الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمستعار له: التبليغ، والجامع: التأثير- وهما عقليان) والمعنى: أبن الأمر إبانة لا تنمحى، كما لا يلتئم صدع الزجاجة.
[أقسام الاستعارة باعتبار المستعار الأصلية والتبعية]:
(وإما عكس ذلك) أى: الطرفان مختلفان، والحسى هو المستعار له
===
مما لا يلتئم بعد الكسر، وجعل الكسر حسيّا باعتبار متعلقه لا باعتبار ذاته؛ وذلك لأن الكسر مصدر والمعنى المصدرى لا وجود له فى الخارج؛ لأنه مقارنة القدرة الحادثة للفعل، وأما متعلق الكسر وهو تفريق الأجزاء فهو أمر وجودى يدرك بالحاسة
(قوله: والمستعار له التبليغ) أى: تبليغ النبى- صلى الله عليه وسلم ما أمر بإبلاغه إلى المبعوث إليهم أى: بيانه لهم وفى القاموس التبليغ: الإيصال وهو أمر عقلى يكون بالقول وبالفعل وبالتقرير، فمن قال:
إن التبليغ تكلم بقول مخصوص فهو حسى لم يأت بشىء- ا. هـ عبد الحكيم.
(قوله: وهما عقليان) أى: والمستعار له الذى هو التبليغ والجامع الذى هو التأثير عقليان.
(قوله: والمعنى أبن الأمر) أى: أظهره ووضحه، وأشار الشارح بهذا إلى أن الباء فى بما تؤمر للتعدية، وما: مصدرية أى: بأمرك وأن المصدر مصدر المبنى للمفعول، قال فى الكشاف: فاصدع بما تؤمر: اجهر به وأظهره، يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا، ويجوز أن تكون ما: موصولة والعائد محذوف أى: بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجار كقولك: أمرتك الخير- كذا فى عبد الحكيم، وفى المغنى نقلا عن ابن الشجرى أن فى قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ خمسة حذوف الأصل بما تؤمر بالصدع به، فحذفت الباء فصار بالصدعه- فحذفت أل لامتناع اجتماعها مع الإضافة فصار بصدعه، ثم حذف المضاف كما فى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ فصار به، ثم حذف الجار كما قال: عمرو بن معدى كرب:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
فصار تؤمره، ثم حذفت الهاء كما حذفت فى أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (1) وبهذا يعلم أن العائد إنما حذف منصوبا لا مجرورا، فلا يرد أن شرط حذف
(1) الفرقان: 41.
(نحو: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (1) فإن المستعار له كثرة الماء- وهو حسى، والمستعار منه التكبر، والجامع: الاستعلاء المفرط-، وهما عقليان و) الاستعارة (باعتبار اللفظ) المستعار (قسمان؛ لأنه) أى: اللفظ المستعار
…
===
العائد المجرور بالحرف- أن يكون الموصول مخفوضا بمثله لفظا ومعنى ومتعلقا، ويحتاج للجواب بأن اصدع بمعنى اؤمر
(قوله: إنا لما طغى الماء) أى: لما كثر حملناكم أى: لما كثر حملناكم أى: حملنا آباءكم وأنتم فى ظهورهم، أو المراد حملناكم وأنتم فى ظهور آبائكم فى السفينة الجارية على وجه الماء، فشبه كثرة الماء بالتكبر المعبر عنه بالطغيان، واستعير اسم المشبه به وهو الطغيان لكثرة الماء واشتق من الطغيان طغى بمعنى كثر
(قوله: كثرة الماء وهو حسى) أى: لأن كثرة الماء مرجعها إلى وجود أجزاء كثيرة للماء، ولا شك أن الوجود للأجرام حسى باعتبار ذاتها- قاله اليعقوبى، فاندفع قول بعض أرباب الحواشى: فى كون كثرة الماء حسيّا بحث؛ لأن الكثرة عقلية لكونها نسبة بين شيئين
(قوله: والمستعار منه التكبر) أى: والذى استعير منه لفظ الطغيان هو التكبر وهو عد المتكبر نفسه كبيرة ذات رفعة، إما مع الإتيان بما يدل عليها، أو باعتقادها ولو لم تكن، ولا شك أن التكبر بهذا المعنى عقلى
(قوله: والجامع) - أى: بين التكبر، وكثرة الماء- الاستعلاء المفرط أى: الزائد على الحد لعظمه
(قوله: وهما عقليان) أما عقلية التكبر فظاهرة من تفسيره المتقدم، وأما عقلية الاستعلاء فقيل: لأن المراد به طلب العلو وهو عقلى، وأما لو أريد به العلو بمعنى الارتفاع والذهاب فى الجو فهو حسى وموجود فى الماء دون التكبر فلا يشتركان فيه- وفيه نظر؛ لأن الطلب الحقيقى فى الماء فاسد، فالأولى أن يقال: إن عقلية الاستعلاء من جهة أن المراد به العلو المفرد فى الجملة أى: كون الشىء بحيث يعظم فى النفوس إما بسبب كثرته كما فى الماء، وإما بسبب وجود الرفعة ادعاء أو حقيقة كما فى التكبر، ولا شك أن الاستعلاء بهذا المعنى عقلى مشترك بين الطرفين- ا. هـ يعقوبى.
(قوله: والاستعارة باعتبار اللفظ المستعار قسمان إلخ) فيه أن الاستعارة هى اللفظ المستعار، وحينئذ فتقسيمها باعتبار اللفظ الذى هو نفسها لا يصح؛ لأنه يلزم
(1) الحاقة: 11.
(إن كان اسم جنس) حقيقة، أو تأويلا
…
===
عليه أن يكون المعنى والاستعارة باعتبار الاستعارة قسمان ولا محصل لذلك، وأجيب بأن الاستعارة تطلق على استعمال اللفظ فى غير ما وضع له لعلاقة المشابهة، وتطلق على اللفظ المستعار أى: المستعمل فى غير ما وضع له لعلاقة المشابهة فيجوز أن يراد بالاستعارة المنقسمة للقسمين الاستعارة بالمعنى المصدرى وهو الاستعمال، فيكون الاستعمال أصليّا وتبعيّا باعتبار اللفظ المستعار، ويجوز أن يراد بالاستعارة اللفظ المستعار ويكون قوله: باعتبار اللفظ المستعار من وضع الظاهر موضع المضمر، وكأنه قال:
باعتبار نفسها أو يراد باللفظ المستعار المفهوم الكلى، ويراد باللفظ فى قوله: باعتبار اللفظ ما صدقاته وجزئياته، وحينئذ فينحل المعنى أن جنس اللفظ المستعار ينقسم باعتبار ما صدقاته إلى أصلى وتبعى أى: إلى ما يسمى بذلك- فتأمل.
ثم إن هذا التقسيم للمصرحة كما يأتى، قال الفنارى: ولا مانع من جريانه فى المكنية ويمثل للأصلية منها بأظفار المنية نشبت بفلان، ويمثل للتبعية منها بقولنا: أراق الضارب دم فلان فشبه الضرب بالقتل واستعير القتل فى النفس للضرب، واشتق من الضرب الذى استعير له القتل ضارب بمعنى قاتل، وطوى ذكر المشبه به وهو القتل، ورمز إليه بذكر شىء من لوازمه وهو الإراقة ولعلهم لم يتعرضوا لجريان التبعية فى المكنية لعدم وجدانهم إياها فى كلام البلغاء
(قوله: إن كان اسم جنس) المراد باسم الجنس هنا كما فى المطول ما دل على ذات صالحة لأن تصدق على كثيرين من غير اعتبار وصف من الأوصاف فى الدلالة- ا. هـ.
وأراد بالذات الصالحة لأن تصدق على كثيرين الماهية الكلية سواء كانت ماهية معنى أو عين كالضرب والأسد، وخرج بقوله: الصالحة إلخ: الأعلام والمضمرات وأسماء الإشارة، فإنها كلها جزئيات لا تجرى الاستعارة فيها، وقوله: من غير اعتبار وصف إلخ خرج به المشتقات مثل ضارب وقاتل؛ لأنها إنما وضعت باعتبار الأوصاف بخلاف لفظ أسد ونحوه، فإنه دال على الماهية من غير اعتبار وصف من أوصافه؛ لأنه وضع للحيوان المفترس من حيث هو لا باعتبار كونه شجاعا وذا جراءة حتى لو وجد أسد غير شجاع
كما فى الأعلام المشتهرة بنوع وصفية (فأصلية) أى: فالاستعارة أصلية (كأسد)
===
صدق عليه اسم الأسد، واحترزت بقولى هنا عن اسم الجنس بالمعنى المصطلح عليه عند النحاة وهو النكرة الشاملة للمشتقات والجوامد؛ لأنه يلزم إرادته أن يخرج من الأصلية نحو: رأيت أسامة يرمى، أو فى الحمام، مع أن ذلك منها، وأن يدخل فيها الاستعارة فى المشتقات: كاسمى الفاعل والمفعول والصفة المشبهة واسم الزمان والمكان والآلة، مع أن الاستعارة فيها تبعية.
(قوله: كما فى الأعلام المشتهرة) أى: المشتهر مدلولها بنوع وصفية كاستعارة لفظ حاتم لرجل كريم فى قولك: رأيت اليوم حاتما، فإن حاتما علم لكنه أول باسم جنس وهو رجل يلزمه الكرم والجود بحيث يكون الجود غير معتبر فى مفهومه، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لو أول بجواد لدخل فى دلالته وصف الجود فيكون مثل كريم المشتق من الكرم- والاستعارة فيه تبعية لا أصلية، والحاصل أن اسم الجنس بالتفسير المتقدم لا يتناول العلم الشخصى، إذ ليس مدلوله ذاتا صالحة لأن تصدق على كثيرين، وإلا لكان كليّا ولو تضمن نوع وصفية؛ لأن الوصف الذى اشتهرت به ذات الشخص خارج عن مدلوله كاشتهار الأجناس بأوصافها الخارجة عن المدلولات الأصلية لأسمائها بخلاف الأسماء المشتقة، فإن المعانى المصدرية المعتبرة فيها داخلة فى مفهوماتها الأصلية، فلذا كانت الأعلام المشتهرة بوصف ملحقة بأسماء الأجناس دون الصفات وإلحاقها بأسماء الأجناس يجعل الوصف المتضمن وسيلة لتأويلها بكلى ويجعل ذلك الوصف وجه شبه على أنه لازم لا داخل فى مفهوم اللفظ كالمشتق، ويجعل ملزومه الكلى فردين أحدهما:
الفرد المتعارف، والآخر: غير المتعارف- فتأمل ذلك.
(قوله: فأصلية) أى: فتلك الاستعارة أصلية نسبة للأصل بمعنى الكثير الغالب إن قلت: إن الأكثر هو التبعية لوجودها فى الصفات والأفعال والحروف بخلاف هذه فإنها إنما تكون فى أسماء الأجناس، قلت: المراد بالكثرة كثرة الأفراد، لا كثرة الأنواع، ولا شك أن الأصلية وإن كانت لا تجرى إلا فى نوع واحد إلا أن الموجود من أفرادها فى الكلام أكثر من الموجود من أفراد التبعية، ويدل على ذلك أن كل استعارة تبعية معها
إذا استعير للرجل الشجاع (وقتل) إذا استعير للضرب الشديد. الأول اسم عين والثانى اسم معنى (وإلا فتبعية) أى: وإن لم يكن اللفظ المستعار اسم جنس فالاستعارة تبعية (كالفعل وما يشتق منه) مثل اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة
…
===
أصلية ولا عكس، ويحتمل أن أصلية نسبة للأصل بمعنى ما كان مستقلا وليس مبنيّا على غيره، ولا شك أن هذه الاستعارة تعتبر أولا من غير توقف على تقدم أخرى تنبنى عليها بخلاف التبعية أو بمعنى ما انبنى عليه غيره، ولا شك أنها أصل للتبعية لبنائها عليها.
(قوله: إذا استعير للرجل الشجاع) أى: فى نحو قولك: رأيت أسدا فى الحمام أى:
رجلا شجاعا فشبه الرجل الشجاع بالحيوان المفترس بجامع الشجاعة فى كل وادعينا أن الرجل المذكور فرد من أفراد الحيوان المفترس، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية؛ لأن اللفظ المستعار وهو لفظ أسد اسم جنس
(قوله: إذا استعير للضرب الشديد) أى: فى نحو قولك: هذا قتل أى: ضرب عظيم فشبه الضرب الشديد بالقتل بجامع نهاية الإيذاء فى كل واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية؛ لأن القتل اسم جنس للفعل الذى هو سبب لذهاب الحياة
(قوله: الأول اسم عين إلخ) هذا إشارة لنكتة تعداد المصنف المثال للاستعارة الأصلية
(قوله: أى: وإن لم يكن اللفظ المستعار اسم جنس) أى: بعد تحقق كونه صالحا للاستعارة فلا ينتقض بما يكون معناه جزئيّا كالأعلام والضمائر وأسماء الإشارة والموصولات
(قوله: كالفعل) خبر لمحذوف أى: وذلك كالفعل أى: وذلك اللفظ المستعار الذى هو ليس اسم جنس كالفعل إلخ، وظاهره ولو اقترن بحرف مصدرى وفيه خلاف، فقيل: إنها تبعية نظرا للفظ، وقيل: أصلية نظرا للتأويل، والحق الأول؛ لأن الاستعارة ينظر فيها للفظ لا للتأويل- كذا قيل، وانظره مع ما مر فى الأعلام المشتهرة بنوع وصفية فإنه قد نظر للتأويل لا لذات اللفظ المستعار، إذ لو نظر له فقط ما جرت الاستعارة فيه- فتأمل.
(قوله: وما يشتق منه) أى: من الفعل بناء على أن الاشتقاق منه كما هو المذهب الكوفى أو أن فى الكلام حذف مضاف أى: وما يشتق من مصدره بناء على
وغير ذلك (والحرف) إنما كانت تبعية لأن الاستعارة تعتمد التشبيه.
والتشبيه يقتضى كون المشبه موصوفا بوجه الشبه أو بكونه مشاركا للمشبه به فى وجه الشبه وإنما يصلح للموصوفية الحقائق أى الأمور المتقررة الثابتة
===
مذهب البصريين
(قوله: وغير ذلك) أى: كأفعل التفضيل واسم الزمان واسم المكان واسم الآلة نحو حال زيد أنطق من عبارته، ونحو مقتل زيد لزمان ضربه أو مكانه، ونحو مقتال زيد لآلة ضربه
(قوله: وإنما كانت تبعية) أى: وإنما كانت الاستعارة فى الحروف والفعل وسائر المشتقات تبعية
(قوله: تعتمد التشبيه) أى: تعتمد عليه وتنبنى عليه، إذ هى إعطاء اسم المشبه به للمشبه بعد إدخال الثانى فى جنس الأول.
(قوله: يقتضى كون المشبه موصوفا بوجه الشبه) أى: بحيث يصح الحكم به عليه، وكما أن التشبيه يقتضى كون المشبه موصوفا بوجه الشبه يقتضى أيضا أن يكون المشبه به موصوفا به بحيث يصح الحكم به عليه، أما اقتضاؤه ذلك فى المشبه فلأنك إذا قلت: زيد كعمرو فى الشجاعة فمدلوله أن زيدا موصوف بالشجاعة وأنها وجدت فيه كما وجدت فى عمرو، وأما فى المشبه به فلأنه لو لم توجد فيه الشجاعة لم يصح الحكم على زيد فى المثال بأنه ملحق بعمرو فى الشجاعة وأنه مشارك له فيها، وإذا كان التشبيه مقتضيا لوجود وجه الشبه فى الطرفين صح أن يحكم به على كلّ منهما.
(قوله: أو بكونه إلخ) إنما ذكر لفظه أو إشارة إلى أنه لا فرق بين التعبيرين فى الدلالة على المقصود فهى للتنويع فى التعبير فأنت مخير فى التعبير بكل من العبارتين؛ لأنهما متلازمان، إذ يلزم من كون المشبه موصوفا بوجه الشبه أن يكون مشاركا للمشبه به فى وجه الشبه وبالعكس
(قوله: وإنما يصلح للموصوفية) أى: لكونه موصوفا بوجه الشبه أو بغيره
(قوله: أى الأمور المتقررة إلخ) هذا التفسير ذكره العلامة فى شرح المفتاح حيث قال: المراد بالحقائق الذات الثابتة المتقررة كالجسم والبياض والطول لا غير الثابتة كمعانى الأفعال، فإنها متجددة غير متقررة لدخول الزمان فى مفهومها- وكالصفات، فإنها غير ثابتة أيضا وإن كان الزمان عارضا لها فتبعه الشارح هنا توطئة للرد عليه بقوله: وفيه بحث
(قوله: أى الأمور المتقررة) أى: التى اجتمع أجزاؤها فى الوجود (وقوله: الثابتة) أى:
كقولك: جسم أبيض وبياض صاف دون معانى الأفعال والصفات المشتقة لكونها متجددة غير متقررة بواسطة دخول الزمان فى مفهوم الأفعال وعروضه للصفات ودون الحروف وهو ظاهر
…
===
فى نفسها لاستقلالها بالمفهومية، فقوله: الثابتة مغاير لقوله: المتقررة
(قوله: كقولك:
جسم أبيض وبياض صاف) أشار بالمثالين إلى أنه لا فرق بين اسم العين واسم المعنى، وأن المدار على ثبوت المدلول وتقرره فكل من الجسم والبياض مدلوله متقرر أى: ليس سيالا متجددا شيئا فشيئا وثابت فى نفسه لاستقلاله بالمفهومية، فلذا صح وصف الأول بالبياض والثانى بالصفاء، والتمثيل بالبياض للحقائق المتقررة بناء على التحقيق من بقاء العرض زمانين
(قوله: دون معانى الأفعال والصفات إلخ) هذا بيان لمحترز الأول أعنى قوله: المتقررة، وحاصله أن الفعل كقام لدلالته على الزمان السيال لدخوله فى مفهومه لا تقرر له، فلا يصلح مدلوله للموصوفية، فلا يصح التشبيه فيه، فلا تصح الاستعارة الأصلية فيه المبنية على التشبيه والوصف كقائم فإنه وإن لم يدل على الزمان بصيغته، لكن يعرض اعتباره فيه كثيرا فيمنعه من التقرر فلا يصلح مدلوله للموصوفية المصححة للتشبيه المصحح للاستعارة الأصلية
(قوله: غير متقررة) تفسير لمتجددة.
(قوله: بواسطة دخول الزمان فى مفهوم الأفعال) أى: لأنه جزء مفهومها فدلالتها عليه دلالة تضمنية بخلاف الصفات، فإن دلالتها عليه دلالة التزامية
(قوله: وعروضه للصفات) أى: لدلالتها على ذات ثبت لها الحدث، والحدث لا بد له من زمان يقع فيه
(قوله: ودون الحروف) أى: ودون معانى الحروف، وهذا محترز القيد الثانى وهو قوله: الثابتة
(قوله: وهو) أى: عدم صالحية معانى الحروف للموصوفية ظاهر أى: لأن معانيها روابط وآلات لملاحظة غيرها فهى غير مستقلة بالمفهومية ولا مقصود لذاتها، بل ليتوصل بها لغيرها وكون غيرها هو المقصود بالإفادة يمنع من وصفها ومن الحكم عليها، فمعانى الحروف بمنزلة المرآة للصورة المقصودة بها فإنك ما دمت قاصدا للصورة فى المرآة لا تستطيع الحكم على تلك المرآة ولو أدركتها لشغل النفس بغيرها وكذلك معنى الحرف وإذا كان الفعل لاشتماله على ما لا تقرر له ولا استقلال له فى
كذا ذكروه وفيه بحث، لأن هذا الدليل بعد استقامته لا يتناول اسم الزمان والمكان والآلة لأنها تصلح للموصوفية وهم أيضا صرحوا بأن المراد بالمشتقات هو الصفات دون اسم المكان والزمان والآلة
…
===
الثبوت يمنع من الموصوفية مع استقلاله بالمفهومية، فأجرى الحرف الذى لا يكون معناه إلا غير مستقل بالمفهومية، وحينئذ فلا تصلح الاستعارة فى الفعل والمشتقات والحروف لعدم صحة التشبيه فيها، إلا إذا كانت تابعة لما له ثبات واستقلال للفرق الظاهر بين التشبيه والاستعارة المقصودين والتشبيه والاستعارة الحاصلين ضمنا بطريق السراية
(قوله: كذا ذكروه) أى: كذا ذكره القوم فى وجه كون الاستعارة فى الأفعال والمشتقات والحروف تبعية لا أصلية
(قوله: وفيه بحث) أى: وفى هذا الدليل الذى ذكروه بحث، وحاصله أنا لا نسلم أولا استقامته؛ لأن قوله: إنما تصلح للموصوفية إلخ ممنوع، إذ هو منقوض بقولهم: حركة سريعة وحركة بطيئة، وهذا زمان صعب فكل من الزمان والحركة لا تقرر له مع صحة وصف كل منهما؛ ولأن قوله: بواسطة دخول الزمان فى مفهوم الأفعال وعروضه للصفات يقال عليه أن دخول الزمان فى مفهوم الفعل إنما يقتضى تجدد مجموع مفهومه لا تجدد الحدث: الذى هو المقصود منه بتجدد الزمان، ويقال عليه أيضا إن عروض الزمان إذا منع جريان التشبيه فى الصفات ينبغى أن يمنع جريانه فى المصادر لعروض الزمان لمفهومها أيضا؛ لأن المصدر يدل على الحدث والحدث لا بد له من زمان يقع فيه، فدلالة المصدر عليه بالالتزام كالصفات، مع أن الاستعارة فى المصدر أصلية سلمنا استقامة ذلك الدليل فيقال عليه: إنه على تقدير استقامته لا يتناول اسم الزمان والمكان والآلة؛ لأنها تصلح للموصوفية نحو مقام واسع ومجلس فسيح ومنبت طيب ومفتاح معتدل وزمان صعب أو معتدل، وحينئذ فقضية ذلك الدليل أن الاستعارة فيها أصلية، مع أنها تبعية باتفاق.
(قوله: وهم أيضا صرحوا إلخ) أى: أنهم كما صرحوا بالدليل المذكور- صرحوا بأن المراد بالمشتقات من الفعل التى تكون الاستعارة فيها تبعية هو الصفات دون اسم الزمان والمكان والآلة وهذا ترقّ فى الاعتراض على القوم، فحاصله أن هذه الثلاثة
فيجب أن تكون الاستعارة فى اسم الزمان ونحوه أصلية بأن يقدر التشبيه فيه نفسه، لا فى مصدره وليس كذلك للقطع بأنا إذا قلنا: هذا مقتل فلان للموضع الذى ضرب فيه ضربا شديدا ومرقد فلان لقبره فإن المعنى على تشبيه الضرب بالقتل والموت بالرقاد
…
===
لا يتناولها مدعاهم أيضا كما لا يتناولها الدليل، وحاصل ما فى المقام أن القوم ادعوا دعوة وهى أن الاستعارة فى الحروف والأفعال وما يشتق منها تبعية، وقالوا: المراد بما يشتق منها الصفات دون اسم الزمان والمكان والآلة، واستدلوا على تلك الدعوة بما تقدم للشارح نقله عنهم، فاعترض الشارح عليهم بأن دليلهم هذا قاصر لا يشمل جميع الأمور التى تكون الاستعارة فيها تبعية؛ لأنه لا يتناول اسم الزمان والمكان والآلة كما أن مدعاهم أيضا قاصر لا يتناولها، فالاعتراض الأول منظور فيه لقصور الدليل، والترقى منظور فيه لقصور الدعوى، وقد يقال للشارح: إن تصريحهم بأن المراد بالمشتقات ما عدا اسم الزمان والمكان والآلة يدفع الاعتراض عن دليلهم بعدم تناوله للثلاثة لدلالته حينئذ على جميع مدعاهم فلا قصور فيه باعتبار مدعاهم، والقصور إنما هو فى مدعاهم، فكان الأولى قصر الاعتراض على الدعوى المصرحة بإخراج الأمور الثلاثة دون الدليل- كذا قرر شيخنا العلامة العدوى- رحمة الله عليه.
(قوله: فيجب إلخ) هذا تفريع على عدم تناول الدليل لما ذكروا على ما صرحوا به
(قوله: ونحوه) المراد به اسم المكان والآلة.
(قوله: وليس كذلك) أى: وليس الواجب كذلك أى: كونها أصلية، بل الواجب كونها تبعية
(قوله: للموضع الذى ضرب فيه) أى: أو للزمان الذى ضرب فيه ضربا شديدا
(قوله: فإن المعنى على تشبيه الضرب بالقتل) أى: واستعارة القتل للضرب واشتق من القتل مقتل بمعنى مكان الضرب أو زمنه فهى تبعية لجريانها فى المصدر أولا قبل جريانها فى اسمى المكان والزمان فجريانها فيهما بطريق التبعية لجريانها فى المصدر، وليس المعنى على تشبيه الموضع الذى ضرب فيه ضربا شديدا بالمقتل أى: بمحل القتل واستعارة المقتل أى: محل القتل للمضرب أى: محل الضرب بحيث تكون الاستعارة أصلية
(قوله: والموت بالرقاد)
وأن الاستعارة فى المصدر لا فى نفس المكان بل التحقيق أن الاستعارة فى الأفعال وجميع المشتقات التى يكون القصد بها إلى المعانى القائمة بالذوات تبعية، لأن المصدر الدال على المعنى القائم بالذات، هو المقصود الأهم الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه وإلا لذكرت الألفاظ الدالة على نفس الذوات دون ما يقوم بها من الصفات (فالتشبيه فى الأولين) أى الفعل وما يشتق منه
…
===
أى: واستعارة الرقاد للموت ثم اشتق من الرقاد مرقد بمعنى مكان الموت وهو القبر
(قوله: وأن الاستعارة فى المصدر) أى: أولا لا فى نفس المكان فلا ينافى جريانها فى اسم المكان بعد ذلك بطريق التبعية للمصدر
(قوله: بل التحقيق إلخ) هذا إضراب انتقالى، (وقوله: وجميع المشتقات) يشمل اسم الزمان والمكان والآلة؛ لأنها من المشتقات حقيقة ولا ينافى هذا ما تقدم للشارح من أن المشتقات الصفات دون اسم الزمان والمكان والآلة؛ لأن ما تقدم بحسب المراد لا بحسب الحقيقة، والحاصل أن القوم قصروا المشتقات التى تجرى فيها التبعية على الصفات دون اسم الزمان والمكان والآلة، وإن كانت فى الحقيقة من المشتقات، واستدلوا على ذلك بما تقدم، فأضرب الشارح عن ذلك لقصوره إلى أن التحقيق خلافه وهو أن الاستعارة فى الصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة تبعية؛ وذلك لأن المقصود الأهم فى الصفات وما بعدها هو المعنى القائم بالذات لا نفس الذات، فإذا كان المستعار صفة أو اسم مكان مثلا ينبغى أن يعتبر التشبيه فيما هو لمقصود الأهم أولا، وحينئذ تكون الاستعارة فى جميعها تبعية فقول الشارح: بل التحقيق أى: فى الدعوى والاستدلال؛ لأنه كما حقق الدليل بقوله: لأن المصدر إلخ: حقق الدعوى بقوله: إن الاستعارة فى الأفعال وجميع المشتقات إلخ- فأتى بالدليل شاملا لاسم الزمان والمكان والآلة، وأتى بالدعوى كذلك.
(قوله: هو المقصود الأهم) أى: لأن الشىء إذا استعمل على قيد فالغرض ذلك القيد
(قوله: وإلا لذكرت إلخ) أى: وإلا يكن المقصود الأهم من المعانى المشتقات القائمة بالذوات، بل المقصود منها نفس الذوات لذكرت الألفاظ الدالة على نفس الذوات دون المعانى القائمة بها بأن يذكر زيد أو عمرو بدل اللفظ الدالّ على ما قام
(لمعنى المصدر
…
===
بهما من الصفات: كضارب وقاتل، ومضروب ومقتول، وأن يذكر مكان فيه الرقاد، أو فيه الضرب بدل مرقدنا، ومضروب عمرو- وهكذا، فالعدول عن مكان فيه الرقاد إلى مرقدنا- مثلا- دليل على أن المقصود الأهم من المشتقات المعانى القائمة بذات الفاعل أو المفعول أو بذات المكان أو الآلة لا نفس الذات
(قوله: لمعنى المصدر) أى: منصرف لمعنى المصدر كما يدل عليه قوله بعد: فيقدر التشبيه فى نطقت الحال والحال ناطقة للدلالة بالنطق، وإنما تعرض للمشبه فقط ولم يقل لمعنى المصدر بمثله؛ لأن المشبه هو المقصود فى التشبيه والإضافة فى قوله: لمعنى المصدر بيانية إن أريد بالمصدر الحدث، أو من إضافة المدلول للدالّ إن أريد به اللفظ، وعلى هذا الثانى فيعمم فى المصدر أى: المحقق أو المقدر كما فى الأفعال التى لا مصادر لها، بل ذكر بعضهم أن الاستعارة فى أسماء الأفعال تبعية لتبعيتها لاستعارة المصدر المقدر من المعنى لا من اللفظ، ولكن الظاهر من إطلاقاتهم أن الاستعارة فيها أصلية، فإن قلت: هل تجرى الاستعارة فى نسب الأفعال تبعا على قياس الحروف؟ قلت: ذكر العلامة السيد أنها لا تجرى؛ لأن النسبة المطلقة التى هى متعلق مدلول نسبة الفعل لم تشتهر بوصف يصلح أن يجعل جامعا بينها وبين نسبة أخرى مطلقة: كنسبة الظرفية والآلية والعلية، والجامع لا بد أن يكون أخص أوصاف المشبه به وأشهرها. اه كلامه.
وبحث فيه العلامة الفنارى بأن المعنى الكلى الذى يرجع إليه نسب الأفعال ليس مطلق النسبة، بل النسبة على جهة القيام، ولها خواص وأوصاف يصح بها الاستعارة، فإذا أسند الضرب إلى المحرض للدلالة على قوة نسبته إليه، وشبهت نسبته إليه باعتبار التحريض بنسبته إلى من ينسب إليه على جهة القيام، وقلت: ضرب فلان لم يبعد عن الصواب، وبالجملة تمكن الاستعارة فى الأفعال باعتبار نسبتها بأن يشبه ما ترجع نسبتها إليه بنوع استلزام كمطلق الاتصاف والقيام مثلا بما ترجع إليه نسبة أخرى كذلك كمطلق الآلية مثلا، فيقال:
وفى الثالث) أى الحرف (لمتعلق معناه) أى: لما تعلق به معنى الحرف قال صاحب المفتاح المراد بمتعلقات معانى الحروف ما يعبر بها عنها عند تفسير معانيها مثل قولنا: من معناها ابتداء الغاية وفى معناها الظرفية وكى معناها الغرض فهذه ليست معانى الحروف وإلا لما كانت حروفا بل أسماء؛ لأن الاسمية والحرفية إنما هى باعتبار المعنى
===
قتلنى السيف أو السوط، وعلى هذا فالتبعية فى الأفعال لا تختص باعتبار المصادر على ما هو المشهور فيما بينهم- فتدبر.
(قوله: وفى الثالث إلخ) فيه العطف على معمولى عامل واحد وهو جائز
(قوله: لمتعلق) أى: منصرف لمتعلق معناه.
(قوله: أى لما تتعلق به معنى الحرف) أى: للمعنى الكلى الذى تعلق به معنى الحرف كالابتداء المخصوص والظرفية المخصوصة من تعلق الجزئى بالكلى
(قوله: ما يعبر بها) أى: معان كلية يعبر بدالها عن معانى الحروف التى هى معان جزئية (وقوله:
عند تفسير معانيها) أى: معانى الحروف.
واعلم أن ما ذكره الشارح ليس نص كلام المفتاح، بل كلامه- وأعنى بمتعلقات الحروف: ما يعبر عنها عند تفسيرها، فظاهره يفيد أن تلك المتعلقات معبر عنها لا معبر بها، مع أنه خلاف الواقع- فكأن الشارح أشار بإقحام لفظ بها إلى توجيه عبارة المفتاح بأن العائد محذوف والتقدير ما يعبر بها عنها، ويحتمل أنه أراد بيان حاصل المعنى، لا أن فى العبارة تقديرا، نظرا إلى أن الألفاظ المذكورة عند التفسير كلفظ الابتداء وأخواته عبارة عن تلك المتعلقات فهى بهذا الاعتبار معبر عنها
(قوله: مثل قولنا) أى: على سبيل التساهل (وقوله: ابتداء الغاية) أراد بها المغيا وهو المسافة؛ لأن الغاية هى النهاية ولا ابتداء لها
(قوله: الغرض) أى: العلة الباعثة
(قوله: فهذه) أى: الابتداء والظرفية والغرض المطلقات ليست معانى الحروف أى ليست معانيها بالاستقلال بحيث تعتبر معانى لها حالة فى ذاتها
(قوله: وإلا لما كانت حروفا بل أسماء) أى: وإلا لو كان الابتداء والظرفية والغرض المطلقات معانى مستقلة لمن وفى وكى، لكانت من وفى وكى أسماء لا حروفا
(قوله: إنما هى باعتبار المعنى) أى: فإذا كان معنى الكلمة مستقلا بالمفهومية
وإنما هى متعلقات لمعانيها أى إذا أفادت هذه الحروف معانى ردت تلك المعانى إلى هذه بنوع استلزام فقول المصنف فى تمثيل متعلق معنى الحرف (كالمجرور فى زيد فى نعمة) ليس بصحيح
…
===
ملحوظا لذاته ولم يكن رابطة بين أمرين فإن اقترن بأحد الأزمنة الثلاثة فتلك الكلمة فعل، وإن لم يقترن بواحد منها فتلك الكلمة اسم مثل: مطلق ابتداء ومطلق ظرفية ومطلق غرض، وإن كان المعنى غير مستقل بالمفهومية ملحوظا تبعا لكونه رابطة بين أمرين كانت الكلمة الدالة على ذلك المعنى حرفا، وذلك كابتداء السير من البصرة وظرفية الماء فى الكوز
(قوله: وإنما هى) أى: تلك المعانى الكلية التى تفسر بها معانى الحروف على وجه التساهل
(قوله: أى إذا أفادت هذه الحروف معانى) وهى الابتداء المخصوص والظرفية المخصوصة والغرض المخصوص- وهكذا
(قوله: إلى هذه) أى: إلى هذه المتعلقات أعنى الابتداء المطلق والظرفية المطلقة والغرض المطلق ونحو ذلك
(قوله: بنوع استلزام) أى: باستلزام نوعى وهو استلزام الخاص للعام لا العكس، والحاصل أن من مثلا موضوعة للابتداء الخاص والابتداء الخاص لما كان يرد إلى مطلق ابتداء أى:
يستلزمه كان مطلق ابتداء متعلقا بالابتداء الخاص وهكذا
(قوله: كالمجرور) أى: كمعنى المجرور؛ لأن تقدير التشبيه فى معناه
(قوله: ليس بصحيح) أى: لأن المجرور ليس هو المتعلق، بل المتعلق هو المعنى الكلى الذى استلزمه معنى الحرف كما سبق فمتعلق معنى الحرف فى المثال المذكور الظرفية المطلقة لا النعمة، فقد التبس على المصنف اصطلاح علماء البيان باصطلاح علماء الوضع فإن المجرور متعلق معنى الحرف عندهم، وأما البيانيون فقد علمت اصطلاحهم فى معنى الحرف. قال بعض الحواشى: وقد يوجه كلام المصنف بالمصير إلى حذف المضاف أى: كمطلق متعلق المجرور فى قولك: زيد فى نعمة، وذلك أن هذا المجرور له متعلق خاص- وهو ملابسة وصف النعمة لزيد فيكون مطلق ذلك المتعلق مطلق ملابسة شىء لشىء وهذه الملابسة هى المشبهة بالظرفية التى هى متعلق معنى الحرف فى وجه هو اختصاص شىء بشىء واشتماله عليه فى الجملة، فيعود الكلام إلى ما تقدم من أن التشبيه فى متعلق معنى الحرف بالمعنى السابق أولا، ثم تبع ذلك
وإذا كان التشبيه لمعنى المصدر ولمتعلق معنى الحرف (فيقدر) التشبيه (فى نطقت الحال والحال ناطقة بكذا للدلالة بالنطق) أى يجعل دلالة الحال مشبها ونطق الناطق مشبها به ووجه الشبه إيضاح المعنى وإيصاله إلى الذهن ثم يستعار لدلالة لفظ النطق ثم يشتق من النطق المستعار الفعل والصفة فتكون الاستعارة فى المصدر
===
استعمال الحرف فى المعنى الخاص بعد نقله عن المعنى الذى وضع له أصالة، وتوضيح ذلك أن مقتضى قولك: زيد فى نعمة كون النعمة ظرفا لزيد، مع أنها ليست كذلك، فامتنع حمل اللفظ على حقيقته، فحمل على الاستعارة بأن يشبه مطلق ملابسة شىء لشىء بالظرفية المطلقة فسرى التشبيه للجزئيات فاستعير لفظة فى الموضوعة للظرفية الخاصة لملابسة النعمة لزيد، فملابسة زيد للنعمة مستعار له، والظرفية الخاصة مستعار منها، ولفظ فى مستعار- فلا خلل فى كلام المصنف على هذا- ا. هـ.
وأنت خبير بأن حمل كلام المصنف على ما ذكر مع ما فيه من التكلف ينافيه سياق كلام المصنف الآتى، فإنه اعتبر التشبيه فى العداوة والحزن الذى هو نفس المجرور، فالأولى جعل كلامه باقيا على ظاهره
(قوله: وإذا كان التشبيه لمعنى المصدر) أى: وإذا كان التشبيه فى الأولين منصرفا لمعنى المصدر وفى الثالث منصرفا لمعنى الحرف فيقدر إلخ، وأشار الشارح بهذا إلى أن الفاء فى قول المصنف فيقدر واقعة فى جواب شرط مقدر.
(قوله: فى نطقت) أى: فى قولك نطقت الحال، وفى قولك: الحال ناطقة بكذا
(قوله: للدلالة بالنطق) أى: واقعا بين الدلالة والنطق
(قوله: أى يجعل دلالة الحال) أى:
يجعل دلالة حال إنسان على أمر من الأمور مشبها
(قوله: إيضاح المعنى وإيصاله إلى الذهن) الأولى للشارح أن يجعل وجه الشبه إيصال المعنى إلى الذهن ويحذف إيضاح المعنى؛ لأنه نفس المشبه الذى هو الدلالة، اللهم إلا أن يجعل وجه الشبه داخلا فى مفهوم المشبه وخارجا عن مفهوم المشبه به بتكلف، بأن يجعل المشبه إيضاح المعنى بالحال ووجه الشبه جنسه وهو مطلق إيضاح المعنى والنطق الذى هو المشبه به ملزوم للإيضاح، فوجه الشبه حينئذ داخل فى مفهوم المشبه ولازم للمشبه به
(قوله: ثم يستعار للدلالة لفظ النطق) أى: ثم يقدر استعارة لفظ النطق للدلالة، فالاستعارة المذكورة أمر تقديرى لا
أصلية وفى الفعل والصفة تبعية وإن أطلق النطق على الدلالة لا باعتبار التشبيه بل باعتبار أن الدلالة لازمة له يكون مجازا مرسلا وقد عرفت أنه لا امتناع فى أن يكون اللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد استعارة ومجازا مرسلا باعتبار العلاقتين (و) يقدر التشبيه (فى لام التعليل نحو (فالتقطه) أى موسى آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (1)(للعداوة) أى يقدر تشبيه العداوة (والحزن) الحاصلين (بعد الالتقاط
…
===
تحقيقى، إذ لا دليل على أنه لا بد أن يستعار لفظ المصدر أولا والمحقق إنما هو تقدير الاستعارة لجواز أن يسمع إطلاق المصدر على غير معناه مجردا عن الفعل
(قوله: أصلية) أى: لأوليتها
(قوله: تبعية) أى: لتأخرها وفرعيتها
(قوله: وإن أطلق إلخ) هذا مقابل لمحذوف أى: هذا إذا جعلت العلاقة المشابهة، فإن جعلت العلاقة اللزوم بأن أطلق النطق على الدلالة لا باعتبار التشبيه، بل باعتبار أن الدلالة لازمة له كان مجازا مرسلا علاقته اللزوم الخاص، أعنى: لزوم المسبب للسبب، لا مطلق اللزوم، فلا يقال: إن اللزوم لازم لكل مجاز سواء كان استعارة أو مرسلا، فاعتبار ذكر الملزوم وإرادة اللازم لا يكفى فى بيان العلاقة، بل لا بد من بيان أنها من أى نوع من أنواعها، وتحصل مما ذكره الشارح أن النطق إذا استعمل فى الدلالة بطريق التشبيه بحيث يكون الانتقال من الملزوم إلى اللازم بواسطة التشبيه، وجعل وجه الشبه وسيلة اللزوم بين المنتقل عنه وإليه كان استعارة، ويلزم أن تكون تبعية فى الفعل وما يشتق منه، وإن استعمل فيها برعاية علاقة اللزوم بلا تشبيه وإلا جعل وجه الشبه وسيلة كان مجازا مرسلا، ويلزم أن يكون تبعيا فى الفعل وما يشتق منه
(قوله: وقد عرفت) أى: مما ذكره سابقا فى المشفر
(قوله: اللفظ الواحد) أى: كالنطق، (وقوله: بالنسبة إلى المعنى الواحد) أى: كالدلالة، (وقوله:
العلاقتين) أى: المشابهة واللزوم العارى عن التشبيه.
(قوله: وفى لام التعليل) أى: فى استعارة لام التعليل للعاقبة والغاية، فقوله: فى لام التعليل ليس متعلقا بالتشبيه؛ لأنه ليس منصرفا للام، بل لمتعلقها كما تقدم
(قوله: للعداوة والحزن) أى: منصرفا للعداوة والحزن أى: يقدر التشبيه فى استعارة لام التعليل
(1) القصص: 8.
بعلته) أى علة الالتقاط (الغائية) كالمحبة والتبنى فى الترتب على الالتقاط والحصول بعده ثم استعمل فى العداوة والحزن ما كان حقه أن يستعمل فى العلة الغائية فتكون الاستعارة فيها
…
===
فى الآية واقعا بين العداوة والحزن الحاصلين بعد الالتقاط وهو متعلق معنى الحرف على كلامه وبين علة الالتقاط وهى المحبة والتبنى، وحاصل تقرير الاستعارة فى هذه الآية على مذهب المصنف بناء على ما ذكره الشارح أن يقال: قدر تشبيه العداوة والحزن الحاصلين بعد الالتقاط بالعلة الغائية كالمحبة والتبنى بجامع الترتب فى كل على الالتقاط واستعير اسم المشبه به للمشبه، ثم استعيرت اللام الموضوعة لترتب العلة الغائية على معلولها كترتب المحبة والتبنى على الالتقاط لترتب غير العلة الغائية كترتب العداوة والحزن عليه، فالاستعارة فى اللام تابعة للاستعارة فى المجرور الذى هو متعلق الحرف عنده
(قوله: بعلته الغائية) علة الشىء الغائية هى التى تحمل على تحصيله لتحصل بعد حصوله، وذلك كمحبة موسى لآل فرعون وتبنيهم له أى: اتخاذهم له ابنا فإنه إنما حملهم على ضمهم وكفالتهم له بعد الالتقاط ما رجوه فى موسى من أنه يحبهم ويكون ابنا لهم يفرحون به، فلما كان الحاصل بعد فعلهم ضد ذلك من العداوة والحزن شبه ذلك بالعلة الغائية بجامع ترتب كل على الالتقاط، وإن كان الترتب فى العلة الغائية رجائيّا وفى العداوة والحزن فعليّا- ا. هـ يعقوبى.
ومن كلامه يعلم أن قول الشارح: كالمحبة أى: محبة الملتقط بالفتح وهو موسى عليه السلام، لا محبة الملتقط بالكسر وهو آل فرعون؛ لأنها متقدمة على الالتقاط وليست حاصلة بعده، والذى فى عبد الحكيم: أن المراد بالمحبة محبة الملتقط بالكسر وتبنيه؛ لأنهما متقدمان فى الذهن ومترتبان على الالتقاط فى الخارج، وما قيل: إنه أراد بالمحبة محبة موسى أو آثارها، لا محبة الملتقط وهو آل فرعون؛ لأنها علة متقدمة عليه ليس بشىء
(قوله: والحصول بعده) عطف تفسير إشارة إلى أنه ليس المراد بالترتب الارتباط واللزوم، إذ لا لزوم هنا
(قوله: ثم استعمل فى العداوة) أى: فى ترتب العداوة، (وقوله: ما كان حقه) أى: اللام، (وقوله: فى العلة) أى: فى ترتب العلة
(قوله: فيها) الضمير لما كان
تبعا للاستعارة فى المجرور وهذا الطريق مأخوذ من كلام صاحب الكشاف ومبنى على أن متعلق معنى اللام هو المجرور على ما سبق، لكنه غير مستقيم على مذهب المصنف فى الاستعارة المصرحة؛ لأن المتروك يجب أن يكون هو المشبه سواء كانت الاستعارة أصلية أو تبعية وعلى هذا الطريق المشبه- أعنى العداوة والحزن- مذكور لا متروك
===
وأنث الضمير نظرا إلى أن اللام بمعنى الكلمة
(قوله: تبعا للاستعارة فى المجرور) أى: الذى هو متعلق معنى الحرف على ما قال المصنف، ولا يخفى ما فى قوله: تبعا إلخ من المسامحة، إذ استعارة اللام تابعة للتشبيه على ما قاله، إلا أن يقال: إن فى كلامه حذفا دل عليه ما هنا، والأصل قدر تشبيه العداوة والحزن بعلته الغائية كالمحبة والتبنى، واستعير اسم المشبه به وهو المحبة والتبنى للمشبه وهو العداوة والحزن، ثم استعمل فى العداوة والحزن اللام التى كان حقها أن تستعمل فى العلة الغائية: كالمحبة والتبنى، فتكون الاستعارة فى اللام تبعا للاستعارة فى المجرور أى: تبعا للاستعارة له، لا أنه مستعار، لكن المأخوذ من كلام الإيضاح وشراحه أن الاستعارة فى الحرف على مذهب المصنف تابعة للتشبيه، وأنه ليس هناك لفظ يستعار أولا تتبعه استعارة الحرف، وحينئذ فقول الشارح: تبعا للاستعارة فى المجرور، الأولى أن يقول بدله: تبعا للتشبيه الواقع بين المجرور والعلة الغائية
(قوله: وهذا الطريق إلخ) أى: الذى سلكه المصنف وهو جعل العداوة والحزن مشبهين بالعلة الغائية فيما ذكر من الآية
(قوله: مأخوذ من كلام صاحب الكشاف) أى: حيث قال فى هذه الآية: معنى التعليل فى اللام وهو كون الالتقاط لأجل العداوة والحزن وارد على طريق المجاز؛ لأنه لم يكن داعيتهم إلى الالتقاط بأن يكون لهم عدوّا وحزنا، ولكن المحبة والتبنى غير أن ذلك أى: العداوة والحزن لما كان نتيجة التقاطهم وثمرته شبه بالداعى الذى يفعل الفاعل الفعل لأجله
(قوله: لكنه) أى: ذلك الطريق غير مستقيم على مذهب المصنف أى: ولا على مذهب الجمهور أيضا، وإنما اقتصر على المصنف لكون الكلام معه، وحاصل اعتراض الشارح أن سياق كلام المصنف يفيد أن فى مدخول اللام هنا استعارة أصلية وأنه يرد عليه أن المذكور هو لفظ المشبه وذلك مانع من الحمل على الاستعارة الأصلية؛ لأنه يجب فيها ترك لفظ المشبه
(قوله: المشبه- أعنى العداوة والحزن- مذكور لا متروك)
بل تحقيق الاستعارة التبعية هاهنا أنه شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط
…
===
أى: وحينئذ لا استعارة فى اللام تبعا ولا فى المجرور أصالة، قال العلامة عبد الحكيم:
أقول مفاد كلام المصنف هنا، وفى الإيضاح: أن الاستعارة فى اللام تابعة لتشبيه العداوة والحزن بالعلة الغائية، وليس فى كلامه أن الاستعارة فى اللام تابعة للاستعارة فى المجرور، وإنما هذه زيادة من الشارح وتقول على المصنف، وحاصل كلام المصنف أنه يقدر التشبيه أولا للعداوة والحزن بالعلة الغائية، ثم يسرى ذلك التشبيه إلى تشبيه ترتبهما على الالتقاط بترتب العلة الغائية عليه فتستعار اللام الموضوعة لترتب العلة الغائية لترتب العداوة والحزن من غير استعارة فى المجرور، وهذا التشبيه كتشبيه الربيع بالقادر المختار، ثم إسناد الإنبات إليه وهو المفاد من الكشاف، حيث قال بعد ما مر نقله من كلامه:
فاللام هنا حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه التعليل كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد وهو الحق عندى؛ لأن اللام لما كان محتاجا لذكر المجرور كان اللائق أن تكون الاستعارة والتشبيه فيها تبعا لتشبيه المجرور لا تبعا لتشبيه معنى كلى بمعنى كلى معنى الحرف من جزئياته كما ذكره السكاكى وتبعه الشارح- ا. هـ.
ومثل ما قيل فى الاستعارة فى الآية المذكورة على مذهب المصنف يقال فى قوله تعالى: لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (1) فيقدر تشبيه الجذوع المستعلى عليها بالظروف فيسرى ذلك التشبيه إلى تشبيه تلبس المستعلى بالجذوع بتلبس الظرف بالمظروف فاستعيرت فى الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف لتلبس المستعلى بالجذوع المستعلى عليها، وكذا يقال فى نحو: زيد فى نعمة شبهت النعمة بالظرف الحسى، فسرى التشبيه لتلبس زيد بالنعمة بتلبس الظرف بالمظروف، فاستعيرت فى الموضوعة لتلبس الظرف بالمظروف لتلبس زيد بالنعمة، وهكذا يقال فى أمثال ما ذكر
(قوله: بل تحقيق الاستعارة التبعية هاهنا) أى: فى هذه الآية، والمراد بتحقيقها ذكرها على الوجه الحق الذى هو مذهب القوم
(قوله: شبه ترتب العداوة) أى: ترتب مطلق عداوة وحزن، سواء تعلقا بموسى أو بغيره، فالمراد العداوة والحزن الكليان (وقوله: على الالتقاط) أى:
(1) طه: 71.
بترتب علته الغائية عليه ثم استعمل فى المشبه اللام الموضوعة للمشبه به أعنى ترتب علة الالتقاط الغائية عليه، فجرت الاستعارة أولا فى العلية والغرضية وتبعيتها فى اللام كما مر فى نطقت الحال فصار حكم اللام
…
===
على مطلق التقاط
(قوله: بترتب علته الغائية عليه) أى: علته المطلقة عليه بجامع مطلق الترتب فى كل، وفى الكلام حذف، والأصل: ثم استعير ترتب العلة الغائية على الالتقاط لترتب العداوة والحزن عليه، فسرى التشبيه للجزئيات، ثم استعمل إلخ، وإنما احتجنا لذلك لأجل قوله بعد: فجرت الاستعارة أولا فى العلية والغرضية أى: فى ترتبهما وتبعيتهما إلخ، فاندفع ما يقال: إن الاستعارة فى الحرف على كلامه غير تابعة لاستعارة أصلا وهذا يخالف قوله بعد: فجرت الاستعارة أولا فى العلية إلخ
(قوله: ثم استعمل فى المشبه) أى: جزئى المشبه وذلك الجزئى ترتب العداوة والحزن الخاصين أى: المتعلقين بموسى (وقوله: الموضوعة للمشبه به) أى: الجزئى المشبه به، (وقوله: أعنى ترتب علة الالتقاط) أى: الخاصة وهى محبة الملتقط لموسى وتبنيه إياه وهذا بيان الجزئى المحذوف، وهذا الذى قررنا به كلام الشارح هو ما قرره به شيخنا العدوى.
(قوله: فجرت الاستعارة أولا فى العلية والغرضية) أى: فى ترتبهما (وقوله:
وتبعيتها) أى: تبعية الاستعارة الأولى الجارية فى ترتب العلية والغرضية الاستعارة فى اللام وفى نسخة بتبعيتها فى اللام أى: وجرت فى اللام بسبب تبعيتها أى: تبعية الاستعارة فى ترتب العلية والغرضية (وقوله: كما مر فى نطقت الحال) أى: فكما أن الاستعارة فى الفعل تابعة للاستعارة فى المصدر كذلك استعارة اللام تابعة لاستعارة العلية والغرضية للعداوة والحزن وهذا الكلام يقتضى أن التبعية فى الحروف تابعة لاستعارة لفظ قبلها، وأنا نشبه معنى كليا بمتعلق معنى الحرف الذى هو معنى كلى، ثم نستعير اسم المشبه به للمشبه فيسرى التشبيه للجزئيات فنستعير الحرف الموضوع لجزئى من جزئيات المشبه به لجزئى من جزئيات المشبه وهو طريقة لبعضهم، وقال بعض: إن الاستعارة فى الحرف تابعة للتشبيه فأولا نشبه المعنى الكلى بمتعلق معنى الحرف الذى هو معنى كلى فيسرى التشبيه للجزئيات فنستعير الحرف الموضوع لجزئى من جزئيات المشبه به لجزئى من جزئيات المشبه، والحاصل أن الاستعارة التبعية فى الفعل وما يشتق منه هى أن يقدر نقل
حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه العلية وصار متعلق معنى اللام هو العلية والغرضية لا المجرور على ما ذكره المصنف سهوا وفى هذا المقام زيادة تحقيق أوردناها فى الشرح (ومدار قرينتها) أى قرينة الاستعارة التبعية (فى الأولين) أى فى الفعل وما يشتق منه (على الفاعل نحو نطقت الحال) بكذا فإن النطق الحقيقى لا يسند إلى الحال (أو المفعول
…
===
المصدر أو ينقل بالفعل لغير معناه الأصلى، ثم يشتق منه الفعل وشبهه فهى تابعة للاستعارة فى المصدر بلا خلاف، وأما الاستعارة التبعية فى الحرف، فعلى مذهب المصنف تابعة للتشبيه كما علمت، وأما على مذهب الجمهور فقيل: إنها تابعة لاستعارة أصلية وهو ظاهر كلام الشارح، وقيل: إنها تابعة للتشبيه، إذ لا حاجة لاستعارة اسم المشبه به الكلى للمشبه ولا تتوقف استعارة الحرف على ذلك، وقد ارتضى العلامة العصام هذه الطريقة
(قوله: حكم الأسد) أى: حيث استعير لما يشبه الحيوان المفترس
(قوله: حيث استعيرت) أى: بعد سريان التشبيه للجزئيات
(قوله: هو العلية والغرضية) أى: المطلقة.
(قوله: ومدار قرينتها إلخ) أى: ودوران قرينتها على الفاعل، والمراد بدورانها على الفاعل رجوع القرينة إلى كونها نفس الفاعل لكون الإسناد الحقيقى له غير صحيح كما فى المثال المذكور
(قوله: فى الأولين) إنما قال فى الأولين؛ لأن قرينة التبعية فى الحروف غير مضبوطة
(قوله: نحو نطقت إلخ) فإن قلت: حاصل القرينة فى هذه الأمثلة استحالة قيام المسند بالمسند إليه، وقد تقدم أن استحالة قيام المسند بالمسند إليه من قرائن المجاز العقلى قلت: لا يضر ذلك؛ لأن المقصود بالقرينة ما يصرف عن إرادة المعنى الحقيقى وهذه كذلك وإن صلحت للمجاز العقلى
(قوله: لا يسند إلى الحال) أى: لاستحالة وقوع النطق منه، فدل استحالة وقوع النطق من الحال على أن المراد بالنطق ما يصح إسناده للحال، ومعلوم أنه الدلالة الشبيهة بالنطق فى إفهام المراد
(قوله: أو المفعول) المتبادر أن المراد المفعول به أى: بأن يكون تسلط الفعل أو ما يشتق منه على المفعول غير صحيح، فيدل ذلك على أن المراد بمعناهما ما يناسب ذلك المفعول
نحو):
جمع الحق لنا فى إمام
…
(قتل البخل وأحيا السّماحا)
فإن القتل والإحياء الحقيقيين لا يتعلقان بالبخل والجود نحو):
نقريهم لهذميّات) نقد بها
…
ما كان خاط عليهم كل زراد
===
(قوله: جمع الحق إلخ)(1) هذا البيت لعبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بويع له بالخلافة بعد خلع المعتز بالله، ولقب بالمرتضى، وكان واحد عصره فى الكرم والفضل، وقد أدركته حرفة الأدب فاضطرب أمره ولم تكن خلافته إلا ثلاث ساعات من نهار، وهذا البيت من قصيدة له مدح بها أباه حين خلع المقتدر من الخلافة لفساده، وتولى هو أى: المعتز فقام بالخلافة كما ينبغى، وبعد البيت:
إن عفا ما فات لله حقّا
…
أو سطا لم تخش منه جناحا
ألف الهيجاء طفلا وكهلا
…
تحسب السّيف عليه وشاحا
(قوله: السماحا) هو بالفتح والكسر الجود والكرم كما فى القاموس.
(قوله: لا يتعلقان بالبخل والجود) أى: لأنهما من المعانى لا روح لهما، والقتل والإحياء إنما يتعلقان بالجسم ذى الروح فعدم صحة تسلط القتل على البخل والإحياء على الجود دليل على أن المراد بالقتل معنى يناسب البخل، وأن المراد بالإحياء معنى يناسب الجود، والمناسب للأول الإزالة أى: أزال البخل فشبه إزالة البخل بالإماتة بجامع اقتضاء كل منهما إعداما لما تعلق به بحيث لا يظهر ذلك المتعلق فى كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من القتل قتل بمعنى أزال، والمناسب للثانى الإكثار أى: وأكثر السماحا، فشبه الإكثار بالإحياء بجامع ظهور المتعلق فى كل واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الإحياء: أحيا بمعنى أكثر على طريق الاستعارة التصريحية التبعية
(قوله: ونحو نقريهم إلخ) هذا البيت للقطامى بالضم من قصيدة أولها (2):
ما اعتاد حبّ سليمى حين معتاد
…
ولا تقضّى بواقى دينها الطّادى
(1) البيت الأول فى الإيضاح ص 269، والشعر لابن المعتز فى ديوانه 1/ 468.
(2)
الشعر للقطامى ونسب بيت منه له فى الإيضاح ص 269.
اللهذم من الأسنة القاطع فأراد بلهذميات طعنات
…
===
بيضاء محطوطة المتنين بهكنة
…
ريّا الروادف لم تمغل بأولاد
ما للكواعب ودّعن الحياة كما
…
ودّعننى واتّخذن الشيب ميعادى
أبصارهنّ إلى الشّبّان مائلة
…
وقد أراهنّ عنّى غير صدّاد
بانوا وكانت حياتى فى اجتماعهم
…
وفى تفرقهم قتلى وإقصادى
إلى أن قال:
لم تلق قوما هم شرّ لإخوتهم
…
منا عشية يجرى بالدّم الوادى
نقريهم
…
إلخ والظرف أعنى قوله: منا متعلق بشر، والعشية ما بين المغرب والعشاء، والمراد هنا مطلق الوقت وهى منصوبة على الظرفية ومضافة للجملة بعدها، والوادى فاعل يجرى على طريق الإسناد المجازى، والمراد بجريان الوادى بالدم فى العشية ظهور الشر وكثرة الفتن وضمير نقريهم للإخوة بمعنى الأعداء، وجملة نقريهم استئناف متعلق بقوله لم تلق، والمعنى: لم تجد قوما أقوى منا فى إيصال الشر لإخوتنا أى: أعدائنا فى عشية جرى الدم فى الوادى؛ لأنا نقريهم لهذميات أى: نجعل قراهم ذلك، والقرى:
الطعام الذى يقدم للضيف عند نزوله وتعدى قوله: نقريهم إلى اللهذميات التى هى بمنزلة الطعام يدل على أنه يصح أن يقال نقريهم الطعام ولا يخلو من وجود تأكيد مضمون الفعل، أو ارتكاب التجريد؛ لأن القرى هو الطعام المقدم للضيف كما علمت، وفى القاموس: قراه أضافه، وهو يدل على عدم تعديه للمفعول الثانى بنفسه، وكأنه على إسقاط الجار أى: نقريهم بلهذميات
(قوله: نقريهم) بفتح النون من قريت الضيف قرى وقراء، إذا كسرت القاف قصرت وإذا فتحتها مددت
(قوله: لهذميات) بفتح الذال وكسرها، وكذا يقال فى مفرده وهو لهذمى، وضمن خاط معنى قدر فعداه بعلى، أو أن على للتعليل، والمعنى نقد ونقطع بها الزرديات التى خاطها ونسجها لأجلهم كل زارد أى: نساج.
(قوله: اللهذم) أى: المنسوب إليه لهذمى مفرد لهذميات وفى القاموس لهذم كجعفر، وفى الصحاح لهذم كزبرج
(قوله: فأراد بلهذميات طعنات) أى: فالمعنى نجعل
منسوبة إلى الأسنة القاطعة أو أراد نفس الأسنة والنسبة للمبالغة كأحمرى والقد القطع وزرد الدرع وسردها نسجها، فالمفعول الثانى أعنى لهذميات قرينة على أن نقريهم استعارة (أو المجرور نحو فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (1) فإن ذكر العذاب قرينة على أن بشر استعارة
…
===
قراهم عند اللقاء الطعنات باللهذم أى: بالأسنة القاطعة
(قوله: منسوبة إلى الأسنة) أى:
من نسبة الشىء لآلته والأسنة جمع سنان وهو نصل الرمح
(قوله: أو أراد) أى:
باللهذميات نفس الأسنة أى: فالمعنى أنا نجعل تقديم الأسنة إليهم قراهم
(قوله: والنسبة) أى: على الثانى للمبالغة، وهذا جواب عما يقال: إذا كان المراد باللهذميات الأسنة كان فيه نسبة الشىء إلى نفسه وهى ممنوعة، وحاصل الجواب: إن النسبة هنا للمبالغة فى المنسوب، وكأنه لم يوجد ما هو أعلى منه حتى ينسب إليه، فنسب إلى نفسه كما يقال للرجل شديد الحمرة: أحمرى فزيدت الياء فيه لإفادة المبالغة فى وصف الحمرة، فقولهم:
إن نسبة الشىء إلى نفسه ممنوعة أى: ما لم يكن المقصود بتلك النسبة المبالغة، وإلا فلا منع
(قوله: وزرد الدرع وسردها) هو بصيغة الفعل أو المصدر، وكذا قوله: نسجها
(قوله: قرينة على أن نقريهم استعارة) وذلك لأن اللهذميات لا يصح تعلق القرى الحقيقى بها، إذ هو تقديم الطعام للضيف، فعلم أن المراد به هنا ما يناسب اللهذميات وهو تقديم الطعنات عند اللقاء أو الأسنة، فشبه تقديم الطعنات أو الأسنة عند اللقاء بالقرى وهو تقديم الأطعمة الشهية للضيف بجامع أن كلا تقديم ما يصل من خارج لداخل، واستعير اسم القرى لتقديم الطعنات أو الأسنة، واشتق من القرى نقريهم بمعنى نقدم لهم الطعنات، أو الأسنة على طريق الاستعارة التبعية
(قوله: أو المجرور) أى: أو على المجرور بأن يكون تعلق الفعل أو ما يشتق منه بالمجرور غير مناسب، فيدل ذلك على أن المراد بمعناهما ما يناسب ذلك المجرور
(قوله: نحو فبشرهم بعذاب أليم) أى: فإن التبشير إخبار بما يسر فلا يناسب تعلقه بالعذاب، فعلم أن المراد به ضده وهو الإنذار أعنى: الإخبار بما يحزن، فنزل التضاد منزلة التناسب تهكما فشبه الإنذار بالتبشير،
(1) التوبة: 34.