الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(كقوله: أقلّب فيه (1)) أى فى ذلك الدليل (أجفانى كأنّى، أعدّ بها على الدّهر الذّنوبا، فإنه ضمن وصف الليل بالطول للشكاية من الدهر
[التوجيه]:
ومنه) أى ومن المعنوى. (التوجيه) ويسمى محتمل الضدين (وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين) أى متباينين متضادين
…
===
كان مساويا للإدماج- قاله عبد الحكيم
(قوله: كقوله) أى الشاعر وهو أبو الطيب المتنبى
(قوله: أقلّب فيه أجفانى) عبر بالمضارع لدلالته على تكرر تقليب الأجفان ليلا، وهو دليل على السهر، والأجفان جمع جفن كقفر وهو غطاء العين من أعلى وأسفل
(قوله: كأنى) أى فى حالة تقليبها أعدّ بها أى: بالأجفان من جهة حركتها، فجعل أجفانه كالسبحة حيث يعد بها ذنوب الدهر، فكأن كل حركة ذنب (وقوله: الذنوبا) أى: ذنوب الدهر التى فعلها معه، من تفريقه بينه وبين الأحبة مثلا ومن عدم استقامة الحال، لا ذنوبه التى فعلها فى الدهر إذ لا معنى لعدّها على الدهر، وكأن هنا تحتمل الشك أى: كثر تقليب الأجفان فى ذلك الليل كثرة أوجبت لى الشك فى أنى أعد بها على الدهر ذنوبه، وتحتمل التشبيه أى: أشبه نفسى فى حالة التقليب بنفسى فى حالة عدّ الذنوب
(قوله: فإنه ضمن إلخ) أى: وإنما كان فى هذا البيت إدماج؛ لأن الشاعر ضمن وصف الليل بالطول أى: المأخوذ من قوله: أقلب فيه أجفانى؛ لأنه يدل على كثرة تقليب الأجفان، وهو يدل على كثرة السهر، وهو يدل على طول الليل، وهذا المعنى الذى سيق له الكلام أولا
(قوله: للشكاية) أى: المأخوذة من قوله: كأنى أعدّ بها إلخ، وهو مفعول ضمن وتلك الشكاية بها حصل الإدماج لأنها معنى تضمنه المعنى الذى سيق أولا، مع عدم التصريح بها وعدم إشعار الكلام بأنه مسوق لأجلها.
[التوجيه]:
(قوله: وهو إيراد الكلام) أى الإتيان به
(قوله: محتملا لوجهين) أى على حد سواء إذ لو كان أحدهما متبادر لكان تورية لا توجيها
(قوله: أى متباينين) بيان للاختلاف
(1) البيت للمتنبى فى ديوانه 1/ 140.
كالمدح والذم مثلا ولا يكفى مجردا احتمال معنيين متغايرين (كقول من قال لأعور/ ليت عينيه سواء) يحتمل تمنى صحة العين العوراء فيكون دعاء له والعكس فيكون دعاء عليه قال (السكاكى منه) أى ومن التوجيه (متشابهات القرآن باعتبار) وهو احتمالها لوجهين مختلفين وتفارقه باعتبار آخر وهو عدم استواء الاحتمالين
…
===
(قوله: كالمدح والذم) أى وكالسب والدعاء
(قوله: ولا يكفى مجرد احتمال معنيين متغايرين) أى: كما يوهمه كلام المصنف فهو اعتراض عليه، أى فلو قيل رأيت العين فى موضع، فإنه يحتمل على السواء أن يراد العين الجارية وعين الذهب والفضة، وليس من التوجيه لأن المعنيين متغايران ولا تضاد بينهما لجواز اجتماعهما،
(قوله: كقول من قال لأعور) أى خياط يسمى عمرا وذلك القائل هو بشار بن برد، وقوله
ليت عينيه سواء (1)
عجز بيت وصدره:
خاط لى عمرو قباء
وهذا البيت من مجزوء الرمل وبعده:
فاسأل الناس جميعا
…
أمديح أم هجاء
روى أن بشارا أعطى لخياط أعور اسمه عمرو ثوبا ليخيطه له فقال له الخياط لأخيطنه بحيث لا يعلم أقباء هو أم غيره، فقال له بشار لئن فعلت ذلك لأقولن فيك شعرا لا يدرى أهجاء أم غيره، فلما خاط الخياط ذلك الثوب قال بشار ما ذكر فى البيتين، فإن قلت الظاهر أن الشاعر أراد المدح لأنه بإزاء خياطة وهى الإحسان، ومقابل الإحسان يكون إحسانا فلم يستو الاحتمالان، وحينئذ فلا يتجه عدد من التوجيه، قلت أراد استواء الاحتمالين بالنظر لنفس اللفظ وإن ترجح أحد الاحتمالين بالنظر للقرينة، على أن كون الشعر فى مقابلة الخياطة لا يعين كون الشاعر أراد المدح، لاحتمال أن يكون أفسد الخياطة بالإبرة فدعا عليه، وسمى الدعاءين مديحا وهجاء، نظرا لكون المدعو
(1) البيتان من الرمل وهو لبشار بن برد فى خياط أعور وهو فى الإيضاح ص 528.
لأن أحد المعنيين فى المتشابهات قريب والآخر بعيد لما ذكر السكاكى نفسه من أن أكثر متشابهات القرآن من قبيل التورية والإيهام ويجوز أن يكون وجه المفارقة هو أن المعنيين فى المتشابهات لا يجب تضادهما
…
===
له يستحق أن يمدح بموجب الدعاء له، والمدعو عليه يستحق أن يذم ويهجى بموجب الدعاء عليه
(قوله: لأن أحد المعنيين فى المتشابهات قريب والآخر بعيد) أى: وهو المراد من اللفظ كما فى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (1) فإن المتبادر من اليد الجارحة والمراد منها القدرة، وهذا المعنى المراد بعيد من اللفظ
(قوله: لما ذكر السكاكى) أى وإنما قلنا إن أحد المعنيين فى المتشابهات قريب والآخر بعيد لما ذكر إلخ
(قوله: من قبيل التورية والإيهام) العطف مرادف أى ومعلوم أن التورية التى هى الإيهام إنما تتصوره فى معنى قريب وبعيد كما تقدم.
(قوله ويجوز أن يكون وجه المفارقة) أى: بين التوجيه والمتشابهات وهذا وجه آخر للفرق، وقوله أن المعنيين فى المتشابهات لا يجب تضادهما، أى بل يجوز اجتماعهما كالقدرة واليد بمعنى الجارحة، أى بخلاف التوجيه فإنه يجب فيه تضاد المعنيين كما مر قال العلامة اليعقوبى بعد أن ذكر جميع كلام الشارح: وفى هذا الكلام خبط لا يخفى، لأنهم اشترطوا فى التوجيه استواء المعنيين فى القرب والبعد، فكيف يصح أن تكون المتشابهات من التوجيه بوجه مع كون أحد المعنيين فى المتشابهات بعيدا هو المراد كما فى قوله وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (2) والرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (3) فالمعنى المجازى وهو البعيد منهما هو المراد كما تقدم، وأيضا قد ذكر السكاكى نفسه أن المتشابهات على الإطلاق من التوجيه باعتبار، وقد ذكر بعد أن أكثرها له معنى قريب وبعيد، وهو يقتضى أن الذى يكون توجيها من المتشابهات بالاعتبار هو البعض لا الكل، نعم إن صح أن بعض المتشابهات يحتمل الضدين على السواء كانت من التوجيه الصرف، لا أنها منه باعتبار فقط، وكذا إن صح أن التوجيه لا يشترط فيه استواء الاحتمالين، وهو بعيد من كلامهم.
(1) الفتح: 10.
(2)
الذاريات: 47.
(3)
طه: 5.