المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن - الأربعون العقدية - جـ ٢

[أيمن إسماعيل]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الحادى والعشرون: السنة الجارية شرح حديث الجارية

- ‌الحديث الثانى والعشرون: كشف الالتباس عن حديث أمرت أن أقاتل الناس

- ‌الحديث الثالث والعشرون: فتح البصير في بيان ما توسل به الضرير

- ‌ التوسل المختلف فيه:

- ‌الحديث الرابع والعشرون: بيان الحِكَم في شرح حديث إن الله هو الحَكَم

- ‌ الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله شركًا

- ‌الحديث الخامس والعشرون: ذات العماد شرح حديث حق الله على العباد

- ‌الحديث السادس والعشرون: المشكاة في شرح حديث لا تعجز واستعن بالله

- ‌الحديث السابع والعشرون: بيان الحق نفسه في شرح حديث أينا لم يظلم نفسه

- ‌الحديث الثامن والعشرون: ضوء الثريا شرح حديث من عادى لى ولياً

- ‌هل يوصف الله -تعالى- بصفة التردد

- ‌الحديث التاسع والعشرون: المعانى الراسيات شرح حديث إنى معلمك كلمات

- ‌ الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ "، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن

- ‌ أصل القضاء لا يعارض العمل:

- ‌الحديث الثلاثون: نثر الجمَّان بفوائد حديث إنهما ليعذبان

- ‌هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن

- ‌الحديث الحادي والثلاثون: بلوغ الرُّبَى شرح حديث ضحك النبي تعجبا

- ‌ المخالفون لأهل السنة والجماعة في إثبات صفة اليدين:

- ‌الحديث الثانى والثلاثون: فتح الأعز الأكرم شرح حديث أي الذنب أعظم

- ‌من أتى خلاف المعهود تجاوزت عاقبته الحدود:

- ‌الحديث الثالث والثلاثون: تلخيص الخطاب شرح حديث إنك تأتى أهل كتاب

- ‌الفطرة دالة على نقض مذهب المتكلمين:

- ‌الحديث الرابع والثلاثون: درء الخوض في رد أحاديث الحوض

- ‌ حكم سب الصحابة رضى الله عنهم:

- ‌الحديث الخامس والثلاثون: البيان والتتمة شرح حديث يكون بعدى أئمة

- ‌تعريف الإمامة، وأهمية تنصيب الإمام:

- ‌ وسطية الأمة مع الأئمة:

- ‌الحديث السادس والثلاثون: ردع الجاني على حديث إن الله أفتاني

- ‌ هل السحر حقيقة أم خيال

- ‌الحديث السابع والثلاثون: دليل البيداء شرح حديث أنا أغنى الشركاء

- ‌ هل الرياء مبطل للعمل

- ‌ الشرك الخفي أشد خطورة من المسيح الدجال

- ‌أمور ليست من الرياء:

- ‌الحديث الثامن والثلاثون: نيل المأرب شرح حديث طلوع الشمس من المغرب

- ‌الحديث التاسع والثلاثون: بذل الطاقة شرح حديث صاحب البطاقة

- ‌ أليس تأويل الميزان بالعدل يستقيم لغة

- ‌ ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة:

- ‌ما الحكمة من نصب الموازين، مع كونه عزوجل وسع علمه أعمال العباد ومآلاتهم

- ‌ حكم من مات على الشرك الأصغر:

الفصل: ‌هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن

وقال أبو الحسن الأشعري وهو يذكر ما خالف فيه المعتزلة وأهل القدر نهج أهل السنة:

وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذَّبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين.

(1)

وممن نقل هذا الإجماع:

ابن بطة العكبري والأصبهاني الملقب بقوام السنة والطحاوى والبربهاري وغيرهم خلق كثير.

(2)

* مسألة:

‌هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن

؟

قد ذهب ابن حزم إلى أن فتنة القبر وعذابه والمسألة إنما هي للروح فقط بعد فراقه للجسد، قُبِر أو لم يقبر، وأن الروح لا تعاد إلى البدن عند السؤال،

فالسؤال إنما يقع للروح خاصة، وكذلك سماع الخطاب، وأنكر أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره.

(3)

ومما استدل به على قوله هذا:

قوله تعالى {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} [غافر: 11]

فلو كانت الروح تُرد إلى الجسد فى القبر ذلك للزم أن يموت الإنسان ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات، والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان فقط!!

* وكذلك فقد ذهب ابن حزم إلى القول بتضعيف حديث البراء الطويل، فقال رحمه الله:

ولم يرو أحد أن في عذاب القبر رد الروح إلى الجسد إلا المنهال بن عمرو، وليس بالقوي.

(4)

* وجواب ذلك:

1 -

أما استدلاله بالأية فقد قال أجاب عن ذلك الحافظ ابن رجب فقال:

وهذا ضعيف جداً، فإن

(1)

الإبانة عن أصول الديانة (ص/14)

(2)

وانظر الإبانة (ص/197) والحجة في بيان المحجة (2/ 281) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/396)

(3)

وانظر الفصل (4/ 66)

(4)

المحلى (1/ 22)

ص: 886

حياة البرزخ ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث، وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما، وليست هي حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتاً تاماً، وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه، ورجوعها إليه،

فإن ذلك يسمى موتاً وحياةً.

كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا استيقظ من منامه:

"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النشور"

وسمَّاه الله تعالى وفاة، لقوله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}

[الزُّمَرِ: 42]

مع هذا فلا ينافي ذلك أن يكون النائم حياً، وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا يوجب أن يصير للميت حياة مطلقة.

(1)

2 -

أما تضعيفه لحديث البراء - رضى الله عنه- فقد رددنا عليه فى تخريج الحديث، والذي سبق بيانه قريباً.

فالصحيح -والله أعلم -هو الذى عليه جمهور أهل السنة أن نعيم القبر وعذابه يحصل للروح والبدن.

قال شيخ الإسلام ابن تيمة:

مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً فيحصل له معها النعيم والعذاب.

(2)

* وهذا الذى دلت عليه السنة:

فعَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، ....

قال: وَأَمَّا الكَافِرُ- أَوِ المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ:

لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ.

(3)

وفى حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ:

خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم فِي جِنَازَةِ..... ، فكان مما ذكر: وَإِنَّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ. وَقَالَ: وَتُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ

(1)

روائع التفسير (2/ 101)

(2)

مجموع الفتاوى (4/ 284)

(3)

متفق عليه.

ص: 887

فَيُجْلِسَانِهِ

، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ قَالَ: ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ: فَيَضْرِبُهُ بِهَا.

(1)

قال أبو العباس ابن تيمية:

فقد صرح الحديث بإعادة الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه، وهذا بيِّن في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين.

(2)

* المخالفون لأهل السنة فى عذاب القبر:

عذاب القبر حق ثابت وبهذا قال أهل السنة وأكثر الفرق الإسلامية، ولكنَّ الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

فعن ابن عباس -رضى الله عنهما - قال:

خطب عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه وقال:

يا أيها الناس، ألا إنه سيأتي من بعدكم أقوام يكذبون بالرجم وبالدجال، وبعذاب القبر، والشفاعة.

(3)

قال ابن هانئ للإمام أحمد: وعذاب القبر ومنكر ونكير؟

قال أبو عبد الله: نؤمن بهذا كله، ومن أنكر واحدة من هذه، فهو جهمي.

(4)

(1)

سبق تخريجه.

(2)

مجموع الفتاوى (4/ 289)

(3)

السنة للمَرْوَزِي (ص/98)

(4)

وانظر مسائل ابن هانئ (1879)

ص: 888

وقال المروذي قال: لنا أبو عبد الله عذاب القبر حق، ما ينكره إلا ضال مضل.

(1)

قال الآجري:

ما أسوأ حال من كذَّب بهذه الأحاديث، لقد ضل ضلالًا بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً.

(2)

وقد خالف في ذلك الخوارج وضرار بن عمرو وبشر المريسي وجماعة من متأخرى المعتزلة، فقالوا بنفى عذاب القبر؛ وذلك بناءً على قولهم أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذَّب.

(3)

قال ابن حزم:

"ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول لصحة الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك".

(4)

* نقول:

والمخالفون الذين خالفوا أهل السنة في هذا الأصل فنفوا القول بإثبات عذاب القبر قد جاء فساد تأصيلهم فى أنهم قد حكَّموا العقل وردوا عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فقاسوا الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، وحكَّموا العقل فيما جاءت به النصوص في أن هذا يُعقل، وأن هذا لا يُعقل.

فتراهم لا يؤمنون بما يحدث في القبر؛ لأنهم عقلانيون، فيسمّون أدلة الشرع ظنية، فأما أدلة العقل عندهم فهي يقينية، وهم فى ذلك قد نسوا أو قل تناسوا أن عذاب القبر وفتنة القبر أمر غيبي، والأمور الغيبية مجالها الاعتقاد؛ لأنها لا تدرك بالنظائر ولا تدركها العقول؛ بل تحار فيها العقول، فيجب الإيمان بها والتسليم على نحو ما جاء في الخبر الصادق في الوحي.

(1)

طبقات الحنابلة (1/ 62)

(2)

الشريعة (2/ 186)

(3)

وانظر مقالات الإسلاميين (2/ 116) ودراسات فى الفرق الإسلامية (ص/173)

(4)

وانظر الفصل في الملل والنحل والأهواء (4/ 66)

* تنبيه مهم:

وقد نسب أبو الحسن الأشعري في المقالات (2/ 116) نفي عذاب القبر إلى المعتزلة والخوارج، كما نسبه البغدادي في أصول الدين (ص/ 245) إلى الجهمية والضرارية، ونسب الملطي في التنبيه والرد على أهل الأهواء (ص/ 124) إلى جهم بن صفوان إنكار عذاب القبر ومنكر ونكير.

والأرجح بالنسبة للمعتزلة أن جمهورهم على القول بعذاب القبر، كما حكى ذلك عنهم القاضي عبد الجبار فى كتابه "شرح الأصول الخمسة "(ص/730)، فقد ذكر:

" فصل فى عذاب القبر " وقال بأنه لاخلاف في ذلك بين الأمة، كما أنه قد بيَّن أن ابن الراوندي هو الذي يشنع علي المعتزلة، ويدَّعى أنهم ينكرون عذاب القبر، ثم أورد الأدلة على إثباته من القرآن والسنة.

وقال فى كتابه "الاعتزال وطبقات المعتزلة "(ص/167) ما نصه:

" إنما أنكر ذلك أولًا: ضرار بن عمرو، لما كان من أصحاب واصل ظُن ذلك مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر كذلك، بل أكثر شيوخنا يقطعون بعذاب القبر، وإنما ينكرون قول جماعة سنن الجهلة إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك. ا. هـ

وكذلك فقد قال الزمخشرى عن سورة الملك:

" وتسمى: الواقية، والمنجية، لأنها تقى وتنجي قارئها من عذاب القبر ".

وانظر الكشاف (4/ 574) و الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (3/ 712) تحقيق سعود بن عبد العزيز الخلف.

ص: 889

*و من شبهاتهم النفاة:

قالوا:

إنا نرى شخص الميت مشاهدة وهو غير معذَّب، وكذلك فإن الميت ربما تفترسه السباع وتأكله!!

وجوابه:

أن هذا هوس؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم، والمدرك للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان، وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره، ولو انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى الإنكار اغتراراً بسكون ظاهر جسمه.

فتعساً لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالاضافة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما من العجائب.

(1)

* ثم يقال لمن يشكل بعدم تحقق رؤية عذاب القبر بالبصر:

أن الله - عزوجل - يبتلى عباده بالتكاليف الشرعية اختباراً وامتحاناً لهم، وهذه التكاليف شاملة لباب العلم والعمل:

أ) ففي باب العمل:

يكلفهم بجملة من العبادات الشرعية، والتى منها ما يكون غير معلوم الحكمة، فيجمع لهم بين التكليف بالاستسلام وتكليف القيام بالعمل.

ب) وفي باب العلم:

فقد يختبر الله -تعالى -عباده بالإيمان بالغيبيات التى تتآلت النصوص بإثباتها، فيظهر هنا من يؤمن بالغيب ممن هو منه في شك، إذ لو عاين

(1)

الاقتصاد في الاعتقاد للغزالى (118)

ص: 892

العباد الغيبيات لزالت حكمه التكليف والإيمان بالغيب، ومن هذا الباب فقدا اقتضت الحكمة أن يكون عذاب القبر خفياً؛ لأنَّه لو كان أمراً ظاهراً لما كان الإيمان به إيمان بالغيب، والإيمان النافع المنجي إنما هو الإيمان بالغيب.

لذا فقد كان أول ما مدح الله تعالى - به أهل الإيمان فى كتابه أنهم يؤمنون بالغيب، فقد قال تعالى (ألم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) (البقرة: 1 - 3)

* وأضف الي ذلك أنه قد اقتضت حكمة الله -تعالى- أن لا يكون عذاب القبر ظاهراً، إذ لو كان ظاهراً لما تدافن الناس، كما قال صلى الله عليه وسلم:

"إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه".

(1)

* وأما قولهم بعدم حدوث عذاب القبر لمن أكله سبع أو حُرق!!

فجوابه:

فذكر العذاب والحاقه بالقبر إنما خرج على الغالب فلا مفهوم له؛ فالمصلوب والمحروق والغريق ومن أكلته السباع لهم من عذاب البرزخ ونعيمه بحسب ما تقتضيه أعمالهم، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما.

وإلا فسيقال من باب الإلزام بعدم بعث من أكلته السباع أو حرق، ومثل هذا مما لم يقل به نفاة القول بعذاب القبر، فكما قيل فى قوله تعالى (قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)) أنه خرج على الغالب، مع إثبات البعث لمن لم يكن له مرقد، كالمحروق ومن أكلته السباع، فكذا يقال بإثبات عذاب القبر ونعيمه لمن لم يُقبر.

(2)

(1)

أخرجه مسلم (7142)

(2)

وقد ورد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

" كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ:

إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ " (متفق عليه).

ص: 893

قال ابن القيم:

ومما ينبغى أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزح، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يُقبر، فلو أكلته السباع أو أُحرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور.

(1)

* ويلخص ما سبق كلام بديع للسمعانى، حيث قال هو لما ذكر أمور الغيب من عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط، قال رحمه الله:

وهذه أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها،

فإذا سمعنا شيئاً من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدَّقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته، وقال تعالى في مثل هذا {ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا} .

(2)

* تنبيه وتصحيح:

قد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الله - سبحانه -يعذِّب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، وقالوا بأن سبيل المعذَّبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب.

(3)

*وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك، وبيَّن أن الأمر على خلاف ذلك، فقال رحمه الله:

ولا يجوز أن يقال ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب مثلما يجده النائم في منامه؛ بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم. وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك إذا قال السائل: الميت لا يتحرك في

(1)

الروح (ص/58)

(2)

الانتصار لأصحاب الحديث (ص/82)

(3)

الروح (ص/ 58)

ص: 894

قبره والتراب لا يتغير، ونحو ذلك.

مع أن هذه المسألة لها بسط يطول وشرح لا تحتمله هذه الورقة والله أعلم.

(1)

* إثبات عذاب القبر عند الأشاعرة:

على الرغم من أن عذاب القبر عند الأشاعرة يعد من باب السمعيات، ومع ذلك تراهم يعلِّقون القول به على عدم استحالة العقل لقبوله، ثم يجعلون الأدلة السمعية تبعاً لذلك القبول العقلى.

يقول الباقلاني:

«ويجب أن يعلم كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ونصب الصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة للعصاة من المؤمنين، كل ذلك حقٌّ وصدقٌ، ويجب الإيمان به، والقطع به؛ لأن جميع ذلك غير مستحيل في العقل» .

(2)

وقد نص على مثل ذلك: الآمدى واللقانى.

(3)

(1)

مجموع الفتاوى (4/ 276)

(2)

الإنصاف (ص/51)

(3)

هداية المريد (ص/159) وغاية المرام (ص/301).

ص: 895

قال سفر الحوالى:

فالقوم كما ترى ملتزمون بتقديم العقل وحكمه بالإمكان وعدم الاستحالة، ثم يوردون الأدلة السمعية مؤيدةً وظهيرةً، ومع هذا فالباب عندهم هو باب (السمعيات)!!

(1)

وقد نقض شيخ الإسلام ابن تيمية هذا التأسيس من أصله، فقال رحمه الله:

ومن قال: أنا أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل لم يكن لقوله ضابطٌ، فإنه تصديق بالسمع مشروطًا بعدم جنسٍ لا ضابط له ولا منتهى، وما كان مشروطًا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط، فلا يبقى مع هذا الأصل إيمان.

(2)

والمعنى:

أن عدم مخالفة العقل أمرٌ غير منضبط، فالعقول تختلف، وأوجه المخالفة تختلف، فإذا علقنا التصديق بثبوت شيء عليها، فقد علقناه على أمرٍ غير منضبط.

وقال رحمه الله:

لا يجوز أن يخبر الرسل بشيء يعلم بالعقل الصريح امتناعه، بل لا يجوز أن يخبروا بما لا يعلم بالعقل ثبوته فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول، ويجوز أن يكون في بعض ما يخبرون به ما يعجز عقل بعض الناس عن فهمه وتصوره؛ فإن العقول متفاوتة.

(3)

* الحاصل أن الأصل فى تعامل الأشاعرة مع النصوص الشرعية، وتقسيمها إلى) إلهيات، سمعيات، نبوات) إنما يعود فى الحقيقة على مدى موافقتها للعقل لمن عدمه، على طريقة:

" وما آتاكم العقل فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا "، فيزعمون أن ما خالف العقل فليس بمقبول، ولو جاء به كل منقول!!!

وفى حقيقة الأمر

(1)

منهج الأشاعرة في العقيدة (ص/59)

(2)

درء تعارض العقل والنقل (1/ 177)

(3)

بيان تلبيس الجهمية (1/ 333)

ص: 896

أنهم إنما يردُّون ما خالف الرأى، لا ما خالف العقل؛ فإنه ما ورد نص قرآنى، ولا حديث نبوى صحيح إلا وهو يوافق العقل، عَلِمه من عَلِمه وجهِله من جهِله.

*عودٌ إلى حديث الباب:

قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ.... "

وقوله: " وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ.... " فيه وجهان:

أحدهما:

أن هذا ليس من الكبائر، فيكون المعنى التحذير من الكبائر؛ لأنه إذا وقع العذاب في القبر على ما ليس من الكبائر فكيف بالكبائر؟!

والثاني:

أنه ليس المراد أن هذا ليس بكبير في باب الدين، بل هو كبير في الذنوب وإن كان صغيرًا عندكم، ولكنه كبير عند الله تعالى، كما في قوله تعالى:{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (النور آية: 15)، وليس بكبير على فاعله أن يحترز منه، إذ لا مشقة فى الاحتراز عن البول والنميمة ولاتنزه عنهما، وليس ذلك بالعسير على تاركه.

ومما يؤيد هذا التوجيه:

" لفظ البخارى: " يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ ".

(1)

وهذا الذى مال إليه البخاري، حيث روى حديث الباب في كتاب الأدب في باب:

" النميمة من الكبائر ".

(1)

رواه البخاري (6055)

ص: 897

* وعلى التأويل يكون الحديث أحد الأدلة التى تدحض منهج المرجئة و الخوارج:

أ) أما المرجئة:

فالمرجئة هم المنسوبون إلى الإِرجاء لتأخيرهم الأعمال عن الإِيمان، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وقالوا: لا يضر مع الإِيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإِيمان، وأن الإِيمان لا يتبعض، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإِيمان غير معرض للوعيد، ومذهبهم باطل ترده أدلة الكتاب والسنة.

وحديث الباب حجة عليهم؛ لأنه أبان وقوع العذاب عليهما على فعلهما للكبيرة، رغم وجود أصل الإيمان.

ب) وأما الخوارج:

فهم الوعيدية القائلون بإنفاذ الوعيد، وأن مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب منها فهو خالد مخلد في النار.

ففى حديث الباب رد على تكفيرهم بالكبيرة؛ ووجه الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال لما غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ جريدة: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» ، "وقال صلى الله عليه وسلم:" فأحببت بشفاعتى أن يرفع ذلك عنهما ما دام القضيبان رطبين "

(1)

* ووجه الدلالة:

أنه لو كان فاعل الكبيرة كافراً لما جازت له الشفاعة، فالأيات فى نفى الشفاعة عن الكافرين قد تتآلت تترا فى كتاب الله تعالى.

*عودٌ إلى حديث الباب:

قول الراوى: " ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ:«لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»

قد استدل بعض الحنفية بفعل النبى صلى الله عليه وسلم حين غرز الجريد فى قبريّ الرجلين على مشروعية هذا الفعل، وأنه يندب زرع الشجر والزرع على المقابر؛ لكونهما يسبحان ما داما رطبين، وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله

(1)

أخرجه مسلم (3012)

ص: 898

تعالى (وإن من شئ الا يسبح بحمده)، قالوا معناه: وإن من شئ حي، ثم قالوا حياة كل شئ بحسبه.

(1)

قال ابن عابدين:

ويؤخذ من الحديث ندب وضع ذلك للاتباع، ويقاس عليه ما اعتيد في زماننا من وضع أغصان الآس ونحوه.

(2)

وقد نقل السيوطى عمن لم يسمه ما نصه:

" هذا الحديث أصل في غرس الأشجار عند القبور"

(3)

والراجح -والله أعلم- أن التخفيف عن القبرين إنما حصل ببركة يده الشريفة صلى الله عليه وسلم وشفاعته لهما.

* يدل عليه:

ما ورد فى حديث جابر -رضى الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:

«فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، قَالَ جَابِرٌ:

فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَعَمَّ ذَاكَ؟

قَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ» .

(4)

فقوله صلى الله عليه وسلم: " فَأَحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا ":

قد دل على أن ذلك مداره على الخصوصية، لحصول شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم

بذات فعله.

*فدل ذلك على أن الحكمة من وضع الجريد وإن لم تظهر في حديث الباب فقد وردت فى حديث جابر رضى الله عنه، لأن الظاهر أن القصة واحدة، كما رجح ذلك القرطبى والنووى.

(5)

حتى ولو قيل بأن الواقعتين مختلفتان، فى حديثى ابن عباس وجابر رضى الله عنهم، كما

(1)

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (3/ 202)

(2)

رد المحتار على الدر المختار (2/ 245)

(3)

شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (ص/305)

(4)

أخرجه مسلم (3012) ومعنى (أن يرفه عنهما): أي يخفف.

(5)

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (1/ 553)

ص: 899

مال إلى ذلك ابن حجر، فإن خير ما يفسر به الحديث هو الحديث، فقد ورد فى حديث جابر -رضى الله عنه- بيان الحكمة من فعله بغرز الجريد على القبرين، وهى أن حصول التخفيف عن المعذبيَن إنما حصل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ما دام الغصنان رطبين.

قال القاضى عياض:

وقوله عليه السلام: " فأحببت بشفاعتى أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين " يفسر مشكل قوله فى الحديث الآخر: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا "، وأن ذلك بدعوته لهما بذلك، .... فإن كانت القصة واحدة -أى في حديثى ابن عباس وجابر- فقد بيَّن أنه صلى الله عليه وسلم دعا لهما وشفع، وإن كانت قصة أخرى فيكون المعنى فيهما واحداً، والله أعلم.

(1)

قال الخطابي:

وأما غرسه صلى الله عليه وسلم شق العسيب على القبر وقوله: (ولعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه صلى الله عليه وسلم جعل مدة بقاء النداوة فيهما حداً لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنها، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنىً ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه، والله أعلم.

(2)

(1)

إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 120) و (8/ 570)

(2)

معالم السنن (1/ 19)

قال الشيخ أحمد محمد شاكر معقباً على كلام الخطابي:

وصدق الخطابي وقد ازداد العامة إصراراً على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه خصوصاً في بلاد مصر تقليداً للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحيةً لهم ومجاملةً للأحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدةً من بلاد أوروبا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونه الجندي المجهول وضعوا عليها الزهور. =

= وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليداً للإفرنج واتباعاً لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة بل تراهم أنفسهم يصنعون ذلك في قبور موتاهم. ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافاً خيريةً موقوفٌ ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع في القبور.

وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين ولا مستند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا.

ذكره الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على سنن الترمذي (1/ 103)، وانظر قواعد وأسس في السنة والبدعة (حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة (ص/ 173)).

ص: 900

وقال ابن الحاج:

فالجواب عن قوله عليه الصلاة والسلام (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) راجع إلى بركة ما وقع من لمسه عليه الصلاة والسلام لتلك الجريدة، وقد نص على ذلك الإمام الطرطوشي رحمه الله في كتاب " سراج الملوك " له، لما ذكر هذا الحديث فقال عقبه:

وذلك لبركة يده عليه الصلاة والسلام.

وما نقل عن واحد من الصحابة فلم يصحبه عمل باقيهم رضي الله عنهم؛ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه، ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحباً.

(1)

* وكذا يقال:

أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام بغرزه للجريد على القبرين قد انبنى على علم منه بوحى أن صاحبيهما يعذبان، فيقال لمن فعل مثل هذا الفعل بغرز الجريد أو زرعه على القبر، هل أنت على علم بوقوع العذاب على صاحب القبر؟!!

وقد أورد ابن حجر رداً على هذا الجواب فقال:

لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عذِّب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة.

(2)

ولكن يناقش هذا:

بأن الرسول صلى الله عليه وسلم-لم يفعل ذلك إلا فى قبور مخصوصة قد أطلعه الله -تعالى- على تعذيب أهلها، ولو كان ذلك مشروعاً لفعله فى كل القبور، فلما لم يفعل ذلك إلا فى قبور علم تعذيب أهلها دل ذلك على أن سائر القبور ليس لها ذلك الحكم.

(3)

* فإن قيل:

قد ذكر البخاري تحت باب الجريد على القبر (2/ 95):

" وأوصى

(1)

المدخل (3/ 294)

(2)

فتح البارى (1/ 320)

(3)

وانظر تعليق ابن باز على الفتح (1/ 320) وأحكام المقابر في الشريعة الإسلامية (ص/169)

ص: 901

بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدان "

(1)

* فجوابه:

أن هذا الفعل ورد على خلاف ما فهمه عامة الصحابة -رضى الله عنهم- والسلف الصالح، إذ أنهم لو فهموا من النص العموم لعملوا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد على القبور. ولو أنهم فعلوا ذلك لاشتهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا.

قال ابن الحاج:

وما نقل عن واحد من الصحابة فلم يصحبه عمل باقيهم رضي الله عنهم؛ إذ لو فهموا ذلك لبادروا بأجمعهم إليه، ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحباً.

(2)

وأما فعل بريدة رضى الله عنه:

فيحتمل أن يكون أمر أن يجعل في داخل القبر لما في النخلة من البركة؛ لقوله تعالى (كشجرة طيبة)

ويحتمل أنه فعله من باب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في وضعه الجريدتين على القبر.

ومما يؤيد الأول:

أنه أوصى أن يوضع " في قبره "، وهى رواية الأكثرين.

(3)

* تنبيه:

قد انبنى على القول بأن وضع الجريد إنما كان لتسبيحه حال رطوبته القول باستحباب تلاوة قراءة القرآن عند القبر؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد، فتلاوة القرآن من باب أولى!!

(4)

والراجح -والله أعلم- المنع من ذلك، وهو مَذهَب المالِكيَّة وقَوْلُ أبي حنيفة، وهى أصح الروايتين عن أحمد، واختيارُ أبي العباس ابنِ تيمِيَّة.

(5)

(1)

أخرجه البخارى معلقاً فى الجنائز باب الجريد على القبر (1/ 404) ووصله ابن سعد فى الطبقات (2826) وإسناده صحيح، وانظر تغليق التعليق على صحيح البخاري (2/ 492).

(2)

المدخل (3/ 294)

(3)

وانظر فتح الباري (2/ 223) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (8/ 182)

(4)

وممن نقل ذلك:

النووى والخطابي وابن دقيق العيد. وانظر شرح النووى على مسلم (3/ 203) وأعلام الحديث (1/ 274) وإحكام الأحكام (1/ 109) وبشرى الكريم بشرح مسائل التعليم شرح المقدمة الحضرمية (ص/474)

(5)

قد نقل المروذي الرواية الصحيحة عن أحمد، أنه قال: القراءة عند القبر بدعة، وقال ابن هانئ:

سألت أبا عبد اللَّه عن القراءة على القبر؟

قال: القراءة على القبر بدعة. هذِه هي الروايات الصحيحة عن الإمام أحمد، وحكاية رجوعه عنها المروية في كتاب "الروح" ص 13 لابن القيم، عن الخلال لا تصح، ففيها مجاهيل..

وانظر "مسائل ابن هانئ"(946) والروايتين والوجهين (1/ 212) والفروع (2/ 305) وأحكام الجنائز وبدعها" (ص/ 192) =

=وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فيفرق بين القراءة حين الدفن، والقراءة الراتبة بعد الدفن، فيقول أن هذه الأخيرة بدعة، لا يعرف لها أصل. مجموع الفتاوى (24/ 317)

ص: 902

*ويدل هلى المنع عدة أمور:

1 -

قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان عليه الصلاة والسلام بعد الدفن يقف ويقول:

«استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» .

ولو كانت القراءة عند القبر خيراً وشرعاً لأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى تعلم الأمة ذلك.

2 -

كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور القبور، ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه رضى الله عنه، وتعلموها منه، من ذلك:

(السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية).

ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة من القرآن أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم، ولو كان ذلك مشروعاً لفعله، وبينه لأصحابه؛ رغبةً في الثواب، ورحمةً بالأمة، وأداءً لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(التوبة/128).

فعدم الفعل مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع فيه دلالة على عدم المشروعية.

(1)

(1)

مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (17/ 218 - 219)

ص: 903

3 -

روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ليفر من البيت يقرأ فيه البقرة"

فلولا أن المقبرة لا يقرأ فيها لم يشبه البيت الذي لا يقرأ فيه بالمقبرة.

قال أبو العباس ابن تيمية:

نقل الجماعة عن أحمد كراهة القرآن على القبور، وهو قول جمهور السلف، ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين: إن القراءة عند القبر أفضل، واتخاذ المصاحف عند القبر بدعة، ولو للقراءة ولو نفع الميت لفعله السلف.

(1)

تم بحمد الله.

(1)

الفتاوى الكبرى (5/ 362)

ص: 904