الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7/ 3 - المبحث الثاني
ارتباط الإنسان بالرسالة
.
لقد كان الإسلام والمسلمون في الصدر الأول شيئا واحدا، الإسلام هو المسلم، والمسلم هو الإسلام، قوة إيمانية بالله ورسوله هائلة، وتصديق بشرع الله ورسوله، وتطبيق عملي فريد لمنهج الإسلام، ومن هنا جاء قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
6 -
(خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) قال عمران: لا أدري، أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنه قرنين أو ثلاثة) (1) فالمركز الأول عصر النبوة والأصحاب رضي الله عنهم، والمركز الثاني عصر التابعين بما فيه من قصور عن سابقه، والثالث عصر أتباع التابعين بما فيه من قصور عن سابقه أيضا، وفي الحقيقة أن بدء الجفوة ولو في أمر يسير بين الإسلام وبعض المسلمين برز بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، والفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وأخذ يتنامى إلى أن صح قول من قال: إن الإسلام شيء والمسلمين شيء آخر، وإن كان هذا لا ينطبق تماما على عهد الدولة الإسلامية الواحدة، فقد كان فيها خير كثير، لكنه قوي لمّا تشرذمة الدولة الإسلامية بفعل أعداء الإسلام، وتمادى أكثر المسلمين في المفارقة حتى أصبح القول المذكور حقيقة لا تنكر في هذا العصر، وليس على كل فرد، والسبب في هذه المفارقة الشديدة، عدم الأخذ بما أخذت به القرون المفضلة، فقد تناول أهلها الإسلام بالنظر إلى قدسية المرسل والرسالة والرسول (2) وكان تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم عندهم منبثقا من تعظيم المرسل
(1) البخاري، حديث (2651) ومسلم حديث (2535).
(2)
المراد الأغلبية الساحقة.
والرسالة، ولم يكن لمجرد شخصه صلى الله عليه وسلم، فإنه بشر مثلهم، ولذلك قال ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه: فيما رواه أنس رضي الله عنه قال:
7 -
(بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال: سل عما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ ، فقال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ ، قال: اللهم نعم، قال أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ ، قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر)(1) هذا تعظيم للمرسل والرسالة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتميز عن أصحابه، ولذلك لم يعرفه ضمام إلا بعد السؤال عنه، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لمن يرى عليه الرهبة:
8 -
(هوّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء)(2) وسار أصحابه من بعده في تقديس الرسالة مساره صلى الله عليه وسلم، بايع الناس أبا بكر رضي الله عنه فقال: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّمني، الصدق
(1) البخاري حديث (63).
(2)
المستدرك حديث (870).
أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي، حتى أريح (1) عليه حقه - إن شاء الله - والقوي فيكم ضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه - إن شاء الله - لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم (2) وهنا نلاحظ ارتباط أبي بكر بقدسية الرسالة، والتركيز على الالتزام بصحة المنهج.
وبايعوا ابن الخطاب رضي الله عنه فأهمّه الأمر وخشي أن ينظر الناس إلى شخصه وينسون تقديس الرسالة، قال حذيفة رضي الله عنه:
9 -
(دخلت على عمر وهو قاعد على جذع في داره وهو يحدث نفسه، فدنوت منه فقلت: ما الذي أهمك يا أمير المؤمنين؟ ، فقال هكذا بيده وأشار بها، قلت: الذي يهمّك والله لو رأينا منك أمرا ننكره لقوّمناك، قال: آلله الذي لا إله إلا هو، لو رأيتم مني أمرا تنكرونه لقومتموه؟ ، فقلت: آلله الذي لا إله إلا هو، لو رأينا منك أمرا ننكره لقوّمناك، قال: ففرح بذلك فرحا شديدا وقال: الحمد لله الذي جعل فيكم أصحاب محمد الذي إذا رأى مني أمرا ينكره قوّمني)(3) ولم يترك الأعداء الكيد للإسلام فبرزت الدعوة إلى تقديس الأشخاص، ليتمكنوا من خلق الجو المناسب لهدم الإسلام لبنة لبنة، ولو طال الزمن في نظرهم، وكان أول ما بدئ بالدعوة إلى الأخذ بدم الخليفة عثمان رضي الله عنه، وهي كما قال الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه في التحكيم: كلمة حق أريد بها باطل، تلت بعد ذلك دعوة عبد الله بن سبأ إلى تقديس آل البيت، وكان الهدف
(1) أي أعيد إليه حقه، من الرواح وهو العودة ..
(2)
مصنف عبد الرزاق رقم (20703).
(3)
ابن أبي شيبة 6/ 99 ..
منها الصرف عن تقديس الرسالة، وهي أخطر ما رمي به الإسلام، إذ تدرجت هذه الدعوة من طور إلى طور حتى جاء من يقول بألوهية علي رضي الله عنه، وقد استغل حب آل البيت عليهم السلام استغلالا واسعا، ولأغراض شتّى، حتى تحوّل التقديس الروحي إلى الأشخاص أكثر من الرسالة، وأحدثوا لتقديس الأشخاص في الزمان والمكان ما هو مخالف لمنهج الرسالة، وأدخلوا في القيم الروحية من البدع شيئا كثيرا، من تلمّس وتمسّح بقبور الأشخاص، وترنّم بالمدائح في احتفالات تقام لذلك، واتّسع الخرق على الراقع، حينما خرج عن إطار آل البيت عليهم السلام إلى غيرهم من الناس، ممن يقال عنهم: الأقطاب، والأولياء، والصالحون، وهلم جرا، وجاء التصوف الغالي في أمر هؤلاء ببدع لا تقل عما أحدث في أمر آل البيت عليهم السلام، وأصبحت هذه الأمور ظاهرة في العالم، تمثل ارتباطا روحيا لدى الكثيرين من الناس تجاه الأنبياء، والأولياء، والصالحين، ومن يرون أهليته للتقديس، وأصبح عندهم منهج تربوي يوجه مشاعر الآخرين إلى الشخصية المراد تقديسها، وإرساء علاقة حب شخصي لا ارتباط له بمنهج الدين الصحيح، وقد تجد من هؤلاء القوم من يخشى غضبة الولي، ولا يخاف من غضب الله عز وجل، ولو استحلفته بالله على أمر هو فيه كاذب لحلف دون تردد، ولكنه لا يجرؤ على الحلف بالولي كاذبا، وتجده لا يغضب لمخالفة الدين أوسبّه، ولا لذات الله جل جلاله، بل قد يمارس ذلك فيسب الله عز وجل، ويسب الدين، ولا تأخذه لومة لائم في حماية
جناب الشخص المقدس.
ومن منطلق الغلو في حب آل البيت، وما شاع له من قبول عند العامة، وما حصد من قيل عنه: إنه من آل البيت من غنائم في
مجال التقديس أولا، وفي مجال التموّل من الخمس وغيره، برزت ظاهرة ادّعاء النسب إلى آل البيت لمآرب عديدة منها ما ذكر، ومنها ما يتعلق بالسياسة والحكم، وما يتعلق بالمصالح الذاتية، فأصبح عند هؤلاء عدم الارتباط بالرسالة وتقديسها، وحلّ محله الارتباط بالشخصية المقدسة، وحياكة الأقوال في تعظيمها وتقديسها، ولو أسندوا في تعظيمها بعض الأقوال للرسالة فهي لا تعدوا أحد أمرين:
الأول: تأويل النص على غير المراد منه، إن كان مما ورد في الرسالة، كلا أو جزءا.
والثاني: صناعة النص ونسبته زورا إلى الرسالة لتقوية الهدف.
وهذا كله خلاف المنهج السوي: كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما يخاطبان الأشخاص من خلال الرسالة، ويدعوان إلى الارتباط بها مباشرة، في كل الأحوال: الدينية، والأخلاقية، والتعليمية، والدعوية، وكل ما يتعلق بالفكر والحوار، وأدب الحديث، وحالات الحرب والسلم، وحذّر القرآن من الانتماء إلى الأشخاص ومنهم الأنبياء عليهم السلام، وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (1) تبليغ الرسالة مهمته صلى الله عليه وسلم، فله الطاعة والاتباع، وللرسالة التقديس والبقاء، لأنها رسالة الله عز وجل، وإرادته في الحياة، وهي التي تبقى لتدبير حياة الناس، والرسل يموتون
(1) الآية (144) من سورة آل عمران.
لأنهم بشر، وقد عملوا لارتباط الناس بالرسالة وتقديسها، وهم لا يتكلمون عن ذواتهم من خلال الرسالة، ولم يوجهوا الأتباع إلى شيء من تقديس الذات، وهم يتلطفون بأتباعهم ويشفقون عليهم، فهذا نوح عليه عليه السلام أول الأنبياء، يقول لقومه:{يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (1) وهذا التلطف والخوف من نوح عليه السلام ورد في أكثر من آية في كتاب الله عز وجل، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى النجاة بتقديس الرسالة، ولم يدع إلى تقديس نفسه ولا مرة واحدة، والرسل كافة على نفس المنهج، وآخرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عرض عليه قريش الجاه والمال والملك فلم يقبل صلى الله عليه وسلم، وقال:
10 -
(يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)(2) لماذا هذا الموقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأن الأمر لا يتعلق بالأشخاص وإنما هو متعلق بالمرسل جل جلاله وبالرسالة، فليس المراد تقديس الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد الاستجابة له والإيمان برسالته، والتطبيق الفعلي لما جاء به، ولذلك لم يقل صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم فلان وفلان من عظماء الصحابة ومنهم ابن عمه وزوج ابنته علي رضي الله عنه، وإنما قال:
11 -
(تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ ، قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء
(1) من الآية (59) من سورة.
(2)
السيرة النبوية 1/ 203، ت البجائي.
وينكتها إلى الناس اللهم اشهد، اللهم اشهد) (1) وقد صدق من قال إن جاهلية اليوم أكثر إغراقا من الجاهلية السابقة، قوم نوح احتجوا عليه بأنه بشر مثلهم {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} (2) وجاهلية اليوم أسرفوا في تقديس الأشخاص حتى تجاوزا الرسل إلى من دونهم من الناس، بل زعموا في بعضهم أنهم في مقام أفضل من مقام الرسل، كمن يقول: إن لأئمتنا مكانة لم يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فخرجوا بكثير من الناس عن تقديس الرسالة، وأفقدوهم المنهج السوي الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، على أن تقديس الرسالة والعمل بالمنهج السوي لا يزال قائما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو ما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،
12 -
(لا تزال طائفة من أمتي على الحق، منصورة حتى يأتي أمر الله)(3) وعلينا في هذا العصر وقد كثر أعداء الإسلام، أن نعتصم بالمنهج السوي: كتاب الله عز وجل، وسنة المصطفى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن نركّز أولا على تقديس الدين كما أراد الله جل جلاله، وكما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونجد ونجتهد في إثراء الناس بالقيم الروحية، التي تلقّاها الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها صمدوا أمام الأعداء بدءا ببلال رضي الله عنه، صاحب القول العظيم: أحد أحد، وآل ياسر صدق الله العظيم، يمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون، فيقول:
(1) مسلم، حديث (1217) وهو طويل.
(2)
الآية (27) من سورة هود.
(3)
أخرجه مسلم، حديث (170)
13 -
(صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)(1) هذا النموذج الفريد لم تستولي عليهم المحنة وما هم فيه من البلاء، كان تقديسهم للرسالة أعظم من تقديسهم لسلامتهم من الأذى أو الموت، ولم يتعلقوا بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمهم أنه بشر، لا يملك لهم إلا التثبيت وصدق الموعد، وقد حوّل هؤلاء النفر المحنة إلى فرحة عظيمة أنستهم ما هم فيه من العذاب الأليم، فأصروا على الانتصار على العدو بالصبر، وهو السلاح المتوفر لديهم، والقوة التي لا تقهر، فإن قريشا لم يرغبوا في موت هؤلاء، أكثر من رغبتهم في أن يعودوا إلى التكذيب بالرسالة، وعدم تصديق محمد صلى الله عليه وسلم ولقد كان الصبر نصرا على الأعداء ولو أدى إلى الموت.
إن عمل الصحابة رضي الله عنهم ومواقفهم توحي لكل مسلم يطلب المنهج السوي، أنهم القدوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرجال منهم والنساء على حد سواء، وأنهم آمنوا بالرسالة وقدّسوها في واقع عمليّ فريد، وحملوا مسئولية الدفاع عنهما وتبليغها إلى من بعدهم على المنهج السوي، الذي تلّقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
14 -
(يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)(2) وفي رواية "يحمل" وقد كانت الواقعة تحدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيّ أمر من أمور الحياة، وكان الصحابة في هذه المواقف يفزعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعطي الحكم في الواقعة، فلا يكون لديه من الأمر شيء، وربما أقلقه ذلك صلى الله عليه وسلم فيتطلع إلى السماء ملتمسا الفرج
(1) أخرجه الحاكم، حديث (1244).
(2)
أخرجه البيهقي (السنن الكبير 10/ 206).
من عند الله الذي أرسله، وقد يتأخر نزول الوحي ويحاول بعض الصحابة أن يقدم رأيا، ولكن رسول الله يتطلع إلى الرسالة لأن فيها القول الفصل، فينزل الوحي بالحكم فيبلّغ النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين، وهم يبادرون إلى التنفيذ دون حوار أو مناقشة، وأسباب نزول الآيات من أعظم الشواهد على ما نقول.
ولقد كان الجانب البطولي مهما في نقل الرسالة إلى الآخرين، وليس هذا خاص بالإسلام، بل جميع الرسالات لم تستغن عن وجود الأبطال مع الرسل وبعدهم، ولذلك كان رسول الله يتطلع إلى ذلك وهو سيد الأبطال صلى الله عليه وسلم، ولو كان الأمر يتعلق بشخصه لتولّى ذلك وكفى، ولكن الأمر يتعلق بنقل الرسالة من جيل إلى جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فلابد من وجود أبطال من الأمة، وكان صلى الله عليه وسلم يلحّ في الدعاء ويقول:
15 -
(الَلهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلينِ إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب)(1) وكان أحبهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في عزة منذ أن أسلم عمر رضي الله عنه، وتوالى الأبطال الذين توفر فيهم الإيمان بقداسة الرسالة، والاستعداد للدفاع عنها ونقلها إلى الآخرين، وكان نتاج ذلك ما عرف عن المسلمين، من البطولات في حماية دين الله، ونشره من خلال الفتوحات، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وقامت للإسلام دولة لم يعرف التاريخ دولة نشرت الحق والعدل، ووحدت الأمم والشعوب مثلها إلى يومنا هذا، وأقامت من أسس العلم والحضارة ما أسهم بفعالية في إزاحة الجهل والظلام عن شعوب الغرب، الذين لا يقيمون للإسلام وزنا
(1) أخرجه الترمذي، حديث (3681).
اليوم، ويصفونه بالظلم والإرهاب، واتخذوا لضرب قيمه ومنهجه السوي صنائع من أبنائه ينفذون كل ما يتمناه أعداء الإسلام.
إن ما نحتاج إليه لحماية المنهج السوي، مثل تلك البطولات لتبقى العقيدة والمقدسات في المقام الأول، وتحقيق ما أراد لها الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم من القداسة وسلامة المنهج، ليقف الناس على ما في الإسلام من قيم روحية وتربوية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فإنه يمتلك أسمى المثل في ذلك كله، وهو نبع الطمأنينة والسكينة، يغني كل باحث عنهما وعن الإيمان بالله وحب الآخرين {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (1) وأحسب أن من الأبطال في العصر الحديث الإمامان العظيمان: محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب اللذان تعاقدا على نصرة الإسلام وإقامة الحكم بالكتاب والسنة، وتحقق لهما ذلك، ولست مجانبا الحق إذا قلت: وكذلك الخيرين من نسل الإمامين، ومنهم الملك عبد العزيز وأبناؤه الملوك الذين اختاروا الكتاب والسنة لقيام الدولة وحكم البلاد، ونشر العقيدة الصافية والذب عن توحيد الله، وإرساء الحق والعدل والمساواة، ونشهد أنهم غرة هذا الزمان، ولا نزكي على الله أحدا.
(1) الآية (13) من سورة الحجرات.