الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثانى والعشرون: كشف الالتباس عن حديث أمرت أن أقاتل الناس
*نص الحديث:
عن أَبَى هُرَيْرَةَ-رضى الله عنه- قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ:
يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ عز وجل قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
*تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (6924) بَابُ: قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الفَرَائِضِ، وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ. ومسلم (20) بَابُ: الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. وهو حديث متواتر كما قال نص على ذلك السيوطي في " الجامع الصغير "، والكتانى، فقد ورد عن تسعة عشر نفساً من الصحابة -رضى لله عنهم- بألفاظ متقاربة، بل قد رواه عن أبي هريرة -رضى الله عنه - وحده ثلاثون نفسًا.
(1)
* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
1) الفائدة الأولى:
قول أَبَى هُرَيْرَةَ- رضى الله عنه- قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتُخْلِفَ
(1)
وانظرالجامع الكبير (2/ 82) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/40) والتنوير شرح الجامع الصغير (3/ 244) والسلسلة الصحيحة (ح/407)
أَبُو بَكْرٍ،
…
من المسائل التى نشأ فيها الخلاف بين العلماء مسألة تنصيب أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - للخلافة، هل كانت بالتنصيص عليها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم كانت باختيار أهل الحل والعقد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟
1) القول الأول:
أن خلافة أبي بكر- رضي الله عنه إنما ثبتت بالاستخلاف؛ وذلك لما ورد من الإشارات الدالة على ذلك، وممن قال بذلك: ابن حجر الهيتمي، والحسن البصري، وهو رواية عن أحمد، وهو قول الطبري، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بما يلى:
1) قَوْله تَعَالَى {قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد تقاتلونهم أَو يسلمُونَ} (الفتح/16)
وقد استدل ابن أبي حاتم وابن قتيبة وغيرهما بهذه الآية على حجية خلافة الصديق رضى الله عنه؛ لأنه هو الذي دعا إلى قتالهم، بل نص ابن سريج على أن خلافة الصديق ثابتة في القرآن بهذه الآية.
(1)
2) عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -رضى الله عنه- قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِن جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تُرِيدُ المَوْتَ - قَالَ:
«إِنْ لَمْ تَجِدِينِي، فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ» .
(2)
3) وعن عائشة -رضى الله عنها- أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال:
" لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ: أَنْ يَقُولَ
القَائِلُونَ - أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ - ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ "
(3)
وقوله: "أو يتمنى المتمنون".
يريد - والله أعلم - تتمنوا غير خلافة أبي بكر.
وقوله: أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَأَعْهَدَ: العهد بالخلافة، وهو ظاهر السياق.
(4)
(1)
الصواعق المحرقة (ص/50)
(2)
متفق عليه. وقد ترجم له البخاري، بَابُ الِاسْتِخْلَافِ.
(3)
أخرجه البخاري (5666) وقد رواه البخاري تحت باب الِاسْتِخْلَافِ.
(4)
وانظرفتح الباري (10/ 125) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (32/ 608)
4) وعن عائشة -رضى الله عنها- قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأُذِّنَ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:«مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»
(1)
وفي حديث سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رضى الله عنه:
كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ:"يَا بِلَالُ إِذَا حَضَرَ الْعَصْرُ وَلَمْ آتِ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".
(2)
وهذا ما استنبطه الفاروق عمربن الخطاب -رضى الله عنه- يوم السقيفة، كما روى عَبْدِ اللهِ بن عمر -رضى الله عنه-، قَالَ:
لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتِ الْأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَأَتَاهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ؟!!
(3)
فاستدل بالإمامة الصغري على أحقية الصدِّيق- رضى الله عنه - بالإمامة الكبرى. قال الشافعى: وهذا وغيره صريح في إنابة النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة وهي الإمامة الصغرى والإختيار لها اختيار للكبرى.
(4)
*وقد سئل أحمد عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أبا بكرٍ فليصلِ بالناس"، أليس هو خلاف قوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم "؟
فقال: " إنما أراد الخلافة ".
(5)
5) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ، غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ»
(6)
أما سد الخَوْخ فالمراد بها طاقات كانت في المسجد يستقربون الدخول منها،
(1)
متفق عليه. وقد بوَّب ابن حبان لهذا الحديث فقال: ذكر خبر فيه كالدليل على أن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم -كان أبوبكر الصديق رضي الله عنه
(2)
أخرجه أحمد (22816) والنسائي (784) قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين..
(3)
أخرجه أحمد (133) وحسنه الأرنؤوط.
(4)
مسند الشافعى (339)
(5)
وانظر " السنة " للخلال (1/ 71) والإمامة العظمى (ص/129)
وهذا الترجيح في الجمع بين الحديثين هو المقدَّم على قول من قال أن تقديم أبي بكر -رضى الله عنه- إنما كان لكون الأقرأ؛ فإن هذا مخالف لصريح قوله صلى الله عليه وسلم: " أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.. " وانظر الصواعق المحرقة (ص/61)
(6)
متفق عليه. (خوخة) هو موضع المرور، كالباب
فأمر بسدها إلا خوخة أبي بكر رضي الله عنه، وفي ذلك أشارة إلى استخلاف أبي بكررضي الله عنه؛ لأنَّ الخليفة يحتاج إلى المسجد كثيراً.
(1)
6) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ
أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ»
(2)
قال العلماء - ومنهم زين الدين العراقي والقاضى عياض والنووى والخطابي-: هذا الحديث إشارة إلى نيابة أبي بكر -رض الله عنه - وخلافته بعده. وقوله صلى الله عليه وسلم: (فأخذها أبو بكر) ولم يقل: فأعطيتها؛ فإن ذلك يدل على أن هذا يكون بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يأخذها عن وصية صريحة؛ إذ لو كان ذلك لكان يقول: فناولتها إياه أو أعطيتها إياه.
(3)
2 -
القول الثاني:
أن تنصيب أبي بكر رضي الله عنه إنما عُقد باختيار أهل الحل والعقد له، وذلك في سقيفة بني ساعدة، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلماء، وهو قول المعتزلة، والخوارج وأدلتهم على ذلك:
1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟
(4)
ووجه الدلالة: نص عمر -رضى الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أبا بكررضى الله عنه.
(1)
الفتاوى الفقهية الكبرى (3/ 160)
(2)
متفق عليه.
(3)
وانظر طرح التثريب (8/ 77) وإكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 396) صحيح مسلم شرح النووي (8/ 160)
(4)
متفق عليه.
2) قال ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ-رضى الله عنها- وَسُئِلَتْ:
" مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا مَنْ؟ بَعْدَ عُمَرَ، قَالَتْ:
أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذَا.
(1)
قال النووي:
هذا فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن خلافة أبي بكر -رضى الله عنه- ليست بنص من رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلافته صريحاً، بل أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته، ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم.
(2)
* الترجيح:
بعد استعراض المذهبين نستطيع أن نقرر ما يلي:
1 -
لم يأت نص صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التنصيص على خلافة الصديق رضى الله عنه، وهذا بالإجماع الذي نقله النووي، بل ورد النص فى ذلك عاماً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:(الْأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ)
(3)
وهو قول جمهور الصحابة رضى الله عنهم، والعلماء من بعدهم.
2 -
الراجح - والله أعلم - أن أبا بكر رضي الله عنه تولَّي الخلافة باختيار أهل الحل والعقد، ذلك الاختيار الذى قد قام بناءً على إشارات نبوية تزكِّى هذا الاختيار، تلك الإشارات التى تم ذكرها عند سرد أدلة القول الأول.
وهى إشارات لها دلالات لا تغيب عن فهم أولى الألباب من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
* ومما يؤيد ذلك:
قول عمربن الخطاب -رضى الله عنه- وهو يحكى ما وقع يوم السقيفة:
" فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ مما قال:
وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ "
(4)
فإنه لو كان ثمة تنصيص سابق واستخلاف لأبي بكر رضي الله عنه لما فعل ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على حديث «لقد هممتُ أن أرسلَ إلى أبي بكرٍ
(1)
أخرجه مسلم (2385)
(2)
وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (8/ 162) والأجوبة المرضية (3/ 924)
(3)
أخرجه أحمد (19818)، انظر صَحِيح الْجَامِع (2788)
(4)
متفق عليه.
وأَعهَدُ....»:
" فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يكتب كتابا خوفاً، ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه، فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح الجلي، فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم أو لسوء القصد، وكلا الأمرين منتفٍ، فإن العلم بفضيلة أبي بكر جلي، وسوء القصد لا يقع من جمهورالأمة الذين هم أفضل القرون، فترك ذلك لعلمه بأن ظهورفضيلة أبي بكرالصديق واستحقاقه لهذا الأمر يغني عن العهد فلا يحتاج إليه "
* وقال رحمه الله:
فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختياراً استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله، فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا.
(1)
* عودٌ إلى حديث الباب:
2 -
الفائدة الثانية:
قد ورد في روايات الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم، قَالَ:
" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ،
…
" مقتصراً على شهادة ألا إله إلا الله، حتى قال البغوي:
الكافر إذا كان وثنياً أو ثنوياً لا يقر بالوحدانية، فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأما من كان مقراً بالوحدانية منكراً للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله!!
(2)
* وجواب ذلك من وجوه:
1 -
أن الحديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من كل منهما من رواية بن عمر بلفظ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فيكون الاقتصار فى بعض الرويات على نصف الشهادة لأمور:
(1)
منهاج السنة النبوية (1/ 526) معني قوله (أبلغ من العهد): إذ لو أنه عهد، لكان هذا نوع إلزام، أما في اختيارهم له بالمشورة فهو اعتراف حتمي وإقرار منهم بفضله الظاهر.
(2)
قال ابن حجر معقباً على كلام البغوى:
ومقتضى قوله " يجبر " أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد، وبه صرح القفال، وادَّعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، "
وهي غفلة عظيمة. فتح البارى (12/ 392)
أ) يكون اختصاراً من بعض الرواة.
ب) أن الاقتصار على شهادة " ألا إله إلا الله "على إرادة الشهادتين معاً لكونها صارت علماً على ذلك ولتلازم الشهادتين شرعاً، فقد جُعِلتا خصلة واحدة، واقتصر في رواية على إحدى الشهادتين اكتفاء.
(1)
2 -
أن المخاطب بشهادة «ألا إله إلاَّ الله» إنما هم أهل عبادة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأن أهل الكتاب يقولون:
…
«لا إله إلاَّ الله» ويقرون بالتوحيد، ومع ذلك فلا يكتفى في عصمتهم بقول:«لا إله إلاَّ الله» إذ كانوا يقولونها حال كفرهم، حتى يضم إليها شهادة " أن محمداً رسول الله "
قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا)(الفتح/13) *وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:
"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ،
…
ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ".
(2)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر.
(3)
وقال القاضي عياض:
اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: "لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول:"لا إله إلا الله"؛ إذ كان يقولها في كفره.
(4)
(1)
وانظر فتح الباري (1/ 133) ومرقاة المفاتيح (1/ 168).
(2)
أخرجه مسلم (153) بَابُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم -إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ.
(3)
مجموع الفتاوى (28/ 524)
(4)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (8/ 245)
وقد نقل النووي الإجماع على ذلك فقال:
اتفق أهل السنة من المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا، إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه.
(1)
3 -
الفائدة الثالثة:
قَولَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه: " وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ
…
"
وقد وقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه، فراجع أبا بكر رضي الله عنه واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ " وكان هذا من عمر رضي الله عنه تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر رضي الله عنه " إن الزكاة حق المال "، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلَّق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها.
وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة، وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من - عمر رضي الله عنه بالعموم، ومن أبي بكر رضي الله عنه بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يُخص بالقياس.
(2)
* قد ورد في رواية لحديث الباب عن ابْنِ عُمَرَ وأبي هريرة وأنس-رضى الله عنهم- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
(1)
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (1/ 149)
(2)
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (1/ 236)
رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ....»
(1)
* إشكال:
استبعد قوم صحة هذه الرواية بدعوى أنها لو كانت صحيحة لاحتج بها أبوبكر- رضى الله عنه- على عمر-رضى الله عنه- لمَّا استدل عمر بعموم قوله صلى الله عليه سلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله
…
"
* والجواب:
أن رواة هذه الزيادة قد ذكروها في مجلس آخر؛ فإن عمر رضي الله عنه لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث؛ فإنه بهذه الزيادة حجة عليه ولو سمع أبو بكر رضي الله عنه هذه الزيادة لاحتج بها، ولما احتج بالقياس والعموم.
كما أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر-رضى الله عنهما- أو غيره أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضراً له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد.
(2)
قال ابن حجر:
وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال كيف خفي ذا على فلان، والله الموفق.
(3)
*تنبيه:
ما روى من حديث أنس -رضى الله عنه - أن أبا بَكْرٍ- رضي الله عنه قد استدل على عمر -رضى الله عنه - بقوله صلى الله عليه وسلم:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
…
»
(4)
، فهذا مما لم يصح سنده، وإن كانت هذه الرواية صحيحة، لكنها ما وردت في مناظرة أبي بكر لعمر رض الله عنهما.
فالمشهور أن أبابكر-رضى الله عنه- إنما استدل على عمر -رضى الله عنه- بالقياس، وبعموم قوله صلى الله عليه وسلم:" إلا بحقها ".
(1)
متفق عليه.
(2)
انظر فتح الباري (1/ 113) والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (1/ 240)
(3)
فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 114)
(4)
أخرجه النسائي (3094) والحاكم (1427) وقال النسائى: «عمران القطان، ليس بالقوي في الحديث، وهذا الحديث خطأ، والذي قبله الصواب، حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة»
* وقد أورد ابن رجب هذا الإشكال ونبه إلى أن هناك خطأ في هذه الروايات، وقال:
"ولكن هذه الرواية أيضًا أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله أئمة الحفاظ، منهم علي بن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ عند أبي بكر، وإنما قال أبو بكر: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال "،
وهذا أخذه -والله أعلم- من قوله في الحديث: " إلا بحقها ".
(1)
* شبهة وجوابها:
قد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكر رضي الله عنه فى قتاله لمانعى الزكاة قد سبى المسلمين، وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة!!!
والجواب:
لا بد أن يُعلم أن الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه كانوا صنفين:
1) الصنف الأول:
ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة رضي الله عنه بقوله:" وكفر من كفر من العرب "، وسمَّاهم الصحابة -رضى الله عنهم- كفاراً، وهذه الفرقة طائفتان إحداهما:
أ) أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدَّقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي، وهؤلاء بأسرهم منكرون لنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه.
ب) الطائفة الأخرى:
ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية.
وهؤلاء هم الذين رأى أبو بكر رضي الله عنه سبي نساءهم وذراريهم، وكان ذلك اجتهاداً منه، وقد ساعده على ذلك أكثر الصحابة رضى الله عنهم. فلما ولي عمر -رضى الله عنه- بعده رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى عشائرهم، وفداهم وأطلق سبيلهم، وذلك أيضا بمحضر الصحابة -رضى الله عنهم- من غير نكير، ثم لم ينقض عصر الصحابة رضي الله عنهم حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى.
(1)
جامع العلوم والحكم (1/ 233)
2) الصنف الثاني:
هم الذين فرَّقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا وجوب أداء الزكاة إلى الإمام بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا في ذلك متأولين أن قوله تعالى} خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) خطاب خاص للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه؛ وذلك أنه ليس لاحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه.
فأما هؤلاء فهم مقيمون على أصل الدين وهم أهل بغي، ولم يسمُّوا على الانفراد كفاراً، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين؛ وذلك أن الردة اسم لغوي وكل من انصرف عن أمر كان مقبلاً إليه فقد ارتد عنه.
(1)
قال الخطابي:
واتفقوا على أن أبا بكر -رضى الله عنه- لم يسب ذراري مانعي الزكاة، إلا في شيء روي عن بعض الروافض ولا يعتد بخلافهم. وهم قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف.
(2)
* وعليه يقال:
أن حديث الباب يعد أحد أدلة العذر بالجهل؛ فقد ذكرنا قريباً أنهم قد كانوا في ذلك متأولين أن قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ....) خطاب خاص للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره.
فلم يحكم الصحابة -رضى الله عنهم-عليهم بالردة، ولا عاملوهم معاملة المرتدين لهذه الشبهة.
(3)
(1)
وانظرنيل الأوطار (4/ 119) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (10/ 218)
(2)
وانظر معالم السنن (2/ 6) وفتح المنعم شرح صحيح مسلم (1/ 85)
(3)
هناك من يرى أن أبا بكر -رضى الله عنه - قاتل مانعي قتال ردة، ويفهم هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكنَّ جمهور الفقهاء على أن الطائفة الممتنعة تقاتل قتال ردة، وحديث أبي هريرة -رضى الله عنه- في الصحيحين في مناقشة عمر لأبي بكر -رضى الله عنهم - وجوابه يدل على أنهم ليسو مرتدين عندهما، إذ لو كانوا مرتدين عند عمر لما اعترض على أبي بكر في قتالهم، ولو كانوا مرتدين عند أبي بكر لما علل القتال بمنع الزكاة وترك التعليل بالردة.
* فإن قيل:
أرأيت إن أنكرت طائفة من أهل المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا من أدائها إلى الإمام، هل يكون حكمهم حكم أهل البغي؟؟
* فالجواب:
لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذا الزمان كان كافراً بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وبين أولئك القوم: أنهم إنما عُذروا فيما كان منهم حتى صار قتال المسلمين إياهم لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعه التي كان يقع فيها تبديل الأحكام، ومنها وقوع الفترة بموت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان القوم جهالاً بأمور الدين، وكان عهدهم حديثاً بالإسلام فتداخلتهم الشبهة فعُذروا.
فأما اليوم فقد شاع دين الإسلام واستفاض علم وجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها،
إلاّ أن يكون رجل حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده، فإذا أنكر شيئا منه
جهلاً به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في تبقية اسم الدين عليه.
(1)
* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
4 -
الفائدة الرابعة: أن الإيمان قول وعمل:
ففي حديث الباب الرد على المرجئة حيث زعموا أن الإيمان لا يحتاج إلى الأعمال، لذا فقد روى الإمام البخاري هذا الحديث في عدة أبواب منها باب الإيمان.
فلو لم يكن العمل من الإيمان لما أجمع الصحابة -رضى الله عنهم- على قتال تاركي الصلاة، ومن بعدها على قتال مانعى الزكاة.
* وكذلك فحديث الباب رد على دعوى الأشاعرة أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يشترط قول اللسان إلا لإجراء الأحكام الدنيوية، من التوارث والتناكح والصلاة خلفه وعليه ودفنه في مقابر المسلمين.
(2)
(1)
وانظر معالم السنن (1/ 386)
(2)
ولكنَّ الأشاعرة فيما ذهبوا إليه فى مسألة الإيمان فهم غير ملزمين بالقول بإيمان أبى طالب مثلاً؛ لأنهم يقولون أن الذى يُطلب منه قول اللسان فيتركه إباءً فهو كافر. ولمزيد بيان يراجع لذلك رسالتنا " الفرقان في بيان حقيقة الإيمان "
فقوله صلى الله عليه وسلم:
" أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ.. " يبطل هذه الدعوى؛ فقد علَّق الرسول صلى الله عليه وسلم عصمة الدم والمال على النطق بالشهادتين.
* فالذى دل عليه الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة أن مسمَّى الإيمان إنما يطلق على ثلاث خصال مجتمعة، لا تجزئ واحدة منهم عن الآخرين، وهذه الأمور الثلاثة جامعة لدين الإسلام وهي:
(اعتقاد القلب، إقرار اللسان، عمل الجوارح).
* ولو أردنا أن نضرب مثلاً لتقريب الفهم في هذه المسألة نقول:
أركان الإيمان كأركان الصلاة؛ فالصلاة:
" نية محلها القلب ونطق بتكبيرة الإحرام، وعمل بالجوارح حال الركوع والسجود "، فمن نوى بقلبه دون أن ينطق بتكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته ولم تصح، ومن نوى بقلبه ونطق بتكبيرة الإحرام دون أن يركع أو يسجد لم تصح صلاته، وهكذا حال من صدَّق دون أن ينطق، وكذلك حال من صدَّق ونطق دون أن يعمل بجوارحه خيراً قط، فتأمل.
* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
5 -
الفائدة الخامسة:
فيه دلالة على ما اتفق عليه جماهير أهل العلم لو أن طائفة مسلمة ملتزمة بالشهادتين قد امتنعت عن التزام شريعة من شرائع الإسلام فإنها تقاتل على ذلك، وقد دل على ذلك أدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس:
أ) أما الكتاب:
قال تعالى {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]
فقد أمر الله - تعالى - بقتلهم وحصرهم، والقعود لهم كل مرصد، إلى أن يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وإقامة شعائر الدين.
ب) وأما السنة:
ما قد ورد في حديث الباب في رواية ابْنِ عُمَرَ وأبي هريرة
وأنس -رضى الله عنهم - من قوله صلى الله عليه وسلم:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ......
وورد في حديث جبريل عليه السلام-لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم:
(1)
فهذا تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام، فهو جملة من الشعائر التى ينبنى عليها الحكم للمرء بالإسلام.
ج) وأما الإجماع:
فقد أجمع الصحابة - رضى الله عنهم- على قتال مانعى الزكاة، فلم يختلف في ذلك منهم اثنان، إلاَّ ما كان من عمر -رضى الله عنه- حتى رجع إلى الحق.
د) وأما القياس:
قول أَبى بَكْرٍ الصديق رضى الله عنه: " وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ.. "
ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها ففي قوله هذا - رضى الله عنه- دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة رضى الله عنهم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما سئل عن قتال التتار:
كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، واتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملاً بالكتاب والسنة.
وقال رحمه الله:
فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو غير ذلك من واجبات الدين ومحرماته فإنها تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها. وهذا ما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء.
(2)
قال ابن العربي:
قد اتفقت الأمة على أن من يفعل المعصية يحارب، كما لو اتفق
(1)
متفق عليه.
(2)
مجموع الفتاوى (28/ 502)
أهل بلد على العمل بالربا، وعلى ترك الجمعة والجماعة.
(1)
* وهنا أمور مهمة:
1) في حديث الباب ردٌ لدعوى القبوريين أنهم يقولون " لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأنهم أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة " فيجب الكف عنهم!!
* نقول:
وهذا كلام بيِّن البطلان؛ فقوله صلى الله عليه وسلم:
" فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ "، فحق "لا إله إلا الله" يوجب على المسلم الإتيان بشروطها وتجنب نواقضها، فهؤلاء القبوريون وإن شهدوا الشهادتين وصلوا وزكوا، فما حققوا شروط " لا إله إلا الله "، ولا اجتنبوا نواقضها.
* ثم يقال:
ليس ثمة فرق بين العكوف على صنم والعكوف على قبر، اختلفت الأسماء والدعوى واحدة (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3)
وكم يقع عند قبور الأولياء من صنوف الشرك الذى بُعث النبي صلى الله عليه وسلم لمحوها والتحذير منها.
لذا فإن احتجاج هؤلاء الأدعياء بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله، منقوض بالأحاديث التي تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا أن يتبين منه ما يناقض تلك الكلمة، كدعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأولياء، والنذر لهم، وغير ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله).
فدل ذلك على أن صحة " شهادة ألا إله إلا الله " إنما تنبني على الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله تعالى، وأنه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله.
* كذلك فقوله صلى الله عليه وسلم: " وكفر بما يُعبد من دون الله.... ":
تملي على المسلم البراءة من كل ملة تخالف ملة الإسلام، وعليه فمن سوَّغ للناس اتباع شريعة غير شريعة الإسلام، أو اتباع رسول غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهذا كافر، وإن كان ينطق الشهادتين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق
(1)
أحكام القرآن (2/ 94) وانظرشرح الأربعين للنووي (ص/40)
جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر.
(1)
وأما من ادعى أن من قال: لا إله إلا الله، فإنه لا يجوز قتله وإن فعل أي ذنب، ولا قتال الطائفة الممتنعة إذا قالوا هذه الكلمة، فهذا قول مخالف للكتاب والسنة، والإجماع؛ ولو طرد هذا القائل أصله، لكان كافرا بلا شك.
(2)
* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
6 -
الفائدة السادسة:
قوله صلى الله عليه وسلم: " فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ "
فقوله: " وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ":
فيه أن الأحكام الشرعية يتم إجراؤها على الظاهر، فمن قال وعمل فله ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وأما أمر السرائر فمرجعه إلى الله تعالى.
قال أبوالعباس ابن تيمية معلقاً على حديث الباب:
قبول الإسلام الظاهر يجري على صاحبه أحكام الإسلام الظاهرة: مثل عصمة الدم، والمال، والمناكحة، والموروثة، ونحو ذلك، وهذا يكفي فيه مجرد الإقرار الظاهر، وإن لم يُعلم ما في باطن الإنسان.
(3)
قال ابن رجب:
وقوله صلى الله عليه وسلم: «وحسابه على الله عز وجل» :
يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة، فحسابه على الله عز وجل، فإن كان صادقاً، أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذباً، فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
(4)
* وورد في حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رضى الله عنه- قَالَ:
بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَرِيَّة، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم،
(1)
مجموع الفتاوى (28/ 524)
(2)
الدرر السنية في الأجوبة النجدية (12/ 121)
(3)
درء تعارض العقل والنقل (7/ 204)
(4)
وانظر جامع العلوم والحكم (ص/236) وشرح السنة (1/ 70).
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
«أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!
فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ.
(1)
قال النووي معقباً على حديث أُسَامَةَ رضى الله عنه:
فيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول " أن الأحكام فيها بالظاهر، والله يتولى السرائر "، وقوله صلى الله عليه وسلم:" أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! " المعنى:
أنك إنما كُلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه.
(2)
فلا يقال بتكفير مسلم بزعم سوء نيته وخبث طويته، بل يقبل منه ما ادَّعى، ونولِّه ما تولى، والله يتولى حسابه في الآخرة.
* وتأملوا في الفرق بين إنكارالنبي صلى الله عليه وسلم على أسامة -رضى الله عنه- فيما فعل، وإقراره صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - لما قال عن حاطب:
" دعني أضرب عنق هذا المنافق "
(3)
.
فتبين بذلك أن من نطق الشهادتين فهو على إسلامه عملاً بظواهر الأحوال، ما لم يُظهر خلاف ذلك، فإن قالها ثم أظهر ما يناقضها بقول أو فعل لم تنفعه، كما في حديث حاطب رضى الله عنه، وإنما جاء الاستثناء في شأن حاطب - رضى الله عنه - لأمرين:
1) أنه ما فعل ذلك نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا، بل كان متأولًا صادق النية؛ ولذلك فقد عفا الله -تعالى- عنه.
2) كونه بدرياً.
* وعن ابْنُ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما- أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم -قال: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ".
(4)
(1)
متفق عليه.
(2)
شرح النووي على صحيح مسلم (2/ 104)
(3)
أخرجه البخاري (3007) بَابُ الجَاسُوسِ، ومسلم (2494) باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.
(4)
أخرجه البخاري (3017) وأحمد (1871)
قال ابن حجر:
وقوله " من بدل ": هو عام تخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فإنه تجري عليه أحكام الظاهر،
…
وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر.
(1)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فلم يكن صلى الله عليه وسلم يصلِّي على المنافقين ولا يستغفر لهم، ولكن دماءهمْ وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار، وكان حكمه صلى الله عليه وسلم في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم، لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه.
(2)
* إشكال في الختام:
قالوا:
حديث الباب يفيد ظاهره قتال الناس لإكراههم على الدخول في دين الإسلام، وهذا مخالف في الحقيقة لقوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(البقرة/256)، وقوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(يونس/99)!!
* والجواب أن يقال:
1) أما دعواهم أن ظاهر الحديث يفيد إكراه الناس على دخول الدين، فهذا نظر قاصر لأدلة الشرع، فلا ينبغي لمتسرع في قلبه زيغ ضال وداء عضال أن يصدر الأحكام دون تثبت.
ففي حديث الباب إجمال قد وضحته الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة، قال تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)(التوبة/29)
وفي حديث بُرَيْدَةَ الأسلمى - رضى الله عنه- قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ
(1)
فتح الباري (12/ 273 - 274).
(2)
الإيمان (ص/69)
قَالَ:
.... وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ.
(1)
* فيتضح من ذلك أن المشرك لا يُكره على الدخول في دين الإسلام، فعزة هذا الدين تأبى ذلك، وأن قتال المشركين المذكور في حديث الباب ليس رأس الأمر، وإنما هى دعوتهم إلى الإسلام بلا إكراه، فإن أبوا فُرضت عليهم الجزية، فإن أبوا كان الخيار الثالث وهو الأمر بقتالهم، وليس قتلهم، وفارق بين القتال الذى يراد من وراءه الإذعان، والقتل الذى يراد من وراءه الإبادة.
(2)
* ولذلك فلما ضرب علماء الأصول أمثلة لتخصيص السنة بالكتاب، قالوا:
عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) خُص بقوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)[التوبة: 29]. * وأما ما ادَّعاه الانهزاميون - الذين جعلوا الدين وكأنه سوأة يوارونها عن أعين الناظرين - أن القتال المذكور في حديث الباب إنما كان خاصاً بمشركي العرب الذين اضطهدوا النبي- صلى الله عليه وسلم وأصحابه -رضى الله عنهم- وحاربوا الدعوة فى مهدها الأول، فلا شك في بطلان هذا الإدعاء.
فقد قال تعالى (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله)[البقرة/ 193]
قال القرطبي:
قوله تعالى: " وقاتلوهم" أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم:
" فإن
(1)
أخرجه أحمد (23030) ومسلم (1731)
(2)
ومن العلماء من جمع بين حديث الباب وأية الجزية: بأخذ الجزية من أهل الكتاب خاصة للأية، ووضع السيف فيمن ليس مستمسكًا بكتاب ولا شبهة كتاب؛ لظاهر الآية الواردة في القتل ولحديث الباب. وانظرالإبهاج في شرح المنهاج (1/ 297)، والراجح ما ذكرناه أعلاه.
قاتلوكم"، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق، لا بشرط أن يبدأ الكفار.
دليل ذلك قوله تعالى: " ويكون الدين لله".
(1)
فتبين أن العلة من تشريع القتال إنما هو نشر الدين، قال تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)
[التوبة: 33]
* ثم يقال:
قد أبطلتم بزعمكم المفترى ضرباً من ضروب الجهاد الذى ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، وهو جهاد الطلب، والذى ترتبت عليه الفتوحات الإسلامية، وهوالذي يهدف إلى حماية حرية نشر الدعوة وإزالة العوائق أمامها، دون إكراه لأحد، كما يهدف إلى الدفاع عن المستضعفين والمضطهدين بالأرض الذين يحال بينهم وبين دين الحق، وذلك وفق ضوابط وشروط حددها الفقهاء تحقيقاً للمصلحة ودرءاً للمفسدة.
قال تعالى (مَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا)(النساء/75).
* فلو كان الأمر كما زعمتم من حصر القتال على مشركى العرب من قريش لما منَّ الله -تعالى- علينا وعليكم بنعمة دين الإسلام، وإلا لظللتم على ملة الكفر والفسوق والعصيان.
ووالله الذى لا إله إلا هو إن أعظم الناس بلاءً وأشدهم خسارة بضعف شوكة المسلمين في هذا الزمان لهم الكافرون، وياليت القوم يعلمون.
تم بحمد الله تعالى.
(1)
الجامع لأحكام القرآن (2/ 353)