الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة أربعين وأربعمائة
فيها سار ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان، أمير دمشق، وشجاع الدولة جعفر بن كليد، والي حمص، بالعساكر وقبائل العربان إلى حلب لقتال أميرها ثمال بن صالح بن مرداس. وذلك أن ثمال بن صالح كان قد قرر على نفسه في وزارة الفلاحي أن يحمل كل سنة عشرين ألفا، فأخل الحمل سنتين؛ وأخذ شجاع الدولة يغرى الوزير على ثمال ويسهل أمر حلب. فخرج الأمر إلى ابن حمدان أن يسير هو ووالي حمص بجموع العرب؛ فنزل بمن معه على حماة وفتحها، وأخذ المعرة، وأقدم فنزل على حلب لخمس بقين من ربيع الآخر. وحارب ابن مرداس حروباً آلت إلى رحيل ابن حمدان بغير طائل، في سادس عشر جمادى الأولى. ففي عوده أصابه سيل هلك فيه أكثر ما معه من الخيل والرجال والأمتعة، وعاد إلى دمشق. فبعث ثمال إلى المستنصر يسأل عفوه، وكان المتوسط بينهما أبو نصر إبراهيم، أخو سعيد التستري، فأجيب إلى ذلك؛ وانفصل رسول من الحضرة. فورد الخبر بأن ثمال بعث والياً إلى معرة النعمان، وأنه أساء التدبير، فانحرف عنه الناس، وفر منهم إلى حلب؛ وأن جعفراً، أمير حمص، بادر إلى المعرة، فلقيه مقلد بن كامل بن مرداس وحاربه، فقتل في الوقعة
لست بقين من شعبان، وحملت رأسه وشهرت بحلب، وأسر كثير من عسكره؛ فبعث المستنصر إلى رسول ثمال ورده، وأفهمه ما ورد من المكاتبة.
ووجد الوزير أبو البركات السبيل إلى الإغراء بأبي نصر إبراهيم، فما زال يبلغ المستنصر بأنه حمله الحقد لقتل أخيه على السعي فيما يضر الدولة من التوسط بين ثمال والحضرة، وأن ابن حمدان أساء التدبير في رجوعه عن حلب. فقبض على أبي نصر، وأخذت عامة أمواله، وعوقب حتى مات.
وولي دمشق بهاء الدولة مظفر الخادم الصقلبي، وخرج إليها على جرائد الخيل، فدخلها على حين غفلة، وقبض على ناصر الدولة ابن حمدان وحمله إلى صور، ونقله إلى الرملة وصودر، وأقام مظفر الخدمة بدمشق. وقبض على راشد بن سنان بن عليان، أمير بني كلاب، واعتقله بصور.
وخرج أمير الأمراء المظفر، فخر الملك، عدة الدولة وعمادها، رفق الخادم، في ثامن عشر ذي القعدة بتجمل كثير وأبهة عظيمة، وقوة قوية، وعدة وافرة، وآلات طبله، وعساكر تبلغ عدتهم ثلاثين ألفا؛ وكان المنفق فيه عيناً مع قيمة العروض أربعمائة ألف دينار. فبرز ظاهر القاهرة يريد حلب، وخرج المستنصر لتشييعه، وكتب لجميع أمراء الشام بالانقياد له والطاعة لأمره، وأن يترجلوا له إذا لقوه. وسار فوافى الرملة وقد وصل رسول صاحب القسطنطينية بالصلح بين المستنصر وبين بني مرداس، ففشل رفق وانخرقت حرمته، وجرت بالرملة وبدمشق أمور آلت إلى حرب بين العسكر عدة أيام، فبات يوماً ظاهر دمشق.
وفيها قتل الوزير صدقة بن يوسف الفلاحي يوم الاثنين، النصف من المحرم، بخزانة البنود ودفن فيها. واتفق في وفاته عجب، وهو أنه لما ولى الوزارة سعى في اعتقال أبي علي الحسن بن علي الأنباري، واعتقله بخزانة البنود، ثم قتله، في سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ودفنه بخزانة البنود. فلما قبض عليه بعد صرفه عن الوزارة سجن في المكان الذي كان فيه ابن الأنباري من خزانة البنود، وقتل فيها، ودفن معه. وكان ابن الأنباري من جماعة الوزير الجرجرائي ورفيقاً للفلاحي وصاحبه، ولما ولي الوزارة تخوف منه، وما زال يعمل عليه حتى قتله، كما تقدم.
وفيها أقبلت حال أبي محمد اليازوري تزيد، ومنزلته ترتفع، وخلع عليه ثانيا، وأمر ألا يقوم لأحد إذا دخل عليه ولو عظم قدره؛ فكان يعتذر إلى من يغشاه من الجلة والرؤساء الأكابر، وأنه ملك اختياره لبالغ في تكرمتهم بما يستحقونه؛ خلا القائد عدة الدولة الذي كان سفيره، فإنه كان إذا أقبل وثب إليه قائما. فبلغ السيدة ذلك، فقالت له: لا تتحرك لأحد بالجملة، فكان إذا جاءه اعتذار إليه. ولقب بالمكين عمدة أمير المؤمنين؛ وترقت أحواله حتى صار يحضر بحضرة الخليفة إذا أراد أن يستدعي الوزير كما كان أبو سعيد مع الفلاحي. فعظم ذلك على الوزير، لأنه كان إذا حضر القاضي أبو محمد اليازوري تحدث طويلاً والسيدة من وراء المقطع، ثم يستدعي الوزير فيعرض ما يريد من أمر الدولة، ولا يكون المجيب له إلا القاضي أبو محمد، فإذا أجابه التفت إلى المستنصر وقال أليس هذا الصواب؟ فيقول المستنصر نعم؛ ثم يخرج الرسول من وراء المقطع ويقول هذا الصواب. فكان الوزير كأنه يعرض على اليازوري الأمور دون الخليفة، فيشق عليه ذلك، ولا يتمكن من مخالفته، ولا يستطيع الصبر على ما به.
وكان من جملة أصحاب الدواوين رجل يعرف بالشيخ الأجل عبد الملك زين الكفاة أبي المفضل صاعد بن مسعود، وإليه ديوان الشام يومئذ، وهو شيخ خود؛ وكان الوزراء
يعتمدون عليه ويرجعون إلى رأيه. فأحضره الوزير، وفاوضه في أمر اليازوري، وأخذ رأيه فيما يعمل مع؛ فأشار عليه بأن يحسن للخليفة أن يقلده القضاء، ظنا منه أنه إذا تقلد القضاء فإنه يقع في أمر كبير، ويشغله ذلك عن ملازمة السيدة، فيجد الوزير سبيلاً إلى استخدام ولده مكانه، ويتقوى له الأمر فيه، ويملك جهة الخليفة والسيدة. وكان قد تكلم في قاضي القضاة من أيام أبي سعيد، وذكر أن أمور الناس ناقصة في حكوماته، وأن له غلمانا قد استحوذوا على الحكم، وهم الذين يوقفون أمور الناس؛ فاستخدم أبو سعيد شاهداً يعرف بابن عبدون، خليفة القاهرة، وتقدم إلى قاضي القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلا بحضوره. وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا؛ وكان الخصوم يجتمعون بباب القاضي والشهود بين يديه، فلا يمضي حكما إلا في دعوى بين اثنين، وما يحتاج إليه من إقامة بينة، أو منازعة أمرأة مع بعل لها في فرض، وما يجري هذا المجرى. وأما في تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم، وما يحتاج فيه إلى مناظرات ومنازعات فلا يتكلم في شيء من ذلك إلا عند حضور ابن عبدون؛ وحجج الناس يحتاط عليها في قمطر، وتحمل بين يدي القاضي؛ فإذا حضر ابن عبدون أحضرت وفصل الحكم فيما بين أصحابها. وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم في مرات، فخاف عليه وتشفع إليه بأصدقائه، فلم يعره فرضة يوما حتى خرج من مجلس قاضي القضاة وركب، فتقدم إليه وقبل ركابه، وخضع له وتلطف في أمره، فلم يلتفت إليه؛ فعاد إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله، فانتهره. فلما أيس منه وثب عليه بخنجر وخرق به بطنه، فخر إلى الأرض ميتا. وأخذ الرجل إلى أبي سعيد، فنكل به وقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه. ثم استخدم أبو سعيد بعد ابن عبدون القضاعي وابن أبي زكرى وأقامهما خليفتي قاضي القضاة، وأمرهما بسلوك طريق ابن عبدون في الأحكام؛ فلم يقوما مقامه، وكانا يجاملان القاضي؛ فعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ابن عبدون، إلا في فصل الأحكام فإنها كانت لا تنفصل إلا بحضورهما. فثقل ذلك على القاضي لاستيلاء غلمانه عليه، واتهامه أن أمور الناس واقفة، وأنه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهي.
وكان يحضر مجلس الوزير يوم الخميس في القصر بعد قضاء خدمة المجالس، ثم في الدار يوم الاثنين مسلما عليه. فحضر دار الوزارة يوم الاثنين على رغمه، فقربه الوزير وسأل عن حاله؛ فأجاب بأنه لا حكم له ولا أمر، والأحكام مردودة إلى خليفته ولهما الحكم دونه، فإذا حضرا فتح باب الحكم، وإذا غابا أغلق بابه. فقال له: كفيت يا قاضي القضاة. وخرج من عنده وحضر بعده القضاعي وابن أبي زكرى، فقال لهما الوزير: ما لقاضي القضاة يتضرر منكما ويشكو استيلاءكما على الحكم دونه، وأنه لا تنفذ أوامره معكما؟ فقالا: وأي أمر لنا دونه، هل أوقفنا أمر أحكامه، أولنا غلمان يمسكون حجج الناس حتى يصانعوهم عليها؟ يعرضان بغلمان القاضي! إنما نحن في حضورنا كبعض الشهود والأمر إليه في إمضاء الأحكام؛ وإنا لنشاهد ما لا يتسع لنا الكلام فيه. فقال: كفيتما أيها القضاة. وانصرفا وقد انفتح له باب الحيلة في صرف القاضي وتولية أبي محمد اليازوري.
واتفق مع ذلك توعك أبي محمد وانقطاعه أياما في داره عن مجلس الخليفة، فخلا له وجه السلطان وأعاد عليه النوبة، ثم قال له: أنت يا أمير المؤمنين لسان الشرع، ومقيم مناره، ومنفذ أحكامه؛ وقاضي القضاة إنما ينطق بلسانك، وينفذ الأحكام عنك؛ فإذا اشتهر في الأقطار ما يتم على الناس في أحكامهم كان سوء السمعة في ذلك على الدولة، وإثارة الشناعة القبيحة عليها؛ وفي الخصوم من هو من المشرق والمغرب واليمن وما وراءه، والروم؛ وفي استفاضة ذلك غضاضة على الدولة. ونحن إنما نطول على الممالك والدول بإقامة سنن الشريعة وإظهار العدل الذي عفت آثاره في غيرها من الدول؛ وقد كبر قاضي القضاة واستولى عليه غلمانه وغلبوا على أمره. فقال المستنصر: نحن نحفظ فيه خدمة سلفه لنا ومهاجرتهم معنا. فقال: يا أمير المؤمنين، حفظك الله وشكرك؛ أما كان من كرامة سلفه أن يستتر حتى لا يشيع هذا عنه؟ وما زال حتى قال الخليفة: من في الدولة يجري مجراه؟ فقال: يا أمير المؤمنين: عبيدك كثير، ومع ذلك فبين يديك من يتحمل
الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك، القاضي أبو محمد. فقال: ذلك في خدمة مولاتنا الوالدة، ولا يفسح له في ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، هي خلد الله ملكها أغير على دولتك وأحسن نظراً لها من أن تحول بينها وبين ما يجملها؛ ومع ذلك، فلم ينقل مما هو فيه إلى ما هو دونه، بل إلى ما هو أوفى منه. فأجاب إلى ذلك، وقام، فشرع في كتب سجله وإعداد الخلع له. وسمع هذه النوبة القائد عدة الدولة، فأوفد إلى أبي محمد يخبره، وقال له تلطف في أمرك كما تريد. فعظم ذلك عليه، وخاف من بعده عن خدمة السيدة إذ كانت أجل الخدم، فإن كل من في الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج.
فلما كان عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم وركب إلى باب الريح، ودخل، وأنفذ يعلم السيدة مكانه؛ فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه، وما الذي دعاه للعناء في هذا الوقت. فقص عليها القصة وقال: إنما الغرض إبعادي عن خدمتك ليقع التمكن مني. فقالت: وما الذي تكره من ذلك؟ فقال: يا مولاتنا هوى الحكم واسع، وأحوال قاضي القضاة ابن النعمان فيه مشهورة، ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك، فكيف والحاجة داعية إلى إصلاحه وإحكام نظامه؛ وفي هذا شغل كبير. فقالت: لا يضيق صدرك بهذا الأمر، فبابي لك، وخدمتي موفورة عليك، ولا أستبدل بك أبداً. فقال: يا مولاتنا قد قدمت القول أن هوى الحكم كبير واسع، وانشغالي به يحول بيني وبين ملازمة بابك. فقالت: خليفتاك في الحكم، القضاعي وابن أبي زكرى، هما ينفذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه، فإذا تحررت إلى فصل الأحكام نزلت ففصلت
ذلك، وقررت لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام؛ وإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي؛ وهذا التقرير لا يغلبك فعله. فقبل الأرض، ودعا، وشكر، وانصرف.
وكانت إذا قالت قولاً وفت به وثبتت عليه، فإنها كانت وثيقة العقد، حافظة العهد، غير ناقضة له، ولا متغيرة عنه مع من تطلع من أمره على ما يقتضي التغيير عليه، فكيف بمن ترتضي طريقته، وتحمد خلائقه.
وفيها ولي القائد بهاء الدولة وصارمها، طارق الصقلبي المستنصري، دمشق، فقدمها صبيحة يوم الجمعة مستهل شهر رجب، وساعة وصوله دخل القصر وقبض على ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان.