الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (1) وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} (2) وقال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (3).
وكذلك الارتباط الأسري، والزواج الشرعي، حتى الحزن والمنغصات يتعرض لها الإنسان الذكر والأنثى، يعتري كل منهما متاعب وكوارث، ومرض وهرم، دون فرق بين رجل وامرأة فيحدث لكل ما كتب له من الخير، وما قدر عليه من متاعب الحياة، ومن حق كل من الرجل والمرأة أن يبحث عما أبيح له من أمور الحياة، في الإطار الشرعي، وليس له تجاوز ذلك.
5/ 4 - المبحث الرابع
المساواة في حق التكريم:
ورد تكريم المرأة في كافة الشرائع السماوية، التي جاءت بها الرسل عليهم السلام، فقد حدثنا القرآن الكريم عن نساء كرمهنّ الله تعالى، فقال عن أم مريم عليها السلام: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
(1) من الآية (57) من سورة القصص.
(2)
الآية (67) من سورة العنكبوت.
(3)
الآية (3، 4) من سورة قريش
الْعَلِيمُ} (1) فكان المنذور بنتا هي مريم عليها السلام {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (2) فكان من تكريم الله تعالى لامرأة عمران أن تقبل منها نذرها {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (3) أيّ تكريم أعظم من هذا؟ ، لقد دفع هذا التكريم زكريا عليه السلام إلى أن يتطلع إلى الذرية الصالحة الطيبة، ويهب داعيا ربه عز وجل {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} (4) وهنا يلتقي التكريم للرجل والمرأة على حد سواء، فكما تقبّل من امرأة عمران نذرها ودعاءها، تقبّل من زكريا عليه السلام دعاءه {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ
(1) الآية (35) من سورة آل عمران.
(2)
الآية (36) من سورة آل عمران.
(3)
الآية (37) من سورة آل عمران.
(4)
الآية (38) من سورة آل عمران ..
بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (1) يا له من تكريم عظيم: بشارة بغلام ذكرت صفاته قبل أن يخلق، وبشر بها أبوه قبل خروجه إلى الدنيا، ويعود التكريم إلى جانب مريم مرة أخرى، وكان في أربعة مواقف جليلة:
الأول: أن الله تعالى اصطفاها على نساء العالمين، والثاني: أن الله تعالى كرمها بمخاطبة الملائكة لها، والثالث: بشارتها بما لم يحدث لأنثى قبلها، ولن يحدث لأنثى بعدها، حملها من غير بشر، والرابع: جعل ابنها مباركا بكل ما تعنيه كلمة البركة وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} (2) شاركت المرأة الرجل في الاصطفاء والتكريم ولم تقصر عنه في ذلك، قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (3) ومنشأ هذا التكريم هو ما تحمّل من الإيمان
(1) الآية (39) من سورة آل عمران.
(2)
الآية (45) من سورة آل عمران.
(3)
الآية (70) من سورة الإسراء.
بالله وما نزل من الحق، وكان ذلك في العهد الذي أخذ على بني آدم قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (1) ومن هنا تحمّل آدم وذريته الأمانة العظمى: وهي القيام بالتكاليف الشرعية وفق هذا العهد، قال تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (2) فصحّ التكريم لمن آمن وعمل صالحا، قال تعالى:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} (3) وقد وعد الله تعالى المؤمنين من عباده الذكور والإناث على حد سواء، الصابرين على السراء والضراء، الذين لا تأخذهم في دين الله لومة لائم، جنات تجري من تحتها الأنهار، قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
(1) الآية (172) من سورة الأعراف ..
(2)
الآية (72) من سورة الأحزاب.
(3)
الآية (124) من سورة النساء.
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} (1) ووعدهم تعالى بالحياة الطيبة، في الدنيا حياة العزة، والطهر والعفاف وطمأنينة النفس، وفي الآخرة حياة النعيم الأبدي، قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (2) ومنّ الله عليهم بأن السيئات التي يقع فيها الإنسان ذكرا كان أو أنثى، لا تكتب عليه إلا سيئة واحدة، بمعنى أن عقابها ليس مضاعفا، كجزاء الحسنة التي يضاعف الله أجرها أضعافا كثيرة، قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} (3) وهنا نعلم أن التكريم مرتبط بالإيمان بالله تعالى، وإتباعه بالعمل الصالح، ومن خلا حاله من هذا الوصف، فليس من المكرّمين، بل يكون أسفل سافلين، في مهانة وذل وصغار، لأنه لم يؤمن بالله تعالى ولم يطعه فيما أمر، ولم يجتنب ما نهي عنه، حكّم عقله واتّبع هواه، قال تعالى: {لَقَدْ
(1) الآية (195) من سورة آل عمران.
(2)
الآية (97) من سورة النحل ..
(3)
الآية (40) من سورة غافر.
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)} (1) لأنهم فارقوا منهج التكريم، فكانوا كالأنعام، قال تعالى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (2) هذه صفاتهم لمّا أعرضوا عن الحق، وإن كانت أشكالهم الخلقية لا تختلف عن أشكال المؤمنين، لكنهم في الحقيقة لا يعقلون الحق، قال تعالى:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (3) وهذا يستوي فيه الرجال والنساء، المؤمنون بما ذكر عنهم، وغيرهم بما وصفوا، وعلى هذا فالرجل والمرأة ينظر لهما الإسلام من طرفين متقابلين: جانب الخير وجانب الشر، وقد يكون فيهما الخير كله، والعكس صحيح أيضا، وقد يمتزج الخير بالشر، ولم يصف الإسلام المرأة بأنها خيرة مطلقا، ولا شريرة مطلقا، بل أقرّ لها بالخيرية لما تتصف به من الإيمان والعمل الصالح {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ
(1) الآية (4، 5) من سورة التين.
(2)
الآية (179) من سورة الأعراف.
(3)
الآية (44) من سورة الفرقان ..
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (1) فقد نوّه الإسلام بالمرأة المؤمنة، لانتهاجها سبيل المؤمنين، طلبا للنجاة من عمل المفسدين، ووصفها بالشر لمّا ابتعدت عن ذلك {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} (2) بانتهاجها سبيل المارقين، وهذا عين العدل، ومن يتتبع حال المرأة عند الأمم التي لا تدين بالإسلام، سواء من كانوا قبل الإسلام، ومن هم بعد الإسلام، يجد أنهم لا يعترفون للمرأة بخير، ويرون أنها مصدر كل بلاء، وهذا فيه حق وباطل:
فالباطل: وصف المرأة بالشريرة على الإطلاق، وهي نظرة أولئك القوم، فإنهم يعدّونها شرا محضا لا خير فيها ولا نفع، وهي رجس من عمل الشيطان لا تستحق غير المهانة والاحتقار (3).
والحق: أن المرأة حينما تخرج عن القيم التي تحفظ عليها فطرتها وكرامتها، تكون كذلك، ولاسيما المرأة المسلمة حينما تخرج عن القيم الإسلامية، فإنه يزيد شرّها بقدر بعدها عن قيم الإسلام، حتى يكتمل فيها الشر، في تنكّرها لخالقها وما شرع لها من سبل
(1) الآية (11) من سورة التحريم.
(2)
الآية (10) من سورة التحريم.
(3)
عودة الحجاب 2/ 48.
الخير والنجاة في الدنيا والآخر، فتكون ممن اختار العمى على الهدى، وتولى غير سبيل المؤمنين، وهذا يؤيده قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
21 -
(ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)(1) وهذا حق ينطبق تماما على المرأة المتحررة من قيم الدين، المتجردة من الحياء والفضيلة، فيصدق على سلوكها قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
22 -
(إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)(2) وهذا الضرر العظيم ناتج عن الشهوة والعلاقة الفطرية بين الرجل والمرأة، والشهوة من أشد ما ابتلي به الإنسان، فيها سعادته إذا استخدمت وفق ما شرع الله دون تجاوز، وفيها شقاؤه، إذا حرر نفسه من الشرع واتبع هواه وكان أمره فرطا، ومع هذا فقد منح الإسلام كل منحرف عن الجادة حق العودة إلى الخير والمنهج السوي، {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (3) ولم يقل كما قال الرومان: إن المرأة قيدها لا يُنزع، ونيرها لا يُخلع.
أما المرأة المؤمنة بالله الملتزمة بشرع الله فقد حققت الغاية من اصطفاء الإنسان، فانبنى على ذلك تكريمها كالرجل تماما، ومن هنا تميز الإسلام في تكريم المرأة، وإعطائها حقوقها كاملة لا نقص فيها.
(1) البخاري حديث (5096) ومسلم حديث (2740).
(2)
البخاري حديث (6120).
(3)
الآية (53) من سورة الزمر.