الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال بعض أصحابه: يا رسول الله، أظنها امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
105 -
(أحسبها غيرى، إن الله عز وجل كتب الغيرة على النساء، والجهاد على الرجال، فمن صبر منهن إيمانا واحتسابا، كان لها مثل أجر الشهداء)(1)، وهذا الصحابي الذي جاءت امرأته على الوصف المذكور تأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في المعاملة فبادر بلطف إلى سترها واحتضانها، ولم يظهر منه سب ولا تعنيف لها، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الغيرة قد تكون هي السبب في خروج المرأة على تلك الصفة، وأنها من صفات النساء التي جبلن عليها، وأن عليهن مقاومتها بالصر وحبس النفس عما تدعو إليه الغيرة من التصرفات الرعناء، وجزاء ذلك لها أجر شهيد من الرجال قاتل في سبيل الله عز وجل، وهذا من تكريم الإسلام للمرأة، فقد أعطيت من الأجر وهي قاعدة في بيتها، مقابل جهادها نفسها بالأخذ بالكتاب والسنة، مثل أجر الرجل الذي يكابد الأهوال في مقارعة الأبطال، ويموت دفاعا عن الإسلام، والمال والعرض.
22/ 5 - المبحث الثاني: وجوب الحجاب
.
انفردت المرأة عن الرجل في مجال العبادة بوجوب الحجاب عليها، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ
(1) الطبراني في الكبير، حديث (10040).
يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (1) هذه الآية الكريمة أول ما نزل في الحجاب، وقد كان العرب لا يحجبون النساء، ومعلوم أن القرآن نزل منجما على حوادث، تكون سببا في بيان الحكم الشرعي المفروض على الناس، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسبب فرض الحجاب ما رواه أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة:
106 -
اذهب فاذكرها عليّ، فانطلق حتى أتاها وهي تخمّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إِليها وأقول: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي عز وجل ، فقامت إِلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إِذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتّبعته، فجعل صلى الله عليه وسلم يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ ، فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني
(1) من الآية (53) من سورة الأحزاب.
وبينه، ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به - - - - وزاد في رواية - - - - {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} الَاية كلها. وروى أنس رضي الله عنه قال: قال عمر:
107 -
"وافقت الله في ثلاث (1) - - - - أو وافقني ربي في ثلاث - - - - قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب"(2) وهذا يبين كذب من زعم أن الحجاب عادة عربية وليس عبادة مفروضة على المرأة، فلو كان النساء يحجبن قبل الإسلام لما أرخى الستر رسول الله صلى الله عليه وسلم دون
(1) قلت: الثالثة قضية فداء الأسرى، لم ير ذلك عمر رضي الله عنه فنزلت الآية موافقة له.
(2)
البخاري حديث (4483) وكان نزول الحجاب في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وقيل: سنة ثلاث.
أنس رضي الله عنه، ولما همّ أنس بالدخول على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبطل زعم من زعم أن الوجه ليس مما تحجبه المرأة عن الأجانب بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (1) قال القرطبي رحمه الله: لما كانت عادة العربيات التبذل، وكنّ يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن، إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكنّ يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف، فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبا أو شابا، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار، يظن أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية بسبب ذلك (2).
قوله تعالى: {جَلَابِيبِهِنَّ} الجلابيب: جمع جلباب، والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن، قالت أم عطية رضي الله عنها: قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها. جلباب؟ قال:
108 -
(لتلبسها أختها من جلبابها)(3) وقد يستغرب هذا من يناوئ الحجاب اليوم، ونقول: لا غرابة ففي هذا بيان يسر
(1) الآية (59) من سورة الأحزاب.
(2)
القرطبي سورة الأحزاب.
(3)
مسلم حديث (883).
الإسلام، والحرص على أداء الواجب قدر الطاقة، وقد اختلف العلماء في صورة إرخاء الجلباب؛ فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، وقال الحسن: تغطي نصف وجهها، وأمر الله سبحانه جميع النساء بالستر، وذلك لا يكون إلا بما لا يصف الجسم، أو يشف عن البشرة، إلا إذا كانت مع زوجها فلها أن تلبس ما شاءت، لأن له أن يستمتع بها كيف شاء، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال:
109 -
(سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ ، وماذا فتح من الخزائن؟ ، من يوقظ صواحب الحجر، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)(1) وروي أن دحية الكلبي رضي الله عنه لما رجع من عند هرقل فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قبطية؛ فقال:
110 -
(اجعل صديعا (2) لك قميصا وأعط صاحبتك صديعا تختمر به) ثم قال له:
111 -
(مرها تجعل تحتها شيئا لئلا يصف)(3) وذكر أبو هريرة رضي الله عنه رقة الثياب للنساء فقال: الكاسيات العاريات الناعمات الشقيات (4)، ودخل نسوة من بني تميم على عائشة رضي الله عنها عليهن ثياب رقاق، فقالت عائشة: إن كنتن مؤمنات فليس هذا
(1) البخاري حديث (115).
(2)
نصفا.
(3)
الحاكم حديث (7384).
(4)
أنظر: القرطبي سورة الأحزاب.
بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعنه (1) وأدخلت امرأة عروس على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم تؤمن بسورة النور امرأة تلبس هذا (2) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
112 -
(نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)(3) وقال عمر رضي الله عنه: ما يمنع المرأة المسلمة إذ كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها أو أطمار جارتها مستخفية، لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها (4)، ومن زعم أن الحجاب خاص بنساء النبي فقد أعظم الفرية على الله ورسوله، لأن الله تعالى يقول:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (5) فنساء المؤمنين داخلات في الخطاب إلى يوم القيامة، لا يستثنى من ذلك أحد، ولما ظهرت الفتنة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم منع الصحابة النساء المساجد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله:
113 -
(لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)(6) حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا لمنعهنّ
(1) أنظر: القرطبي سورة الأحزاب.
(2)
أنظر: القرطبي سورة الأحزاب.
(3)
مسلم حديث (2128).
(4)
أنظر: القرطبي عند تفسير الآية من سورة الأحزاب، بتصرف.
(5)
الآية (59) من سورة الأحزاب.
(6)
البخاري حديث (900) ومسلم حديث (2249).
من الخروج إلى المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل (1) هذا بعيد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بزماننا هذا الذي قلّت فيه غيرة الرجال فقلّ فيه حياء النساء إلى حد بعيد، مقدمين سخف الحضارة والحرية المطلقة على صدق الكتاب والسنة النبوية، وقوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (2) هذا تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل العلم بالمشروع (3)، ودعوة للتوبة والإنابة بعد الوقوع في الذنب.
أما قضية الخلاف في تغطية الوجه فالصحيح الذي لا مرية فيه أنه واجب على كل مؤمنة ترجو الله واليوم الآخر، ونعلق على ما يخص الوجه لأن الحسن كله فيه والفتنة به أعظم، ولذلك وجب ستره عن غير المحارم، وقد نوّه الله عز وجل بشأن المرأة في تحمّل المسؤولية الدينية كالرجل تماما قال:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (4)، ويقول الله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ
(1) البخاري حديث (869) ومسلم حديث (445).
(2)
من الآية (59) من سورة الأحزاب.
(3)
القرطبي بتصرف.
(4)
الآية (71) من سورة التوبة.
وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (1) ويقول تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2) ويقول تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3) ويقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (4) هذه صفات المؤمنين والمؤمنات، إيمان بالله ورسوله، وعمل بما جاء في كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودعوة إلى ذلك، قالت أم سلمة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة:
(1) الآية (35) من سورة الأحزاب.
(2)
الآية (7) من سورة الحشر.
(3)
الآية (63) من سورة النور ..
(4)
الآية (36) من سورة الأحزاب.
114 -
(سبحان الله ماذا نزل من الفتن؟ ! وماذا فتح من الخزائن؟ ! أيقظوا صواحبات الحجرات، فرب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) قال ابن عيينة: صواحبات الحجر أزواجه صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
115 -
(صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)(1) وقال صلى الله عليه وسلم:
116 -
(ما تركت بعدي فتنة، هي أضر، على الرجال، من النساء)(2) فإنا نربأ بالمرأة المسلمة أن تكون فاجرة فتانة، ومن كانت كذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تكون في صورة شيطان، المرأة الفاجرة التي تعرض مفاتنها للناس يستغلها الشيطان لزيادة الفتنة والإيقاع فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
117 -
(إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه)(3) ولا يمكن أن توصف بذلك امرأة محتشمة متدينة، وما وقع فيه نساء المسلمين من فتنة الموضة، هو من كيد أعداء المسلمين، للإضرار بالقيم الإسلامية، وإخراج المرأة المسلمة من طهرها وعفافها، لتكون متعة للناظرين، وقد يكون ذلك مفتاحا لما هو أخطر من النظر، وقد دعوا إلى السفور بأسلوب ماكر خبيث، سفور بالتقسيط، وبواسطة تجديد الموضة في ملابس النساء، حسر عن الوجه شيئا فشيئا، حتى وصل الكثيرات من نساء
(1) مسلم حديث (2130).
(2)
البخاري حديث (4807) ومسلم حديث (2742).
(3)
مسلم حديث (1403).
المسلمين إلى حسر الرأس تماما، وتلاه الصدر، والعضدان والساقان، وقد شارفت على هذا الخطر آخر معاقل الإسلام، فالنساء فيها دارجات اليوم على موضة حسر الحجاب عن الوجه، وارتداء العباءة المخصّرة، وهي في الحقيقة فستان أنيق ضيّق، يصف الأعضاء بفتنة زائدة وجمال أخّاذ، فيا مؤمنات أين هذا من قول الله عز وجل:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (1) وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من خروج المرأة مستعطرة ولو في ثياب رثة، فقال:
118 -
(أيما امرأة استعطرت ثم خرجت ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زان)(2)، المراد هنا زنى النظر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(فالعين تزني وزناها النظر)(3)، الحديث، وأمر الله المؤمنات بغض البصر، مع الحجاب، وهو سدل الخمار على الوجه، لأن الله تعالى تعبّدها بذلك، ولأن الرجال أمروا بغض البصر، وعدم التمتع بالنظر إلى ما حرم الله، فكذلك المرأة مأمورة بغض البصر، ولو كانت تنظر من وراء حجاب، لا يجوز لها أن تتمتع بالنظر إلى الرجال، لأنها متعبدة بعدم ذلك، ولو فعلت ذلك وهي مختمرة فقد عصت الله ورسوله، وفتنت نفسها، وقد تجرها الفتنة إلى كشف ما هو أعظم، لذلك قال الله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ
(1) شرح مشكل الآثار حديث (2713).
(2)
مرسل، رجاله ثقات، أخرجه الدارمي حديث (2700) وصح رفعه، أخرجه أحمد (المسند 4/ 400، 414، 418) وأبو داود حديث (4183) والترمذي حديث (2786) وقال: حسن صحيح، والنسائي (حديث (5126).
(3)
مرسل، رجاله ثقات، أخرجه الدارمي حديث (2700) وصح رفعه، أخرجه أحمد (المسند 4/ 400، 414، 418) وأبو داود حديث (4183) والترمذي حديث (2786) وقال: حسن صحيح، والنسائي (حديث (5126) ..
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1) فأي كرامة للمرأة أجل وأعظم مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله؟ ! ! ، تقول أم سلمة رضي الله عنها:
119 -
(سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذيل المرأة، فقال: شبرا، فقلت: يا رسول الله، إذن تبدو أقدامهن، قال: فذراعا لا يزدن عليه)(2) ولنتأمل هذا النص تسأل أم سلمة عن تغطية القدمين، ولم يخطر ببالها السؤال عن تغطية الوجه لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة بعد نزول آية الحجاب، فسألت عما هو أقل فتنة من الوجه، فأين هذا من لباس المرأة اليوم؟ ! ! ، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنع المرأة من بعض التعديلات الخلقية، في حال كونها طلبا لزيادة الحسن والجمال اللافت للأنظار، ولو كانت تلك التعديلات لا تقصد المرأة من ورائها إلا متعة زوجها، فقال صلى الله عليه وسلم: فيما يرويه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
(1) الآية (31) من سورة النور.
(2)
هذا حديث لا يقل عن الحسن، أخرجه الدارمي حديث (2698).
120 -
"لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد - - - - يقال لها أم يعقوب - - - - فجاءت فقالت: بلغني أنك لعنت كيت وكيت؟ فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (1) فقالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، فقالت: فإني أرى أهلك يفعلون، قال: فادخلي فانظري، فدخلت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئا، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها"(2) أي ما ساكنتها ولا بقيت زوجة لي.
إن المرأة المسلمة لا تنازع فيما ندبها الإسلام إلى فعله من النوافل، ومن الأولى عدم المنازعة فيما فرض الله عليها، قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (3) واسمع قول أم سلمة رضي الله عنها: لما نزلت:
(1) من الآية (7) من سورة الحشر.
(2)
أخرجه البخاري حديث (4886) ومسلم (2125).
(3)
الآية (36) من سورة الأحزاب.
{يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} (1) خرج نساء الأنصار كأنَّ على رءُوسهنَّ الغربان من الأكسية (2) فنقول لنساء المسلمين اليوم: سبحان الله ألا يسعكن ما وسع نساء رسول الله أمهات المؤمنين، ونساء الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى يوم الدين؟ ! ! ليس لكنّ والله إلا أحد أمرين: أن تزعمن أنّكنّ أفضل وأطهر منهن، وهذا ضلال مبين لا يقول به عاقل، أو تعترفن بالخطأ والخروج عن نهج الكتاب والسنة، وفي هذه الحال لا يسعكن إلا التوبة والعودة السريعة جدا إلى الحق، فأين الراغبات في الجنة، المقتديات بنساء رسول الله أمهات المؤمنين؟ ! ، الحق أن الخير باق في هذه الأمة، ولكنهم غرباء قليلون، وطوبى للغرباء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
121 -
(بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء)(3)، سماهم غرباء لأنهم يصلحون عند فساد الناس، فيتمسكون بالدين والقيم، ويصبرون على الطاعة، عند ظهور الشر والفتن، وكثرة المعاصي، والاغترار بشهوات الدنيا، فزكت نفوسهم بتلك الاستقامة، وطهرت بذلك الصبر العظيم، صبر مركّب: على طاعة الله، وعن معصية الله، فكانت أعمالهم زاكية في زمان الفتن والهرج والمرج، فأشبهوا أوائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في وقت كثرة المشركين من قريش، وإبان قوتهم الغاشمة عليهم، فصبروا على أذاهم، وتمسكوا بدينهم، فمآل الفريقين إلى خير، لاتفاقهما في الوسيلة والغاية، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) من الآية (59) من سورة الأحزاب.
(2)
أبو داود حديث (4101).
(3)
أخرجه مسلم حديث (232).
122 -
(ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، واعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فان من ورائكم أياما الصبر فيهن القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم، قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين رجلا منكم)(1) ومن أخطر الفتن المدمرة للمجتمع اختلاط النساء بالرجال، وعدم الالتزام بالحجاب الشرعي، واتّباع الهوى في ذلك، والاعتماد على فتاوى واهية، وعدم الأخذ بالأحوط في الدين، وليكن كلامنا حول أبرز ما في المرأة وهو وجهها، إن الوجه فيه كمال الجمال البشري، إذا نقص في عضو منه وجد في الآخر ما يعوض ذلك النقص، فالعيون والمقل والجفون والوجنات والثغور والحواجب، والخال وما أدراك ما سحر الخال، كل هذه المواقع الخطرة تملك سحرا بالغا التأثير في الناظرين، فهي مصائد للهواة الأغرار، فالوجه إذن مجمع كمال الجمال، في الرجل والمرأة، ولذلك أمر الرجال والنساء بغض البصر، قال تعالى:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (2) وقال تعالى في حق النساء: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا
(1) له روايات، وانظر: الترمذي حديث (3058).
(2)
الآية (30) من سورة النور ..
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1) ولذلك ربط بين غض البصر وحفظ الفروج لأن النظر مدعاة إلى القول، والقول مدعاة إلى الفجور، والوقوع فيما حرم الله تعالى، وفي العيون يقول الشاعر بشار بن برد:
إن العيون التي في طرفها حور
…
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
…
وهن أضعف خلق الله إنسان
ويقول كثير عزّة:
رمتني على عمد بثينة بعدما
…
تولى شبابي وارجحن شبابها
بعينين نجلاوين لو رقرقتهما
…
لنوء الثريا لاستهل سحابها
ويقول جميل بثينة:
صادت فؤادي بعينيها ومبتسم
…
كأنه حين أبدته لنا برد
ومما جاء في الكحل والمقل، قول مالك بن المرحّل:
كم عفّروا بين أيدي العيس من بطل
…
أذابه المضنيان الغنج والكحل
(1) الآية (31) من سورة النور.
دارت عليهم كؤوس الحب مترعة
…
وإنما المسكران الراح والمقل
وفي الألحاظ والحواجب والجفون والأهداب يقول الشاعر:
وسهام الألحاظ ترمي بها أصـ
…
- داغ عن قوس حاجب كالنون
ويقول عنترة بن شداد:
له حاجب كالنون فوق جفونه
…
وثغر كزهر الأقحوان مفلج
ويقول الآخر
أشراك جفنيه هدب
…
بها تصاد القلوب
ويقول الآخر
جاء من لحظه بسحر مبين
…
بفتور من جفنه وفتون
ويقول آخر
ليت الذي أضناه سحر جفونه
…
قبل الممات يكون من عواده
وفي الثغر والجنات يقول الشاعر
وفي ثغره ماء اللسان مروق عطر
…
وفي وجناته الورد الطري
وفي الخال يقول الشاعر:
والخال ينقط في صحيفة خده
…
ما خط حبر الصدغ من نونات
وليست الأطراف والأرداف أقل فتنة مما تقدم ذكره، فالمرأة بكامل جسمها فتنة للرجال، وقد وصفت كل أعضائها من قبل المفتونين من الرجال، ولكل ساقطة لا قطة، كما قال الشاعر:
تعشقتها شمطاء شاب وليدها
…
وللناس فيما يعشقون مذاهب
إن دواوين الشعر طافحة بما في وجه المرأة من فتنة وجمال، تلك الفتنة البالغة، وذلك الجذب الخطر، هو مفتاح الشر، وطريق الرذيلة، والذي يتحمل إثمه بادئ ذي بدء المرأة الفاتنة، التي خالفت أمر ربها، وأمر نبيها، وفضّلت على ذلك دعوة شياطين
لإنس والجن، فاحتملت وزرا عظيما، وأوقعت الناظرين فيما حرم الله، وكم من ناظر أثم بنظره إليها، وهي أيضا تحمل مثل وزره لأنها السبب في ذلك، فإذا ما وصل إليها الناظر فالمصيبة أعظم، على حد قول الشاعر المفتون:
وآخرون اشتفوا منهم بضمهم
…
يا حبذا الشافيين الضم والقبل
وإن صح له مما زعم من الشفاء من وهج الفتنة، فإنه أشفي (1) إلى النار إن لم يتب، أو تدركه رحمة الله.
هذا قطر من سيل جارف، من أقوال من فتنوا بسحر الجفون والمقل، وما ينكر هذه الفتنة العظيمة إلا مجنون لا عقل له، أو عديم فطرة، وما يتسابق فيه الفاتنات اليوم من تجميل العيون والمقل، واصطناع الخال أكبر شاهد على ما نقول، ولم يكن هذا السباق المحموم إلا لعلم الفواتن أنفسهن بتأثير هذا الجانب على الناظرين، وغير العاقلات تقودهن الشعرة إلى الإيمان بدعاة التبرج ورواد الرذيلة، والكفر بدعاة الحجاب والستر والفضيلة، فكان تأثير الدعاية والإعلام الهدام، أبلغ في أنفسهن، من دعوة الكتاب والسنة، على حد ما فعل النساء في زمان غابر عند ما طلب بائع الخمر (2) السود من أحد الشعراء أن يضع له بيتا من الشعر دعائيا، يسيّر بضاعته الكاسدة، فقال الشاعر أبو نواس:
قل للمليحة في الخمار الأسود
…
ماذا فعلت براهب متعبد
فلما سمع النساء الرواغب في فتنة الآخرين هذا البيت بادرن التسابق إلى شراء الخمر السود، فراجت البضاعة، لكن من كانت من النساء مؤمنة صادقة لم تتأثر بالزوابع، وليس لها حظ في ترويج الفتنة، فبقي الطهر والعفاف تاجا تفخر به كل مؤمنة،
(1) أي أشرف (النهاية 2/ 489).
(2)
جمع خمار: وهو ما تستر به المرأة رأسها ضاربة به على صدرها وكتفيها.
فإنها ترجو من الله ما لا يرجوه الفاتنات، الكاسيات العاريات، وكل إناء بما فيه ينضح.
نعم المرأة مطالبة بالمحافظة على رقتها وأنوثتها، لكن مع الالتزام بالكتاب والسنة، ولذلك حرم عليها التشبه بالرجال، كما حرم على الرجال التشبه بالنساء، ورد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
123 -
(أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم) قال: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانا، وأخرج عمر فلانا - أو فلانة (1)، واللعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم معناه: الطرد والإبعاد من رحمة الله، وما أمر بإخراجهم من البيوت إلا لخطورتهم، وشذوذهم عن السلوك السوي.
وليس ولاة الأمور بمعزل عن الإثم، لتفريطهم في أمر القوامة، وعدم قيامهم بالرعاية الدينية والخلقية لنسائهم، والله عز وجل يقول:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (2) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
124 -
(كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها،
(1) رجاله ثقات، وأخرجه أحمد (المسند 1/ 339، 365) والبخاري حديث (5886، وطرفه: 5885) وأبو داود حديث (4097) والترمذي حديث (2785، 2786).
(2)
الآية (6) من سورة التحريم.
والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته) قال: وحسبت أن قد قال:
125 -
(والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته)(1) ومن هذا يتأكد أن الحجاب حق شرعي تعبدي للمرأة وحق اجتماعي لها حق المحافظة عليه ولا ينزعه منها إلا ظالم متعد على حقوقها المفروضة شرعا، لأن في ذلك حماية لدينها وعرضها من عدوان غير المحارم من الرجال، ولذلك لم يأمر بالحجاب عن المحارم لانتفاء العلة التي فرض من أجلها الحجاب، قال تعالى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} (2) ولم يذكر بقية المحارم لورودهم في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ
(1) البخاري حديث (853).
(2)
الآية (55) من سورة الأحزاب.
سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (1) وقوله تعالى في الآية السابقة: {وَلَا نِسَائِهِنَّ} (2)
أي جنس النساء المسلمات، وعلى خلاف في غيرهن: كالكتابيات فلا يؤمنّ فقد تصف المرأة المسلمة وما هي عليه من محاسن، والحيطة منهنّ والاحتشام عند مجالستهنّ هو الأولى، ولذلك أمرن بأن يتقين الله في كل الأحوال، فيجب أن تختار المرأة المسلمة من اللباس ما يتم به الحجاب الشرعي، وإنّ أحسن ما يفسر به الجلباب: أنه الملاءة وهو المعروف بالعباءة، ويجب أن تكون فضفاضة تستر جميع بدن المرأة، غير مشفّة لما تحتها من ثياب فتحجّم البدن، هذا لتغطية سائر البدن، والحذر من العباءة الضيقة التي تجّحم البدن، أما الرأس والوجه والصدر فالخمار هو سترها، وما ورد في كيفية ستر الوجه إلا عينا واحدة، أو شدّ الخمار على الوجه وإن ظهرت عيناها، أو ظهر نصف وجهها، فهذا كله السبب فيه التيسير على المرأة إذ كانت الخمر في ذلك الوقت صفيقة كثيفة تمنع الرؤية تماما، فجاء هذا الاجتهاد من ابن عباس رضي الله عنه، وقتادة رحمه الله، وغيرهما، ولا مانع اليوم من استعمال المرأة البرقع: الخمار ذو الفتحتين للعينين، وستر العينين بالنظارة التي لا تسمح برؤية العينين للغير، والحذر من أن يكون الخمار مشفّا عمّا تحته، هذا ما درج عليه المسلمات، منذ نزول آية الحجاب، ودام قرونا طويلة إلى أن ظهر صنائع أعداء الإسلام، وأعداء الإسلام لن يتوقفوا عند حد حتى يخرجوا المسلمين من دينهم، ولن يرضوا بالخروج عن الإسلام حتى يتقبلوا ما هم فيه من باطل وضلال، قال تعالى:
(1) الآية (23) من سورة النساء.
(2)
من الآية (55) من سورة الأحزاب ..