الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة
في ثالث محرم صرف البابلي عن الوزارة؛ واستقر عبد الله بن يحيى بن المدبر. وفي صفر توفى قاضي القضاة ابن أبي ذكرى فاستقر في الحكم بعده أبو علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الحاكم بن سعيد في رابع عشره، وصرف في خامس صفر. واستقر عوضه أبو القاسم عبد الحاكم بن وهيب المليجي، ثم صرف في حادي عشر رمضان. واستقر عوضه أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعد بن مالك بن سعيد الفارقي، واستخلف ابنه عميد الملك أبا الحسن. وصرف ابن المدبر عن الوزارة واستقر بعده أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم، أخو قاضي القضاة.
وكان السبب في سرعة العزل وكثرة الولايات أنه لما قتل اليازوري كثر السعاة في الوزارة، فما هو إلا أن يستخدم الوزير فيجعل نصب الأعين، وتركب عليه المناصب، ويكثر الطعن عليه حتى يعزل ولم تطل مدته ولا اتسع وقته؛ فيلي بعده من يتفق له مثل ذلك، لمخالطة الناس الخليفة ومداخلتهم الرقاع والمكاتبات الكثيرة إليه؛ وكان لا ينكر على أحد مكاتبته. فأحب الناس مخالطة الخليفة وجعلوه سوقا لهم؛ فتقدم كل سفساف، وحظي أوغاد عدة، وكثروا، حتى كانت رقاعهم أوقع من رقاع الصدور والرؤساء والجلة؛ وتنقلوا في المكاتبة إلى كل فن، حتى إنه كان يصل إلى المستنصر في كل يوم ثمانمائة رقعة؛ فتشابهت عليه الأمور وتناقضت الأحوال. ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدة كل منهم، فإن الوزير منذ يخلع عليه ويستقر إلى أن ينصرف لا يفيق من التحرر، فمن ابتغى به يؤذيه عند الخليفة، وسعت عليه الرجال، فما يصير فيه فضل عن الدفاع عن نفسه. فخربت الأعمال وقل ارتفاعها، وتقلب الرجال
على معظمها واستنضوا راخي ارتفاعها، فاتضع الارتفاع، وعظمت النفقات. ووقع اصطراع الأضداد على السلطان، وواصلوه باقتضاء مالهم من المقررات، ولازموا بابه، ومنعوه من لذاته. وتجرءوا على الوزراء واستخفوا بهم، وجعلوهم غرضا لمساءتهم، فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدة نظر أحدهم؛ والمستنصر يوسعهم حلماً واحتمالا. فأطغى الرجال ذلك وجرأهم عليه، حتى خرجوا من طلب واجباتهم إلى التصارع، فاستنفدوا أمواله وأخلوا منها خزائنه، وأحوجوه إلى بيع ما عنده من العروض، فكان يخرجها لهم لتباع ويشتريها الناس فيعترضونها، ويأخذ من له درهم واحد ما يساوي عشرة ولا يمكن مطالبته. ثم عادوا إلى تقويم ما يخرج، فإذا حضر المقومون أخافوهم، فيقومون ما يساوي ألفاً بمائة فما دونها، ولا يتمكن الخليفة من استيفاء ذلك؛ فتلاشت الأمور واضمحل الملك. ثم لما علموا أنه لم يبق ما يخرج لهم تقاسموا الأعمال وتشاحنوا على ما زاد من الارتفاع؛ وكانوا يتنقلون فيها بحكم غلبة من يغلب صاحبه عليها. ودام ذلك بينهم سنوات نحواً من ست؛ ثم قصر النيل وغلت الأسعار غلاءً بدد شمل الناس بأسرهم، وفرق ألفتهم، وشتت كلمتهم وأوقع العداوة والبغضاء بينهم، فقتل بعضهم بعضا حتى ناء عصب الإقليم وعفت آثاره، كما ستقف عليه فيما يأتي إن شاء الله.
وفيها اصطلح معز الدولة وابن أخيه محمود بن شبل الدولة، ودخل حلب في رابع عشري ربيع الأول. فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة توفي ودفن بالقلعة بعد أن حاصر ابن أخيه، فملك بعده أخوه عطية، أبو ذؤابة.
وفيها مات بمصر مؤتمن الدولة أبو طاهر مسلم بن علي بن ثعلب، فكتب أبو محمد بن سعد، الشاعر الخفاجي، من القسطنطينية إلى أهله بحلب يرثيه من أبيات:
أتاني وعرض الرمل بيني وبينه
…
حديث لأسرار الدموع مذيع
ومات المعز بن باديس، وملك بعده ابنه تميم؛ فطمع أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية.