الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكناية
تعريف الكناية:
فى اللغة: مصدر كنيت عن كذا بكذا، أو كنوت إذا تركت التصريح به، وفى الاصطلاح: (لفظ أريد به لازم معناه
…
===
وثانيتهما: أنه من باب نفى الشىء عمن هو مثلك أو على أخص أوصافك فيلزم عرفا نفيه عنك، وإلا لزم التحكم فى ثبوت الشىء لأحد المثلين دون الآخر، فالمثل المفروض نفى عنه المماثل له، فيلزم أن ينتفى المماثل عن الله تعالى كما نفى المماثل عن مفروض المماثلة له تعالى وكلا الوجهين مذكور فى المطول.
(الكناية)
(قوله: أو كنوت) أى: بكذا عن كذا حذفه من هنا لدلالة الأول عليه، وأوفى كلامه للشك فعلى الاحتمال الأول تكون لام الكلمة ياء، وعلى الثانى تكون واوا والمضارع على الأول يكنى فهو كرمى يرمى، وعلى الثانى يكنو فهو كدعا يدعو ويرد على الاحتمال الثانى قولهم فى المصدر كناية ولم يسمع كناوة بالواو، ولا يقال: إن الواو قلبت ياء فى المصدر لكسر فائه؛ لأنا نقول الكسرة فى نحو ذلك لا توجب قلبا كما فى علاوة، فالتزام الياء فى المصدر يدل على أن اللام ياء وأن الواو فى كنوت قلبت عن الياء سماعا فتأمل.
(قوله: إذا تركت التصريح به) أى: بمدخول عن وهو راجع لكنيت وكنوت فهى لغة ترك التصريح بالشىء
(قوله: وفى الاصطلاح لفظ إلخ) إطلاقها على اللفظ فى الاصطلاح كثير، وقد تطلق فيه أيضا على المعنى المصدرى أعنى الإتيان بلفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه وهى بهذا المعنى أخص من معناها لغة.
(قوله: لفظ) خرج عنه ما دل مما ليس بلفظ كالإشارة والكتابة
(قوله: أريد به لازم معناه) أى: لاستعماله فيه، والحاصل أن الكناية لفظ له معنى حقيقى أطلق ولم يرد منه ذلك المعنى الحقيقى، بل أريد به لازم معناه الحقيقى، وخرج بقوله:(أريد به) لفظ الساهى والسكران والنائم، وخرج بقوله:(لازم معناه) اللفظ الذى يراد به نفس معناه
مع جواز إرادته معه) أى: إرادة ذلك المعنى مع لازمه؛ كلفظ: طويل النجاد المراد به طول القامة مع جواز أن يراد حقيقة طول النجاد أيضا (فظهر أنها تخالف المجاز
…
===
وهو الحقيقة الصرفة، وقد تقدم أن المراد باللزوم هنا مطلق الارتباط ولو بعرف لا اللزوم العقلى
(قوله: مع جواز إرادته معه) أى مع جواز إرادة معناه الحقيقى مع لازمه فمن قيودها أنها بعد إرادة اللازم بلفظها لا بد أن تصحبها قرينه تمنع من إرادة المعنى الحقيقى، وحينئذ فتجوز إرادته من اللفظ مع لازمه، وهذا القيد أعنى قوله:(مع جواز إلخ) مخرج للمجاز، إذ لا يجوز إرادة المعنى الحقيقى فيه مع المعنى المجازى عند من يمنع الجمع بين الحقيقة والمجاز كالمصنف لاشتراطه فى قرينته أن تكون مانعة من إرادة المعنى الحقيقى، وقد علم مما ذكره المصنف أن الكناية واسطة بين الحقيقة والمجاز وليست حقيقة؛ لأن اللفظ لم يرد به معناه، بل لازمه، ولا مجازا؛ لأن المجاز لا بد له من قرينة مانعة عن إرادة المعنى الموضوع له، وقيل: إنها لفظ مستعمل فى المعنى الحقيقى لينتقل منه إلى المجازى وعلى هذا تكون داخلة فى الحقيقة؛ لأن إرادة المعنى الموضوع له باستعمال اللفظ فيه فى الحقيقة أعم من أن تكون وحدها كما فى التصريح أو مع إرادة المعنى كما فى الكناية، وقوله مع جواز إرادته معه أى: من اللفظ بحيث يصير اللفظ مستعملا فيهما معا، ولا يرد أن المصنف لا يجوز استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه؛ لأن محل عدم التجويز إذا استعمل فيهما على أن كلا مقصود لذاته وما هنا أحدهما مقصود تبعا وهو المعنى الحقيقى، وإلى هذا يشير قوله: معه، ففائدته التنبيه على إرادة اللازم أما إرادة المعنى بتبعية إرادة اللازم كما يفهم من قولنا: جاء زيد مع الأمير، ولا يقال جاء الأمير مع زيد؛ لأن مع تدخل على المتبوع لا على التابع
(قوله: كلفظ طويل النجاد) الحاصل أن النجاد حمائل السيف فطول النجاد يستلزم طول القامة، فإذا قيل: فلان طويل النجاد فالمراد: أنه طويل القامة فقد استعمل اللفظ فى لازم معناه مع جواز أن يراد بذلك الكلام الإخبار بأنه طويل حمائل السيف وطويل القامة بأن يراد بطويل النجاد معناه الحقيقى واللازمى
(قوله: فظهر) أى: مما ذكر وهو أن الكناية يصحبها جواز إرادة المعنى
من جهة إرادة المعنى) الحقيقى (مع إرادة لازمه) كإرادة طول النجاد مع إرادة طول القامة؛ بخلاف المجاز فإنه لا يجوز فيه إرادة المعنى الحقيقى للزوم القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقى، وقوله:(من جهة إرادة المعنى) معناه: من جهة جواز إرادة المعنى
…
===
الأصلى
(قوله: من جهة إرادة المعنى الحقيقى) أى فيها
و(قوله: مع إرادة لازمه) أى لازم المعنى الحقيقى
(قوله: بخلاف المجاز) أى: فإنه وإن شارك الكناية فى إرادة مطلق اللازم إلا أنه لا يجوز معه إرادة المعنى الحقيقى وإن وجب فيه كالكناية تصور المعنى الحقيقى لينتقل منه للمعنى المجازى المشتمل على المناسبة المصححة للاستعمال، والحاصل أن الكناية والمجاز يشتركان فى إرادة اللازم ويفترقان من جهة أن الكناية يجوز فيها إرادة المعنى الأصلى، والمجاز لا يجوز فيه إرادة ذلك؛ لأن الكناية لا بد ألّا تصحبها قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلى، والمجاز لا بد أن تصحبه قرينه تمنع من إرادته واعترض هذا العصام بأنهم إن أرادوا أن المعنى الحقيقى تجوز إرادته فى الكناية لذاته بخلاف المجاز فهذا ممنوع؛ إذ إرادة المعنى الحقيقى لذاته كما لا تجوز فى المجاز لا تجوز فى الكناية، وإن أريد أنه تجوز إرادته للانتقال منه للازمه المراد فهذا جائز فى كل من الكناية والمجاز مثلا جاءنى أسد يرمى لا تمنع فيه القرينة أى: يراد بالأسد السبع المخصوص لينتقل منه إلى الشجاع، وحينئذ فلم يثبت الفرق بين الكناية والمجاز، وأجيب باختيار الشق الأول لكن إرادته لذاته لا من حيث إنه الغرض المهم، بل الغرض المقصود بالذات هو لازم المعنى فعلم من هذا أن المعنى الحقيقى يجوز إرادته للانتقال منه للمراد فى كل من الكناية والمجاز ويمتنع فيهما إرادة المعنى الحقيقى بحيث يكون هو المعنى المقصود بالذات وأما إرادته مع لازمه على أن الغرض المقصود بالذات هو اللازم فهذا جائز فى الكناية دون المجاز فتأمل.
(قوله: وقوله من جهة إلخ) هذا جواب عن اعتراض وارد على المصنف، وحاصله أن فى كلامه تنافيا بين التفريع والمفرع عليه؛ وذلك لأن المفرع عليه يقتضى أن إرادة كل من اللازم والملزوم فى الكناية جائزة والتفريع يقتضى أن إرادتهما معا واقعة
ليوافق ما ذكره فى تعريف الكناية، ولأن الكناية كثيرا ما تخلو عن إرادة المعنى الحقيقى للقطع بصحة قولنا: فلان طويل النجاد، وجبان الكلب، ومهزول الفصيل، وإن لم يكن له نجاد، ولا كلب، ولا فصيل. ومثل هذا فى الكلام أكثر من أن يحصى، وهاهنا بحث لا بد من التنبه له؛ وهو أن المراد بجواز إرادة المعنى الحقيقى فى الكناية هو أن الكناية
…
===
وهذا تناف، وحاصل ما أجاب به الشارح أن فى التفريع حذف مضاف، والأصل من جهة جواز إرادة المعنى منها مع إرادة لازمه
(قوله: ليوافق إلخ) أى: وإنما قدرنا ذلك المضاف لأجل أن يوافق كلامه هنا ما ذكره فى تعريف الكناية إذ لم يشترط فى تعريفها إلا جواز الإرادة لا وقوعها
(قوله: طويل النجاد) كناية عن طول القامة؛ لأنه يلزم من طول النجاد أى: حمائل السيف طول القامة
(قوله: وجبان الكلب) كناية عن الكرم؛ لأن جبن الكلب أى: عدم جراءته على من يمر به يستلزم كثرة الواردين عليه؛ لأن جبنه إنما نشأ من ذلك وكثرة الواردين عليه تستلزم كرم صاحبه
(قوله: ومهزول الفصيل) كناية عن الكرم أيضا؛ لأن هزال الفصيل يستلزم عدم وجود لبن فى أمه وهو يستلزم الاعتناء بالضيفان لأخذ اللبن من أمه وسقيه لهم وكثرة الضيفان تستلزم الكرم
(قوله: وإن لم يكن له نجاد إلخ) أى: وإذا صحت الكناية بنحو هذه الألفاظ ووقعت بها مع انتفاء أصل معناها لم يصدق أنه أريد بها المعنى الحقيقى، وإنما يصدق أنه يجوز أن يراد بها المعنى الحقيقى، فلو لم يرد الكلام إلى الجواز خرجت هذه الألفاظ عند انتفاء معانيها عن التعريف، فإن قلت: عند انتفاء معانيها الحقيقية لا يصدق الجواز أيضا؛ لأن معنى صحة الإرادة للشىء صحة صدق الكلام فى ذلك الشىء ولا صدق حالة الانتفاء، قلت: لا نسلم عدم الانتفاء ضرورة أن الموصوف بهذه الكناية يصح أن توجد له تلك الأمور بمعنى أنها جائزة فى حقه، وإذا جازت جاز الصدق بتقدير وجودها وإذا جاز الصدق جازت إرادة ما يصح فيه الصدق- نعم لو كانت هذه المعانى مستحيلة ورد ما ذكر
(قوله: ومثل هذا) أى: القول المتقدم فى عدم إرادة المعنى الحقيقى لعدم وجوده
(قوله: وهاهنا بحث) هذا جواب عما يقال: إن التعريف غير جامع؛ لأنه لا يشمل الكناية التى تمتنع فيها إرادة المعنى الحقيقى
و(قوله: وهاهنا بحث) أى: فائدة ينبغى التنبيه عليها،
من حيث إنها كناية لا تنافى ذلك؛ كما أن المجاز ينافيه، لكن قد يمتنع ذلك فى الكناية بواسطة خصوص المادة؛ كما ذكره صاحب الكشاف فى قوله تعالى:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1) أنه من باب الكناية؛ كما فى قولهم: مثلك لا يبخل؛ لأنهم إذا نفوه عمن يماثله، وعمن يكون على أخص أوصافه
…
===
وحاصلها اعتبار الحيثية فى التعريف، فقولهم فى تعريف الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه أى: من حيث إن اللفظ كناية، وأما من حيث خصوص المادة فقد يمتنع إرادة المعنى الحقيقى لاستحالته، والحاصل أن المراد بجواز إرادة المعنى الحقيقى فى الكناية هو أن الكناية من حيث إنها كناية- أى: لفظ أريد به لازم معناه بلا قرينة مانعة عن إرادة المعنى الحقيقى- لا تنافى جواز إرادة المعنى الحقيقى نعم قد تمتنع تلك الإرادة فى الكناية من حيث خصوص المادة لاستحالة المعنى، فجواز الإرادة من حيث إنها كناية- ومنعها من حيث خصوص المادة بتعريف الكناية- صادق على هذه الصورة أيضا
(قوله: من حيث إنها كناية) أى: لا من حيث خصوص المادة
و(قوله: لا تنافى ذلك) أى إرادة المعنى الحقيقى،
و(قوله: كما أن المجاز ينافيه) تنظير فى المنفى.
(قوله: لكن قد يمتنع ذلك) أى إرادة المعنى الحقيقى وهذا الاستدراك مفهوم الحيثية السابقة فكان الأنسب أن يقول: وأما من حيث خصوص المادة فقد يمتنع فى الكناية ذلك، إذ لا وجه للاستدراك
(قوله: من باب الكناية) أى: من حيث إن سلب الشيئية عن مثل مثله يستلزم سلبها عن مثله والإلزام التحكم فى نفى الشيئية عن أحد المثلين دون الآخر
(قوله: كما فى قولهم مثلك لا يبخل) هذا نظير للآية من حيث إن كلا كناية؛ لا من حيث امتناع إرادة المعنى الحقيقى مع لازمه، ويحتمل أن يكون نظيرها فى ذلك أيضا؛ لأن القصد من قولهم: مثلك لا يبخل نفى البخل عن المخاطب، ولا يصح أن يراد نفى البخل عن مثله أيضا؛ لأن إثبات مثله للمخاطب نقص فى المدح- كذا قرر شيخنا العدوى
(قوله: لأنهم إذا نفوه) أى: البخل وقوله: عمن يماثله أى: عمن يماثل المخاطب
(قوله: وعمن يكون على أخص أوصافه) أى: على
(1) الشورى: 11.
فقد نفوه عنه؛ كما يقولون بلغت أترابه؛ يريدون بلوغه، فقولنا: ليس كالله شىء، وقولنا: ليس كمثله شىء- عبارتان متعاقبتان على معنى واحد؛ وهو نفى المماثلة عن ذاته؛ لا فرق بينهما إلا ما تعطيه الكناية من المبالغة، ولا يخفى هاهنا امتناع إرادة الحقيقة؛ وهو نفى المماثلة عمن هو مماثل له، وعلى أخص أوصافه
…
===
أوصافه الخاصة ملتبسا بها كالعلم والكرم لا العامة كالحيوانية أو الناطقية وهذا العطف تفسيرى؛ لأن المماثل هو من كان مشاركا فى الأوصاف الخاصة كلها
(قوله: فقد نفوه) أى البخل عنه أى: عن المخاطب وإلا لزم التحكم فى نفى الشىء عن أحد المثلين دون الآخر
(قوله: بلغت أترابه) جمع ترب بكسر التاء أى: أقرانه فى السن بأن يكون ابتداء ولادة الجميع فى زمن واحد وقوله: بلغت أترابه أى: بالسن
(قوله: يريدون بلوغه) أى: يريدون بلوغه بالسن فإنه يلزم من بلوغ أقرانه بالسن بلوغه بالسن وإلا لزم التحكم- اه. سم
(قوله: متعاقبتان على معنى واحد) أى: واردتان على معنى واحد على وجه المعاقبة والبدلية- فنفى المماثلة عن ذاته تعالى- تارة يؤدى بالعبارة الأولى على وجه الصراحة وتارة يؤدى بالعبارة الثانية على وجه الكناية؛ وذلك لأن مؤداها بالمطابقة نفى أن يكون شىء مماثلا لمثله، ويلزم من نفى كون الشىء مماثلا لمثله نفى كونه مماثلا له تعالى، إذ لو كان ثم مماثلا له تعالى كان الله مماثله لمثله ضرورة أن ما ثبت لأحد المثلين فهو ثابت للآخر وإلا افترقت لوازم المثلين فثبت أن مفاد العبارتين واحد
(قوله: إلا ما تعطيه الكناية) أى: وهى العبارة الثانية
و(قوله: من المبالغة) أى: لإفادتها المعنى بطريق اللزوم الذى هو كادعاء الشىء ببينة، ولما كانت الكناية أبلغ من الحقيقة كان قوله:
ليس كمثله شىء أوكد فى نفى المثل من ليس كالله شىء
(قوله: ولا يخفى هاهنا) أى:
فى الآية وهذا محل الشاهد من نقل كلام صاحب الكشاف استدلالا على قوله: لكن قد يمتنع إلخ، وإنما امتنع فى الآية إرادة الحقيقة لاستحالة ثبوت مماثلته- ا. هـ سم.
فإن قلت: حيث كان يمتنع فى الآية إرادة المعنى الحقيقى لاستحالته فما المانع من جعل الآية من قبيل المجاز المرسل وقرينته حالية وهى استحالة إرادة المعنى الحقيقى ولا تكون من قبيل الكناية؟ قلت: لعلهم جعلوا الآية من قبيل الكناية لا من قبيل المجاز المرسل
(وفرق) بين الكناية والمجاز (بأن الانتقال فيها) أى: فى الكناية (من اللازم) إلى الملزوم؛ كالانتقال من طول النجاد إلى طول القامة.
(وفيه) أى: فى المجاز الانتقال (من الملزوم) إلى اللازم؛ كالانتقال من الغيث إلى النبت، ومن الأسد إلى الشجاع. (ورد) هذا الفرق (بأن اللازم
…
===
نظرا إلى أن الاستحالة إنما تكون قرينة للمجاز إذا كانت ضرورية لا نظرية كما هنا- فتأمل.
(قوله: وفرق) بالبناء للمفعول وهو الأقرب كما قال اليعقوبى لعدم تقدم الفاعل فيما مر- وإن كان الفرق الذى سيذكره للسكاكى وغيره، ويحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل، والفاعل ضمير عائد على السكاكى للعلم به من أن الكلام فى المباحثة غالبا معه، والحاصل أن المصنف لما قدم الفرق المرضى عنده بين المجاز والكناية- وهو أن الكناية فيها جواز إرادة المعنى الحقيقى لعدم نصب القرينة المانعة، والمجاز لا يجوز فيه ذلك- أشار إلى فرق آخر بينهما للسكاكى وغيره لأجل الاعتراض الذى أورده عليه
(قوله: كالانتقال من طول النجاد إلى طول القامة) فطول القامة ملزوم لطول النجاد، وطول النجاد لازم لطول القامة، لا يقال: طول القامة لا يستلزم طول النجاد؛ لصحة ألّا يكون لطول القامة نجاد أصلا فكيف يكون ملزوما؟ ! لأنا نقول اللزوم عرفى أغلبى وذلك كاف مع وجود القرينة فإن قلت:
مقتضى تمثيل الشارح بهذا المثال عند قول المصنف لفظ أريد به لازم معناه أن طول القامة لازم لطول النجاد ملزوم له وهو عكس ما يفهمه كلامه هنا قلت: كل من طول النجاد وطول القامة لازم للآخر وملزوم: لأن كلا منهما مساو للآخر، وحينئذ فالتمثيل بهذا المثال هنا لا ينافى التمثيل به فيما تقدم.
(قوله: أى فى المجاز) سواء كان مرسلا أو كان بالاستعارة ولذا عدد الشارح الأمثلة
(قوله: كالانتقال من الغيث إلى النبت) أى: فإنه لازم للمطر بحسب العادة والمطر ملزوم له وكذلك الشجاعة لازمة للأسد [والأسد](1)
ملزوم لها لكن لما ناسبت الشجاعة الرجل أيضا انتقل من الأسد بواسطة القرينة إلى الرجل المقيد بالشجاعة فصار الأسد
(1) زيادة اقتضاها السياق.
ما لم يكن ملزوما) بنفسه، أو بانضمام قرينة إليه (لم ينتقل منه) إلى الملزوم؛ لأن اللازم من حيث إنه لازم يجوز أن يكون أعم، ولا دلالة للعام على الخاص.
(وحينئذ) أى: وحين إذ كان اللازم ملزوما (يكون الانتقال من الملزوم إلى اللازم) كما فى المجاز؛ فلا يتحقق الفرق،
…
===
ملزوما والرجل الشجاع لازما بانضمام القرينة
(قوله: ما لم يكن ملزوما) مصدرية ظرفية أى: مدة كونه غير ملزوم بأن بقى على لازميته ولم يكن ملزوما لملزومه لكونه أعم من ملزومه
(قوله: من حيث إنه لازم) أى: من حيث إنه يلزم من وجود غيره وجوده
(قوله: يجوز أن يكون أعم) أى: من ملزومه ضرورة أن مقتضى لازميته أن وجود غيره لا يخلو عنه فغيره إما مساو أو أخص، وأما كون وجوده لا يخلو عن وجود غيره حتى يكون هو مساويا أو أخص فلا دليل عليه فجاز أن يكون أعم كالحيوان بالنسبة للإنسان فلا يخلو الإنسان من الحيوان، وقد يخلو الحيوان من الإنسان وإذا صح أن يكون اللازم أعم فلا ينتقل منه للملزوم، إذ لا دلالة للأعم على الأخص حتى ينتقل منه إليه، وإنما ينتقل من اللازم إلى الملزوم إذا كان ذلك اللازم ملزوما لذلك المنتقل إليه بأن يكون مساويا إما بنفسه كالناطق بالنسبة للإنسان فإنه وإن كان يتبادر منه أنه لازم للإنسان هو ملزوم له لمساواته له فيلزم من وجوده وجود الإنسان أو بواسطة انضمام قرينة إليه كالعرف، كقولنا كناية عن المؤذن: رأيت إنسانا يلازم المنار فإن الإنسان الملازم للمنار فيما يتبادر لازم للمؤذن، ويصح أن يكون أعم منه لجواز أن تكون ملازمته للمنار لا للأذان، لكن قرينة العرف دالة على أنه المؤذن لأن ذلك هو الغالب المتبادر فيشكل على أنه المفهوم عرفا فهذا لازم أعم صار ملزوما بالقرينة.
(قوله: أى وحين إذ كان اللازم ملزوما) الأولى أن يقول: أى وحين إذ كان لا ينتقل من اللازم مادام لم يكن ملزوما
(قوله: فلا يتحقق الفرق) أى بين المجاز والكناية؛ لأن الانتقال فى كل منهما من الملزوم إلى اللازم؛ لأن الانتقال من اللازم إلى الملزوم لا يحصل إلا إذا كان اللازم المنتقل منه ملزوما فينتقل منه من حيث إنه ملزوم لا
والسكاكى أيضا معترف بأن اللازم ما لم يكن ملزوما امتنع الانتقال منه، وما يقال إن مراده أن اللزوم بين الطرفين من خواص الكناية دون المجاز، أو شرط لها دونه فمما لا دليل عليه، وقد يجاب
…
===
من حيث إنه لازم
(قوله: والسكاكى أيضا معترف إلخ) أى: وحينئذ فيتأكد هذا الرد عليه، وكان الأولى للشارح أن يقدم هذا على قول المصنف: وحينئذ يكون إلخ؛ لأجل أن يكون سند القول المتن ورد بأن اللازم إلخ وكان يقول: ورد بأن اللازم ما لم يكن ملزوما لم ينتقل منه والسكاكى معترف بذلك
(قوله: وما يقال) أى: فى الجواب عن الاعتراض على السكاكى وتصحيح فرقه، وحاصله أن مراد السكاكى بقوله: الانتقال فى الكناية من اللازم إلى الملزوم اللازم المساوى لملزومه اللزوم بين الطرفين من خواصها ومراده بقوله: والانتقال فى المجاز من الملزوم إلى اللازم مطلقا؛ لأن اللزوم بين الطرفين لا يشترط فى المجاز، وحينئذ فصح تعبيره فى جانب الكناية بالانتقال من اللازم ولم يصح التعبير به فى المجاز فتم ما ذكره من التفرقة بينهما
(قوله: أو شرط لها) هذا تنويع فى التعبير فهو بمعنى ما قبله
(قوله: فمما لا دليل عليه) أى: فيقال عليه إنه لا دليل على اختصاص الكناية باللزوم بين الطرفين دون المجاز، بل قد يكون اللزوم فيها أعم كما يكون مساويا وكذا المجاز، وحينئذ فالجواب المذكور ضعيف؛ لأن فيه حمل السكاكى على ما هو تحكم محض
(قوله: وقد يجاب) أى: عن الاعتراض الذى أورده المصنف على السكاكى، وكان الأولى أن يزيد أيضا، لأن هذا جواب ثان عن الاعتراض المذكور، وحاصله أن مراد السكاكى باللازم فى قوله: إن الكناية ينتقل فيها من اللازم إلى الملزوم ما يكون وجوده على سبيل التبعية لوجود الغير وما يكون اعتباره فرعا عن اعتبار الغير:
كطول النجاد التابع وجوده فى الغالب لطول القامة، وكنفى مثل المثل التابع اعتباره وجريانه فى الألسن لنفى المثل فإنهما وإن تلازما فى نفس الأمر إلا أن الأول منهما أكثر اعتبارا وأسبق ملاحظة ومراده بقوله: إن المجاز ينتقل فيه من الملزوم إلى اللازم أى من المتبوع فى الوجود الخارجى، أو فى الاعتبار إلى التابع فيه فصحت التفرقة التى ذكرها بينهما، والحاصل أنه ليس مراده حقيقة اللازم والملزوم حتى يتوجه
بأن مراده باللازم ما يكون وجوده على سبيل التبعية؛ كطول النجاد التابع لطول القامة؛ ولهذا جوز كون اللازم أخص؛ كالضاحك بالفعل للإنسان. فالكناية أن يذكر من المتلازمين ما هو تابع ورديف، ويراد به ما هو متبوع ومردوف، والمجاز بالعكس؛ وفيه نظر
…
===
عليه الاعتراض، بل مراده بهما التابع والمتبوع وإن لم يكن بينهما لزوم عقلى كطول النجاد لطول القامة وكالضحك بالفعل للإنسان
(قوله: بأن مراده) أى السكاكى (وقوله: باللازم) أى فى جانب الكناية وفى جانب المجاز
(قوله: ما يكون وجوده) أى فى الخارج أو فى الاعتبار،
و(قوله: على سبيل التبعية) أى لوجود الغير، أو لاعتبار الغير.
(قوله: ولهذا) أى: لأجل أن مراده باللازم التابع لا المتعارف جوز أى السكاكى كون اللازم المتنقل منه للمعنى الكنائى أخص؛ لأن اللازم بمعنى التابع فى الوجود لوجود غيره أو فى الاعتبار لاعتبار غيره يجوز أن يكون أخص بخلاف اللازم المتعارف، فإنه إنما يكون أعم أو مساويا ولا يكون أخص، وإلا لكان الملزوم أعم فيوجد بدون اللازم وهذا محال.
(قوله: فالكناية إلخ) مفرع على الجواب المذكور أى: فالكناية على هذا أن يذكر إلخ
(قوله: ورديف) عطفه على التابع إما من عطف المرادف إن أريد به نفس التابع أو من عطف المغاير إن أريد بالتابع ما يتبع وجوده وجود الغير: كطول النجاد لطول القامة، والضحك بالفعل للإنسان، وبالرديف ما يعتبر بعد الآخر ولو تحقق معناه من الآخر كنفى مثل المثل لنفى المثل؛ لأن اعتبار الثانى واستعماله قبل الأول؛ لأنه أصرح وأكثر دورا على الألسنة فيسمى رديفا لاستناده للآخر مع مساواته له فى الصحة والتحقق فى نفس الأمر
و(قوله: أن يذكر من المتلازمين) المراد بهما ما بينهما لزوم ولو فى الجملة لا ما بينهما التلازم الحقيقى فقط وهو ما كان التلازم بينهما من الجانبين بدليل أنه قد ينتقل من الأخص إلى الأعم
(قوله: والمجاز بالعكس) أى فيقال هو أن يذكر من المتلازمين ما هو مردوف ومتبوع ويراد به الرديف والتابع
(قوله: وفيه نظر) أى: وفى هذا الجواب نظر بالنسبة لقوله والمجاز بالعكس؛ لأن المجاز قد ينتقل فيه من التابع فى الوجود الخارجى إلى المتبوع فيه كإطلاق النبات على الغيث فى أمطرت السماء نباتا،