الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة أربع وخمسين وأربعمائة
في ثالث المحرم توفي أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم في وزارته. وكان أبوه قاضي طرابلس فانتقل أبو محمد إلى مصر، وكان فاضلا؛ فردت الوزارة بعده إلى أخيه أبي علي أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد. ثم صرف عن القضاء في صفر بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن؛ ثم صرف أبو علي عن الوزارة، واستخدم سديد الدولة أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ذي الكفايتين بن أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن ابن عيسى العقيلي؛ وكان أولا ناظرا على دواوين الشام، فأقام في الوزارة إلى شوال؛ وصرف عنها بأبي الفرج البابلي المقدم ذكره وفيها تولى مكين الدولة بن ملهم طبرية وعكا، وإمرة بني سليم وبني فزارة، فسار إليها وتسلمها في صفر.
الفتنة التي خربت مصر ذكر ابتداء الفتنة التي آلت إلى خراب ديار مصر وفي هذه السنة ابتدأت الفتنة التي كانت سبباً لخراب الإقليم. وذلك أن المستنصر كان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب ومعه النساء والحشم إلى جب عميرة، وهو موضع نزهة، ويغير هيئته، كأنه خارج يريد الحج على سبيل الهزر والمجانة، ومعه الخمر محمول في الروايا عوضاً عن الماء، ويدور به سقاته عليه وعلى من معه كأنه بطريق الحجاز أو كأنه ماء زمزم. وقد أنشد الشريف أبو الحسين علي بن الحسين بن حيدرة العقيلي المستنصر في ذلك صبيحة يوم عرفة:
قم فانحر الرّاح يوم النحر بالماء
…
ولا تضحّ ضحىً إلا بصهباء
وادرك حجيج النّدامى قبل نفرهم
…
إلى منىّ، فصفّهم مع كل هيفاء
وعج على مكة الروحاء مبتكرا
…
فطف بها حول ركن العود والنّاء
فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته؛ واتفق أن بعض الأتراك جرد سيفا في سكرة منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه عدة من العبيد وقتلوه. فغضب لذلك جماعة الأتراك واجتمعوا بأسرهم ودخلوا على المستنصر، وقالوا، إن كان هذا الذي قتل منا على رضاك فالسمع والطاعة، وإن كان قتله عن غير رضا أمير المؤمنين فلا صبر لنا على ذلك وأنكر المستنصر أن قتله برضاه أو أمره؛ فخرج الأتراك واشتدوا على العبيد يريدون
محاربتهم، فبرزت العبيد إليهم؛ وكانت بين الفريقين حروب بناحية كوم شريك قتل فيها عدة، وانهزم العبيد وقويت الأتراك؛ هذا والسيدة أم المستنصر تمد العبيد بالأموال والسلاح.
فاتفق في بعض الأيام أن بعض الأتراك وقف على شيء مما تبعث به أم المستنصر إلى العبيد لتعينهم به على محاربة الأتراك، فأنكر ذلك وأعلم أصحابه، فاجتمعوا وصاروا إلى المستنصر وتجرءوا عليه بالقول وأغلظوا في المخاطبة؛ فأنكر أن يكون عنده من ذلك خبر، وصار السيف قائماً. فدخل على أمه وأنكر عليها ما تعتمده من تقوية العبيد وإعانتهم على محارة الأتراك. ثم انتدب أبا الفرج ابن المغربي، الذي كان وزيرا؛ فخرج؛ ولم يزل يسعى بين الأتراك والعبيد حتى أوقع الصلح بين الفريقين. فاجتمع العبيد وساروا إلى ناحية شبرا دمنهور. فكانت هذه الكائنة أول الاختلاف بين طوائف العسكر.
وكانت السبب في كثرة السودان بالقصر أن أم المستنصر كانت جارية سوداء قدم بها أبو سعيد التستري المقدم ذكره، فأخذها منه الظاهر واستولدها المستنصر. فلما أفضت الخلافة إلى ابنها المستنصر، ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في سنة ست وثلاثين وأربعمائة استطالت أم المستنصر وقويت شوكتها، وتحكمت في الدولة، واستوزرت مولاها أبا سعيد. وتوقفت أحوال الوزير الفلاحي معه، فاستمال الأتراك وزاد في
واجباتهم حتى قتلوا أبا سعيد، فحنقت أم المستنصر من قته على الفلاحي، ولم تزل به حتى كان من أمره ما تقدم ذكره.
وأخذت في شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة لها، واستكثرت منهم وخصتهم بالنظر، وبسطت لهم في الرزق ووسعت عليهم حتى أمطرتهم بالنعم؛ وسار العبد بمصر بحكم حكم الولاة. وشرعت تغض من الأتراك وتظهر كراهتهم وانتقاصهم.
وتقدمت إلى الوزير أبي البركات الجرجرائي أن يغري العبيد بالأتراك ويوقع بينهم، فخاف سوء العاقبة في ذلك ولم يوافقها عليه؛ فلم تزل به حتى صرف من الوزارة. واستقر وزيرها أبو محمد اليازوري في الوزارة، فأوعزت إليه بذلك، فساس الأمور سياسة جميلة إلى أن انقضت أيامه. ووزر البابلي، فأمرته بذلك، فشرع فيه. وتغيرت النيات، وصارت قلوب كل من الطائفتين تضمر السوء للأخرى، حتى كان من الحرب ما قد ذكر، ولم يزل ذلك حتى خرب الإقليم كله وهلك أهله كما سيأتي.
وفيها توفي الشريف أبو الحسن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد ولي قضاء دمشق مرتين. وفي سابع عشر ذي القعدة توفى القاضي الفقيه أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمول بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعي؛ وكان يخلف القضاة في الحكم بمصر. وكان إماماً محدثاً، وله كتاب الشهاب، وكتاب الخطط، وكتاب أنباء الأنبياء، وغير ذلك من المصنفات. وفيها توفى الرئيس أبو الحسن علي بن رضوان بن علي بن جعفر الطبيب. وتوفي المعز بن باديس بالقيروان في رابع شعبان.