الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك أن تكون الحوادث كلها حدثت لا محدث، وذلك أعظم من كونها حدثت بلا سبب حادث، وقد بسط هذا في موضعه.
وأما ما حكاه القاضي عن ثمامة، فهو من لوازم قوله، كما أن المعتزلة البصريين لما قالوا: تحدث إرادة لا في محل بل إرادة، ألزمهم الناس بحدوث الحوادث كلها بلا إرادة، وهو ينفي عنها الفاعل الإرادي، لا ينفي سبباً اقتضى حدوثها، وهم مع هذا معترفون بأنه لا بد للحوادث من فاعل مختار، ولكن لازم المذهب ليس بمذهب، وليس كل من قال قولاً التزم لوازمه التي صرح لفسادها، بل قد يتفق العقلاء على مقدمة وإن تناقض بعضهم في لوازمها، ولهذا كانت الشبه الواردة على قول القائل: إن التخصيص الحادث لا بد له من محدث مخصص، أو أن الممكن لا بد له من مرجح، أعظم مما يرد على أن المحدث لا بد له من محدث.
كلام الرازي في نهاية العقول عن مسألة إثبات وجود الله تعالى
والتناقض الذي يلزم أولئك أكثر.
ولها أورد أبو عبد الله الرازي في مسألة إثبات الصانع على طريقة أسولة لم يجب عنها بجواب صحيح، فإنه يبني جميع ما يذكره من الطرق على أن الممكن
لا بد له من سبب، فاعترض على ذلك بأنه: (لم قلتم: إن الممكن لا بد له من سبب؟.
ثم هنا نظران: أحدهما: أن نقول: أنتم في هذا المقام بين أمرين: إما أن تدعوا الضرورة فيه أو النظر.
ودعوى الضرورة باطل لوجهين: أحدهما أنا إذا عرضنا على العقل أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، وعرضنا أيضاً قولنا: إن الواحد نصف الأثنين، لم نجد القضية الأولى في قوة القضية الثانية.
وثانيهما: أن العقلاء جوزوا وقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان ذلك ضرورياً لاستحال من العقلاء دفعه.
بيان أن العقلاء جوزوا ذلك صور ست: أحدها: أن القائلين بحدوث العالم، وهم المسلمون، يقولون: إن الله فعل في
الوقت المعين، دون سائر الأوقات، لا لأمر يختص به ذلك الوقت.
ومن علل منهم ذلك باختصاص ذلك الوقت بمصلحة خفية، يحكم باختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة دون سائر الأوقات المذكورة، مع تساويها بأسرها، فيكون ذلك وقوعاً للممكن بلا سبب.
وثانيها: أن الذين يحيلون الدواعي والأعراض على الله تعالى، وينكرون كون الحسن والقبح صفة عائدة إلى الفعل، يقولون: أن الله تعالى حكم في الواقعة المعينة بحكم مخصوص، من إيجاب، أو ندب، أو حظر، أو إباحة، مع كون سائر الوقائع مساوياً لها، فلا يكون على مذهبهم لتخصيص تلك الواقعة بذلك الحكم سبب مخصوص.
وثالثها: أن أكثر زعموا أن القادر، مع تساوى دواعيه إلى الشيء وضده، قد يفعل أحدهما دون الآخر لا لمرجح، بل زعموا أن الهارب من السبع إذا اعترضه طريقان متساويان من جميع الوجوه، فإنه لا بد وأن يختار أحدهما دون الآخر، وزعموا أن العلم بذلك
ضروري، وأن الجائع إذا خير بين أكل رغيفين متساويين من كل الوجوه، فإنه لا بد وأن يختار أحدهما، بل يبتدىء بكسر أحد جوانب ذلك الرغيف من غير سبب مختص يختص به ذلك الجانب، وكذلك النائم ينقلب من احد جنبيه على الآخر لا لمرجح، وادعوا الضرورة في هذه الصورة.
ورابعها: أن أكثر المعتزلة زعموا أن الذوات متساوية في الذاتية، ومختلفة في الصفات الذاتية، وأنه ليس لاختصاصها بتلك الصفة علة.
وخامسها: زعمت الفلاسفة أن حركات الفلك لأجل التشبه، مع أنها لو وقعت إلى الجهة المضادة لجهتها، أو أسرع أو أبطأ مما وجدت، لكن التشبه حاصلاً لا عن مرجح.
وسادسها: أنهم يقولون: الكوكب المعين يختص بموضع معين من الفلك، مع كون ذلك الموضع مساوياً لسائر المواضع في الحقيقة والماهية، لكون الفلك عندهم بسيطاً، فثبت أن العقلاء حكموا في هذه الصور بوقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان العلم بذلك ضرورياً لاستحال ذلك، كما استحال أن يحكم بعضهم بكون الواحد أكثر من اثنين.
فهذا البطلان قول من يدعي الضرورة في هذا المقام، وأما من يدعي الاستدلال فلا بد له من دليل، وأنتم ما ذكرتم ذلك الدليل.
ثم لو ذكرتموه فإنه ينتقض بالصور التي عددناها) .
وذكر أسولة أخرى.
ثم قال أبو عبد الله الرازي: (والجواب على منهجين: الأول: إجمالي، وهو أن دليلنا بناء على مقدمتين: إحدهما:
أن المحدث لا بد وأن يكون ممكناً، لأن الذي لا يقبل حقيقة العدم لا يكون معدوداً في شيء من الأوقات.
وثانيهما: أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح.
وهاتان المقدمتان لا يشك فيهما عاقل، وما ذكرتموه من الشكوك فهي جارية مجرى شبه السوفسطائية القادحة في سائر العلوم الضرورية.
وكما أن تلك الشبه مع قوتها لا تقدح في شيء من العلوم الضرورية، وتلك لا تزيل عنا الجزم والوثوق بالمشاهدات، فكذلك ما ذكرتموه) .
قال: (وهذا جواب قاطع للمنصف) .
قال: (والمنهج الثاني أن نجيب عن الشكوك المذكورة على التفصيل) .
إلى أن قال: (قوله: إذا ثبت كون المحدثات ممكنة، وجب
استنادها إلى مؤثر.
قوله: تدعون فيه الضرورة أو النظر؟ قلنا: بل ندعي فيه الضرورة، فإنا أذا فرضنا إنساناً سليم العقل لم يمارس هذه المجادلات، ثم يعرض على عقله أن كفتي الميزان: هل يمكن أن تترجح إحداهما على الأخرى لا لسبب أصلاً؟ فإن صريح العقل يشهد له بإنكار ذلك.
وكذلك إذا دخل برية لم يجد فيها عمارة أصلاً، ثم دخلها فوجد فيها عمارة رفيعة مشيداً، فإنه مضطر إلى العلم بوجود باني وصانع، وكذلك إذا أحس بصوت أو حركة اضطر إلى العلم بوجود مصوت أو متحرك، بل الصبيان يضطرون إلى العلم بذلك، لأنهم إذا وجدوا في موضع شيئاً لم يتوقعوا حصوله هناك، حملتم طباعهم السليمة على طلب من وضع ذلك الشيء في ذلك الموضع، فدلنا هذا على أن ذلك من العلوم الضرورية.
قوله: إذا عرضنا على العقل أن الواحد نصف الأثنين، وعرضنا أيضاً أن الممكن
لا يترجح أحد طرفيه على الآخر الإ لمرجح، وجدنا الأول أظهر.
قلنا: هذا ممنوع، وبتقدير التسليم لا يلزم من كون الأول أجلى منه أن لا يكون هو جلياً، وذلك لأن العلوم الضرورية متفاوتة في الجلاء، كما أن العلوم النظرية متفاوتة في الخفاء، وكما أن التفاوت في النظريات لا يخرجها عن كونها نظرية، وكذلك التفاوت في الضروريات لا يخرجها عن أن تكون ضرورية.
قوله: إن جمعاً من العلماء التزموا وقوع الممكن لا عن سبب، ولو كان فساد ذلك ضرورياً لما قالوا به.
قلنا: إنهم لم يلزموا ذلك، بل غايته أن صار ذلك لازماً على مذاهبهم، وليس كل ما صار لازماً وجب أن يلتزمه صاحب ذلك المذهب.
والإشكال إنما يجيء من التزامه ما يناقض هذه القضية لا من لزومه، وكذلك فإن أصحاب هذه المذاهب متى ألزمتهم وقوع الممكن لا عن سبب، فإنهم يحتالون