الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[لزوم ما لا يلزم]:
(ومنه) أى ومن اللفظى (لزوم ما لا يلزم) ويقال الإلزام والتضمين والتشديد والإعنات أيضا (وهو أن يجىء قبل حرف الروى)
…
===
جودى على المستهتر الصّبّ الجوى
…
وتعطّفى بوصاله وترحّمى
ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى
…
ثم اكشفى عن حاله لا تظلمى
المستهتر: هو المولع الذى لا يبالى بما قيل فيه، والصب: العاشق، والجوى: هو المحروق بنار العشق أو الحزن، فهذه الأبيات مبنية على قواف متعددة الأولى: رائية فى المستهتر والمتفكر، فيقال من منهوك الرجز:
جودى على المستهتر
…
ذا المبتلى المتفكر
والثانية: بائية فى الصب والقلب، فيقال من مشطور الرجز الأحذّ:
جودى على المستهتر الصّبّ
…
ذا المبتلى المتفكر القلب
والثالثة: يائية فى الجوى والشجى، فيقال من مشطور الرجز:
جودى على المستهتر الصّبّ الجوى
…
ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى
والرابعة: فائية فى تعطفى واكشفى فيقال من مجزوء الرجز:
جودى على المستهتر الصبّ الجوى وتعطفى
…
ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى ثم اكشفى
والخامسة: هائية فى وصاله وحاله فيقال:
جودى على المستهتر الصبّ الجوى وتعطفى بوصاله
…
ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى
ثم اكشفى عن حاله
والسادسة: ميمية فى ترحمى ولا تظلمى
(قوله: بحيث إذا جمعت إلخ) أى: بأن يؤخذ ما بعد القافية الأولى من كل بيت ويجمع المأخوذ وينظم
[لزوم ما لا يلزم]:
(قوله: الإلزام) أى: لأن المتكلم شاعرا كان أو ناثرا ألزم نفسه أمرا لم يكن لازما له
(قوله: والتضمين إلخ) أى: لتضمينه قافيته ما لا يلزمها
(قوله: والإعنات) أى: الإيقاع فيما فيه عنت أى: مشقة؛ لأن إلزام ما لا يلزم فيه مشقة
(قوله: قبل حرف الروى)
وهو الحرف الذى تبنى عليه القصيدة وتنسب إليه، فيقال قصيدة لامية أو ميمية مثلا، من رويت الحبل إذا فتلته؛ لأنه يجمع بين الأبيات كما أن الفتل يجمع بين قوى الحبل، أو من رويت على البعير إذا شددت عليه الرّواء وهو الحبل الذى يجمع به الأحمال (أو ما فى معناه) أى قبل الحرف الذى هو فى معنى حرف الروى (من الفاصلة) يعنى الحرف الذى وقع فى فواصل الفقر موقع حرف الروى فى قوافى الأبيات وفاعل يجىء هو قوله (ما ليس بلازم فى السجع) يعنى أن يؤتى قبله بشىء،
===
أى: من القافية ويؤخذ من قول الشارح: لأنه يجمع بين الأبيات أن الإضافة غير بيانية، والمعنى قبل الحرف الذى يجمع بين الأبيات ويحتمل أنها بيانية؛ لأنهم قد يعبرون بالروى بدون حرف مرادا به الحرف المذكور
(قوله: وهو الحرف) أى: الأخير من القافية
(قوله: فيقال قصيدة لامية) أى: إن كان الحرف الأخير من قافيتها لاما وهكذا
(قوله: من رويت الحبل) أى: مأخوذ من قولك: رويت الحبل
(قوله: إذا فتلته) أى: ويلزمه الجمع
(قوله: لأنه) أى الروى
(قوله: بين قوى الحبل) أى طاقاته
(قوله: الرواء) بكسر الراء والمد
(قوله: وهو الحبل الذى يجمع به الأحمال) أى: والحرف الأخير من القافية الذى تنسب إليه القصيدة يجمع بين الأبيات
(قوله: وما فى معناه) عطف على حرف الروى أى: أو يجىء قبل الحرف الذى فى معناه
(قوله: يعنى إلخ) أشار الشارح إلى أن قوله من الفاصلة بيان لما فى معناه، وأنه أطلق الفاصلة على الحرف الذى يختم به الفاصلة، فهو من تسمية الجزء باسم الكل، والظاهر أن الفاصلة باقية على معناها الحقيقى، وهو الكلمة الأخيرة من الفقرة أى: حال كونه كائنا من الفاصلة.
(قوله: ما ليس بلازم فى السجع) ما عبارة عن شىء كما قال الشارح
(قوله: يعنى أن يؤتى قبله) أى: قبل ما ذكر من حرف الروى أو الحرف الذى فى معناه (وقوله:
بشىء) الشىء: أمور ثلاثة حرف وحركة معا، كما فى الآية الآتية والأبيات المذكورة بعدها، وحرف فقط: كالقمر ومستمر فى قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (1) وحركة فقط كقول ابن الرومى:
(1) القمر: 2، 1.
لو جعل القوافى أو الفواصل أسجاعا لم يحتج إليه الإتيان بذلك الشىء ويتم السجع بدونه، فمن زعم أنه كان ينبغى أن يقول ما ليس بلازم فى السجع أو القافية ليوافق قوله قبل حرف الروى أو ما فى معناه فهو لم يعرف معنى هذا الكلام، ثم لا يخفى أن المراد بقوله يجىء قبل كذا ما ليس بلازم فى السجع أن يكون ذلك فى بيتين أو أكثر أو فاصلتين أو أكثر
…
===
لما تؤذن الدّنيا به من صروفها
…
يكون بكاء الطّفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنّها
…
لأوسع مما كان فيه وأرغد
حيث التزم فتح ما قبل الدال وقوله لما تؤذن من تقدم العلة على المعلول
(قوله: لو جعل القوافى أو الفواصل أسجاعا) أى: بأن حولت القوافى عن وزن الشعر وجعلت أسجاعا وكذلك الفواصل إذا غيرت عن حالها وجعلت أسجاعا أخر
(قوله: لم يلزم الإتيان بذلك الشىء) أى: فى تلك الأسجاع المفروضة
(قوله: ويتم إلخ) أى: لكون السجع يتم بدونه فهو فى قوة التعليل لما قبله
(قوله: لم يعرف معنى هذا الكلام) أى: لم يعرف معناه المراد منه، والحاصل أن هذا المعترض فهم أن مراد المصنف بالسجع الفواصل، فاعترض عليه وقال: كان الأولى له أن يزيد القافية بأن يقول: ما ليس بلازم فى السجع أى:
الذى يكون فى الفواصل ولا فى القافية التى تكون فى الشعر ليوافق قوله قبل حرف الروى، أو ما فى معناه وهو حرف السجع، فرد شارحنا على هذا المعترض بما حاصله:
أن هذا المعترض لم يفهم مراد المصنف؛ لأنه ليس مراده بالسجع الفواصل، وإنما مراده أن الفواصل والقوافى فى لزوم ما لا يلزم فيها: هو أن يجىء شىء قبل ما ختمت به لا يلزم ذلك الشىء تلك القوافى ولا تلك الفواصل على تقدير جعلها أسجاعا وتحويلها إلى خصوص السجع، ويدل على أن ما فهمه ذلك المعترض ليس مرادا للمصنف إتيانه بالسجع اسما ظاهرا إذ الفواصل والأسجاع من واد واحد فلو أراد المصنف ما ذكره لكان المناسب أن يقول ما ليس بلازم فيهما بالإضمار أى: فى الفاصلة والقافية، تأمل.
(قوله: ثم لا يخفى أن المراد إلخ) حاصله أن المراد بقول المصنف أن يجىء قبل حرف الروى أو قبل ما يجرى مجراه ما ليس بلازم فى السجع أن يؤتى بما ذكر فى بيتين
وإلا ففى كل بيت أو فاصلة يجىء قبل حرف الروى أو ما فى معناه ما ليس بلازم فى السجع كقوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
…
بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل (1)
قد جاء قبل اللام ميم مفتوحة وهو ليس بلازم فى السجع وقوله: قبل حرف الروى أو ما فى معناه إشارة إلى أنه يجرى فى النثر والنظم (نحو فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ)(2) فالراء بمنزلة حرف الروى ومجىء الهاء قبلها فى الفاصلتين لزوم مالا يلزم، لصحة السجع بدونها نحو فلا تقهر ولا يسخر
…
===
أو فى فاصلتين فأكثر كما سيأتى فى التمثيل، فإنه لو لم يشترط وجوده فى أكثر من بيت أو فاصلة لم يخل بيت ولا فاصلة منه، لأنه لا بد أن يؤتى قبل حرف الروى أو ما جرى مجراه بحرف لا يلزم فى السجع فقوله مثلا:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
…
بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
قد جىء قبل الروى الذى هو اللام بميم وهى حرف لا يلزم فى السجع، وعليه يكون البيت من هذا النوع وليس كذلك، وإنما يكون الإتيان المذكور من هذا النوع إن التزم فى بيتين فأكثر أو فى فاصلتين فأكثر
(قوله: وإلا) أى: وإلا يكن المراد أن يكون ذلك فى إلخ يكون التعريف غير مانع لشموله كل بيت على حدته، مع أن البيت ليس من هذا النوع أى: لزوم ما لا يلزم
(قوله: وهو ليس بلازم فى السجع) أى: لو حولناه وجعلناه سجعا
(قوله: فالراء) أى: فى تقهر وتنهر بمنزلة حرف الروى أى: الذى فى القافية من جهة التواطؤ على الختم به
(قوله: ومجىء الهاء قبلها إلخ) أى: وكذا فتحة الهاء قبلها لزوم ما لا يلزم
(قوله: لصحة السجع بدونها) أى: لو حولناه إلى سجع آخر نحو فلا تقهر ولا تبصر ولا تصغر كما ذكر فى قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
(1) البيت لامرئ القيس فى ديوانه ص 110.
(2)
الضحى: 9، 10.
(وقوله: سأشكر عمرا إن تراخت منيتى، أيادى) بدل من عمرا (لم تمنّن وإن هى جلّت) أى لم تقطع أو لم تخلط بمنة وإن عظمت وكثرت.
(فتى غير محجوب الغنى عن صديقه
…
ولا مظهر الشكوى إذا النّعل زلّت) (1)
===
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
(قوله: وقوله) أى: الشاعر وهو محمد بن سعيد الكاتب فى مدح عمرو بن سعيد، وسبب مدحه له بذلك أنه دخل عليه فرأى كمه مشقوقا من تحته فبعث إليه بعشرة آلاف درهم
(قوله: إن تراخت منيتى)(2) أى: إذا تأخرت مدتى وطال عمرى شكرت عمرا أى: أديت حق شكر نعمته بالمبالغة فى إظهارها والثناء عليه بها، والمراد بالشكر الموعود به أكمله بالمبالغة وإلا فقد شكره فى إظهارها والثناء عليه بها، والمراد بالشكر الموعود به أكمله بالمبالغة وإلا فقد شكره بذكرها وثنائه عليه بها
(قوله: بدل من عمرا) أى: بدل اشتمال من عمرا وينبغى أن يقدر الرابط أى: أيادى له لوجوبه فى بدلى البعض والاشتمال، والأيادى: جمع أيد وهى النعم، والأيدى جمع يد بمعنى النعمة، فهو جمع الجمع
(قوله: وإن هى جلّت) إن:
وصلية، والجملة حالية أى: وإن كانت جليلة فى نفس الأمر فهو لا يقطعها ولا يمن بها.
(قوله: أى لم تقطع) بل هى دائما مسترسلة، فتمنن مأخوذ من المن وهو القطع
(قوله: أو لم تخلط بمنة) أى: بذكرها له على وجه المنة
(قوله: فتى) أى هو فتى من صفته أنه لا يحجب الغنى عن كل صديق له ولا يستقل به عن الأصدقاء
(قوله: ولا مظهر الشكوى) بالرفع عطف على غير الواقع صفة للخبر
(قوله: كناية إلخ) فالمعنى أن من صفته أنه لا يظهر الشكوى إذا نزلت به البلايا وابتلى بالشدة، بل يصبر على ما ينوبه من حوادث الزمان ولا يشكو ذلك إلا لله، فقد وصف الشاعر ذلك الممدوح بنهاية كمال المروءة وحسن الطبع حيث ذكر أن ذلك الممدوح من صفته أنه إذا كان فى غنى ويسر لم يستأثر به، بل يشارك فيه أصحابه، وإذا كان فى عسر وتضعضع لا يشكو من
(1) البيت تتمة للبيت السابق.
(2)
فى الإيضاح وهو لعبد الله بن الزبير فى ديوانه ص 142، وفى البيتان للطيبى 1/ 147، لكن نسبت لإبراهيم بن العباس الصولى، فى شرح عقود الجمان للمرشدى 1/ 52، ونسبت لأبى الأسود الدؤلى فى دلائل الإعجاز.
زلة القدم والنعل كناية عن نزول الشر والمحنة (رأى خلّتى) أى فقرى (من حيث يخفى مكانها) أى لأنى كنت أسترها عنه بالتجمل (فكانت) أى خلتى (قذى عينيه حتى تجلّت) أى انكشفت وزالت بإصلاحه إياها بأياديه يعنى من حسن اهتمامه جعله كالداء الملازم لأشرف أعضائه حتى تلافاه بالإصلاح، فحرف الروى هو التاء وقد جىء قبله بلام مشددة مفتوحة وهو ليس بلازم فى السجع لصحة السجع بدونها نحو جلت ومدت ومنبت وانشقت ونحو ذلك.
===
ذلك إلا لله، ولا يظهر تلك الحالة لأحد من أصحابه، فأصدقاؤه ينتفعون بمنافعه ولا يتضررون بمضاره أصلا، بل لا يحزنون بها؛ لأنه يخفيها ولا يظهرها لهم
(قوله: رأى خلتى) أى: أبصر أمارة فقرى وهى تقطع كم القميص
(قوله: أى فقرى) هذا تفسير على مراد وإلا فالخلة بالفتح الحاجة بمعنى الاحتياج وهو أعم من الفقر وكونه يراها مع كون صاحبها يخفيها لتجمل وإظهار آثار الغنى يدل على اهتمامه بأمر أصحابه حتى يطلع على أسرارهم قصدا لرفعتهم
(قوله: من حيث يخفى مكانها) خفاء المكان مبالغة فى خفاء الشىء، أو المراد بمكانها وجودها يعنى لكمال ترقبه لحالى رأى حاجتى فى موضع أخفيها فيه
(قوله: فكانت قذى عينيه) أى: فلما رأى خلتى كانت كالقذى أى:
الغماص الذى فى عينيه وهو أعظم ما يهتم بإزالته، لأنه وقع فى أشرف الأعضاء فما زال يعالجها حتى تجلت
(قوله: بأياديه) أى: نعمه.
(قوله: من حسن اهتمامه) أى: اهتمام عمرو الممدوح بإزالة فقره
(قوله: جعله) أى: المذكور وهو الخلة أى: فقر المادح، ولو قال جعلها أى: الخلة كان أظهر أو أنه ذكر الضمير الراجع للخلة نظرا لكونها بمعنى الفقر
(قوله: حتى تلافاه) أى: مازال يعالجه حتى تداركه بالإصلاح
(قوله: وهو ليس بلازم) أى: وكل من اللام والفتح ليس بلازم فى السجع، ففى كل من الآية والأبيات نوعان من لزوم ما لا يلزم أحدهما التزام الحرف كالهاء واللام، والثانى التزام فتح ذلك الحرف
(قوله: لصحة السجع) أى:
المفروض بدونها، أى: لو جعلت القوافى سجعا لم يلزم فيها ذلك
(قوله: أصل الحسن إلخ) أى: والأمر الذى لا بد أن يحصل ليحصل الحسن بجميع المحسنات اللفظية، كما
(وأصل الحسن فى ذلك كله) أى فى جميع ما ذكر من المحسنات اللفظية (أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى دون العكس) أى لا أن تكون المعانى توابع للألفاظ بأن يؤتى بالألفاظ متكلفة مصنوعة فيتبعها المعنى كيفما كانت كما يفعله بعض المتأخرين الذين لهم شغف بإيراد المحسنات اللفظية فيجعلون الكلام كأنه غير مسوق لإفادة المعنى، ولا يبالون
…
===
يقال أصل الجود الغنى أى: الأمر الذى لا بد أن يحصل ليحصل الجود الغنى، والأمر الذى لا بد أن يحصل ليحصل الشىء شرطه وإطلاق الأصل على شرط الشىء صحيح لتوقف المشروط على الشرط كتوقف الفرع على الأصل
(قوله: فى ذلك) أى: فيما ذكر من المحسنات اللفظية، وفى بمعنى الباء أى: أن شرط حصول الحسن بتلك المحسنات اللفظية أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى بأن تكون المعانى هى المقصودة بالذات والألفاظ تابعة لها، وإنما أتى بقوله: كله، لئلا يتوهم أنه مختص بالأخير منها، وهو إلزام ما لا يلزم.
(قوله: أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى) أى: الواقعة الحاضرة عنده بأن تلاحظ أولا مع ما يقتضيه الحال من تقديم أو تأخير أو حصر أو غير ذلك، فإذا أتى بالمحسنات اللفظية بعد ذلك فقد تم الحسن، وإن لم يؤت بها كفت النكات المعنوية.
(قوله: أى لا أن تكون المعانى توابع للألفاظ) تفسير لقوله: دون العكس، لا لقوله: العكس لفساد المعنى
(قوله: لا أن تكون المعانى توابع للألفاظ) لأنه لو كانت المعانى توابع للألفاظ لفات الحسن وانقلب إلى القبح؛ لأنه إذا اختل موجب البلاغة بطل التحسين اللفظى، وهذا الكلام تذكرة لما تقدم من أن وجود البديع إنما يعتبر بعد وجود البلاغة التى لها تعلق بالمعنى وحسن المعانى، وعليه يقال: كان ينبغى ألا تخص المحسنات اللفظية بالذكر، بل وكذلك البديع المعنوى إنما يعتبر إذا وجد الحسن الذاتى المتعلق بالمعنى الأصلى، لكن لما كان الغلط فى التعلق بالمحسنات اللفظية أكثر نبه عليه دون المعنوية هذا إذا جعلت الإشارة لأقرب مذكور وهو المحسنات اللفظية كما صنع الشارح، أما إن جعلت لمطلق البديع فلا يرد ما ذكر.
(قوله: بأن يؤتى بالألفاظ إلخ) هذا تصوير للمنفى وهو كون المعانى توابع للألفاظ (وقوله: متكلفة) أى: متكلفا فيها غير متروكة على سجيتها
(قوله: مصنوعة)
بخفاء الدلالات وركاكة المعنى فيصير كغمد من ذهب على سيف من خشب بل الوجه أن تترك المعانى على سجيتها فتطلب لأنفسها ألفاظا تليق بها، وعند هذا تظهر البلاغة والبراعة ويتميز الكامل من القاصر.
وحين رتب الحريرى- مع كمال فضله- فى ديوان الإنشاء
…
===
أى: قصد فيها إلى الصناعة وتحصيل المحسنات اللفظية، وحاصل ذلك أنه إذا كان المحسن اللفظى أو البديعى مطلقا هو المقصود بالذات كانت الألفاظ متكلفا فيها مطلوبة ويتحقق فى ضمن ذلك الإخلال بما يطلب للمعانى من الاعتبارات المناسبة لمقتضى الحال، فتكون تلك المطالب غير مرعية فى تلك المعانى، إذ المقصود بالذات الألفاظ البديعية وإيجادها لا الحسن المعنوى، فربما لم تخل الألفاظ حينئذ من خفاء الدلالة حيث تكون كناية أو مجازا، ومن ركاكة حيث تكون حقيقة بألا يراعى فيها الاعتبار المناسب، فتكون الألفاظ البديعية فى تلك المعانى: كغمد من ذهب ركب على سيف من خشب، أو كثياب فاخرة على ذات مشوهة، وأما إذا كان المقصود بالذات إفادة المعنى كانت الألفاظ غير متكلفة، بل تأتى بها المعانى حيث تركت على سجيتها التى تنبغى لها من المطابقة لمقتضى الحال؛ لأن ما بالذات لا تكلف فيه وإذا لم يتكلف جاء الكلام باشتماله على ما يقتضيه الحال حسنا حسنا ذاتيّا فإذا جاء حسن زائد على الذاتى وهو البديعى صار ذلك الحسن البديعى تابعا للذاتى فيزداد الحسن الذاتى بالحسن البديعى
(قوله: بخفاء الدلالات) أى: إذا كانت الألفاظ مجازات أو كنايات (وقوله: وركاكة المعنى) أى: إذا كانت الألفاظ حقائق
(قوله: فيصير) أى: اللفظ وفى نسخة فتصير بالتاء الفوقية أى: الألفاظ البديعية
(قوله: بل الوجه) أى: الطريق (وقوله: أن تترك المعانى) أى: الواقعة والحاضرة عنده
(قوله: ألفاظا تليق بها) أى: من حيث اشتمالها على مقتضى الحال
(قوله: وعند هذا) أى عند الإتيان بالألفاظ التى تليق بالمعانى
(قوله: والبراعة) مرادف لما قبله (وقوله: الكامل) أى: فى البلاغة (وقوله: من القاصر) أى: فيها؛ وذلك لأن مقتضيات الأحوال التى يشتمل الكلام عليها لا تنضبط لكثرتها، وكلّما كثرت رعايتها ازداد الكلام بلاغة
(قوله: فى ديوان الإنشاء) أى: حين رتب كاتبا عند الملك يكتب المراسلات للملوك والوزراء والعلماء.
عجز فقال ابن الخشاب هو رجل مقاماتى؛ وذلك لأن كتابه حكاية تجرى على حسب إرادته، ومعانيه تتبع ما اختاره من الألفاظ المصنوعة، فأين هذا من كتاب أمر به فى قضية؟ وما أحسن ما قيل فى الترجيح بين الصاحب والصابى أن الصاحب كان يكتب كما يريد، والصابى كان يكتب كما يؤمر، وبين الحالين بون بعيد
…
===
(قوله: عجز) أى لأنه كلف إنشاء ألفاظ مطابقة لمعان واقعية، ومقتضيات أحوال خارجية، وتكون تلك الألفاظ مع ذلك مصاحبة لبديعيات، والحال أنه إنما كانت له قوة على إنشاء ألفاظ لمعان مع بديعياتها تناسب أحوالا مقدرة يختلقها كما أراد
(قوله: فقال ابن الخشاب) أى: فى سبب عجزه وكان معاصرا له
(قوله: رجل مقاماتى) أى: له قوة على إنشاء الألفاظ المستحسنة المطابقة للمعانى التقديرية المتخيلة لا على إنشاء الألفاظ المستحسنة المطابقة للمعانى الواقعية؛ لأن المقامات حكايات تقديرية
(قوله: وذلك) أى: ومعنى ذلك أى: كونه رجلا مقاماتيّا
(قوله: لأن كتابه) أى: كتاب الحريرى المسمى بالمقامات
(قوله: فأين هذا) أى: كتاب معانيه فرضية من كتاب معانيه واقعة وحاضرة
(قوله: أمر به فى قضية) أى: عينية فإن هذا لا يكتب ما أراده، بل ما أمر به وهذا أخص يلزم من القدرة عليه القدرة على الأول وهو الكتابة لما أراده دون العكس؛ لأن كتابة ما يريده الإنسان ويخترعه سهل التناول بالتجربة، وأما كتابة ما يؤمر به فهو صعب إلا على الأقوياء.
(قوله: فى الترجيح) أى: التفضيل (وقوله: يكتب كما يريد) أى: كالحريرى، (وقوله: يكتب كما يؤمر) أى: كابن الخشاب
(قوله: يكتب كما يريد) أى يكتب لما يريده من الألفاظ؛ لأنه لم يقصد إفادة معنى واقعى، فالمعانى تابعة لما أراده من تلك الألفاظ المصنوعة
(قوله: كما يؤمر) أى: فألفاظه التى يكتبها تابعة للمعانى التى أمر بها بمعنى أن تلك المعانى تطلب تلك الألفاظ
(قوله: بون بعيد) أى فرق بعيد وأن الحالة الثانية أشرف من الأولى، وقد علمت أنه يلزم من القدرة على الحالة الثانية القدرة على الحالة الأولى، دون العكس.