تَصْحِيحه) أَي تَصْحِيح أصل العقد الَّذِي لَا مواضعة فِيهِ (وَاعْتِبَار الْمُوَاضَعَة) المستلزم وجود الشَّرْط الْفَاسِد وَلزِمَ اعْتِبَار أَحدهمَا صونا لتصرف الْعَاقِل عَن الإهدار بِحَسب الْإِمْكَان، وَقد ثَبت تَصْحِيح العقد (تَرْجِيحا للْأَصْل) وَهُوَ العقد الْمُحَقق بالِاتِّفَاقِ على خلاف الأَصْل (فينتفى الثَّانِي) وَهُوَ اعْتِبَار الْمُوَاضَعَة، فَإِن الأَصْل فِي الْعُقُود الْجد لَا الْهزْل، فرعاية جَانب العقد بِحمْلِهِ على الْجد أولى من رِعَايَة جَانب الْمُوَاضَعَة الَّتِي كالهزل، وللشارح هَهُنَا كَلَام غير مستحسن يفهم مِنْهُ أَنه حمل الأَصْل على الْمَبِيع، وَالْمعْنَى تَرْجِيحا للْمَبِيع الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي الْوَصْف الَّذِي هُوَ الثّمن وَعلله بقوله
إِذْ هُوَ وَسِيلَة إِلَى الْمَبِيع لَا مَقْصُود وَإِلَّا لزم إهدار الأَصْل لاعْتِبَار وَهُوَ بَاطِل انْتهى وَلَا يخفى أَنه يَصح هَذَا على تَقْدِير أَن يكون الْعَمَل بالمواضعة مستلزما تَرْجِيح الثّمن على الْمَبِيع وَهُوَ غير ظَاهر، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: اعْتِبَار الزِّيَادَة فِي الثّمن رِعَايَة للْمَبِيع لكنه لَا يبْقى حِينَئِذٍ ارتباط تَامّ بَين الْحَاصِل وَمَا قبله فَتدبر (وَإِمَّا) أَن يتواضعا (فِي جنسه) أَي الثّمن بِأَن يتَّفقَا على إِظْهَار العقد بِمِائَة دِينَار مثلا وَيكون الثّمن فِي الْوَاقِع ألف دِرْهَم (فَالْعَمَل بِالْعقدِ اتِّفَاقًا فِي الْكل) أَي فِي جَمِيع صور الِاتِّفَاق وَالِاخْتِلَاف فِيمَا سبق (وَالْفرق لَهما) بَين الْهزْل فِي الْقدر وَالْجِنْس حَيْثُ قَالَا فِي الْقدر يعْمل بالمواضعة فِي الْبناء، وَفِي الْجِنْس يعْمل بِالْعقدِ فِيهِ (أَن الْعَمَل بالمواضعة مَعَ الصِّحَّة غير مُمكن هُنَا، لِأَن البيع يعْدم لعدم تَسْمِيَة بدل) فِيهِ، إِذْ هِيَ رُكْنه (وَبِاعْتِبَار الْمُوَاضَعَة يكون) الْبَدَل (ألفا وَلَيْسَ الْألف مَذْكُورا فِي العقد بل) الْمَذْكُور فِيهِ (مائَة دِينَار وَهِي غير الثّمن) فَلَا يُمكن تَصْحِيح العقد، فَإِن قيل فَلْيَكُن الْعَمَل بالمواضعة يَنْفِي تَصْحِيح العقد فَالْجَوَاب أَن الْعَمَل بهَا لَيْسَ التَّحْقِيق غرضهما مِنْهَا: وَهِي صِحَة العقد مَعَ الْبَدَل المتواضع عَلَيْهِ وَهُوَ غير مُمكن لما ذكر (بِخِلَافِهَا) أَي الْمُوَاضَعَة (فِي الْقدر) فَإِنَّهُ (يُمكن التَّصْحِيح) للْعقد المتواضع عَلَيْهِ (مَعَ اعتبارهما) أَي الْمُوَاضَعَة (فَإِنَّهُ ينْعَقد) البيع (بِالْألف الكائنة فِي ضمن الْأَلفَيْنِ) ثمَّ أَرَادَ أَن يبين جوابهما عَن قَول أبي حنيفَة أَنه يفْسد البيع بِالشّرطِ الْمَذْكُور فَقَالَ (والهزل بِالْألف الْأُخْرَى شَرط لَا طَالب لَهُ من الْعباد لَا تفاقهما على عدم ثمنيته) فوجوده كَعَدَمِهِ (وَلَا يفْسد) العقد بِهِ اذ كل شَرط لَا طَالب لَهُ من الْعباد غير مُفسد لعدم إفضائه إِلَى الْمُنَازعَة (كَشَرط أَن لَا يعلف الدَّابَّة) تعقب عَلَيْهِ صدر الشَّرِيعَة بِأَن الشَّرْط فِيمَا نَحن فِيهِ لأحد الْمُتَعَاقدين، لَكِن لَا يُطَالب للمواضعة وَهُوَ لَا يُفِيد الصِّحَّة كالرضا بالربا انْتهى، وَقد يُنَاقض أَيْضا بِأَنَّهُ رُبمَا تنَازع أَحدهمَا رُجُوعا مِنْهُ عَن الْمُوَاضَعَة فَلْيتَأَمَّل (وَأما فِيمَا لَا يحْتَملهُ) أَي النَّقْص لكَونه مِمَّا لَا يجْرِي فِيهِ الْفَسْخ وَالْإِقَالَة (مِمَّا لَا مَال فِيهِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْق) مجَازًا فيهمَا (وَالْعَفو) عَن الْقصاص (وَالْيَمِين وَالنّذر فَيصح) كل من هَذَا النَّوْع (وَيبْطل الْهزْل للرضا بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ ملزوم للْحكم شرعا) فَلَا يمْنَع الْهزْل من العقد فَينْعَقد. ثمَّ بَين المُرَاد من السَّبَب بقوله (أَي الْعلَّة) وَسَنذكر مَا يُؤَيّدهُ من السّنة (وَلذَا) أَي لكَونه ملزوما للْحكم (لَا يحْتَمل شَرط الْخِيَار) لِأَنَّهُ يُفِيد التَّرَاخِي فِي الحكم، وَمن حكم هَذِه الْأَسْبَاب عدم التَّرَاخِي فِيهِ (بِخِلَاف قَوْلنَا الطَّلَاق الْمُضَاف) كَأَنْت طَالِق غَدا (سَبَب للْحَال فَإِنَّهُ) أَي السَّبَب (يَعْنِي بِهِ المفضي) إِلَى الْوُقُوع، لَا الْعلَّة وَلذَا لَا يسْتَند إِلَى وَقت الْإِيجَاب، وَجَاز تَأَخّر الحكم عَنهُ، وَلَو كَانَ عِلّة لاستند كَمَا فِي البيع بِخِلَاف الشَّرْط وَالْحَاصِل أَن الطَّلَاق الْمُنجز عِلّة ملزومة الحكم، فَإِذا أضيف صَار سَببا فَقَط، وَحَقِيقَة السَّبَب مَا يُفْضِي إِلَى الحكم إفضاء لَا يسْتَلْزم فِي الْحَال (وَمَا فِيهِ) المَال تبعا
(كَالنِّكَاحِ) فَإِن الْمَقْصد الْأَصْلِيّ فِيهِ من الْجَانِبَيْنِ الجل للتوالد، وَالْمَال شرع فِيهِ لإِظْهَار خطر الْمحل، وَكَذَا يَصح بِدُونِ ذكر الْمهْر ويتحمل فِي الْمهْر من الْجَهَالَة مَا لَا يتَحَمَّل فِي غَيره، وَنقل الشَّارِح عَن المُصَنّف أَن كَون النِّكَاح لَا يحْتَمل الْفَسْخ مَحل نظر فَإِن التَّفْرِيق بَين الزَّوْجَيْنِ بِعَدَمِ الْكَفَاءَة ونقصان الْمهْر وَخيَار الْبلُوغ وبردتها فسخ (فَإِن) تواضعا (فِي أَصله) أَي النِّكَاح بِأَن قَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أتزوجك بِأَلف هازلا عِنْد النَّاس، وَلَا يكون بَيْننَا فِي الْوَاقِع نِكَاح، ووافقته على ذَلِك وَحضر الشُّهُود عِنْد العقد (لزم) النِّكَاح وانعقد صَحِيحا قَضَاء وديانة سَوَاء اتفقَا على الْإِعْرَاض أَو الْبناء أَو أَنه لم يحضرهما شَيْء وَاخْتلفَا على مَا مر لعدم تَأْثِير الْهزْل فِيهِ لكَونه غير مُحْتَمل الْفَسْخ، وَفِيه مَا مر، فَالْأولى أَن يسْتَدلّ بقوله صلى الله عليه وسلم " ثَلَاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة " رَوَاهُ أَحْمد، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب وَصَححهُ الْحَاكِم (أَو) تواضعا (فِي قدر الْمهْر) أَي على أَلفَيْنِ وَيكون فِي الْوَاقِع ألفا (فَإِن اتفقَا على الْإِعْرَاض فألفان) أَي فالمهر أَلفَانِ لبالاتفاق بطلَان الْمُوَاضَعَة بإعراضهما عَنْهُمَا (أَو) اتفقَا على (الْبناء فألف) الْمهْر بالِاتِّفَاقِ: لِأَن الْمهْر الآخر ذكر هزلا وَلَا مَانع من اعْتِبَار الْهزْل فِيهِ: إِذْ المَال لَا يجب مَعَ الْهزْل (وَالْفرق لَهُ) أَي لأبي حنيفَة (بَينه) أَي الْهزْل بِقدر الْمهْر (وَبَين) الْهزْل فِي قدر الثّمن فِي (الْمَبِيع) حَيْثُ اعْتبر التَّسْمِيَة فِي الِاتِّفَاق على الْبناء فِي الْمُوَاضَعَة على قدر الْبَدَل فِيهِ، وَاعْتبر الْمُوَاضَعَة هَهُنَا ل (أَنه) أَي البيع (يفْسد بِالشّرطِ) الْفَاسِد، وَقد مرّ وَجه فَسَاده وَقد قصدا صِحَّته (لَا النِّكَاح) أَي بِخِلَاف النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يفْسد بِهِ فَأمكن اعْتِبَار الْمُوَاضَعَة فِيهِ من غير لُزُوم فَسَاد (وَإِن اتفقَا أَنه لم يحضرهما شَيْء، أَو اخْتلفَا) بِوَجْه من وُجُوه الِاخْتِلَاف وَقد عرفتها (جَازَ) النِّكَاح (بِأَلف فِي رِوَايَة مُحَمَّد عَنهُ) أَي أبي حنيفَة (بِخِلَاف البيع، لِأَن الْمهْر تَابع) فِي عقد النِّكَاح (حَتَّى صَحَّ العقد بِدُونِهِ فَيعْمل بِالْهَزْلِ بِخِلَاف البيع) فَإِن الثّمن وَإِن كَانَ فِيهِ وَصفا غير مَقْصُود بِالذَّاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَبِيع إِلَّا أَنه مَقْصُود بِالْإِيجَابِ لكَونه ركنا (حَتَّى فسد) البيع (لِمَعْنى فِي الثّمن) كجهالته (فضلا عَن عَدمه) أَي الثّمن (فَهُوَ) أَي الثّمن (كَالْمَبِيعِ وَالْعَمَل بِالْهَزْلِ يَجعله شرطا فَاسِدا) كَمَا عرفت (فَيلْزم مَا تقدم) من التَّنَافِي بَين تَصْحِيح العقد وَاعْتِبَار الْمُوَاضَعَة وَثُبُوت التَّصْحِيح تَرْجِيحا للْأَصْل (وَفِي رِوَايَة) عَن (أبي يُوسُف) عَن أَبى حنيفَة (وَهِي الْأَصَح) كَمَا ذكر فَخر الْإِسْلَام وَغَيره يلْزمه (أَلفَانِ كَالْبيع لِأَن كلا) من الْمهْر وَالثمن (لَا يثبت إِلَّا قصدا ونصا، وَالْعقل يمْنَع من الثَّبَات على الْهزْل فَيجْعَل) عِنْدهمَا بِأَلفَيْنِ عقدا (مُبْتَدأ عِنْد اخْتِلَافهمَا) لَا بِنَاء على الْمُوَاضَعَة كَذَا فِي كشف الْمنَار. وَفِي كشف الْكَبِير وَغَيره لِأَن نفي الْفساد إهدار لجَانب الْفساد، وَاعْتِبَار للْجدّ الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي الْكَلَام (أَو) تواضعا (فِي الْجِنْس) أَي جنس الْمهْر بِأَن يذكرَا عِنْد العقد مائَة دِينَار، وَالْمهْر فِي الْوَاقِع
ألف دِرْهَم (فَإِن اتفقَا على الْإِعْرَاض فالمسمى) أَي فَالْوَاجِب مَا سمياه عِنْد العقد، وَهُوَ مائَة دِينَار لبُطْلَان الْمُوَاضَعَة بِالْإِعْرَاضِ (أَو) توافقا على (الْبناء فمهر الْمثل إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ تزوج بِلَا مهر: إِذْ الْمُسَمّى هزل وَلَا يثبت المَال بِهِ) أَي بِالْهَزْلِ (والمتواضع عَلَيْهِ لم يذكر فِي العقد) والتزوج بِلَا ذكر مهر يُوجب مهر الْمثل (بِخِلَافِهَا) أَي الْمُوَاضَعَة (فِي الْقدر، لِأَنَّهُ) أَي الْقدر المتواضع عَلَيْهِ كالألف (مَذْكُور ضمن الْمَذْكُور) فِي العقد كالألفين (أَو) توافقا (على أَن لم يحضرهما) شَيْء (أَو اخْتلفَا فِي الْإِعْرَاض وَالْبناء، فَفِي رِوَايَة مُحَمَّد) عَن أبي حنيفَة الْوَاجِب (مهر الْمثل: لِأَن الأَصْل بطلَان الْمُسَمّى كَيْلا يصير الْمهْر مَقْصُودا بِالصِّحَّةِ كَالْبيع) يَعْنِي لما وَقع الثَّانِي بَين صِحَة العقد بِاعْتِبَار الْمُسَمّى وَبَين مُوجب الْمُوَاضَعَة تعين الْمصير إِلَى بطلَان الْمُسَمّى، لِأَنَّهُ لَو لم يحكم بِبُطْلَانِهِ، بل يصحح للَزِمَ صيرورة الْمهْر مثل الثّمن فِي البيع فِي كَونهمَا مقصودين بِالصِّحَّةِ، وَقد سبق أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بِهَذَا الِاعْتِبَار، فَإِن الثّمن ركن وَالْمهْر تَابع، وَقد بَين ذَلِك (فَيلْزم مهر الْمثل) عِنْد بطلَان الْمُسَمّى (وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف) عَن أبي حنيفَة الْوَاجِب (الْمُسَمّى) والمواضعة بَاطِلَة (كَالْبيع) أَي مثل الثّمن، لِأَن كلا من الْمهْر وَالثمن لَا يثبت إِلَّا قصدا ونصا إِلَى آخر مَا ذكر آنِفا (وَعِنْدَهُمَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجب (مهر الْمثل لترجيحهما الْمُوَاضَعَة بِالْعَادَةِ فَلَا مهر) مُسَمّى (لعدم الذّكر فِي العقد) لبُطْلَان الْمُسَمّى بتسميته فترجح الْمُوَاضَعَة (و) عدم (ثُبُوت المَال بِالْهَزْلِ وَمَا) يثبت (فِيهِ) المَال (مَقْصُودا بِأَن لَا يثبت بِلَا ذكره) أَي المَال (كالخلع وَالْعِتْق على مَال، وَالصُّلْح عَن دم الْعمد فهزلها) أَي الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة (فِي الأَصْل) أَي فِي أصل هَذِه الْعُقُود بِأَن تواضعا أَن يطلقهَا بِمَال، أَو يعتقهُ على مَال، أَو يصالحه عَن دم الْعمد على مَال على وَجه الْهزْل، وَلم يكن هُنَاكَ فِي الْوَاقِع طَلَاق وَلَا عتاق وَلَا صلح (أَو الْقدر) بِأَن طَلقهَا على أَلفَيْنِ، أَو أعْتقهُ عَلَيْهِمَا، أَو صَالحه عَن الدَّم كَذَلِك مَعَ الْمُوَاضَعَة بِأَن المَال ألف (أَو الْجِنْس) بِأَن يُطلق أَو يعْتق، أَو يُصَالح على مائَة دِينَار مَعَ الْمُوَاضَعَة على أَن الْوَاجِب ألف دِرْهَم (يلْزم) من الْإِلْزَام، وَالضَّمِير للموصول: أَعنِي مَا فِيهِ (الطَّلَاق) مفعول يلْزم (وَالْمَال) كِلَاهُمَا فِي الأولى (فِي) صُورَة الِاتِّفَاق على (الْإِعْرَاض و) فِي صُورَة الإتفاق على (عدم الْحُضُور) بِأَن يتَّفقَا على أَنه لم يحضرهما حَال العقد شَيْء من الْإِعْرَاض وَالْبناء (و) فِي صُورَة (الِاخْتِلَاف فِي الْإِعْرَاض وَالْبناء اتِّفَاقًا) أَي بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة مَعَ اخْتِلَاف فِي التَّرْجِيح (فَفِي الْأَخيرينِ) أَي عدم الْحُضُور بِأَن يتَّفقَا على أَنه لم يحضرهما، وَالِاخْتِلَاف فِي الْإِعْرَاض (عِنْده) أَي عِنْد أبي حنيفَة (لترجيح العقد على الْمُوَاضَعَة وَذَلِكَ) أَي تَرْجِيحه عَلَيْهَا (فِي الِاخْتِلَاف يَجْعَل القَوْل لمُدعِي الْإِعْرَاض) لِأَن الأَصْل فِي الْعُقُود الشَّرْعِيَّة الصِّحَّة واللزوم مَا لم يُوجد معَارض وَلم يُوجد: إِذْ وجود الْمُعَارضَة صَار
مشكوكا بِسَبَب الِاخْتِلَاف، وَأما تعين العقد فِي الصُّورَة الأولى فَظَاهر لبُطْلَان الْمُوَاضَعَة باتفاقهما فَلهَذَا لم يذكرهُ (وَلعدم تَأْثِير الْهزْل عِنْدهمَا فِي صورها) أَي الْمُوَاضَعَة (حَتَّى لزما) أَي الطَّلَاق وَالْمَال (فِي) صُورَة (الْبناء) على الْمُوَاضَعَة (أَيْضا عِنْدهمَا، لِأَن المَال وَإِن لم يثبت بِالْهَزْلِ لكنه تبع للطَّلَاق لاستغنائه) أَي الطَّلَاق (عَنهُ) أَي المَال (لَوْلَا الْقَصْد إِلَى ذكره) أَي لَو لم يقْصد ذكر المَال فِي بَاب الطَّلَاق كَأَن ثَبت من غير أَن يثبت المَال، بِخِلَاف النِّكَاح فَإِنَّهُ يثبت فِيهِ، وَإِن لم يقْصد ذكره فَعِنْدَ ذكر المَال فِي الطَّلَاق كَانَ المَال تبعا وضمنيا (فَإِذا ثَبت المتضمن) على صِيغَة الْفَاعِل، وَهُوَ الطَّلَاق (ثَبت) المتضمن على صِيغَة الْمَفْعُول وَهُوَ المَال. وَلما كَانَ الْمَفْهُوم من قَوْله وَمَا فِيهِ مقصد إِلَى آخِره كَون المَال فِي الْعُقُود الْمَذْكُورَة مَقْصُودا، وَمن قَوْله لكنه تبع كَونه غير مقصد، وَبَينهمَا تدافع بِحَسب الظَّاهِر دَفعه بقوله (والتبعية) أَي تَبَعِيَّة المَال للطَّلَاق (بِهَذَا الْمَعْنى) أَي بِاعْتِبَار كَون ثُبُوته فِي الضمني حَتَّى صَحَّ مَعَ الْهزْل، وَفسّر الشَّارِح هَذَا الْمَعْنى بِكَوْنِهِ تَابعا لَهُ فِي الثُّبُوت لكَونه بِمَنْزِلَة الشَّرْط فِيهِ، والشروط أَتبَاع لما عرف وَلَا يخفى عَلَيْك أَن قَوْله لهَذَا الْمَعْنى إِشَارَة إِلَى مَا فهم مِمَّا قبله وَهُوَ مَا ذكرنَا، لِأَن مَا ذكر (لَا تنَافِي المقصودية بِالنّظرِ إِلَى الْعَاقِد) بِمَعْنى إِذا نَظرنَا إِلَى نفس العقد وجدنَا الطَّلَاق أصلا، وَالْمَال تبعا وضمنيا لما ذكر من الِاسْتِغْنَاء، وَإِذا نَظرنَا فِي الْعَاقِد وجدنَا المَال مَقْصُودا لَهُ، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا لاخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ (بِخِلَاف تبعيته) أَي المَال (فِي النِّكَاح فبمعنى أَنه) أَي المَال (غير الْمَقْصُود) للعاقدين، لِأَن قصدهما الْحل (وَهَذَا) الْمَعْنى (لَا يُنَافِي الْأَصَالَة) لِلْمَالِ (من حَيْثُ ثُبُوته) أَي المَال (عِنْد ثُبُوته) أَي النِّكَاح بِلَا ذكره، بل وَمَعَ نَفْيه إِظْهَارًا لخطر الْبضْع وَالْحَاصِل أَنه لَيْسَ بمقصود مِنْهُ، لكنه مَقْصُود فِيهِ لما ذكر، وَإِنَّمَا يُؤثر فِيهِ الْهزْل كَمَا فِي سَائِر الْأَمْوَال وَإِن لم يُؤثر فِي النِّكَاح. وَعَن شمس الْأَئِمَّة أَنه جعل الْمُوَاضَعَة فِي الطَّلَاق على مَال مثلهَا فِي النِّكَاح إِذا كَانَ الْهزْل فِي قدر الْبَدَل (وَعِنْده) أَي أبي حنيفَة فِي الْبناء الْأَوْجه الثَّلَاثَة: الْمُوَاضَعَة فِي أصل التَّصَرُّف، وَفِي قدر الْبَدَل، وَفِي جنسه (يتَوَقَّف الطَّلَاق على مشيئتها) أَي اخْتِيَار الْمَرْأَة الطَّلَاق بِالْمُسَمّى على طَرِيق الْجد، وَإِسْقَاط الْهزْل كَمَا يتَوَقَّف وُقُوعه فِي خِيَار الشَّرْط فِي الْخلْع من جَانبهَا على اخْتِيَارهَا، لِأَن الْهزْل بِمَنْزِلَة خِيَار الشَّرْط عِنْده لكنه فِي الْخلْع غير مُقَدّر بِالثلَاثِ، بِخِلَاف البيع: لِأَن الشَّرْط فِي الْخلْع على وفْق الْقيَاس، وتقييده بِالثلَاثِ فِي البيع لكَونه على خلاف الْقيَاس فَيقْتَصر على مورد النَّص، وَذَلِكَ لِأَن الْخلْع إِسْقَاط، وَالْبيع إِثْبَات، وَتَعْلِيق إِثْبَات المَال بالخطر فِي معنى الْقمَار، وَإِنَّمَا ذهب إِلَى التَّوَقُّف، لِأَن الأَصْل أَن يُرَاعى جَانب العقد وجانب الْمُوَاضَعَة بِحَسب الْإِمْكَان. وَفِي القَوْل بالتوقف رِعَايَة الْجَانِبَيْنِ كَمَا
أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لِإِمْكَان الْعَمَل بالمواضعة) مَعَ تَصْحِيح العقد (بِنَاء على أَن الْخلْع لَا يفْسد بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة وَهُوَ) أَي الشَّرْط الْفَاسِد هَاهُنَا (أَن يتَعَلَّق) الطَّلَاق (بِجَمِيعِ الْبَدَل) الْمَذْكُور فِي الْمُسَمّى (وَلَا يَقع) الطَّلَاق (فِي الْحَال، بل يتَوَقَّف على اخْتِيَارهَا) وَإِذا قُلْنَا بِعَدَمِ فَسَاد الْخلْع صححنا العقد وَحَيْثُ حكمنَا بالتوقف علمنَا بالمواضعة: إِذْ حاصلها جعل الطَّلَاق مُتَعَلقا بِجَمِيعِ الْبَدَل مَعَ قبُولهَا على سَبِيل الْهزْل، فَلَمَّا لم يلْزم الْمُبَادلَة فِي الْحَال روعي جَانب الْهزْل، وَحَيْثُ توقف وُقُوع الطَّلَاق على اخْتِيَارهَا جَمِيع الْبَدَل صحّح عقد الْخلْع بِالْمُسَمّى وَلَو على سَبِيل التَّعْلِيق لَا التَّنْجِيز وَقيل يَنْبَغِي أَن يتَوَقَّف على إجازتهما مَعًا لما أَجمعُوا عَلَيْهِ من الْهزْل كَشَرط الْخِيَار لَهما، وَلذَا إِذا بنى أَحدهمَا فِي البيع وَأعْرض الآخر لَا يَصح العقد وَأجِيب بِأَن ذَلِك فِي غير الْخلْع وَنَحْوه مِمَّا يحْتَمل كل من الْبَدَلَيْنِ فِيهِ شَرط الْخِيَار. وَفِي الْخلْع وَنَحْوه من الطَّلَاق وَالْعتاق وَالصُّلْح لَا يحْتَملهُ، إِذْ لَيست فِي معنى مَا شرع فِيهِ الْخِيَار.
وَلما كَانَ تَقْرِير الدَّلِيل على المذهبين فِي الطَّلَاق سَوَاء كَانَ فِي الْخلْع أَو فِي الطَّلَاق على مَال وَكَانَ الْعتْق على مَال، وَالصُّلْح عَن دم الْعمد يشاركانه فِي الحكم ألحقهما بِهِ بقوله (وكل من الْعتْق وَالصُّلْح) عَن دم الْعمد (فِيهِ) أَي فِي كل مِنْهُمَا (مثل مَا فِي الطَّلَاق) من الحكم والتفريع. (وَأما تَسْلِيم الشُّفْعَة هزلا فَقيل طلب المواثبة) وَهُوَ طلبَهَا كَمَا علم بِالْبيعِ هُوَ (كالسكوت) مُخْتَارًا (يُبْطِلهَا) أَي الشُّفْعَة: إِذْ اشْتِغَاله بِالتَّسْلِيمِ هازلا سكُوت عَن طلبَهَا فَوْرًا بعد الْعلم بِالْبيعِ (وَبعده) أَي طلب المواثبة سَوَاء كَانَ بعد طلب التَّقْرِير وَالْإِشْهَاد، وَهُوَ أَن ينْهض بعد طلب المواثبة فَيشْهد على البَائِع إِن كَانَ الْمَبِيع بِيَدِهِ، أَو على المُشْتَرِي، أَو عِنْد الْعقار على طلبَهَا أَو قبله (يبطل التَّسْلِيم فَتبقى الشُّفْعَة لِأَنَّهُ) أَي تَسْلِيمهَا (من جنس مَا يبطل بِالْخِيَارِ لِأَنَّهُ) أَي التَّسْلِيم (فِي معنى التِّجَارَة لكَونه) أَي التَّسْلِيم (اسْتِيفَاء أحد الْعِوَضَيْنِ) وَهُوَ هَهُنَا الدَّار الْمُشْتَركَة (على ملكه) أَي أحد المعاوضين، وَهُوَ هَهُنَا مشتريها: وَمن ثمَّة يملك الْأَب وَالْوَصِيّ تَسْلِيم شُفْعَة الصَّبِي عِنْد أبي حنيفَة كَمَا يملكَانِ البيع وَالشِّرَاء لَهُ، وَاسْتِيفَاء أحد الْعِوَضَيْنِ مَعَ اسْتِحْقَاق الاستخراج من ملكه يحْتَاج إِلَى إِسْقَاط الِاسْتِحْقَاق (فَيتَوَقَّف) التَّسْلِيم الَّذِي هُوَ الِاسْتِيفَاء (على الرِّضَا) مِمَّن يترقب مِنْهُ التَّسْلِيم (بالحكم) وَهُوَ الْملك الَّذِي أُرِيد إبقاؤه (والهزل يَنْفِيه) أَي الرِّضَا بالحكم (وَكَذَا يبطل بِهِ) أَي بِالْهَزْلِ (إِبْرَاء الْمَدْيُون وَالْكَفِيل، لِأَن فِيهِ) أَي فِي كل مِنْهُمَا (معنى التَّمْلِيك) أما الْمَدْيُون فَلِأَنَّهُ بِالْإِبْرَاءِ يملك مَا فِي ذمَّته من الدّين، وَأما فِي الْكَفِيل فَلِأَنَّهُ يملك رقبته بَعْدَمَا كَانَت مَشْغُولَة بمطالبته (ويرتد) الْإِبْرَاء فيهمَا (بِالرَّدِّ) كَمَا إِذا سلم الشُّفْعَة بعد طلب المواثبة، فَلم يقبل الْمُدَّعِي عَلَيْهِ تَسْلِيمه يرجع إِلَيْهِ حق الشُّفْعَة مَعْطُوف
على قَوْله فِيهِ معنى التَّمْلِيك (فيوثر فِيهِ) أَي الْإِبْرَاء كالتسليم (الْهزْل) تَفْرِيع على كَونه بِحَيْثُ يرْتَد بِالرَّدِّ مَعَ أَنه فِيهِ معنى التَّمْلِيك (وَكَذَا الإخبارات وَهُوَ الثَّانِي) من الْأَقْسَام الثَّلَاثَة لما يَقع فِيهِ من الْهزْل (سَوَاء كَانَت) إِخْبَارًا (عَمَّا يحْتَمل الْفَسْخ كَالْبيع وَالنِّكَاح) كَمَا هُوَ الْأَصَح، (أَو) كَانَت إِخْبَارًا عَمَّا (لَا) يحْتَمل الْفَسْخ (كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق) وَسَوَاء كَانَت إِخْبَارًا (شرعا ولغة كَمَا إِذا تواضعا على أَن يقرا بِأَن بَينهمَا نِكَاحا أَو بيعا فِي هَذَا بِكَذَا) فكونهما إخبارين لُغَة ظَاهر وَأما شرعا فَلِأَن الشَّرْع لَا يحكم بإنشاء عقد بَينهمَا بِهَذَا الْإِقْرَار، بل لَو كَانَ صدقا لهَذَا الْإِخْبَار فالإنشاء قد تحقق هُنَاكَ، وَإِلَّا فكذب مَحْض لَا مصداق لَهُ، وَلَا يثبت بِهِ عقد بَينهمَا (أَو) إِخْبَارًا (لُغَة فَقَط) وَالشَّرْع يَجعله إنْشَاء (مقررة) حَال من ضمير الإخبارات فِي كَانَت بِاعْتِبَار نِسْبَة مَا عطف على خَبَرهَا الثَّانِي: أَعنِي لُغَة فَقَط (شرعا) أَي فِي الشَّرْع. وَمعنى تقريرها كَونهَا إنْشَاء للإقرار (كَالْإِقْرَارِ بِأَن لزيد عَلَيْهِ كَذَا) فَإِن قَوْله لَهُ عَليّ كَذَا وَإِن كَانَ بِحَسب اللُّغَات احْتِمَالا يحْتَمل الصدْق وَالْكذب، لَكِن بِحَسب الشَّرْع إنشائية يجب فِي ذمَّته بالمبلغ الْمُسَمّى من غير الْتِفَات إِلَى أَنه هَل كَانَ عَلَيْهِ قبل هَذَا الْكَلَام (لَا يثبت) شَيْء مِنْهَا هزلا (لِأَنَّهُ) أَي الْخَبَر شرعا ولغة أَو لُغَة فَقَط (يعْتَمد صِحَة الْمخبر بِهِ) أَي تحقق الحكم الَّذِي صَار الْخَبَر عَنهُ عبارَة وإعلاما بِثُبُوتِهِ أَو نَفْيه، وتحققه إِنَّمَا يكون بالجد وَالرِّضَا بِهِ والهزل يُنَافِيهِ (أَلا ترى أَن الْإِقْرَار بِالطَّلَاق وَالْعِتْق مكْرها بَاطِل) لِانْعِدَامِ الرِّضَا (فَكَذَا هازلا) لِأَن الْهزْل دَلِيل عدم الصِّحَّة حَتَّى لَو أجَاز بعد ذَلِك لم يجز، لِأَن الْإِجَازَة إِنَّمَا تلْحق منعقدا وَلَا انْعِقَاد مَعَ الْهزْل، بِخِلَاف مَا لَو طلق إِنْسَان زَوْجَة غَيره أَو أعتق عبد غَيره فَإِنَّهُ أَمر حقق، فَإِذا أجَاز الزَّوْج وَالسَّيِّد طلقت وَعتق (وَكَذَا) الْهزْل (فِي الاعتقادات وَهُوَ الثَّالِث) من الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة (وَأما ثُبُوت الرِّدَّة بِالْهَزْلِ) أَي يتَكَلَّم الْمُسلم بالْكفْر هزلا (فبه) أَي بِسَبَب الْهزْل نَفسه (للاستخفاف) لِأَن الهازل رَاض بأجراء كلمة الْكفْر على لِسَانه، وَهُوَ استخفاف وَكفر بِالنَّصِّ. قَالَ تَعَالَى - {وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزئون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ} -، وبالإجماع (لَا بِمَا هزل بِهِ) وَهُوَ اعْتِقَاد معنى كلمة الْكفْر الَّتِي تكلم بهَا هازلا (إِذْ لم يتبدل اعْتِقَاده، وَيلْزم الْإِسْلَام) أَي يحكم بِإِسْلَام الْكَافِر فِي أَحْكَام الدُّنْيَا (بِالْهَزْلِ بِهِ) أَي إِذا تكلم بِكَلِمَة الْإِسْلَام وتبرأ من دينه هازلا (تَرْجِيحا) لجَانب الْإِيمَان: إِذْ الأَصْل فِي الْإِنْسَان التَّصْدِيق والاعتقاد (كالإكراه عَلَيْهِ) أَي الْإِسْلَام، فَإِن الْمُكْره إِذا أسلم يحكم بِإِسْلَامِهِ (عندنَا) لوُجُود رُكْنه مِنْهُ، بل الهازل أولى بذلك لرضاه بالتكلم بِخِلَاف الْمُكْره: ووافقنا الشَّافِعِي على ذَلِك فِي الْحَرْبِيّ لَا الذِّمِّيّ كَمَا ستعرف فِي الْإِكْرَاه، كَذَا ذكره الشَّارِح. وَفِيه أَن الْهزْل
إِذا علم يقطع بِعَدَمِ الرِّضَا فِي زمَان التَّكَلُّم بِالْإِيمَان، بِخِلَاف الْمُكْره فَإِنَّهُ رُبمَا يتبدل اعْتِقَاده فِي أَن التَّكَلُّم بِهِ وَأَيْضًا لَيْسَ عِنْد الهازل سوى اللَّفْظ الدَّال على الْإِسْلَام لَوْلَا الْقَرِينَة الصارفة عَن إِرَادَة مَدْلُوله، فيكف ترجح على حَقِيقَة الْكفْر فَلْيتَأَمَّل (وَمِنْهَا) أَي المكتسبة من نَفسه (السَّفه) فِي اللُّغَة الخفة، وَعند الْفُقَهَاء (خفَّة تبْعَث الْإِنْسَان على الْعَمَل فِي مَاله بِخِلَاف مُقْتَضى الْعقل) وَلم يقل وَالشَّرْع كَمَا قَالَ بَعضهم، لِأَن مُقْتَضى الْعقل أَن لَا يُخَالف الشَّرْع لوُجُوب اتِّبَاعه عقلا (مَعَ عدم اختلاله) أَي الْعقل، فَخرج الْجُنُون والعته، (وَلَا يُنَافِي) السَّفه أَهْلِيَّة الْخطاب وَلَا الْوُجُوب لوُجُود مناطهما، وَهُوَ الْعقل وَالْقَوِي لظاهرة والباطنة فَهُوَ مُخَاطب بِجَمِيعِ الْأَوَامِر والنواهي فَلَا يُنَافِي (شَيْئا من الْأَحْكَام) الشَّرْعِيَّة من حُقُوق الله تَعَالَى وَحُقُوق الْعباد (وَأَجْمعُوا على منع مَاله) أَي السَّفِيه مِنْهُ (أول بُلُوغه) سَفِيها لقَوْله تَعَالَى {وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم} الَّتِي جعل الله لكم قيَاما: نهى الْأَوْلِيَاء عَن أَن يؤتوا الَّذين لَا رشد لَهُم أَمْوَالهم فيضيعوها، وأضاف الْأَمْوَال إِلَى الْأَوْلِيَاء على أَنَّهَا من جنس مَا يُقِيمُونَ بِهِ مَعَايشهمْ كَقَوْلِه تَعَالَى - {وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم} -: أَو لأَنهم المتصرفون فِيهَا القوامون عَلَيْهَا (وعلقه) أَي إيتَاء الْأَمْوَال إيَّاهُم (بإيناس الرشد) حَيْثُ قَالَ - {فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا} -: أَي إِن عرفتهم ورأيتم فيهم صلاحا فِي الْفِعْل، وحفظا لِلْمَالِ - {فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم} - (فَاعْتبر أَبُو حنيفَة مظنته) أَي الرشد (بُلُوغ سنّ الجدية) أَي كَونه جدا لغيره. ثمَّ بَينه بقوله (خمْسا وَعشْرين سنة) إِذْ أدنى مُدَّة الْبلُوغ اثْنَتَا عشرَة سنة. ثمَّ يُولد لَهُ ولد فِي سِتَّة أشهر فَإِنَّهَا أقل مُدَّة الْحمل، ثمَّ يبلغ اثْنَتَيْ عشر سنة ويولد لَهُ ولد فِي سِتَّة أشهر، وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه الْمدَّة مَظَنَّة بُلُوغ الرشد (لِأَنَّهُ لَا بُد من حُصُول رشد مَا نظرا إِلَيْهِ دَلِيله) أَي حُصُول الرشد لَهُ. ثمَّ بَين الدَّلِيل بقوله (من مُضِيّ زمَان التجربة) إِذْ التجارب لقاح الْعُقُول (وَهُوَ) أَي حُصُول رشد مَا (الشَّرْط لتنكيره) أَي لفظ رشدا فِي الْإِثْبَات، فَيتَحَقَّق بِأَدْنَى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم كَمَا فِي الشُّرُوط الْمُنكرَة، وَإِذا تعين المظنة مدارا للْحكم وَجب تَسْلِيم المَال عِنْد بُلُوغ هَذَا السن أونس مِنْهُ الرشد أَولا (ووقفاه) أَي صَاحِبَاه إيتَاء المَال (على حَقِيقَته) أَي الرشد (وَفهم تخلقه) أَي السَّفِيه بأخلاق الرشد (وَاخْتلفُوا فِي حجره) أَي السَّفِيه (بِأَن يمْنَع نَفاذ تَصَرُّفَاته القولية المحتملة للهزل) أَي الَّتِي يُبْطِلهَا الْهزْل وَهِي مَا يحْتَمل الْفَسْخ كَالْبيع وَالْإِجَارَة، أما الفعلية والقولية الَّتِي لَا يُبْطِلهَا الْهزْل، وَهِي مَا لَا يحْتَمل الْفَسْخ كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق فالسفه لَا يمْنَع نفاذها بالِاتِّفَاقِ (فأثبتاه) أَي أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد حجر السَّفِيه عَنْهَا (نظرا لَهُ) لما فِيهِ من صِيَانة مَاله (لوُجُوبه) أَي النّظر (للْمُسلمِ) لإسلامه، وَإِن كَانَ فَاسِقًا ونظرا للْمُسلمين أَيْضا لِأَنَّهُ بإتلافه يصير دينا، وَيجب نَفَقَته من بَيت المَال فَيصير على نَفسه وعَلى الْمُسلمين وبالا
وعَلى بَيت مَا لَهُم عيالا (ونفاه) أَي أَبُو حنيفَة حجر السَّفه (لِأَنَّهُ) أَي السَّفه (لما كَانَ مُكَابَرَة) لِلْعَقْلِ لعمله بِخِلَاف مُقْتَضَاهُ لغَلَبَة الْهوى مَعَ الْعلم بقبحه (وتركا للْوَاجِب) وَهُوَ الاجتناب عَن الْإِسْفَار والتبذير عَن علم (لم يسْتَوْجب) وَلم يستاهل السَّفِيه (النّظر. ثمَّ إِنَّمَا يحسن) الْحجر عَلَيْهِ (إِذا لم يسْتَلْزم) الْحجر عَلَيْهِ (ضَرَرا فَوْقه) أَي الضَّرَر لكنه يسْتَلْزم ذَلِك لما فِيهِ (من إهدار أَهْلِيَّته وإلحاقه بالجمادات) وبهذه الْأَهْلِيَّة يتَمَيَّز عَن سَائِر الْحَيَوَانَات وَملك الْيَد نعْمَة زَائِدَة على ملك الرَّقَبَة (ولدلالة الْإِجْمَاع على اعْتِبَار إِقْرَاره بِأَسْبَاب الْحَد) قَوْله على صلَة الْإِجْمَاع وَحذف الْمَدْلُول عَلَيْهِ، وَهُوَ اعْتِبَار أَقْوَاله الْمَذْكُورَة اكْتِفَاء بِمَا يفهم من قَوْله (فَلَو لزم شرعا الْحجر عَلَيْهِ) أَي السَّفِيه (فِي أَقْوَاله المتلفة لِلْمَالِ للَزِمَ) الْحجر عَلَيْهِ (بطرِيق أولي فِي) أَقْوَاله (المتلفة لنَفسِهِ) وَهِي إقراراته بِسَبَب الْحُدُود: إِذْ النَّفس أولى بِالنّظرِ من المَال الَّذِي خلق وقاية لَهَا (وَمَعَ هَذَا) الْبَيَان الْبَالِغ (الأحب) يَعْنِي إِلَيْهِ رَحْمَة الله (قَوْلهمَا) وَبِه قَالَت الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة (لِأَن النَّص) أَي التَّنْصِيص (على منع المَال مِنْهُ) أَي السَّفِيه فِي قَوْله تَعَالَى - {وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء} - الْآيَة (كَيْلا يتلفه) أَي لأجل أَن لَا يتْلف مَاله (قطعا) أَي بِلَا شُبْهَة فَهُوَ تَأْكِيد لكَون الْمَقْصُود من النَّص عدم الْإِتْلَاف (وَإِذا لم يحْجر) عَلَيْهِ (أتْلفه بقوله فَلَا يُفِيد) منع المَال مِنْهُ وَأَيْضًا يحْجر (دفعا للضَّرَر الْعَام، لِأَنَّهُ قد يلبس) على الْمُسلمين أَنه غنى بالتزيي بزِي الْأَغْنِيَاء (فيقرضه الْمُسلمُونَ أَمْوَالهم فيتلفها وَغير ذَلِك) من الضَّرَر الْعَام بهم كَمَا مر (وَهُوَ) أَي دفع الضَّرَر الْعَام (وَاجِب بِإِثْبَات) الضَّرَر (الْخَاص فَصَارَ كالحجر على المكارى الْمُفلس) وَهُوَ الَّذِي يتَقَبَّل الْكِرَاء ويؤجر الدَّوَابّ، وَلَيْسَ لَهُ ظهر يحمل عَلَيْهِ، وَلَا مَال يَشْتَرِي بِهِ الدَّوَابّ (والطبيب الْجَاهِل والمفتي الماجن) وَهُوَ الَّذِي يعلم النَّاس الْحِيَل. قَالَ الشَّارِح كَذَا فِي طَريقَة عَلَاء الدّين الْعَالم، وَلَفظ خُوَاهَر زَاده، والمفتي الْجَاهِل لعدم الضَّرَر من الأول فِي الْأَمْوَال، وَمن الثَّانِي فِي الْأَبدَان، وَمن الثَّالِث فِي الْأَدْيَان، وَفِي الْبَدَائِع لَيْسَ المُرَاد من الْحجر على هَؤُلَاءِ حَقِيقَة الْحجر الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الشَّرْعِيّ الَّذِي يمْنَع نُفُوذ التَّصَرُّف: أَلا ترى أَن الْمُفْتِي إِذا أفتى بعد الْحجر وَأصَاب فِي الْفَتْوَى جَازَ، وَلَو أجَاب قبله وَأَخْطَأ لَا يجور: وَكَذَا الطَّبِيب لَو بَاعَ الْأَدْوِيَة بعد الْحجر نفذ بَيْعه: بل المُرَاد الْمَنْع الْحسي، فَهُوَ من بَاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر (وَإِذا كَانَ الْحجر) على السَّفِيه (للنَّظَر لَهُ لزم أَن يلْحق) السَّفِيه (فِي كل صُورَة) من أَنْوَاع التَّصَرُّفَات الصادرة عَنهُ (بالأنظر) أَي مِمَّن يكن إِلْحَاقه بِهِ أنظر فِي حَقه، فَإِذا كَانَ بَينه وَبَين شبهين لَهُ مُنَاسبَة مصححة لإلحاقه لكل مِنْهُمَا يتَعَيَّن إِلْحَاقه بِمن إِلْحَاقه بِهِ أنظر وَأدْخل فِي مصْلحَته (فَفِي الِاسْتِيلَاد يَجْعَل كَالْمَرِيضِ فَيثبت نسب ولد أمته
إِذا ادَّعَاهُ) حَتَّى لَو كَانَ الْوَلَد حرا وَكَانَت الْأمة أم وَلَده، وَإِذا مَاتَت كَانَت حرَّة (وَلَا يسْعَى) فَإِن توفير النّظر بإلحاقه بالمريض فِي حكم الِاسْتِيلَاد لِحَاجَتِهِ إِلَى بَقَاء نَسْله وصيانة مائَة فَيلْحق فِي هَذَا الحكم بالمريض الْمَدْيُون إِذا ادّعى نسب ولد جَارِيَته فَإِنَّهُ يكون كَالصَّحِيحِ حَتَّى تعْتق من جَمِيع مَاله وَلَا تسْعَى وَلَا وَلَدهَا، لِأَن حَاجَتهَا مُقَدّمَة على حَاجَة غُرَمَائه (وَفِي شِرَاء ابْنه) وَهُوَ مَعْرُوف (كالمكره) أَي بِمَنْزِلَة الْمُكْره فِي شِرَائِهِ فَيثبت شِرَاؤُهُ (فَيثبت لَهُ) أَي للسفيه الْملك (بِالْقَبْضِ) وَيعتق عَلَيْهِ حِين قَبضه (وَلَا يلْزم) السَّفِيه (الثّمن أَو الْقيمَة فِي مَاله جعلا لَهُ) أَي للسفيه فِي هَذَا الحكم (كَالصَّبِيِّ) لِأَن الأنظر لَهُ أَن يلْحق بِهِ لما فِيهِ من دفع الضَّرَر عَنهُ (وَإِذ لم يلْزمه) أَي السَّفِيه الثّمن أَو الْقيمَة وَأَن ملكه بِالْقَبْضِ، لِأَن الْتِزَامه أَحدهمَا بِالْقَبْضِ غير صَحِيح لما ذكر: بل يسْعَى الابْن فِي قِيمَته (لم يسلم لَهُ) أَي للسفيه (شَيْء من السّعَايَة، بل تكون) السّعَايَة (كلهَا للْبَائِع لِأَن الْغنم بالغرم كَعَكْسِهِ) أَي كَمَا أَن الْغرم بالغنم. وَلما كَانَت الغرامة على البَائِع كَانَت الْقيمَة لَهُ (وَالْحجر للنَّظَر عِنْدهمَا أَنْوَاع) يكون (للسفه بِنَفسِهِ) أَي بِسَبَب نفس السَّفه سَوَاء كَانَ أَصْلِيًّا بِأَن يبلغ سَفِيها، أَو عارضا بِأَن حدث بعد الْبلُوغ (بِلَا) توقف على (قَضَاء) عَلَيْهِ بِالْحجرِ (كالصبا وَالْجُنُون عِنْد مُحَمَّد، وَبِه) أَي وبالقضاء (عِنْد أبي يُوسُف لتردده) أَي السَّفِيه (بَين النّظر بإبقاء ملكه) أَي السَّفِيه (و) بَين (الضَّرَر بإهدار عِبَارَته) وَقد ذهب إِلَى تَرْجِيح كل من الْجِهَتَيْنِ مُجْتَهد فَلَا يرجح أَحدهمَا إِلَّا بِالْقضَاءِ (وللدين) أَي وَقد يكون الْحجر على الْعَاقِل الْبَالِغ بِسَبَب كَونه مديونا، وَإِن كَانَ رشيدا (خوف التلجئة) أَي الْمُوَاضَعَة لدفع الْغُرَمَاء، فَيجْعَل مَاله لغيره صُورَة ليحكم لَهُ بالإفلاس فَيسلم لَهُ، والتلجئة قد تكون (بيعا) والمواضعة فِيهِ إِمَّا فِي أصل العقد، أَو فِي قدر الْبَدَل، أَو فِي جنسه. (و) قد يكون (إِقْرَار فبالقضاء) أَي يتَوَقَّف هَذَا الْحجر على الْقَضَاء بِهِ (اتِّفَاقًا بَينهَا) أَي أبي يُوسُف وَمُحَمّد (لِأَنَّهُ) أَي الْحجر عَلَيْهِ (نظر للْغُرَمَاء، فتوقف على طَلَبهمْ (بِخِلَاف الْحجر على السَّفِيه فَإِنَّهُ للنَّظَر، فَلَا يتَوَقَّف على طلب أحد: بل يَكْفِي طلبه بِلِسَان حَاله (فَلَا يتَصَرَّف) الْمَدْيُون الْمَحْجُور (فِي مَاله إِلَّا مَعَهم) أَي الْغُرَمَاء باتفاقهم (فِيمَا فِي يَده وَقت الْحجر) من المَال احْتِرَاز عَمَّا يحدث فِي يَده بعد الْحجر، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (أما فِي كَسبه) وَحده (بعده) أَي الْحجر من المَال (فعموم) أَي فَحكم هَذَا المكتسب عُمُوم نَفاذ تصرفه فِيهِ، فَلَا يتَقَيَّد بِرِضا الْغُرَمَاء لعدم تعلق حق الْغُرَمَاء بِهِ (و) قد يكون (لِامْتِنَاع الْمَدْيُون عَن صرف مَاله إِلَى دينه) الْمُسْتَغْرق لَهُ، (فيبيعه القَاضِي وَلَو) كَانَ مَاله (عقارا كَبَيْعِهِ) أَي القَاضِي (عبد الذِّمِّيّ إِذا أَبى) الذِّمِّيّ (بَيْعه بعد إِسْلَامه) أَي العَبْد الْمَذْكُور، فَإِن الأَصْل أَن من امْتنع من إبْقَاء حق مُسْتَحقّ عَلَيْهِ
وَهُوَ مِمَّا يجْرِي فِيهِ النِّيَابَة نَاب القَاضِي مَنَابه فِيهِ خلافًا لأبي حنيفَة، وَالْفَتْوَى على قَوْلهمَا (وَمِنْهَا) أَي من المكتبة من نَفسه (السّفر) وَهُوَ لُغَة قطع المسافات، وَشرعا خُرُوج عَن مَحل الْإِقَامَة بِقصد مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام بسير وسط، وَهُوَ (لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الْأَحْكَام) وجوبا وَأَدَاء من الْعِبَادَات وَغَيرهَا (بل جعل سَببا للتَّخْفِيف) لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْمَشَقَّة (فشرعت رباعيته) أَي مكتوباته الَّتِي هِيَ أَربع رَكْعَات فِي الْحَضَر (رَكْعَتَيْنِ ابْتِدَاء) لِأَنَّهَا كَانَت أَرْبعا ابْتِدَاء فأسقط مِنْهَا رَكْعَتَانِ كَمَا تقدم وَجهه فِي الرُّخْصَة (وَلما كَانَ) السّفر (اختياريا دون الْمَرَض) وَهُوَ أَيْضا من أَسبَاب التَّخْفِيف (فَارقه) أَي السّفر الْمَرَض فِي بعض الْأَحْكَام (فالمرخص إِذا كَانَ) مَوْجُودا (أول الْيَوْم) من أَيَّام رَمَضَان (فَترك) من وجد فِي حَقه المرخص (الصَّوْم) ذَلِك الْيَوْم (فَلهُ) التّرْك وَلَا يَأْثَم بِهِ (أَو صَامَ) صَحَّ صَوْمه، فَإِن أَرَادَ الْفطر بعد الشُّرُوع فِيهِ (فَإِن كَانَ) المرخص (الْمَرَض حل الْفطر أَو) كَانَ (السّفر فَلَا) يحل لَهُ الْفطر، لِأَن الضَّرَر فِي الْمَرَض مِمَّا لَا مدفع لَهُ، فَرُبمَا يتَوَهَّم قبل الشُّرُوع أَنه لَا يلْحقهُ الْمَرَض وَبعده يعلم لُحُوقه من حَيْثُ لَا مدفع لَهُ، بِخِلَاف الْمُسَافِر فَإِنَّهُ يتَمَكَّن من دفع الضَّرَر الدَّاعِي إِلَى الْإِفْطَار بِأَن لَا يُسَافر، كَذَا قَالَ الشَّارِح وَالصَّوَاب أَن يُقَال بِأَن يتْرك فِي مَكَان ترك، لِأَن الْمَفْرُوض أَن المرخص قد كَانَ مَوْجُودا فِي أول الْيَوْم، فقد تحقق السّفر قبل إِرَادَة الْفطر: وَمَعَ ذَلِك يسْتَشْكل إِن كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ النُّزُول لمَانع من خوف وَغَيره (إِلَّا أَنه لَا كَفَّارَة) على الْمُسَافِر (لَو أفطر) لتمكن الشُّبْهَة فِي وُجُوبهَا باقتران السّفر بِالْفطرِ (وَإِن وجد) المرخص (فِي أَثْنَائِهِ) أَي الْيَوْم (وَقد شرع) فِي صَوْمه (فَإِن طَرَأَ الْعذر ثمَّ الْفطر فَفِي الْمَرَض حل الْفطر لَا) فِي (السّفر) إِذْ تبين بعروض الْمَرَض أَن الصَّوْم لم يكن وَاجِبا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْم، بِخِلَاف عرُوض السّفر فَإِنَّهُ أَمر اخْتِيَاري وَالْمَرَض ضَرُورِيّ. وَقد يُقَال كَذَلِك يتَبَيَّن بعروض السّفر أَن الصَّوْم لم يكن وَاجِبا فِي علم الله لعلمه أَنه يُسَافر فِي هَذَا الْيَوْم، وَلَا تَأْثِير لكَون الْعَارِض المرخص مَرضا فَتَأمل (وَفِي قلبه) وَهُوَ أَن يفْطر ثمَّ يطْرَأ الْعذر (لَا يحل) الْإِفْطَار لعدم الْعذر عِنْده (لَكِن لَا كَفَّارَة إِذا كَانَ الطَّارِئ الْمَرَض لِأَنَّهُ) أَي الْمَرَض (سماوي تبين بِهِ عدم الْوُجُوب) وَالْكَلَام فِيهِ قد سبق (وَتجب) الْكَفَّارَة (فِي السّفر، لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ وتقررت) الْكَفَّارَة (قبله) أَي السّفر بإفطار يَوْم وَاجِب من غير اقتران شُبْهَة حَتَّى لَو كَانَ السّفر خَارِجا عَن اخْتِيَاره بِأَن أكرهه السُّلْطَان على السّفر فِيهِ سَقَطت عَنهُ أَيْضا فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة كَذَا فِي الْخَانِية (وَيخْتَص ثُبُوت رخصه) أَي السّفر من قصر الرّبَاعِيّة وَفطر رَمَضَان وَغَيرهمَا (بِالشُّرُوعِ فِيهِ) أَي فِي السّفر (قبل تحَققه لِأَنَّهُ) أَي تحَققه (بامتداده) أَي السّفر (ثَلَاثَة
أَيَّام بلياليها، وَإِن كَانَ الْقيَاس أَن لَا يثبت قبلهَا إِلَّا بعد مضيها: لِأَن حكم الْعلَّة لَا يثبت قبلهَا. يرد عَلَيْهِ أَن حَقِيقَة السّفر على مَا ذكر فِي تَعْرِيفه إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوج عَن مَحل الْإِقَامَة بِقصد السّير الْمَذْكُور، وَهُوَ يتَحَقَّق قبل الامتداد الْمَذْكُور. وَقد يُجَاب عَنهُ بِأَن الْفُقَهَاء قصدُوا بِهِ تَعْرِيف مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام السّفر، لَا بَيَان حَقِيقَته، وَحَقِيقَته إِنَّمَا هِيَ الْقطع للمسافة الْمَذْكُورَة مَعَ الْقَصْد الْمَذْكُور وَيُؤَيِّدهُ مَا ذكر من أَنه فِي اللُّغَة قطع الْمسَافَة (غير أَنه) أَي الْمُسَافِر (لَو أَقَامَ) أَي نوى الْإِقَامَة (قبلهَا) أَي قبل ثَلَاثَة أَيَّام (صَحَّ) مقَامه (ولزمت أَحْكَام الْإِقَامَة وَلَو) كَانَ (فِي الْمَفَازَة لِأَنَّهُ) أَي الْمقَام قبلهَا (دفع لَهُ) أَي للسَّفر قبل تحَققه فتعود الْإِقَامَة قبلهَا (وَبعدهَا) أَي بعد ثَلَاثَة أَيَّام (لَا) يَصح مقَامه (إِلَّا فِيمَا يَصح فِيهِ) الْمقَام من مصر أَو قَرْيَة (لِأَنَّهُ) أَي الْمقَام بعْدهَا (رفع بعد تحَققه) أَي السّفر، فنية الْإِقَامَة حِينَئِذٍ ابْتِدَاء إِيجَاب: فَلَا تصح فِي غير مَحَله، وَهَذَا مَا قيل: من أَن الدّفع أسهل من الرّفْع (وَلَا يمْنَع سفر الْمعْصِيَة) من قطع طَرِيق أَو غَيره: أَي لَا يمْنَع كَونه مَعْصِيّة (الرُّخْصَة) عِنْد أَصْحَابنَا. وَقَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة يمْنَع لِأَن الرُّخْصَة نعْمَة فَلَا تنَال بالمعصية، فَيجْعَل السّفر مَعْدُوما فِي حَقّهَا كالسكر فِي حق الرُّخْصَة الْمُتَعَلّقَة بِزَوَال الْعقل لِأَنَّهُ مَعْصِيّة، وَلقَوْله تَعَالَى - {فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ} - أناط رخصَة أكل الْميتَة بالاضطرار بِشَرْط كَونه غير بَاغ: أَي خَارج على الإِمَام، وَلَا عَاد: أَي ظَالِم للْمُسلمين بِقطع الطَّرِيق، فَيبقى فِي غير هَذِه الْحَالة على أصل الْحُرْمَة: فَكَذَا فِي سَائِر الرُّخص بِالْقِيَاسِ أَو بِدلَالَة النَّص، أَو بِالْإِجْمَاع على عدم الْفَصْل ولأصحابنا إِطْلَاق نُصُوص الرُّخص لقَوْله تَعَالَى - {فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر} -. وَمَا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا " فرض الله الصَّلَاة على لِسَان نَبِيكُم فِي الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ ": إِلَى غير ذَلِك، وَلَا نسلم أَن فِيهِ جعل الْمعْصِيَة سَببا للرخصة (لِأَنَّهَا) أَي الْمعْصِيَة (لَيست إِيَّاه) أَي السّفر، بل هُوَ مُنْفَصِل عَنْهَا: إِذْ كل مِنْهُمَا يُوجد بِدُونِ الآخر، وَالسّفر هُوَ السَّبَب: نعم هِيَ مجاورة لَهُ، وَذَلِكَ غير مَانع من اعْتِبَاره شرعا كَالصَّلَاةِ فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة وَالْمسح على خف مَغْصُوب (بِخِلَاف السَّبَب الْمعْصِيَة كالسكر بِشرب الْمُسكر) الْمحرم فَإِنَّهُ حدث عَن مَعْصِيّة فَلَا يناط بِهِ الرُّخْصَة، لِأَن سَبَب الرُّخْصَة لَا بُد أَن يكون مُبَاحا، وَنَفس السّفر مُبَاح وَإِن جاوره مَعْصِيّة (وَقَوله تَعَالَى {غير بَاغ وَلَا عَاد}: أَي فِي الْأكل) لِأَن الْإِثْم وَعَدَمه لَا يتَعَلَّق بِنَفس الأضطرار بل بِالْأَكْلِ، فَلَا بُد من تَقْدِير فعل عَامل: أَي فَمن اضْطر وَأكل حَال كَونه غير بَاغ وَلَا عَاد فِي الْأكل الَّتِي سيقت الْآيَة لتحريمه وحله: أَي غير متجاوز فِي الْأكل قدر الْحَاجة على أَن عَاد للتَّأْكِيد، أَو الْمَعْنى غير طَالب الْمحرم وَهُوَ يجد غَيره، وَلَا مجاوز قدر مَا يسد الرمق وَيدْفَع الْهَلَاك أَو غير متلذذ، وَلَا مُتَرَدّد، أَو غير بَاغ على مُضْطَر آخر بالاستئثار عَلَيْهِ وَلَا مجاوز
سد الجوعة (وَقِيَاس السّفر) فِي كَونه مرخصا (عَلَيْهِ) أَي على أكل الْميتَة المنوط بالاضطرار فِي اشْترط نفي عصيان الْمُسَافِر كَمَا فِي الْأكل على سَبِيل التنزل (يُعَارض إِطْلَاق نَص إناطته) أَي ثُبُوت الرُّخص (بِهِ) أَي بِالسَّفرِ من غير تَقْيِيد بذلك، فَاتَ مُوجب إِطْلَاق النَّص ثُبُوت تِلْكَ الرُّخص بِمُجَرَّد السّفر وَإِن تحقق فِي ضمن الْمعْصِيَة، وَمُوجب الْقيَاس الْمَذْكُور عدم ثُبُوتهَا فِي سفر الْمعْصِيَة فيتعارضان، وَلَا يَصح قِيَاس تعَارض مَعَ النَّص (وَيمْنَع) على صِيغَة الْمَجْهُول (تَخْصِيصه ابْتِدَاء بِهِ) أَي بِالْقِيَاسِ. وَقد مر فِي أَوَاخِر مَبْحَث التَّخْصِيص (وَلِأَنَّهُ) أَي الترخيص للْمُضْطَر (لم ينط بِالسَّفرِ) إِجْمَاعًا، بل يُبَاح للمقيم الموثم (فيأكل) الْمُضْطَر (مُقيما عَاصِيا) فَانْتفى الْوَجْه الثَّانِي: يَعْنِي لَو كَانَ رخصَة الْأكل مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْمعْصِيَة مُطلقًا كَمَا تَقول كَذَلِك رخص الْمُسَافِر لكنه لَيْسَ بمشروط، لِأَن العَاصِي الْمُضْطَر يأكلها غير أَنه لَا يظْهر مدخلية عدم إناطة رخصَة الْأكل بِالسَّفرِ حِينَئِذٍ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال الْمَقْصُود بعد تفسيرهم الْآيَة بذلك: لِأَن الِاضْطِرَار إِذا لم يكن مَخْصُوصًا بِالسَّفرِ لَا وَجه لاشْتِرَاط نفي خُصُوص المعصيتين، بل يَنْبَغِي نفي مُطلق الْمعْصِيَة وَالله أعلم (وَمِنْهَا) أَي المكتسبة من نَفسه (الْخَطَأ: أَن يقْصد بِالْفِعْلِ غير الْمحل الَّذِي يقْصد بِهِ الْجِنَايَة) مَرْفُوع بيقصد، وَضمير بِهِ رَاجع إِلَى الْمحل، لما كَانَ كل وَاحِد من الْفِعْل وَالْمحل مِمَّا لَا بُد مِنْهُ فِي الْقَصْد، وَلَا يتم بِدُونِهِ صَحَّ تَنْزِيله منزلَة الْآلَة وَإِدْخَال الْبَاء عَلَيْهِ (كالمضمضة تسري إِلَى الْحلق) الْمحل الَّذِي يقْصد بِهِ الْجِنَايَة على الصَّوْم إِنَّمَا هُوَ الْحلق، وَلم يقْصد بالمضمضة، بل قصد بهَا الْفَم وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُسْتَفَاد من الْعبارَة كَون الْخَطَأ عَن قصد غسل الْفَم بالمضمضة، وَهُوَ بِدُونِ السريان إِلَى الْحلق، وَهُوَ غير مُسْتَقِيم فَالْكَلَام مَبْنِيّ على الْمُسَامحَة اعْتِمَادًا على فهم السَّامع، وَالْمرَاد أَنه قصد غير مَحل الْجِنَايَة بِالْفِعْلِ مَعَ إِصَابَته محلهَا (وَالرَّمْي إِلَى صيد فَأصَاب آدَمِيًّا) فَإِن مَحل الْجِنَايَة هُوَ الْآدَمِيّ، وَلم يقْصد بِالرَّمْي، بل قصد غَيره وَهُوَ الصَّيْد (والمؤاخذة بِهِ) أَي بالْخَطَأ (جَائِزَة) عقلا عِنْد أهل السّنة (خلافًا للمعتزلة لِأَنَّهَا) أَي الْمُؤَاخَذَة (بِالْجِنَايَةِ) وَهِي لَا تتَحَقَّق بِدُونِ الْقَصْد (قُلْنَا هِيَ) أَي الْجِنَايَة (عدم التثبت) وَالِاحْتِيَاط، والذنُوب كالسموم تنَاولهَا يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك وَلَو بِلَا قصد (وَلذَا) أَي لجَوَاز الْمُؤَاخَذَة عقلا (سُئِلَ) سبحانه وتعالى (عدم الْمُؤَاخَذَة بِهِ) أَي بالْخَطَأ. قَالَ تَعَالَى - {رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا} -: إِذْ الْمُمْتَنع عقلا لَا يسئل عَدمه، فَإِن امْتِنَاعه يُغني عَن السُّؤَال (وَعنهُ) أَي عَن كَون الْخَطَأ جِنَايَة بِاعْتِبَار عدم التثبت (كَانَ) الْخَطَأ (من) الْعَوَارِض (المكتسبة) من نَفسه (غير أَنه تَعَالَى جعله) أَي الْخَطَأ (عذرا فِي إِسْقَاط حَقه)
تَعَالَى (إِذا اجْتهد) الْمُجْتَهد، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ " إِذا حكم الْحَاكِم فاجتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ، وَإِذا حكم فاجتهد ثمَّ أَخطَأ فَلهُ أجر وَاحِد ". (و) جعله (شُبْهَة) دارئة (فِي الْعُقُوبَات فَلَا يُؤَاخذ بِحَدّ) فِيمَا لَو زفت إِلَيْهِ غير امْرَأَته فَوَطِئَهَا على ظن أَنَّهَا امْرَأَته (وَلَا قصاص) فِيمَا لَو رمى إِلَى إِنْسَان على ظن أَنه صيد فَقتله (دون حُقُوق الْعباد فَوَجَبَ ضَمَان الْمُتْلفَات خطأ) كَمَا لَو رمى إِلَى شَاة إِنْسَان على ظن أَنَّهَا صيد، أَو أكل مَاله على ظن أَنه ملك نَفسه لِأَنَّهُ ضَمَان مَال لَا جَزَاء فعل، فيعتمد عصمَة الْمحل، وَكَونه خاطئا لَا ينافيها (وَصلح) الْخَطَأ (سَببا للتَّخْفِيف فِي الْقَتْل) أَي فِيمَا إِذا قتل خطأ (فَوَجَبت الدِّيَة) على الْعَاقِلَة فِي ثَلَاث سِنِين، فالتخفيف من حَيْثُ وجود الدِّيَة بدل الْقصاص، وَمن حَيْثُ تحميلها على الْعَاقِلَة، وَمن حَيْثُ الْمهل فِي الْمدَّة الْمَذْكُورَة (ولكونه) أَي الْخَطَأ لَا يَنْفَكّ (عَن تَقْصِير) فِي التثبت (وَجب بِهِ مَا تردد بَين الْعِبَادَة والعقوبة من الْكَفَّارَة) بَيَان للموصول: أَي فِي الْقَتْل الْخَطَأ لكَونهَا جَزَاء قاصرا صَالحا للتردد بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة، إِذْ أصل الْفِعْل كالرمي مُبَاح، وَترك التثبت مَحْظُور، فَكَانَ قاصرا فِي معنى الْجِنَايَة (وَيَقَع طَلَاقه) أَي الْمُخطئ بِأَن أَرَادَ أَن يَقُول اسقيني، فَجرى على لِسَانه أَنْت طَالِق (خلافًا للشَّافِعِيّ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَقع، إِذْ لَا اعْتِبَار للْكَلَام بِدُونِ الْقَصْد الصَّحِيح فَهُوَ كالنائم (لِأَن الْغَفْلَة عَن معنى اللَّفْظ خَفِي) وَفِي الْوُقُوف على قَصده حرج، لِأَنَّهُ أَمر بَاطِن وَله سَبَب ظَاهر، وَهُوَ الْعقل وَالْبُلُوغ (فأقيم) مقَام (تَمْيِيز الْبلُوغ) أَي التَّمْيِيز الَّذِي يكون للبالغ الْعَاقِل، فَإِنَّهُ أكمل من التَّمْيِيز الَّذِي يكون للصَّبِيّ الْعَاقِل (مقَامه) أَي مقَام الْقَصْد نفيا للْحَرج كَمَا فِي السّفر مَعَ الْمَشَقَّة (بِخِلَاف النّوم فَإِنَّهُ) أَي عدم الْقَصْد فِيهِ (ظَاهر) لِأَنَّهُ يمْنَع اسْتِعْمَال الْعقل اخْتِيَارا (فَلَا يُقَام) فِي النَّائِم تَمْيِيز (الْبلُوغ مقَامه) أَي الْقَصْد لعدم الْحَرج (فَفَارَقَ عبارَة النَّائِم عبارَة الْمُخطئ. وَذكرنَا فِي فتح الْقَدِير) شرح الْهِدَايَة (أَن الْوُقُوع) لطلاق الْمُخطئ إِنَّمَا هُوَ (فِي الحكم، وَقد يكون) وُقُوع الطَّلَاق فِي الحكم (مُقْتَضى هَذَا الْوَجْه) المفاد بقوله، لِأَن الْغَفْلَة إِلَى آخِره (أما فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَهِيَ امْرَأَته). وَفِي النَّسَفِيّ: وَلَو كَانَ بالعتاق يدين وَقَالَ أَبُو يُوسُف رحمه الله: لَا يجوز الْغَلَط فيهمَا. وَفِي فتح الْقَدِير وَالَّذِي يظْهر من الشَّرْع أَن لَا يَقع بِلَا قصد لفظ الطَّلَاق عِنْد الله تَعَالَى، بِخِلَاف الهازل لِأَنَّهُ مكابر بِاللَّفْظِ، فَيسْتَحق التَّغْلِيظ فَالْحَاصِل أَنه إِذا قصد السَّبَب عَالما بِأَنَّهُ سَبَب رتب الشَّرْع حكمه عَلَيْهِ أَرَادَهُ أَو لم يردهُ إِلَّا أَنه مَا لَا يحْتَملهُ. وَأما إِذا لم يَقْصِدهُ، أَو لم يدر مَا هُوَ فَيثبت الحكم عَلَيْهِ شرعا وَهُوَ غير رَاض فمما ينبوعنه قَوَاعِد الشَّرْع. وَقد قَالَ تَعَالَى - {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم} -: وَفسّر بأمرين: بِأَن يحلف على أَمر يَظُنّهُ كَمَا قَالَ، مَعَ أَنه قَاصد
للسبب عَالم بِحكمِهِ، فألغاه لغلطه فِي ظن الْمَحْلُوف فِيهِ. وَالْآخر أَن يجْرِي على لِسَانه بِلَا قصد للْيَمِين كلا وَالله بلَى وَالله، فَرفع حكمه الدنيوي من الْكَفَّارَة لعدم قَصده إِلَيْهِ، فَهَذَا تشريع لِعِبَادِهِ أَن لَا يرتبوا الْأَحْكَام على الْأَشْيَاء الَّتِي لم تقصد، وَكَيف وَلَا فرق بَينه وَبَين النَّائِم عِنْد الْعَلِيم الْخَبِير من حَيْثُ لَا قصد لَهُ إِلَى اللَّفْظ وَلَا حكمه، وَإِنَّمَا لَا يصدقهُ بِهِ غير الْعَلِيم الْخَبِير، وَهُوَ القَاضِي. وَفِي الْحَاوِي: من أَرَادَ أَن يَقُول زَيْنَب طَالِق فَجرى على لِسَانه عمْرَة، فِي الْقَضَاء تطلق الَّتِي سمي، وَفِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى لَا تطلق وَاحِدَة مِنْهُمَا، أما الَّتِي سمي فَلِأَنَّهُ لم يردهَا، وَأما غَيرهَا فَلِأَنَّهَا لَو طلقت طلقت بِالنِّيَّةِ (وَكَذَا قَالُوا ينْعَقد بَيْعه) أَي الْمُخطئ بِأَن أَرَادَ أَن يَقُول سُبْحَانَ الله، فَجرى على لِسَانه بِعْت هَذَا مِنْك بِأَلف، وَقبل الآخر، وَصدقه فِي أَن البيع خطأ (فَاسِدا وَلَا رِوَايَة فِيهِ) عَن أَصْحَابنَا، وَلَكِن يجب هَذَا (للاختيار فِي أَصله) أَي فِي أصل هَذَا الْكَلَام وَإِن لم يتَعَلَّق اخْتِيَاره بِمَعْنَاهُ (وَعدم الرِّضَا) بِمَعْنَاهُ فَينْعَقد لاختياره فِي الأَصْل، وَيفْسد لعدم الرِّضَا كَبيع الْمُكْره، فَيملك الْبَدَل بِالْقَبْضِ (وَالْوَجْه أَنه) أَي الْمُخطئ (فَوق الهازل) فِيمَا يَقْتَضِي عدم لُزُوم العقد (إِذْ لَا قصد) للمخطئ (فِي خُصُوص اللَّفْظ وَلَا) فِي (حكمه) والهازل مُخْتَار رَاض بِخُصُوص اللَّفْظ غير رَاض بِحكمِهِ، فَأَقل الْأَمر أَن يكون كالهازل، فَلَا يملك الْمَبِيع بِالْقَبْضِ (وَأما مَا) هُوَ مكتسب (من غَيره فالإكراه) وَهُوَ (حمل الْغَيْر على مَا لَا يرضاه) من قَول أَو فعل (وَهُوَ) أَي الْمُكْره بِكَسْر الرَّاء (ملجئ) للمكره بِفَتْحِهَا بإيعاد (بِمَا) أَي بمؤلم (يفوت النَّفس أَو الْعُضْو) وَلَو أُنْمُلَة (بِغَلَبَة ظَنّه) مُتَعَلق بملجئ: إِذْ الالجاء لَا يحصل بِدُونِ الظَّن الْغَالِب للمكره، إِذْ حَقِيقَته اضطرار الْفَاعِل إِلَى مُبَاشرَة الْمُكْره عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يغلب على ظَنّه تَفْوِيت أَحدهمَا (لَا) يكون إِكْرَاها، وَيكون مُجَرّد تهديد وتخويف من غير تَحْقِيق (فَيفْسد الِاخْتِيَار) وَلَا يعدمه بِالْكُلِّيَّةِ، إِذْ حَقِيقَته الْقَصْد إِلَى مَقْدُور مُتَرَدّد بَين الْوُجُود والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر، فَإِن اسْتَقل الْفَاعِل فِي قَصده فَصَحِيح، وَإِلَّا ففاسد (ويعدم الرِّضَا، وَغَيره) أَي وَغير ملجئ لكَون الْحمل على الْمُكْره عَلَيْهِ (بِضَرْب لَا يُفْضِي إِلَى تلف عُضْو وَحبس فَإِنَّمَا يعْدم الرِّضَا) خَاصَّة (لتمكنه) أَي الْمُكْره (من الصَّبْر) على الْمُكْره بِهِ (فَلَا يُفْسِدهُ) أَي لَا يفْسد هَذَا الْقسم من الْإِكْرَاه الِاخْتِيَار (وَأما) تهديده (بِحَبْس نَحْو ابْنه) وَأَبِيهِ، وَأمه، وَزَوجته، وكل ذِي رحم محرم كأخته وأخيه، فَإِن الْقَرَابَة المتأبدة بِالْحُرْمَةِ بِمَنْزِلَة الولاد (فَقِيَاس واستحسان فِي أَنه إِكْرَاه) الْقيَاس أَنه لَيْسَ بإكراه لِئَلَّا يلْحقهُ ضَرَر بذلك، وَالِاسْتِحْسَان أَنه إِكْرَاه، لِأَنَّهُ يلْحقهُ بحسبهم من الْحزن والهم مَا يلْحق بِحَبْس نَفسه أَو أَكثر، (وَهُوَ) أَي الْإِكْرَاه (مُطلقًا) ملجئا كَانَ أَو غير ملجئ (لَا يُنَافِي أَهْلِيَّة الْوُجُوب) على الْمُكْره (للذمة)
أَي لقِيَام الذِّمَّة (وَالْعقل) وَالْبُلُوغ (وَلِأَن مَا أكره عَلَيْهِ قد يفترض) فعله (كالإكراه بِالْقَتْلِ على الشّرْب) للمسكر وَلَو خمرًا (فيأثم بِتَرْكِهِ) أَي بترك شربه عَالما بِسُقُوط حرمته كَمَا سَيَأْتِي لإباحته فِي حَقه بقوله تَعَالَى - {إِلَّا مَا اضطررتم إِلَيْهِ} - وَتَنَاول الْمُبَاح عِنْد الْإِكْرَاه فرض (و) قد (يحرم كعلي) أَي كَالْقَتْلِ وَالْإِكْرَاه على (قتل مُسلم ظلما فيؤجر على التّرْك) أَي على ترك قَتله (كعلي إِجْرَاء كلمة الْكفْر) أَي كَمَا يُؤجر على ترك إجرائها على لِسَانه عِنْد الْإِكْرَاه عَلَيْهِ (بِخِلَاف الْمُبَاح كالإفطارل) لصائم (الْمُسَافِر) فِي رَمَضَان، فَإِنَّهُ لَا يُؤجر على التّرْك بل يَأْثَم لصيرورته فرضا بِالْإِكْرَاهِ كَمَا سبق، فَمَا أكره عَلَيْهِ فرض، ومباح، ورخصة، وَحرَام: ويؤجر على التّرْك فِي الْحُرْمَة والرخصة، وَيَأْثَم فِي الْفَرْض والمباح. وَالْمرَاد بِالْإِبَاحَةِ جَوَاز الْفِعْل، وَلَو تَركه وصبر حَتَّى قتل لم يَأْثَم وَلم يُؤجر، وبالرخصة جَوَاز الْفِعْل، وَلَو تَركه وصبر حَتَّى قتل يُؤجر لعمله بالعزيمة، فَلم يرد أَنه ان أُرِيد بالاباحة جَوَاز الْفِعْل وَعدم الاثم بِالْقَتْلِ على تَقْدِير التّرْك وَالصَّبْر فَهُوَ معنى الرُّخْصَة، وَأَن أُرِيد أَنه يَأْثَم على ذَلِك التَّقْدِير فَهُوَ معنى الْفَرْض (وَلَا يُنَافِي الِاخْتِيَار) لِأَنَّهُ حمل للْفَاعِل على أَن يخْتَار مَا لَا يرضاه (بل الْفِعْل عَنهُ) أَي الْإِكْرَاه (اخْتِيَار أخف المكروهين) عِنْد الْفَاعِل من الْمُكْره بِهِ وَالْمكْره عَلَيْهِ (ثمَّ أصل الشَّافِعِي) أَي مَا يبْنى عَلَيْهِ الْأَحْكَام فِي بَاب الْإِكْرَاه (أَنه) أَي الْإِكْرَاه الحكم مَا كَانَ مِنْهُ (بِغَيْر حق إِن كَانَ) الْإِكْرَاه فِيهِ (عذرا شرعا بِأَن يَجْعَل الشَّارِع للْفَاعِل الْإِقْدَام) على الْفِعْل (قطع) الْإِكْرَاه (الحكم) أَي حكم الْمُكْره عَلَيْهِ (عَن فعل الْفَاعِل قَول أَو عمل) عطف بَيَان لفعله لدفع توهم اخْتِصَاص الْفِعْل بِالْعَمَلِ، إِذْ القَوْل فعل اللِّسَان (لِأَن صِحَة القَوْل) يكون (بِقصد الْمَعْنى و) صِحَة (الْعَمَل بِاخْتِيَارِهِ) أَي الْعَمَل (وَهُوَ) أَي الْإِكْرَاه (يفسدهما) أَي الْقَصْد وَالِاخْتِيَار، وَالْإِكْرَاه دَلِيل على أَن الْمُكْره إِنَّمَا فعل لدفع الضَّرَر عَن نَفسه، لَا لِأَنَّهُ يَقْصِدهُ أَو يختاره (وَأَيْضًا نِسْبَة الْفِعْل إِلَيْهِ) أَي الْفَاعِل (بِلَا رِضَاهُ إِلْحَاق الضَّرَر بِهِ) وَهُوَ غير جَائِز، لِأَنَّهُ مَعْصُوم مُحْتَرم الْحُقُوق (وعصمته) أى الْفَاعِل (تَدْفَعهُ) أى الضَّرَر عَنهُ بِدُونِ رِضَاهُ لِئَلَّا يفوت حَقه بِغَيْر اخْتِيَاره. ثمَّ اذا قطع الْفِعْل عَن الْفَاعِل (إِن أمكن نسبته) أَي الْفَاعِل (إِلَى الْحَامِل) وَهُوَ الْمُكْره، وَإِنَّمَا يُمكن نسبته إِلَيْهِ إِذا أمكن أَن يباشره بِنَفسِهِ، وَذَلِكَ فِي الْأَفْعَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (كعلى إِتْلَاف المَال) أَي كَمَا إِذا حمله على إِتْلَافه فَإِنَّهُ يُمكن أَن يُبَاشر الْحَامِل بِنَفسِهِ الْإِتْلَاف (نسب) الْفِعْل (إِلَيْهِ) أَي الْحَامِل، فَيُؤْخَذ بِهِ وَيجْعَل الْفَاعِل آلَة للحامل (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يُمكن نسبته إِلَى الْحَامِل لعدم إِمْكَان مُبَاشَرَته بِنَفسِهِ (بَطل) الْفِعْل بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يُؤَاخذ بِهِ أحد (كعلى الْأَقْوَال) أَي كَمَا إِذا حمله على قَول من الْأَقْوَال من (إِقْرَار وَبيع وَغَيرهمَا) كَمَا سيتضح (وَإِن لم يكن)
الْإِكْرَاه على أَحدهمَا (عذرا بِأَن لَا يحل) للْفَاعِل الْإِقْدَام على الْفِعْل (كعلى الْقَتْل وَالزِّنَا) أَي كَمَا إِذا كَانَ الْإِكْرَاه على أَحدهمَا (لَا يقطعهُ) أَي الْإِكْرَاه الحكم (عَنهُ) أَي الْفَاعِل (فيقتص من الْمُكْره) الْمُبَاشر للْقَتْل بِالْقَتْلِ (وَيحد) الْمُكْره الَّذِي زنا. لَا يُقَال مُقْتَضَاهُ أَن لَا يقْتَصّ من الْحَامِل. لأَنا نقُول (وَإِنَّمَا يقْتَصّ من الْحَامِل أَيْضا عِنْده) أَي الشَّافِعِي (بالتسبيب) فِي قَتله بإكراهه، وَهُوَ كالمباشرة فِي إِيجَاب الْقصاص، إِذْ الْمَقْصُود من شرع الْقصاص الْإِحْيَاء وَهُوَ لَا يحصل إِلَّا بسد بَاب الْإِكْرَاه على الْقَتْل (وَمَا) كَانَ من الْإِكْرَاه (بِحَق لَا يقطع) نِسْبَة الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل أَيْضا كَمَا لَا يقطع فِيمَا ذكر قبيل هَذَا (فصح إِسْلَام الْحَرْبِيّ وَبيع الْمَدْيُون الْقَادِر) على وَفَاء دين (مَاله للإيفاء وَطَلَاق الْمولى) على صِيغَة اسْم الْفَاعِل من زَوجته (بعد الْمدَّة) أَي بعد مُضِيّ مُدَّة الْإِيلَاء حَال كَون هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين (مكرهين) على الْإِسْلَام وَالْبيع وَالطَّلَاق، لِأَن إِكْرَاه الْحَرْبِيّ على الْإِسْلَام جَائِز فعد اخْتِيَاره قَائِما فِي حَقه إعلاء لِلْإِسْلَامِ كَمَا عد قَائِما فِي حق السَّكْرَان زجرا لَهُ، ولصحة إِكْرَاه كل من الْمَدْيُون وَالْمولى على الْإِيفَاء وَالطَّلَاق بعد الْمدَّة لكَونه ظَالِما بالامتناع عَن الْقيام بِمَا هُوَ حق عَلَيْهِ، بِخِلَاف الْإِكْرَاه على الطَّلَاق قبل مضيها فَإِنَّهُ بَاطِل، فَلَا يَقع الطَّلَاق (بِخِلَاف إِسْلَام الذِّمِّيّ) بِالْإِكْرَاهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَن إكراهه غير جَائِز، لأَنا أمرنَا أَن نتركهم وَمَا يدينون، فَلَا يُمكن عد اخْتِيَاره قَائِما فَلَا يعْتد بِهِ (وَالْإِكْرَاه بِحَبْس مخلد وَضرب مبرح) أَي شَدِيد (وَقتل سَوَاء عِنْده) أَي الشَّافِعِي، لِأَن فِي الْحَبْس ضَرَرا كَالْقَتْلِ، والعصمة تَقْتَضِي دفع الضَّرَر (بِخِلَاف نَحْو إِتْلَاف المَال وإذهاب الْجمال) فَإِنَّهُ لَا يكون إِكْرَاها (وأصل الْحَنَفِيَّة) الَّذِي تتفرع عَلَيْهِ الْأَحْكَام فِي بَاب الْإِكْرَاه (أَن الْمُكْره عَلَيْهِ إِمَّا قَول لَا يَنْفَسِخ) كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق (فَينفذ كَمَا) ينفذ (فِي الْهزْل). قَالَ الشَّارِح: بل أولى لِأَنَّهُ منَاف للاختيار، وَالْإِكْرَاه مُفسد لَهُ لَا منَاف انْتهى. وَفِيه أَن منافاته إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار عدم الرِّضَا بِحكمِهِ، وإفساد هَذَا بِاعْتِبَار الاضرار. وَقد سبق أَنه لَا يسلب الِاخْتِيَار، لَكِن الرِّضَا بالتلف بِسَبَب الحكم وعلته فِي جَانب الْهزْل يعادل النُّقْصَان الَّذِي يسببه الْإِكْرَاه وَلم يبلغ دَرَجَة الْمُنَافَاة للاختيار، فَقَوله بل أولى مَحل بحث (مَعَ اقْتِصَاره) أَي النَّفاذ (على الْمُكْره) أَي الْفَاعِل، لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يَجْعَل آلَة للحامل فِيهِ، فَلَا يلْزم على الْحَامِل شَيْء (إِلَّا مَا أتلف) من الْإِكْرَاه مَالا (كَالْعِتْقِ) أَي كالإكراه عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَول لَا يَنْفَسِخ وَقد أتلف بِهِ على الْمُكْره قيمَة الْمَمْلُوك (فَيجْعَل) الْفَاعِل فِيهِ (آلَة) فِي إِتْلَاف مَالِيَّة الْعَتِيق، لِأَن الْإِتْلَاف يحْتَمل ذَلِك (فَيضمن) الْحَامِل للْفَاعِل قيمَة العَبْد مُوسِرًا كَانَ أَو مُعسرا، لِأَن هَذَا ضَمَان إِتْلَاف فَلَا يخْتَلف باليسار والإعسار، وَيثبت الْوَلَاء للْفَاعِل قيمَة العَبْد مُوسِرًا، لِأَنَّهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَهُوَ
مقتصر على الْفَاعِل، وَلَا يمْتَنع ثُبُوته لغير من عَلَيْهِ الضَّمَان كَمَا فِي الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة على الْعتْق فَإِنَّهُ يجب الضَّمَان على الشُّهُود، وَالْوَلَاء للْمَشْهُود عَلَيْهِ، لِأَن الْوَلَاء كالنسب، وَلَا سِعَايَة على العَبْد، لِأَن الْعتْق نفذ فِيهِ من جِهَة مَالِكه (بِخِلَاف مَا لم يتْلف) عَلَيْهِ مَا لَا (كعلى) أَي الْإِكْرَاه على (قبُولهَا) أَي على قبُول الزَّوْجَة (المَال فِي الْخلْع) وَهِي مدخوله (إِذْ يَقع) الطَّلَاق إِذا قبلت (وَلَا يلْزمهَا) المَال، لِأَن الْإِكْرَاه قاصرا كَانَ أَو كَامِلا يعْدم الرِّضَا بِالسَّبَبِ وَالْحكم جَمِيعًا، وَالطَّلَاق غير مفتقر إِلَى الرِّضَا، والتزام المَال مفتقر إِلَيْهِ. وَقد انْعَدم (بِخِلَافِهِ) أَي الْإِكْرَاه (فِي الزَّوْج) بِأَن يكرههُ على أَن يخلعها على مَال فَقبلت غير مُكْرَهَة فَإِنَّهُ (يَقع الْخلْع) لِأَنَّهُ من جَانِبه طَلَاق، وَالْإِكْرَاه لَا يمْنَع وُقُوعه (ويلزمها) المَال لِأَنَّهَا التزمته طَائِعَة بِإِزَاءِ مَا سلم لَهَا من الْبَيْنُونَة (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن قولا لَا يَنْفَسِخ (فسد) ذَلِك القَوْل، فَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الحكم (كَالْبيع) وَالْإِجَارَة فَإِنَّهُ ينْعَقد فَاسِدا، لِأَنَّهُ لَا يمْنَع انْعِقَاده لصدوره من أَهله فِي مَحَله، وَيمْنَع نفاذه لِانْعِدَامِ شَرط النَّفاذ وَهُوَ الرِّضَا، فَلَو أجَازه بعد زَوَال الْإِكْرَاه صَرِيحًا أَو دلَالَة صَحَّ كَمَا فِي البيع بِشَرْط أجل فَاسد أَو خِيَار فَاسد، فَإِنَّهُ إِذا سقط قبل تَقْرِيره صَحَّ (والأقارير) بِمَا لَا يحْتَمل الْفَسْخ، وَمَا لَا يحْتَملهُ من الماليات وَغَيرهَا، لِأَن صِحَّتهَا تعتمد على قيام الْمخبر بِهِ وثبوته سَابِقًا على الْإِقْرَار، وَإِذا لم يكن فِيهِ تُهْمَة ترجح صدقه فَيحكم بِهِ وَإِلَّا لم يرجح فَلم يعْتَبر، وَالْإِكْرَاه قَامَ قرينَة لعدم صدقه، ودلالته على عدم الصدْق راجحة على دلَالَة حَال الْمُؤمن على الصدْق كَمَا لَا يخفى (مَعَ اقتصارها) أَي الأقارير (عَلَيْهِ) أَي الْمقر أَيْضا لعدم صلاحيته لكَونه آلَة للمكره (أَو فعل لَا يحْتَمل كَون الْفَاعِل آلَة) للحامل عَلَيْهِ (كَالزِّنَا وَأكل رَمَضَان، وَشرب الْخمر) بملجئ، إِذْ لَا يتَصَوَّر كَون الشَّخْص واطئا بِآلَة غَيره أَو آكلا أَو شاربا بِفَم غَيره، وَمَا كَانَ كَذَلِك (اقْتصر) حكمه (عَلَيْهِ) أَي الْفِعْل (وَلَزِمَه حكمه) فَلَو أكره صَائِم صَائِما على الْأكل فسد صَوْم الْآكِل لَا غير (إِلَّا الْحَد) فَإِنَّهُ لَا يجب على الْفَاعِل أَيْضا، فَلَو أكرهه صَائِم على الزِّنَا لَا يجب بِهِ الْحَد على أَحدهمَا (وَأما من حَيْثُ هما) أى الْأكل وَالشرب (إِتْلَاف فاختلفت الرِّوَايَات فِي لُزُومه الْفَاعِل أَو الْحَامِل). ففى الْخُلَاصَة وَغَيرهَا أكره على مَال الْغَيْر، فَالضَّمَان على الْمَحْمُول لَا الْحَامِل وان صلح آله لَهُ من حَيْثُ الْإِتْلَاف كَمَا فِي الْإِكْرَاه على الْإِعْتَاق، لِأَن مَنْفَعَة الْأكل حصلت للمحمول، فَكَانَ كالإكراه على الزِّنَا يجب الْعقر عَلَيْهِ بانتفاعه بِالْوَطْءِ، بِخِلَاف الْإِكْرَاه على الْإِعْتَاق حَيْثُ وَجب الضَّمَان على الْحَامِل لِأَن الْمَالِيَّة تلفت بِلَا مَنْفَعَة للمحمول. وَفِي الْمُحِيط أكره على أكل طَعَام غَيره يجب الضَّمَان على الْحَامِل وَإِن كَانَ الْمَحْمُول جائعا وحصلت لَهُ منفعَته، لِأَن الْمَحْمُول أكل طَعَام الْحَامِل بِإِذْنِهِ: لِأَن الْإِكْرَاه على الْأكل
إِكْرَاه على الْقَبْض: إِذْ لَا يُمكنهُ الْأكل بِدُونِهِ غَالِبا فَصَارَ غَاصبا، ثمَّ مَالِكًا للطعام بِالضَّمَانِ ثمَّ آذنا لَهُ بِالْأَكْلِ. وَفِيه أَنه بِمُجَرَّد الْقَبْض لَا يصير الْمَغْصُوب ملكا للْغَاصِب، بل لَا بُد من تغير يَزُول بِهِ اسْمه، وَأعظم مَنَافِعه، أَو مَا أشبه ذَلِك على مَا عرف فِي مَحَله (إِلَّا مَال) الْمَحْمُول: أَي إِلَّا إِذا أكره (الْفَاعِل) على أكل مَال نَفسه وَأكله حَال كَونه (جائعا فَلَا رُجُوع) لَهُ على الْحَامِل لِأَن الْمَنْفَعَة حصلت لَهُ (أَو شبعان فعلى الْحَامِل قِيمَته) أَي الطَّعَام الَّذِي أكله كرها (لعدم انتفاعه) أَي الْفَاعِل (بِهِ) أَي الطَّعَام، ذكره فِي الْمُحِيط أَيْضا، بل تضرر بِهِ لكَونه على الشِّبَع (والعقر على الْفَاعِل بِلَا رُجُوع) على الْحَامِل (أما لَو أتلفهَا) أَي الْمَوْطُوءَة بِالْوَطْءِ (يَنْبَغِي الضَّمَان على الْحَامِل وَكَذَا) اقْتصر حكم الْمُكْره عَلَيْهِ على الْفَاعِل (إِن احْتمل) كَون الْفَاعِل آلَة للحامل فِيهِ (و) لَكِن (لزم آليته) أَي الْفَاعِل للحامل، وآليته مفعول لزم، وفاعله (تبدل مَحل الْجِنَايَة) وَهُوَ الْمحل الَّذِي يَقع فِيهِ الْفِعْل الْجِنَايَة، وتبدله أَن يعْتَبر وُقُوعهَا فِي مَحل آخر (المستلزم) صفة التبدل (لمُخَالفَة الْمُكْره) على صِيغَة الْفَاعِل، لِأَنَّهُ قصد بإكراهه وُقُوع الْجِنَايَة فِي الْمحل الأول (المستلزمة) صفة الْمُخَالفَة (بطلَان الْإِكْرَاه) مفعول المستلزمة، وَذَلِكَ لِأَن الْإِكْرَاه إِنَّمَا يتَحَقَّق إِذا كَانَ الْمُكْره عَلَيْهِ مُرَاد الْمُكْره بِخِلَاف مُرَاد الْمُكْره يضْطَر إِلَى إِيقَاعه، وَمَعَ تبدل الْمحل لَا يُوجد هَذَا الْمَعْنى كَمَا سَيظْهر فِي الْمِثَال (كإكراه الْمحرم) محرما آخر (على قتل الصَّيْد لِأَنَّهُ) أَي الْإِكْرَاه الْمَذْكُور إِكْرَاه (على الْجِنَايَة على إِحْرَام نَفسه) أَي الْفَاعِل (فَلَو جعل) الْفَاعِل (آلَة) للحامل (صَار) قتل الصَّيْد جِنَايَة (على إِحْرَام الْحَامِل) فَلَا يكون إِثْبَاتًا بِمَا أكرهه عَلَيْهِ، فَيبْطل الْإِكْرَاه وَلقَائِل أَن يَقُول حَقِيقَة الْإِكْرَاه إلجاء الْمَحْمُول على الْفِعْل وإفساد اخْتِيَاره وَقد تحقق، فَلَو جعل الْمَحْمُول آلَة وَنسب الْفِعْل إِلَى الْحَامِل لَا يلْزم مِنْهُ بطلَان الْإِكْرَاه، غَايَة الْأَمر أَن الْحَامِل قد وَقع الْجِنَايَة على إِحْرَام الْمَحْمُول، وَالشَّرْع مَا صحّح قَصده فقلبه عَلَيْهِ فَتدبر وَقيل الِاقْتِصَار على الْفَاعِل يَنْبَغِي أَن يكون فِي حق الْإِثْم فَقَط، إِذْ الْجَزَاء فِي هَذِه الصُّورَة على كل من الْفَاعِل وَالْحَامِل وَأجِيب بِأَن الْفِعْل هَهُنَا قتل الصَّيْد بِالْيَدِ، فَجَزَاؤُهُ الْمُتَرَتب عَلَيْهِ مقتصر على الْفَاعِل، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بقوله (وَلُزُوم الْجَزَاء عَلَيْهِ) أَي الْحَامِل (مَعَه) أَي الْفَاعِل (لِأَنَّهُ) أَي إِكْرَاه الْحَامِل على قتل الصَّيْد (يفوق الدّلَالَة) أَي دلَالَته من يقتل على الصَّيْد، وفيهَا يجب الْجَزَاء، فَفِيهِ أولى، فَكل مِنْهُمَا جَان على إِحْرَام نَفسه: أَحدهمَا بِالْقَتْلِ، وَالْآخر بِمَا هُوَ فَوق الدّلَالَة (و) كالإكراه للْغَيْر (على البيع وَالتَّسْلِيم) لملكه الْمَبِيع (اقْتصر التَّسْلِيم على الْفَاعِل وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يقْتَصر عَلَيْهِ وَجعل آلَة للحامل (تبدل مَحل التَّسْلِيم عَن البيعية إِلَى المغصوبية) فَعلم أَن مَحل تبدل الْجِنَايَة تَارَة يكون بِاعْتِبَار
ذَاته، وَتارَة بِاعْتِبَار وَصفه، وَذَلِكَ لِأَن التَّسْلِيم من جِهَة الْحَامِل يكون تَصرفا فِي ملك الْغَيْر على سَبِيل الِاسْتِيلَاء فَيصير البيع وَالتَّسْلِيم غصبا (بِخِلَاف نسبته) أَي التَّسْلِيم (إِلَى البَائِع فَإِنَّهُ متمم للْعقد فَيملكهُ) أَي المُشْتَرِي الْمَبِيع (ملكا فَاسِدا) لانعقاد بَيْعه وَعدم نفاذه لفساد فِي الِاخْتِيَار بِسَبَب الْإِكْرَاه (وَإِن) احْتمل كَون الْفَاعِل آلَة للحامل فِي الْفِعْل الْمُكْره عَلَيْهِ (لم تلْزم) آليته تبدل مَحل الْجِنَايَة (كعلى إِتْلَاف المَال وَالنَّفس، فَفِي) الْإِكْرَاه (الملجئ). وَقد عَرفته (نسب) الْفِعْل (إِلَى الْحَامِل ابْتِدَاء) لَا نقلا من الْفَاعِل إِلَيْهِ كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض الْمَشَايِخ (فَلَزِمَهُ) أَي الْحَامِل (ضَمَان المَال) فِي إكراهه الْغَيْر على إِتْلَاف المَال، وَالْقصاص فِي إكراهه على الْقَتْل كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد. وَقَالَ زفر: الْقصاص على الْفَاعِل، لِأَنَّهُ قَتله لَا حَيَاء نَفسه عمدا. وَقَالَ أَبُو يُوسُف: لَا قصاص على أحد، بل الْوَاجِب الدِّيَة على الْحَامِل فِي مَاله ثَلَاث سِنِين، لِأَن الْقصاص إِنَّمَا هُوَ بِمُبَاشَرَة جَنَابَة تَامَّة، وَقد عدمت فِي حق كل من الْفَاعِل وَالْحَامِل، وَلَهُمَا أَن الْإِنْسَان مجبول على حب الْحَيَاة، فَقدم على مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى إبْقَاء الْحَيَاة بقضية الطَّبْع بِمَنْزِلَة آلَة لَا اخْتِيَار لَهَا كالسيف فِي يَد الْقَاتِل، فيضاف الْفِعْل إِلَى الْحَامِل (و) يلْزمه (الْكَفَّارَة وَالدية فِي إكراهه على رمي صيد فَأصَاب إنْسَانا على عَاقِلَة الْحَامِل) وَإِنَّمَا كَانَ الْفَاعِل آلَة للحامل فِي هَذِه الْحَالة (لِأَنَّهُ عَارض اخْتِيَاره) أَي الْفَاعِل (اخْتِيَار صَحِيح) وَهُوَ اخْتِيَار الْحَامِل وَالْفَاسِد فِي مُقَابلَة الصَّحِيح كَالْمَعْدُومِ (وَكَذَا حرمَان الْإِرْث) ينْسب إِلَى الْحَامِل، لِأَن الْفَاعِل يصلح آلَة للحامل بِاعْتِبَار تَفْوِيت الْمحل (أما الْإِثْم) فالفاعل لَا يصلح آلَة للحامل فِي حَقه إِذْ لَا يُمكن لأحد أَن يجني على دين غَيره، ويكتسب الْإِثْم لغيره لِأَنَّهُ قصد الْقلب، وَلَا يتَصَوَّر الْقَصْد بقلب الْغَيْر كَمَا لَا يتَصَوَّر التَّكَلُّم بِلِسَان الْغَيْر وَأَيْضًا على تَقْدِير كَونه آلَة يلْزم تبدل مَحل الْجِنَايَة، كَذَا قَالَ الشَّارِح وَلَا يخفى أَن عدم إِمْكَان اكْتِسَاب الْإِثْم لغيره إِذا لم يكن ذَلِك الْغَيْر مكْرها لَهُ مُسلم. وَأما إِذا كَانَ مكْرها فَغير مُسلم، وَقصد قلبه للإكراه كَاف، وَلَا عِبْرَة لقصد الْفَاعِل لفساد اخْتِيَاره، فَكَأَن قصد الْقَتْل إِنَّمَا وَقع من الْحَامِل لَا الْفَاعِل، وَلَيْسَ هَهُنَا تبدل مَحل الْجِنَايَة على الْوَجْه الْمَذْكُور آنِفا (فعلَيْهِمَا) أَي الْحَامِل وَالْفَاعِل الْإِثْم (لحمله) الْفَاعِل على الْقَتْل (وإيثار الآخر) وَهُوَ الْفَاعِل (حَيَاته) على من هُوَ مثله، وَهَذَا (فِي الْعمد وَفِي الْخَطَأ لعدم تثبتهما) أَي الْحَامِل وَالْفَاعِل (و) فِيمَا (فِي غَيره) أَي غير الْإِكْرَاه الملجئ (اقْتصر) حكم الْفِعْل (على الْفَاعِل) لعدم مَا يفْسد الِاخْتِيَار، وَهُوَ الْمُوجب لجعل الْفَاعِل آلَة للحامل وَنسبَة الْفِعْل إِلَيْهِ دون الْفَاعِل (فَيضمن) الْفَاعِل مَا أتْلفه من مَال غَيره (ويقتص) مِنْهُ بقتل غَيره عمدا عُدْوانًا (وكل الْأَقْوَال) الصَّادِر ذكرهَا (لَا تحْتَمل آلية قَائِلهَا) للحامل عَلَيْهَا (لعدم قدرَة الْحَامِل على تطليق
زَوْجَة غَيره وإعتاق عَبده) أَي غَيره، وعَلى هَذَا الْقيَاس فِي جَمِيع التصورات الْعَقْلِيَّة ومبناه امْتنَاع التَّكَلُّم بِلِسَان الْغَيْر، وَمَا يُقَال من أَن كَلَام الرَّسُول كَلَام الْمُرْسل بمجاز إِذْ الْعبْرَة بالتبليغ، وَهُوَ قد يكون مشافهة وَقد يكون بِوَاسِطَة وَيحمل كَلَام الْوَكِيل فِي الطَّلَاق وَالْعتاق على كَلَام الْمُوكل تَقْديرا، وَلَا يَجْعَل الْوَكِيل آلَة للْمُوكل (بِخِلَاف الْأَفْعَال) فَإِن مِنْهَا مَا يحْتَمل وَمِنْهَا مَا لَا يحْتَمل و (هَذَا تَقْسِيم الْمُكْره عَلَيْهِ بِاعْتِبَار نسبته) أَي الْمُكْره عَلَيْهِ (إِلَى الْحَامِل والمحمول، وَأما) تقسيمه (بِاعْتِبَار حل إقدام الْمُكْره) أَي الْفَاعِل (وَعَدَمه) أَي عدم حل إقدامه (فالحرمات) أَي فَهُوَ أَن يُقَال الْمُحرمَات (أما بِحَيْثُ لَا تسْقط وَلَا يرخص فِيهَا كَالْقَتْلِ وجرح الْغَيْر) لِأَن خوف تلف النَّفس أَو الْعُضْو لَا يكون سَببا لرخصة قتل الْغَيْر أَو قطع عضوه وَإِن كَانَ عَبده لاستحقاقهما الصيانة واستوائهما فِي الِاسْتِحْقَاق فَلَا تسْقط إِحْدَى الحرمتين لِلْأُخْرَى، أَلا ترى أَن الْمُضْطَر لَا يحل لَهُ أَن يقطع طرف الْغَيْر ويأكله، بِخِلَاف مَا إِذا أكره على قطع طرف نَفسه بِالْقَتْلِ، فَإِن قيل لَهُ لأَقْتُلَنك أَو تقطع أَنْت يدك حل لَهُ قطع يَده لِأَن حُرْمَة نَفسه فَوق حُرْمَة يَده عِنْد التَّعَارُض لِأَن أَطْرَافه وقاية نَفسه كأمواله فَجَاز لَهُ اخْتِيَار أدنى الضَّرَر لدفع الْأَعْلَى، وَأما حُرْمَة نَفسه فَلَيْسَتْ فَوق حُرْمَة يَد غَيره لما أجمع عَلَيْهِ من عدم حل أكل طرف الْغَيْر للْمُضْطَر (وزنا الرجل لِأَنَّهُ) أَي زِنَاهُ (قتل معنى) لوَلَده، إِمَّا لانْقِطَاع نسبه عَنهُ إِذْ من لَا نسب لَهُ كالميت، وَأما لِأَنَّهُ لَا يجب نَفَقَته عَلَيْهِ وَلَا على الْمَرْأَة لعجزها فتهلك، كَذَا قَالُوا، وَفِيه أَن قَوْله تَعَالَى - {وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها} - يَدْفَعهُ، وَأَيْضًا لَو سلم فَفِي غير الْمُزَوجَة، أما فِيهَا فَلَا، لنسبته إِلَى صَاحب الْفراش وَوُجُوب نَفَقَته عَلَيْهِ، وَدفع هَذَا بِأَن حِكْمَة الحكم تراعى فِي الْجِنْس لَا فِي كل فَرد، وَفِي الشَّرْح مناقشات أُخْرَى طويناها، وَأورد أَن حُصُول الْوَلَد غير مَعْلُوم، وعَلى تَقْدِيره فالهلاك موهوم لقدرة الْأُم على كسب يُنَاسِبهَا وهلاك الْمُكْره مُتَيَقن فَلَا يُعَارضهُ ونوقش فِي تيقنه لاحْتِمَال أَن يمْتَنع الْمُكْره من قبله، وَفِيه مَا فِيهِ، وَلِهَذَا أجمل المُصَنّف (فَلَا يحلهَا) أَي الْمُحرمَات الْمَذْكُورَة (الْإِكْرَاه الملجئ أَو) بِحَيْثُ (تسْقط كَحُرْمَةِ الْميتَة وَالْخمر وَالْخِنْزِير فيبيحها) أَي الْإِكْرَاه الملجئ هَذِه الْأَشْيَاء (للاستثناء) أَي لِأَنَّهُ تَعَالَى اسْتثْنى من تَحْرِيم الْميتَة وَنَحْوهَا حَالَة الِاضْطِرَار فَلَا تثبت الْحُرْمَة فِيهَا حِينَئِذٍ فَتبقى على الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة ضَرُورَة (والملجئ) أَي حَالَة الْمُكْره عِنْد الْإِكْرَاه الملجئ (نوع من الِاضْطِرَار أَو تثبت) الْإِبَاحَة فِي الْإِكْرَاه الملجئ (بدلالته) أَي بِدلَالَة النَّص الْمَذْكُور فِي الِاضْطِرَار كَمَا تثبت حُرْمَة الضَّرْب بِالنَّصِّ الدَّال على حُرْمَة التأفيف بطرِيق أولى على مَا سبق (إِن اخْتصَّ) الِاضْطِرَار (بالمخمصة فيأثم) الْمُكْره (لَو أوقع) الْقَتْل أَو قطع الْعُضْو (بِهِ لامتناعه) من تنَاول ذَلِك (إِن) كَانَ (عَالما بسقوطها) أَي الْحُرْمَة كَمَا لَو امْتنع
عَن أكل لحم الشاه وَشرب المَاء فِي هَذِه الْحَالة وَإِن لم يعلم فيرجى أَن لَا يكون آثِما لخفاء دَلِيل زَوَال الْحُرْمَة عِنْد الضَّرُورَة فيعذر بِالْجَهْلِ كَمَا فِي الْخطاب قبل الشُّهْرَة كَالصَّلَاةِ فِي حق من أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يعلم بِوُجُوبِهَا ذكره فِي الْمَبْسُوط (وَلَا يبيحها) أَي الْمُحرمَات الَّتِي بِحَيْثُ تسْقط (غير الملجئ بل يُورث) غير الملجئ (شُبْهَة فَلَا حد بالشرب مَعَه) أَي مَعَ غير الملجئ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يحد إِذْ لَا تَأْثِير فَلَا إِكْرَاه بِالْحَبْسِ وَنَحْوه فِي الْأَفْعَال فوجوده كَعَدَمِهِ، وَجه الِاسْتِحْسَان أَنه يُورث شُبْهَة كالملك فِي الْجُزْء من الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة يصير شُبْهَة فِي إِسْقَاط الْحَد عَن الشَّرِيك بِوَطْئِهَا (أَو) بِحَيْثُ (لَا تسْقط) حرمته (لَكِن رخصت) أَي رخص تنَاول متعلقها عِنْد الضَّرُورَة مَعَ بَقَاء الْحُرْمَة وَحِينَئِذٍ (فإمَّا مُتَعَلقَة بِحقِّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يحْتَمل السُّقُوط) بِحَال (كَحُرْمَةِ التَّكَلُّم بِكفْر) إِذْ الْكفْر حرَام صُورَة وَمعنى حُرْمَة مُؤَبّدَة، وَأما إِجْرَاء كلمة الْكفْر فَهُوَ كفر صُورَة لِأَن الْأَحْكَام مُتَعَلقَة بِالظَّاهِرِ، إِلَّا أَن الشَّارِع رخص فِيهِ بِشَرْط اطمئنان الْقلب بالايمان بقوله - {إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} - فَعلم أَنه لَيْسَ بِكفْر معنى (أَو) مُتَعَلقَة بِحقِّهِ (الَّذِي يحْتَملهُ) أَي السُّقُوط (وكترك الصَّلَاة وَأَخَوَاتهَا) من الزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج فَإِنَّهَا مُحْتَملَة للسقوط فِي الْجُمْلَة بالأعذار (فيرخص) تَركهَا (بالملجئ) لِأَن حَقه فِي نَفسه يفوت بِالْكُلِّيَّةِ وَحقّ الشَّرْع يفوت إِلَى خلف (فَلَو صَبر) وَلم يفعل مَا أكره عَلَيْهِ حَتَّى قتل (فَهُوَ شَهِيد) بذل نَفسه فِي طَاعَة رب الْعَالمين لِأَن حَقه تَعَالَى لَا يسْقط بِالْإِكْرَاهِ (وَمِنْه) أَي هَذَا الْقسم (زنَاهَا) أَي إِذا أكرهت على الزِّنَا فتمكينها من الزِّنَا حرَام (لَا يسْقط حرمته الَّتِي هِيَ حَقه تَعَالَى الْمُحْتَمل للرخصة) مَعَ بَقَاء الْحُرْمَة فِي الْإِكْرَاه الملجئ (لعدم الْقطع) لنسب وَلَدهَا من الزِّنَا عَنْهَا بِحَال فَلم يكن فِيهِ معنى الْقَتْل الَّذِي هُوَ الْمَانِع من الرُّخص فِي جَانب الرجل. وَأورد أَنَّهَا إِن كَانَت غير مُزَوّجَة لم يتَمَكَّن من التربية وَإِن كَانَت متزوجة يَنْفِيه فيفضي إِلَى الْهَلَاك أَيْضا وَأجِيب بِأَن الْهَلَاك يُضَاف إِلَى الَّذِي ألْقى بذره فِي غير ملكه، لَا إِلَى محلهَا لِأَنَّهَا مَحل لَا فَاعل (بِخِلَاف) الْإِكْرَاه (غير الملجئ فِيهِ) أَي فِي زنَاهَا فَإِنَّهَا غير مرخص لَهَا فِي ذَلِك (لَكِن لَا تحد الْمَرْأَة) بالتمكين فِيهِ (وَيحد هُوَ) أَي الرجل (مَعَه) أَي الْإِكْرَاه غير الملجئ لِأَن الملجئ لَيْسَ سَبَب رخصَة فِي حَقه كَمَا فِي حَقّهَا حَتَّى يكون غير الملجئ شُبْهَة رخصَة، و (لَا) يحد الرجل (مَعَ الملجئ) اسْتِحْسَانًا كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَقَالا بِهِ وَالْقِيَاس أَنه يحد مَعَ الملجئ أَيْضا. قَالَه أَبُو حنيفَة أَولا وَزفر لِأَن الْوَطْء لَا يتَصَوَّر من الرجل إِلَّا بانتشار آلَته وَهُوَ دَلِيل الطواعية لِأَنَّهُ لَا يحصل مَعَ الْخَوْف، بِخِلَاف الْمَرْأَة فَإِن بتمكينها يتَحَقَّق يتَحَقَّق مَعَ خوفها، وَالصَّحِيح الأول (لِأَنَّهُ) أَي زِنَاهُ (مَعَ) الملجئ لَهُ لدفع (قطع الْعُضْو) إِن كَانَ التخويف بِهِ أَو الْقَتْل، وَاكْتفى بِذكر الْأَدْنَى عَن الْأَعْلَى لاستلزام إِسْقَاطه بِالطَّرِيقِ الأولى (لَا
للشهوة) ليزجر بِالْحَدِّ لِأَنَّهُ كَانَ مزجرا حَتَّى أكره فَكَانَ شُبْهَة فِي إِسْقَاطه وانتشار الْآلَة قد يكون طبعا بالفحولية المركبة فِي الرِّجَال، أَلا ترى أَن النَّائِم قد تَنْتَشِر آلَته مَعَ أَنه لَا قصد لَهُ وَلَا اخْتِيَار (وَإِمَّا) مُتَعَلقَة (بِحُقُوق الْعباد كَحُرْمَةِ إِتْلَاف مَال الْمُسلم) فَهِيَ (لَا تسْقط) بِحَال (لِأَنَّهَا) أَي حُرْمَة مَاله (حَقه) أَي العَبْد وَحقه لَا يسْقط، وَإِلَّا يلْزم عدم تأبيد عصمَة تثبت من حَيْثُ الْإِسْلَام، ثمَّ أَن الْإِتْلَاف ظلم وَحُرْمَة الظُّلم مُؤَبّدَة غير أَنَّهَا حَقه (الْمُحْتَمل للرخصة بالملجئ) حَتَّى لَو أكره على إِتْلَافه ملجئا رخص لَهُ فِيهِ (لِأَن حُرْمَة النَّفس فَوق حُرْمَة المَال) لِأَنَّهُ مهان مبتذل، لِأَنَّهُ رُبمَا يَجعله صَاحبه صِيَانة لنَفس الْغَيْر أَو طرفه (وَلَا تَزُول الْعِصْمَة) لِلْمَالِ فِي حق صَاحبه بِالْإِكْرَاهِ (لِأَنَّهَا) أَي عصمته (لحَاجَة مَالِكه وَلَا تَزُول) الْحَاجة (بإكراه الآخر) فإتلافه وَإِن رخص فِيهِ بَاقٍ على الْحُرْمَة (وَلَو صَبر على الْقَتْل كَانَ شَهِيدا) لبذل نَفسه لدفع الظُّلم كَمَا إِذْ امْتنع عَن ترك الْفَرَائِض حَتَّى قتل إِلَّا أَنه لما لم يكن فِي معنى الْعِبَادَات من كل وَجه قيدوا الحكم بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالُوا إِن كَانَ شَهِيدا (إِن شَاءَ الله وَبَقِي من المكتسب الْجَهْل نذكرهُ فِي الِاجْتِهَاد إِن شَاءَ الله رب الْعَالمين).
تمّ الْجُزْء الثَّانِي ويليه الْجُزْء الثَّالِث: وأوله الْبَاب الثَّانِي من الْمقَالة الثَّانِيَة فِي أَحْوَال الْمَوْضُوع