الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفعل محمود ومذموم، ودل على أنه لا يعذب أحداً بعد إرسال رسول.
والله سبحانه أعلم.
كلام أبي محمد بن عبد البصري
وقال الشيخ أبو محمد بن عبد البصري في كتابه في أصول السنة والتوحيد: (فصل في الخلق على الفطرة.
قال: وخلق الله الخلق على الفطرة، وهو قوله سبحانه:{فطرة الله التي فطر الناس عليها} ، وهي الإقرار له بالربوبية، مع معرفة الوحدانية، وذلك أنه سبحانه خلق الخلق على علم منه بهم، مشاهد لما يؤول أمرهم وعواقبهم إليه، فخلقهم على ما علم منهم وشاء، غير مؤمنين ولا كافرين صبغةً، بل مقرين عارفين، لا موحدين ولا جاحدين.
وكذلك قد روي في الأثر، بقول الله تعالى: خلقت خلقي حنفاء مقرين، لا منكرين ولا موحدين، وذلك إثبات ونفي الجبر، فثابت في نظره وعلمه عامة عواقبهم، وله التحكم فيهم، وهو أعدل من أن يضطرهم إلىكفر وغيره، فيبطل بذلك الكسب، وإذا بطل الكسب بطل التكليف والامتحان، إذ التكليف لا يكون جبلاً، ولا يقع اضطراراً وجبراً، ولا يكون إلا اختياراً، إذ قد أمروا بها، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وكل
ما منه حق غير عابث، عدل غير ظالم، عالم لا يخفى عليه شيء، شاء لم يزل يشاء أن يثبتهم ويعاقبهم على أفعال تكون كسباً لهم.
وهو عادل في عباده: {إن الله لا يظلم الناس شيئا} .
وقال عز من قائل: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} مع ما أنه لم يزل مالكاً لهم، وقادراً عليهم، ومتصرفاً فيهم، لا غناء لهم عنه، ولا محيص لهم منه، فخلقهم عز وجل على الفطرة كما أخبر، وخلق الأعمال كما ذكرنا، ولم يضطر أحداً إلى شيء من ذلك، ولو خلقهم كفاراً صبغةً لما قال لهم:{كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} ، إذ لا يليق بالحكيم أن يخلق صبغةً ويغير نفس ما خلق من غير كسب.
وقال سبحانه: {أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} ، ولو خلقه كافراً لما صح منه الإيمان، وكان معذوراً مدلياً بحجته، والله تعالى يقول:{لا تبديل لخلق الله} ، وكان ذلك تكليف ما لا يطاق، كما أن يصرف الأسود فيقال له أبيض، والأبيض أسود، وذلك مستحيل من حكيم.
وأما قوله سبحانه: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم
مؤمن} ، يعني: أنه خلق الكل وقد اعترفوا به بذلك، فمنهم من شكر خالقه واعترف له بالنعم، وبالإخراج من العدم إلى الوجود، فحقق فعله، وقبل من رسله، ووحد ربه.
ومنهم من كفر ولم يشكر خالقه، وأشرك به ما لا يجوز له، وكذب برسله، فصار كافراً بفعله.
وقد روي نحو من هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه فإما شاكراً وإما كفوراً» .
وقد قال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} ، فلما امتثل ذلك قوم، وعدل عنه آخرون، كانوا هم المرادين من قوله:{فمنكم كافر ومنكم مؤمن} .
وقد قال سبحانه في حال المؤمنين {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} ، فأخبر أنه فعل ذلك بهم بعد ما خلقهم، ولم يقل: خلقكم مؤمنين: وكره إليكم الكفر، فدل على أنه لم يفعل بالكافر ما فعل بالمؤمن، وذلك أبلغ دليل على أنهم لم يخلقوا صبغة: كافرين ولا مؤمنين) .
إلى أن قال: (وقد رأينا على الكفر برهة ثم آمن، ومن كان مؤمناً ثم كفر.
ولو كان ذلك صبغةً لما انتقلوا، ولما كان من الكسب صح عليه النقلة والتحويل، وقد قال تعالى:{كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} ، فأضافه إليهم حقيقة.
وقال: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا} ، {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا} ، ألا ترى أنهم لما لم يخلقوا صبغة كفاراً نفعهم إيمانهم؟.
ولما قال فرعون (آمنت) لم ينفعه.
وقد أشفى في الحديث بما فيه مقنع بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» ، وهو إجماع المسلمين أن الكافر لا يعاقب ويجلد على ما خلق، إنما يعاقب ويجلد على نيته وكسبه، وهو موضع إيثارهم لما نهاهم عنه، على ما أمرهم به من الإيمان، فكان تكذيبه لهم على كسب اكتسبوه، وفعل فعلوه، ونهي ارتكبوه، وأمر خالفوه، وهو ما أحدثوه، لا شيء جبلوا عليه ولا اضطروا له، ولا خلقوا مجبولين عليه، إذ لو خلقهم كفاراً لكانوا إلى ذلك مضطرين، ولم يقل بذلك أحد من المسلمين.
ألاترى أنه لما خلقهم علىمعرفة لم يصح لهم ولم يقع غير ذلك، ولم يثابوا على ذلك؟ أعني: معرفة الربوبية، وهي الفطرة، ووجدنا الكفر يصح النقل عنه إلى
الإيمان، ويقع الارتداد عن الإيمان إلى الكفر، فكان كمعرفة التوحيد الذي يقع اختياراً.
وقال سبحانه: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} ولم يقل: منهم من خلقت مؤمناً، ومنهم من خلقت كافراً.
وقال سبحانه: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} ، فأعلمنا أن كذبهم وكفرهم هو كسبهم الذي حرمهم البركات، وعليه توعدهم بالعقوبات، وكون الكافر مخلوقاً كافراً صراح بالجبر، ومن قال: ما سبق في العلم والنظر ولا هو داخل في القضاء والقدر، فهو قدري رديء.
وقد لعنت القدرية والمرجئة، وكذلك المجبرة، والله لا يجبر أحداً على فعل، إذ لو جبر لكانوا عن التكليف خارجين كما جبلت الملائكة على الطاعة.
وقد قال سفيان، وأحمد، وسهل، والإمام، وأهل العلم:(إن الله لا يجبر على طاعة ولا على معصية، وهو الجبار الذي جبر القلوب على فطرتها) .
إلى أن قال: (قال سبحانه: {وما ربك بظلام للعبيد} ، مع كونه سبحانه فعالاً لما يريد، وليس معنى (شاء) معنى (علم) ، ولا معنى (علم وشاء) معنى (خلق) ، فشاءهم وعلمهم
وقدرهم وقضاهم مؤمنين وكافرين في حكم الكينونة، وهي العواقب التي لم يزل بها عالماً، وعليها قادراً، ولها شائياً، ولم يخلقهم في العبودية والدينونة والبنية والتركيب كفاراً، ولا إقراراً للزوم المطالبة والعبودية، ومحال أن يخلقهم لذلك ويتعبدهم، ويطالبهم، كما زعم أهل الإجبار، من ضرار وأصحابه، وسالكي البدعة، والمضاهي لهم بالعدوان والطغيان، والمغترين المحيلين على الأقدار، والمتمسكين بمعاذير ليست لهم بأعذار، لم يؤمنوا أن الأعمال محصاة، والعواقب مشهودة، وأعمالهم في القبضتين داخلة، وإلى المعبود صائرون، وعلى اكتسابهم محاسبون، وبها مؤاخذون.
قال أصدق القائلين: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} ، وهل الكفر وغيره إلا عملان وكسبان؟ فمن زعم أنه ما سبق في علمه عواقبهم، وما قضى عليهم بما وجد منهم، ولا شاء ذلك في ملكه، ولا خلق أعمالهم، ولا أحصى سكونهم وحركاتهم، ولا شهد في القدم إلى ما إليه صائرون - فهو قدري ومعتلي، مكابر معتزلي، مدعي الحول والقوة، وأن الأمر إليه.
ومن زعم أن كلفهم صبغةً، وجبرهم على الأفعال، وجعل كسبهم
مجازاً، وأعمالهم لا صنع لهم فيها - فهو أخس القدرية، وأعتى المجبرة، وهو الغالي في دين الله، المرجىء المحيل بمعاصيه على ربه، وبفجوره على من تقدس عن كسبه، بل تنزه عما يقول الظالمون، ولم يزل عليماً شائياً، حكيماً عادلاً متفضلاً، منصفاً محققاً، مجبراً خالقاً، آمراً ناهياً، غير عابث ولا تارك لأمورهم سدى، ولا لها مهملاً، فخلق الكافر على الفطرة، وخلق كفره وشاءه في ملكه، ولم يجبره عليه ولا اضطره إليه، ولم يتوله، بل تبرأ منه، وتركه معه، ونهاه عن اعتقاده والتلبس به وبفعاله، وجعل له قدرةً واستطاعةً على كسبه، وتركه مع هواه، فلما دخل تحته، واعتقده في نفسه، واتصل به، واختاره وأحبه - كان كما ذكرنا في الجمع والتفرقة، والخلقة والكسب، فصار بما اعتقد واكتسب، كافراً، وسمي فاجراً، ولا هو لنفسه خالقاً، ولا لكفره مخترعاً، بل له مكتسباً، وبه اجتمع ففارق الإيمان والإحسان الذي أمر بمواصلتهما، فصار لذلك مجانياً، وخالط الكفر فصار فيه والجاً، فتوجه نحوه التهديد، ولزمه الوعيد، فألزمه ما اكتسب، ورده إل ىما علم، وأدخله في وعيده، واستحق عقوبته، وخلده بنيته:{وما ربك بظلام للعبيد} .
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين» .
وهذا نص من صاحب الشريعة جلي واضح لا شبهة فيه، يسفر عن إيضاح ما أوردناه، حنفاء عارفين على فطرته،