الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان سديد الدولة علي بن أحمد الضيف ناظرا بالشام، فتلطف ببدر غلام عزيز الدولة حتى تسلم البلد منه والقلعة، وولاها أصحاب الظاهر. وسبب ذلك أن كتابا وصل إليه من الظاهر بخطه يطيب نفسه، وأظهر هذا الكتاب في حلب في أيام الملك رضوان أخذه من بعض أهلها؛ وكان في ورق إبريسم أسم عريض، فيه ثلاثون سطرا بخط وسط. وكان صدر الكتاب: عرض بحضرتنا يا بدر سلمك الله ما كتبت على يد كاتبك ابن مدبر، وعرفنا ما قصدته، ولم نسىء ظناً بك لقول فيك ولا شناعة ذكر. وقد بعثنا بأحد ثقاتنا إليك وهو علي بن أحمد الضيف ليجدد الأخذ عليك. فلما دخل ابن الضيف على بدر بالكتاب استرسل إليه وطرح القيد في رجليه، فقبض عليه وأنزله من القلعة. وأقام بحلب سنة. وسلمها موصوف الخادم إلى أصحاب الظاهر وثقاته.
وفي سنة ثمان عشرة وأربعمائة في ذي الحجة والناس يطوفون بالكعبة قصد رجل ديلمي من الباطنية الحجر الأسود فضربه بدبوس فكسره، وقتل في الحال، وقتل معه جماعة ذكر أنهم كانوا معه وعلى اعتقاده الخبيث.
سنة أربع عشرة وأربعمائة
ولما تسلم بدر مدينة حلب من عزيز الدولة فاتك بقي بها سنتين، ثم ملكها موصوف
الخادم. واستدعى منتخب الدولة أنوشتكين الدزبري من قيسارية؛ فلما كان في الرملة خرج إليه توقيع بولاية فلسطين، فدخلها في المحرم سنة أربع عشرة؛ فخافه حسان بن مفرج بن دغفل بن الجراح؛ وجرت له معه وقائع وحروب انتصر فيها الدزبري على حسان وعظم أمره. فسعى إلى به الوزير فقبض عليه بعسقلان.
وكان قد ولى الوزارة الأمير شمس الملك المكين الأمين أبو الفتح مسعود بن طاهر الوزان بعد قتل بدر الدولة أبي الفتوح موسى بن الحسن في المحرم سنة أربع عشرة، ورد إليه النظر في الرجال والأموال. فجرى له معه نجيب الدولة على رسمه فيما يتولاه من ديوان تنيس ودمياط، والجيش الحاكمي، ودواوين السيدة ست الملك، ولا يكون لشمس الملك في ذلك نظر.
وبعث الظاهر رسولا إلى بلاد إفريقية، فقدم مدينة المنصورية لأربع بقين من جمادى الأولى، ومعه تشريف جليل لشريف الدولة أبي تميم المعز بن باديس، وثلاثة أفراس بسروج ثقيلة، وخلعة ومنجوقان قد نسجا بالذهب على قصب من الفضة، وعشرون بندا مذهبة، وسجل لقب فيه بشرف الدولة وعضدها. فتلقاه شرف الدولة، وقرئ السجل بجامع القيروان.
وأهل جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وأربعمائة بيوم الثلاثاء، ففيه خلع على أبي الفرج بن مالك بن سعيد ثوب وعمامة مذهبان، ورداء محشى مذهب، وحمل على بغلة بسرج ولجام محلى؛ وقلد قضاء تنيس وسار إليها. وخلع على أحد أولاد ابن جراح ثوب مثقف مذهب وعمامة طائرة، وحمل على فرسين بسرجين ولجامين مذهبين. وفي غده ركب الظاهر إلى نواحي القصور وعاد.
وفي ثالثه وصلت نحو المائة رأس من جهة ابن البازيار وشهرت.
وهلك محمد بن عبد الله بن المدبر بأخذ الخطير عمار في القصر. وفي رابعه وكل بدكاكين الرواسين في جميع الأسواق، وأخذ ما فيها من الرؤوس؛ وكان قد طلب خمسمائة رأس وألف رطل رقاقا.
وفي سادسه جلس الظاهر للسلام، ودخل الناس على رسومهم، وانصرفوا. وفي ثامنه جمع الناس كافةً إلى صحن الإيوان بالقصر، وخرج رفق الخادم ومعه منشور وسجل، فسلم المنشور إلى أبي طالب علي بن عبد السميع العباسي الخطيب، فرقى المنبر وقرأه على الكافة. فتضمن أن جماعة من أوغاد الأرياف يرتكبون الجرائم ويحتمون بأهل الدولة من الولاة. فنهوا عن حمايتهم. فلما فرغ من قراءته استدعى أبو عبد الله محمد بن علي بن ابراهيم النرسي، نقيب الطالبيين إلى الخزانة الخاصة، فخلع عليه ثوب دبيقي مذهب مصفف بأطواق، ومن تحته ثوب مصمت مذهب وغلالة مذهبة، وعلى رأسه عمامة شرب مذهبة. وخرج وفي يده سجل يتضمن استمراره في النقابة على عادته، وكان قد أرجف بصرفه عنها.
وفي تاسعه ركب الظاهر في عساكره إلى عين شمس، وعاد. وفي يوم الجمعة حادي عشره كان نوروز القبط؛ وانتهت زيادة النيل فيه إلى أربعة عشر ذراعا وأصبع واحد.
وفيه خطب بجامع راشدة على منبره خطبتان في وقت واحد. وذلك أن أبا طالب علي ابن عبد السميع خطب بهذا الجامع بعد سفر العفيف البخاري إلى الشام بأمر قاضي القضاة، فسعى ابن عصفورة ببعض الخدام حتى خرج له الأمر بأن يخطب، فخطبا معاً أحدهما دون الآخر. ثم استقر أبو طالب في الخطاب وأن يخلفه ابن عصفورة.
وفي ثالث عشره ركب الظاهر لفتح الخليج وسد البلد إلى الصناعة، فطرح بين يديه عشارى. ثم سار على شارع الحمر إلى سد الخليج، ففتح بين يديه ولعبت العشاريات فيه؛ وكان يوما حسنا. وكان عليه وقت نزوله إلى مصر قميص طميم مذهب، وعلى رأسه شاشية مرصعة؛ وعاد وعليه ثياب بيض دبيقية مذهبة وعمامة شرب مسكى مذهبة.
وفي ثاني عشريه وصلت هدية من المحدث بأسوان، وهي عشرون فرسا، وثمانون بختيا وعدة عبيد وإماء سودان، وفهد، وغنم نوبية، وطيور، ونسانس، وأنياب فيلة.
وفي ثلاثة أيام، آخرها سلخه، انصرف ماء النيل انصرافاً فاحشا ولم ترو منه الضياع، وكثر ضجيج الناس واستغاثتهم، وخرج أكثرهم بالمصاحف منشورةً إلى الجبل يدعون الله
فلم يغاثوا. وتعذر وجود الخبز، وازدحم الناس على شراء الغلال، ووقف سعر التليس على دينار إلا أنه لا يوجد إذا طلب؛ وأبيع سراً التليس القمح بدينارين، والحملة الدقيق بدينارين وربع، والخبز أربعة أرطال بدرهم، وثمن الحمل الدقيق بعشرين درهماً
وأهل شهر رجب بيوم الأربعاء. وفي ثالثه توجه أبو القاسم بن رزق البغدادي في الرسالة إلى الحجاز. وفي خامسه خلع على داوود بن يعقوب الكتامي ثوب مثقل وعمامة، وقلد الحسبة والأسواق والسواحل؛ فنزل في موكب عظيم وبين يديه اثنتا عشرة نجيبة تحيط به إلى مجلس الحسبة بمصر، فنظر في الأسعار عوضا عن ابن غرة فاستقامت الأحوال. وقلد ذو القرنين أبو المطاع بن الحسن بن حمدان الإسكندرية وأعمالها غربا وأمر ولده فاضل ولقب عظيم الدولة، واستقر عوضه والي البلد.
وفيه قرىء بالإشراق سجل برفع المناكر وترك التظاهر بشيء منها، وألا يخرج النساء من بعد العصر إلى الطرقات بالقرافة؛ وأن تنزه هذه الأشهر الشريفة عن المناكير؛ وألا يجتمع الناس كما كانوا يجتمعون بالجزيرة والجيزة وبالقرافة على شيء منها ومن المحظورات؛ وأن يمنع الغناء ظاهرا إلا بالقضيب فإنه مباح.
وفي ثامن قلد محمد بن عبد الله بن مدبر ديوان الخراج شركةً. وركب الظاهر إلى مسجد تبر؛ وعاد. وفي غده تعذر وجود الخبز، وأمر ببله في الماء في القصارى؛ قيل وبيع ثلاثة أرطال بدرهم، ثم وجد. وفتحت مخازن جماعة من أهل الدولة.