الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ست وستين وأربعمائة
فيها تشدد الأتراك وكبيرهم سلطان الجيش يلدكوش التركي، والأمير إلدكز والوزير يومئذ ابن أبي كدينة، فضاق خناقه وعظم روعه وساءت حاله، وكان المستنصر بالله يظن أن في قتل ابن حمدان راحةً له، فاستطال إلدكز وابن أبي كدينة عليه وناكداه. فتحير في أمره وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي، وهو يومئذ بعكا، يستدعيه للقدوم لنجدته وإعانته ويعده بتملك البلاد والاستيلاء عليها. فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه، وأنه لا يبقى أحداً من عساكر مصر ولا وزرائهم؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك. فأخذ في الاستعداد للمسير إلى مصر؛ واستخدم معه عدةً من العساكر، وركب بحر الملح من عكا، وكان الوقت في كانون وهو أشد ما يكون من البلاء، ومن العادة أن البحر لا يركب في الشتاء. فسار في مائة مركب وقد حذر من ركوبه وخوف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك؛ وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكن له في الأرض، وقضى بأن يصلح على يديه، ما قد فسد من إقليم مصر. فترحل بعساكره في المراكب، وأضحت السماء، وواتتهم ريح طيبة سارت بهم إلى دمياط ولم يمسسهم سوء؛ فكان يقال إنه لم ير في البحر قط صحوة تمادت أربعين يوماً إلا في هذا الوقت، فكان هذا ابتداء سعادته وأول عظيم جده. فنزل بدمياط، وطلب إليه التجار من تنيس وافترض عليهم مالا.
وقدم عليه سليمان اللواتي، وهو يومئذ كبير أهل البحيرة وأكثرهم مالا، وأوسعهم حالا، وقدم إليه وأضافه، وأمده بالطرقات حتى قدم قليوب فنزل بها. وبعث إلى المستنصر سراً بأني لا يمكنني القدوم إلى الحضرة ما لم يقدم على يلدكوش؛ فبادر المستنصر إلى إجابته وقبض عليه.
ودخل بدر عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى فتلقاه أهل الدولة وأنزلوه، وبالغوا في إكرامه؛ فأظهر أنه ما جاء إلا شوقاً إليهم، وخدعهم بما أبداه من المحبة لهم وكثرة التملق، وأعرض عن المستنصر ولم يذكره إلا بالسوء؛ وصار من معه يدخلون إلى القاهرة وحداناً ورجالا في الخفية حتى تكامل منهم تسعمائة. ثم أخذ مع الأمراء في الأكل والشرب واللذات، إلى أن اشتد تآنسهم به، فاستدعاه كل منهم إلى ضيافته، وقدموا إليه، وهو آخذ في أسباب ما دعى إليه.
فلما انقضت أيام ضيافتهم له استدعى أمراء الدولة ومقدميها في صنيع أعد لهم، فمضوا إليه، وقضوا نهارهم عنده، وباتوا في أطيب عيش وأنعم بال؛ وقد رتب أصحابه ليقتل كل واحد أميراً من الأمراء ويكون له جميع ما بيده. فلما سكروا وامتد عليهم رواق الليل صار يخرج كل واحد من باب ويسلمه إلى غلام من غلمانه، ويمضي إلى داره فيتسلمها بما فيها من الخدم والأموال. فلم يصبح الصباح إلا ورؤوس الجميع بين يديه، وقد استولى كل رجل من أصحابه على دار أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له.
وأخذ في القبض على الأتراك وتتبعهم حتى لم يدع منهم أحداً يشار إليه، فقويت شوكته واشتدت وطأته وعظم أمره؛ فحسر عن ساعد الجد، وشمر ساعد الاجتهاد، والتقط المفسدين فلم يبق على أحد منهم، وتطلبهم في القاهرة ومصر حتى أتى على جميعهم القتل. وفر ناصر الجيوش أبو الملوك، وكان شاه بن يلدكوش، إلى الشام.
وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقور، وصار جميع أهل الدولة في حكمه، والدعاة نواباً عنه، وكذلك القضاة إنما يتولون منه. فقلد أبا يعلى حمزة بن الحسين بن أحمد الفارقي قضاء القضاة. وزيد في ألقاب أمير الجيوش على ألقاب من تقدمه من الوزراء: كافل قضاة المسلمين.
واتفق أنه لما لبس خلع الوزارة حضر إليه المتصدرون بالجوامع، فقرأ ابن العجمي:" ولقد نصركم الله ببدر "، وسكت عن تمام الآية، فقال له أمير الجيوش بدر: والله لقد جاءت في مكانها وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن؛ وأمر له بصلة.
فيها قتل أمير الجيوش من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم عدة كثيرة، منهم الوزير أبو محمد الحسن بن ثقة الدولة علي بن أحمد المعروف بابن أبي كدينة، وكان عندما قدم بدر إلى مصر هو الوزير، وهو من ولد عبد الرحمن بن ملجم، وتردد في القضاء والوزارة سبع مرات؛ وكان قاسي القلب جبارا، فلما قبض عليه سير إلى دمياط، ودخل عليه السياف ليضرب عنقه، فكان سيفه ثليلاً، فضربه سبع ضربات بعدد ولايته القضاء والوزارة.
وقتل أيضا الوزير أبو المكارم أسعد، والوزير أبو شجاع محمد بن الأشرف أبي غالب محمد بن علي؛ والوزير عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف.