الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع والثلاثون: درء الخوض في رد أحاديث الحوض
* نص حديث الباب:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعود-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
" أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَاماً ثُمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ "
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (6576) كتاب الرِّقَاق، " بابٌ في الحوض ".
ومسلم (2297) كتاب الفضائل، باب " إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته " * أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
فيه إثبات حوض النبي صلى الله عليه وسلم وأنه حوض حقيقي على ظاهره، مخلوق موجود اليوم وهو كذلك عند أهل السنة والجماعة لا يتأولونه، ويجعلون الإيمان به فرضاً، وأحاديثه قد بلغت التواتر *وممن نص على تواتر أحاديث الحوض:
ابن حجر والقرطبي والقاضي عياض والسيوطي وابن كثير وابن أبي عاصم والسفَّاريني والطحاوي والكتاني، وغيرهم كثير.
(1)
(1)
وانظر النكت على صحيح البخاري (2/ 215) والأزهار المتناثرة (108) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/236) والسنة لابن أبي عاصم (2/ 360) والعقيدة الطحاوية (ص/343)
وممن استقصى طرق أحاديث الحوض:
ابن كثير في البداية (19/ 423) والبيهقي في "البعث والنشور"(ص/110)، وفي بعض ذلك ما يقتضي كونها متواترة لفظاً ومعنى؛ لأنها رويت من طريق أكثر من خمسين صحابياً.
بل من العلماء من سرد رواة أحاديث الحوض فأوصلها إلى ثمانين صحابيا. انظر: تهذيب سنن أبي داود (13/ 56) وعمدة القاري (33/ 396)
وقد تضافرت الأدلة من السنة على إثبات الحوض، فقد بوَّب البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب في الحوض، وكذا مسلم عقد باباً في كتاب الفضائل في إثبات حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عبد البر:
الأحاديث في حوضه صلى الله عليه وسلم متواترة صحيحة ثابتة كثيرة، والإيمان بالحوض عند جماعة علماء المسلمين واجب، والإقرار به عند الجماعة لازم.
(1)
قال القرطبي:
الحوض المصرَّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة يحصل بمجموعها العلم القطعي، واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة -رضى الله عنهم-نيف على الثلاثين.
في الصحيحين منهم نيف على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله، واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة -رضى الله عنهم- من التابعين أمثالُهم.
(2)
* ذكر طرف من أحاديث الحوض:
1 -
حديث الباب:
وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: " أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ
…
":
والفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستقاء، فمعنى:" فَرَطُكُمْ علي الحوض " سابقكم إليه، كالمهييء له.
(3)
2 -
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
(4)
3 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ
(1)
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (1/ 583)
(2)
وانظر المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم (6/ 90) ولوامع الأنوار البهية (2/ 195)
(3)
وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (8/ 68) والنهاية في غريب الحديث (3/ 343)
(4)
متفق عليه.
رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي»
(1)
4 -
وعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ-رضى الله عنه- أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ النبيُ صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ»
(2)
5 -
عَنْ أَبِي ذَرٍّ-رضى الله عنه- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟
قَالَ صلى الله عليه وسلم:
(3)
6 -
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ-رضى الله عنه- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ:"مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ" قَالَ:
قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "سَبْعُ مِائَةٍ أَوْ ثَمَانِ مِائَةٍ".
(4)
7 -
وعَنْ أَنَسٍ بنِ مَالكٍ -رضى الله عنه-قَالَ:
(5)
*الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
…
وفتنة القبر والحوض وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل
(1)
متفق عليه.
(2)
متفق عليه.
(3)
أخرجه مسلم (2300)
(4)
أخرجه أبوداود (4746) والحاكم (257) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وحسنه ابن حجر في "هداية الرواة "(5/ 192)، وقال الشيخ مقبل الوادعى فى " الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (1/ 292):"هذا حديث صحيحٌ"
(5)
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة"(698) والحاكم (260) وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ". وقال الألباني فى الظلال (ص/284): إسناده صحيح على شرط مسلم.
الكبائر، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة.
(1)
* أول من يرد الحوض:
عن ثَوْبَانَ-رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
(2)
*صفة حوض النبي صلى الله عليه وسلم:
1 -
الحوض مخلوق الآن:
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر فقال:
"إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي- وَاللَّهِ - لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ ".
(3)
رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «وَأَنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إلَى الْجُحْفَةِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «عَرْضُهُ مِثْلُ طُوُلهُ مَا بَيْنَ عُمَانَ إلَى الْمَدِينَةِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ مَقَامِي إلَى عُمَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ «قَدْرَ حَوْضِي مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ» ،
(1)
مجموع الفتاوى (11/ 486)
وممن نقل هذه الإجماع: ابن بطة في الإبانة الكبرى (ص/203) وأبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر (ص 298)
(2)
رواه الترمذي (2444)، وابن ماجه (4303)، وأحمد (5/ 275)(22421)، والبزار (10/ 103)، والطبراني (1437)، والحاكم (4/ 204). قال البزار: إسناده حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في " صحيح سنن الترمذي ": صحيح المرفوع منه.
(3)
أخرجه البخاري (1344) ومسلم (2296)
وَفِي رِوَايَةٍ «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ»
قال القرطبي:
وقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض، وقد ظن بعض القاصرين: أن ذلك اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدَّث النبي صلى الله عليه وسلم -بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير، لا تحقيق، وكلها تفيد أنه كبير متسع، متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض: أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها.
(1)
فرع: أين يكون الحوض من مواقف يوم القيامة؟
ذهب فريق من العلماء إلى أن الحوض بعد الصراط:
وذلك لما روى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ-رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا "
(2)
فدل ذلك أن الشرب من الحوض يقع بعد الحساب، والنجاة من النار؛ لأن انتفاء الظمأ الدائم صفة من نجا من النار، ومثل هذا لا يكون إلا لمن اجتاز الصراط.
* يؤيده:
قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سُئِلَ عَنْ شَرَابِ الحوض فَقَالَ:
(3)
فدل ذلك على أن مادة الحوض من الجنة، فناسب ذلك أن يكون الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها.
وهذا ما رجحه البخاري
(1)
انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 92) وفيض القدير (2/ 579)
(2)
متفق عليه.
(3)
أخرجه مسلم (2301)
قال الأصبهاني:
وقوله: يغت فيه ميزابان أي يسيل الماء فيه بكثرة، يقال: غت على وزن غل يغل بالغين المعجمة والتاء المنقوطة بنقطتين، وقيل: الغت الدفق. الحجة في بيان المحجة (1/ 490)
والقاضي عياض وابن حجر والسيوطي.
(1)
* والراجح -والله أعلم-أن الحوض قبل الصراط:
وهذا ما رجَّحه الغزالي وابن القيم والطحاوي، وهو قول جمهور أهل العلم.
(2)
يدل عليه:
ما رواه أَبوهُرَيْرَةَ-رضى الله عنه-عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
" بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ:
إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى. "
(3)
وهذا من أظهر الأدلة على أن الحوض قبل الصراط؛ فإنه من جاز الصراط نجا، وأما الحوض فسوف يُصرف عنه بعض وارديه إلى النار، فدل ذلك على أنهم لن يجاوزوا الصراط قطعاً.
قال ابن القيم: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر ممدود على جهنم، فمن جازه سلم من النار.
(4)
* ومما ناسب أن يكون الحوض قبل الصراط ما ذكره القرطبي بقوله:
والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط؛ فإن الناس يخرجون من قبورهم عِطَاشًا فناسب تقديمه لحاجة الناس إليه.
(5)
(1)
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (8/ 68) وفتح الباري (11/ 650)
(2)
وانظر شرح الطحاوية (ص/344) وحاشية البيجوري على الجوهرة (ص/303) والوعد الأخروي (1/ 127)
(3)
أخرجه البخاري (6587)
(4)
وانظر زاد المعاد (3/ 596) والوعد الأخروي (1/ 130)
(5)
التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص/269)
* تنبيه:
من العلماء رأى الجمع بين القولين بقول ثالث بأن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثراً، وهذه طريقة القرطبي وابن كثير.
ولكنَّ الجمع إنما يقدَّم على الترجيح إذا كان مستنداً على دليل صحيح، ولم يثبت دليل على وجود حوضين فى العرصات. والله أعلم. وانظر فتح الباري (11/ 650) ولوامع الأنوار (2/ 195)
* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:
أول من نُقل عنه الخوض فى رد أحاديث الحوض هو عبيد الله بن زياد والي العراق ليزيد بن معاوية، قال فعن عَبْدُ اللَّهِ بْن بُرَيْدَةَ:
شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فِي الْحَوْضِ، وَكَانَتْ فِيهِ حَرُورِيَّةٌ، فَقَالَ أَرَأَيْتُمُ الْحَوْضَ الَّذِي تَذْكُرُونَ مَا أَرَاهُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَكَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -رضى الله عنه- فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ، فَحَدَّثَهُ حَدِيثًا مَوَثَّقًا أَعْجَبَهُ، فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا من رسول الله؟
قَالَ: لا، وَلَكِنْ حَدَّثَنِيهِ أَخِي، قَالَ:" لا حَاجَةَ لَنَا فِي حديث أخيك".
(1)
قال عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ:
شَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ الأسلمي-رضى الله عنه- دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فقال له عُبَيْدُ اللَّهِ:
بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَنِ الْحَوْضِ، سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ فِيهِ شَيْئًا؟
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَرْزَةَ رضى الله عنه:
" نَعَمْ، لَا مَرَّةً، وَلَا ثِنْتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا، وَلَا أَرْبَعًا، وَلَا خَمْسًا، فَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَلَا سَقَاهُ اللَّهُ -تعالى- مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ مُغْضَبًا ".
(2)
* وكذلك فقد أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة، فقد ردوها بالعقل فقالوا:
أن وجود الحوض لا يُعقل، فكيف يكون الحوض قبل الصراط، وهو يُغذَّى من الجنة، ومن المعلوم أن أن الصراط قد ضُرب على جهنم، يمر عليه الناس قبل دخولهم الجنة؟!
فقال المنكرون للحوض: " إنما المراد بالحوض الوارد في الأحاديث إنما هو الكوثر، وأن الكوثر هو الخير الكثير"
لذا فقد ردوا أحاديث هذا الباب؛ لأنها لا تتناسب مع الوصف الذي تخيَّلوه.
والمعتزلة كما هو معلوم في قاعدتهم يؤولون الغيبيات:
فأنكروا الصراط وأولوا
(1)
أخرجه ابن أبي عاصم (700) وصححه الألباني.
(2)
أخرجه أحمد (19763) وأبوداود (4749) والبيهقي في البعث والنشور (154) وصححه الأرنؤوط.
الميزان وأولوا الصحف وأولوا الحوض إلى غير ذلك، على أساس قاعدتهم من تسليط العقل على النقل.
(1)
وممن نقل إنكار الجهمية والمعتزلة للحوض: ابن بطة العكبري وابن حجر والجيلاني.
(2)
قال السفَّاريني:
خالفت المعتزلة فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة، فكل من خالف في إثباته فهو مبتدع، فمنكره زائغ عن الثواب مستحق للطرد والعذاب، ويكفيه من الخزي والنكال أنه يذاد عنه ويطرد، ويمنع من الشرب منه ويرد.
(3)
قال ابن أبي عاصم:
والأخبار التي ذكرناها في حوض النبي صلى الله عليه وسلم -توجب العلم، أن يَعلم كنه حقيقته، أنها كذلك وعلى ما وصف به نبينا عليه السلام حوضه، فنحن به مصدِّقون غير مرتابين ولا جاحدين، ونرغب إلى الذي وفقنا للتصديق به - وخذل المنكرين له والمكذبين به عن الإقرار به والتصديق به ليحرمهم لذة شربه- أن يوردنا فيسقينا منه شربة نعدم لها ظمأ الأبد بطوله، ونسأله ذلك بتفضله.
(4)
*وهنا نقول:
لا شك أن رد أحاديث الحوض هو ضلال بيِّن، ومثال واضح لمدى تسلُّط هوى العقول على المنقول، فمثل هذه الأحاديث التي أثبتت وجود
(1)
إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (1/ 355)
قال الشيخ حسن أبو الأشبال:
وللأسف الشديد قبل عدة أسابيع سمعت أن أحد الفضلاء في الأزهر ينكر الحوض والميزان، وكان يلقي محاضرة في المقطم، فلما أتى عند الحوض قال كلاماً هو إلى الكفر أقرب، بل إنه زاد على الإنكار استهزاء وتهكماً، فقال:
كيف يُعد الله تعالى في الآخرة حوضاً لعباده؟ أهم بهائم؟ وهل الصفات الواردة في صفة الحوض هي نفس الصفات الواردة في الحياض التي تردها أنت مع البهائم وتشرب منها؟
(دروس للشيخ حسن أبي الأشبال مفرغة على الشاملة (16/ 12))
(2)
وانظر الإبانة الكبرى (6/ 193) وفتح الباري (11/ 650) والغنية (1/ 85)
(3)
لوامع الأنوار البهية (2/ 202)
(4)
كتاب السنة (2/ 360)
الحوض هي فى الحقيقة أحاديث متواترة قد أفادت العلم اليقيني القطعي بوجود حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا بعد النقل إلا الضلال؟!
*وممَّن خاض في حديث الحوض بالتحريف الباطل:
الخوارج والرافضة الذين تذرَّعوا بحديث الباب للقول بالحكم بالردة على الصحابة رَضى الله عنهم.
فأما الخوارج فقد ذهبوا إلى تكفيرعلى بن أبي طالب وعثمان وعمرو بن العاص ومعاوية وأبا موسى رضى الله عنهم، وجميع أصحاب قضية التحكيم وأهل الجمل وصفين.
وأما الروافض فقد كفَّروا جمهور الصحابة رضى الله عنهم، ولم يستثنوا من ذلك الحكم إلا القليل، ذكروا منهم:
"علي بن أبي طالب، المقداد بن الأسود، أبا ذر الغفاري، عمَّار بن ياسر، حذيفة بن اليمان"، مستدلين على ذلك بحديث الباب.
قال عبد القاهر البغدادي:
وأما الإمامية من الروافض فقد زعم أكثرهم أن الصحابة ارتدت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سوى علي وابنيه، ومقدار ثلاثة عشر منهم.
(1)
*ومن الروايات الواردة في حديث الباب، والتى عضَّدوا بها مذهبهم:
قوله صلى الله عليه وسلم:
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّي أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ"
وفي رواية أبي بكرة -رضى الله عنه- يرفعه:
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي، حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ".
(2)
* والجواب على ذلك من وجوه:
1 -
الوجه الأول:
قد مدح الله -عزوجل - الصحابة -رضى الله عنهم- فى مواضع عدة من كتابه الكريم،
(1)
الفرق بين الفرق (ص/277)
ومن افتراءتهم في هذا ما يرونه عن جعفر الصادق أنه قال:
" كان الناس بعد موت النبي -صلى الله عليه - أهل ردة إلا ثلاثة: "المقداد وأبو ذر وسلمان"
وانظر لذلك: الكافي للكلينى (8/ 200) ودراسات فى الكافي للكلينى، هاشم الحسينى (12/ 1)
(2)
أخرجه أحمد (20494) وابن أبي عاصم في "السنة"(765)، وحسنه ابن حجر في الفتح (11/ 537)
وأثنى على جهادهم وبذلهم في سبيل الله تعالى، فكيف يكون هذا من الله -تعالى- لقوم ارتدوا جميعاً إلا ستة فقط؟!
وتأمل في قوله تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}
(الفتح: 18)
قال ابن حجر الهيتمي:
فصرح تعالى برضاه عن أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن رضي الله عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر؛ لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله - تعالى - بأنه رضي عنه.
(1)
وفيهم قد قال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:
(2)
فكيف يرضى الله عز وجل عن أصحاب البيعة، وقد قيل أنهم كانوا خمس عشرة مائة، ويحمدهم ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
كتاب الله نوعان: خبر وأمر:
أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر ويبيِّن معناه.
وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله-تعالى- إلا بما أنزل الله تعالى، فمن أراد أن ينسخ شرع الله - تعالى - الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحداً، وكذلك من دفع خبر الله -تعالى- برأيه ونظره كان ملحداً.
(3)
والأبين من ذلك ما ورد في قوله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
…
) (الفتح: 29)
فقوله عزوجل (وَالَّذِينَ مَعَهُ..) هذه من صيغ الجمع، فكيف يقال بردة جمهور الصحابة -رضى الله عنهم- إلا خمسة منهم؟!
(1)
الصواعق المحرقة (ص/570)
(2)
أخرجه مسلم (2496)
(3)
درء تعارض العقل والنقل (5/ 103)
قال ابن حزم:
فمن أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم رضي الله عنهم، وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة، ثم نقطع على أن كل من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنية صادقة - ولو ساعة - فإنه من أهل الجنة؛ وَذَلِكَ لقَوْل الله عز وجل (وكلاً وَعدَ اللهُ الْحسنى).
(1)
*فإذا حَرُمَ التوقف في أمرهم والشك فيهم البته، فكيف بمن يقع في أعراضهم، بل ويجزم لهم بالردة عن دين الإسلام؟!
2 -
الوجه الثاني:
قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)) (الحشر: 10)
فإن الله -عزوجل- قد أمرالتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أن يستغفروا للصحابة رضى الله عنهم، وهذا ما فهمه الصحابة - رضى الله عنهم- من هذه الأية:
قَالَ ابنُ عباس رضي الله عنهما:
لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؛ فَإِنَّ اللَّهَ - تعالى- قَدْ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيَقْتَتِلُون.
(2)
وقالت عائشةُ رضى الله عنها:
«أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَبُّوهُمْ»
(3)
،
فالأمر بالاستغفار الذي أشاروا إليه هو ما ورد في قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}
وهنا وجه الدلالة:
فقد أمر الله -تعالى- كل من جاء بعد الصحابة -رضى الله عنهم- أن يستغفروا لهم، فكيف يكون ذلك مع قوم يزعم الرافضة أنهم قد ارتدوا إلا قليلاً منهم؟!!
ولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة لم يترحموا على الصحابة -رضى الله عنهم- ولم
(1)
الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 72)
(2)
رواه الآجري في "الشريعة"(1979)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد"(2339). وصححه شيخ الإسلام فى "منهاج السنة النبوية"(2/ 11)
(3)
أخرجه مسلم (3022)
قال القاضي عياض:
والظاهرأن عائشة -رضى الله عنها- قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في علي بن أبي طالب ما قالوا، والحرورية في جميع الصحابة ما قالوا. وانظر إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 578)
يستغفروا لهم، بل سبُّوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ [الحشر: 8] إلى قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10].
قال رحمه الله:
وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين، وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة رضى الله عنهم، وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا نقيض مذهب الرافضة.
(1)
3 -
الوجه الثالث:
أن الصحابة -رضى الله عنهم- هم سدنة هذا الدين وأمناءه، فهم الذين قاموا على حفظ حياضه من ولوغ أهل البغى الافتراء والنفاق؛ لذا فإن الطعن فيهم هو طعن في كل ما تناقلوه من ميراث النبوة ومشاكي الوحى المنزَّل.
قال عمر بن حبيب:
حضرت مجلس الرشيد، فاحتج البعض بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فدفع بعضهم الحديث بأن أبا هريرة -رضى الله عنه - متهم فيما يرويه، وصرَّحوا بتكذيبه.
ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، فقلت يا أمير المؤمنين:
إن الَّذِي قلته وجادلت عَلَيْهِ فِيهِ إزراء عَلَى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وعلى ما جاء بِهِ، إِذَا كَانَ أصحابه -رضى الله عنهم- كذَّابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام فِي الصلاة والصيام والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول. فرجع إِلَى نفسه، ثُمَّ قال لي:
أحياك اللَّه كما أحييتني، ثُمَّ أمر لي بعشرة آلاف درهم.
(2)
* ومما تناقض فيه الروافض في هذه المسألة:
أن الذين نقلوا أحاديث الحوض عن
(1)
منهاج السنة النبوية (2/ 10)
(2)
وانظر تهذيب الكمال في أسماء الرجال (21/ 295) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص/428)
النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين زعمت الرافضة أنهم كفروا، وهم جمع كبير أكثر من خمسين صحابياً.
فإن كنتم صدَّقتم بما نقله هؤلاء من صفة الحوض وأحاديثه وأنها صحيحة، فكيف تقبلون أحاديث من كفر عندكم؟!
وإن كان النقل عندكم إنما هو للتكاثر، فكيف ينقل هؤلاء الجلة من الصحابة -رضى الله عنهم -والعدد الغفير أحاديث فيها تكفيرهم؟
لا شك أن فهم عامة الصحابة -رضى الله عنهم - لأحاديث الحوض، وكونهم رووها وتناقلوها جميعاً، مع ترضيهم عن الخلفاء الأربعة وعن العشرة المبشَّرين بالجنة ما يدل دلالة قاطعة على أن هذا الفهم لتلك الأحاديث -القائم على القول بردة الصحابة -لم يكن معروفاً عند الصحابة رضى الله عنهم.
وكون فهم في الأحاديث يكون غائباً عن الصحابة جميعا رضى الله عنهم، وعن التابعين وعن تبع التابعين، ولا يظهر هذا الفهم إلا بعد مائتي سنة يدل على أن هذا الفهم مردود؛ لأنه لم يفهمه أجيال من المسلمين.
(1)
قال ابن القيم:
ثم قام بالفتوى بعده بَرْك الإسلام وعصابة الإيمان وعسكر القرآن وجند الرحمن، أولئك أصحابه صلى الله عليه وسلم ألين الأمة قلوباً، وأعمقها علماً وأقلها تكلَّفاً، وأحسنها بياناً، وأصدقها إيماناً وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة.
(2)
4 -
الوجه الرابع:
لو تدبروا حديث الباب وغيره من الأحاديث الواردة في هذا المعنى وفهموا ألفاظه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ "، وقوله صلى الله عليه وسلم:"يا رب، أصيحابي" بالتصغيرالذي يراد به تقليل العدد، لاستدلوا على أنه لم يُرد بذلك إلا القليل
ممن ثبت على الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1)
إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (1/ 356)
(2)
إعلام الموقعين (1/ 9)
وفيهم قال الله تبارك وتعالى:
{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ، فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه.
فلم يرتد من الصحابة -رضى الله عنهم- أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين.
وأما جميع أصحابه، إلا الستة الذين ذكروا فكيف يختلجون، وقد تقدَّم قول الله-تعالى- فيهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ؟!
كما أنه لو كان أراد جميع أصحابه -إلا من ذكروا- لقال:
" لَتَرِدُنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ، ثُمَّ لَتَخْتَلِجُنَّ دُونِي ".
(1)
قال الخطابي:
لم يرتد من الصحابة -رضى الله عنهم- أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة -رضى الله عنهم- المشهورين، ويدل قوله " أصيحابي " بالتصغير.
(2)
5 -
الوجه الخامس:
أما استدلالهم بما ورد من ألفاظ في الحديث مثل: "أصحابي ":
فنقول:
كلمة "أصحابي" قد تُحمل على المعنى الشرعي:
" وهو كل من لقي النبي مؤمناً به، ومات على الإيمان "
وقد تُحمل على المعنى اللغوي: فأصحاب الرجل هم أتباعه، وكل من تبع الرجل أو لازمه في أمر فهو صاحب له، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وهو اسم لكل من عبد شجرة الأيكة منهم ولازمها، ومنه قوله:" اللهم أنت الصاحب في السفر" أي ملازم لنا في سفرنا لا يغيب عنا، وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ورضى الله عنها:
" فإنكنَّ صواحبُ يوسفَ "، وقوله لعمر بن الخطاب عندما أراد أن يقطع عنق عبد الله بن أبيّ بن سلول:" دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه "
فسمَّاه صحابياً، ومعلوم أن عبد الله بن سلول كان من المنافقين.
فحمل معنى "أصحابي" في حديث الباب على المعنى اللغوي هو الأقرب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله
(1)
وانظر تأويل مختلف الحديث (ص/342) والوعد الأخروي (1/ 120)
(2)
فتح الباري (11/ 537)
بن سلول: " دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابة " فسمَّاه صحابياً.
(1)
* وعليه فالصحيح الراجح، والله أعلم:
أن المراد بالأصحاب أو الأصيحاب في هذا الحديث وأمثاله:
أنهم بعضُ من كان أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من جفاة الأعراب كبني أسد وبنى حنيفة وبني تميم وغيرهم، ورأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرةَ والمرتين، ولم تكن بشاشة الإيمان قد خالطت قلوبهم، فارتدوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم على أعقابهم، وقد قاتلهم أبو بكر الصديق رضى الله عنه. *وكذلك يندرج فيهم:
من كان يظهرالإيمان ويُبطن النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال عبد القاهر البغدادي:
أجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم من كندة وحنيفة وفزارة وبنى أسد وبنى قشير وبنى بكر ابن وائل، لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين.
(2)
فإن قيل:
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف المنافقين، فكيف يناديهم على الحوض بلفظ الصحبة؟
فالرد على ذلك:
أنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف بعضهم، ولم يكن يعرفهم كلهم؛ ولذلك قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} (التوبة: 101)
فبيَّن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم جميع المنافقين، وكان يظن أن أولئك من أصحابه وليسوا كذلك بل هم من المنافقين.
* ثم يقال:
إن زعمتم أيها الروافض أن في حديث الحوض دلالة على ردة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين ارتدوا من بعده، إلا ما استثنيتم، كعلي بن أبي طالب والسبطين وأبي ذر وسلمان والمقداد، لماذا لم يشملهم تعميم هذا الحديث؟
فإن قلتم:
قد ثبتت الأحاديث في كتب السنة بفضل هؤلاء الخمسة وصدقهم،
(1)
نقض استدلال الرافضة بحديث الحوض (ص/39)
(2)
الفرق بين الفرق (ص/310)
فنقول:
وكذلك ثبتت الأحاديث بفضل أبي بكر وعمر وعثمان، وسائر الصحابة رضى الله عنهم} أفتؤمنون ببعض السنن وتكفرون ببعض.. {؟!!
* وإن تعجب فعجب فعلهم:
1 -
أن الروافض نسوا أوتناسوا كل المرتدين عن الإسلام من العرب من الذين حاربهم الصديق رضى الله عنه، ولم يصرِّحوا إلا بردة الصحابة رضى الله عنهم، رغم أن الصحابة -رضى الله عنهم- هم الذين بقوا على الإسلام وحملوا رايته.
2 -
أن الروافض قد حملوا حديث الحوض على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم ومن على شاكلتهم هم المعنيون بهذا الحديث؛ لأن الصحابة -رضى الله عنهم- ما بدَّلوا ولا غيِّروا ولا أحدثوا، بل كما قال تعالى:
وأما الذين بدَّلوا وحرَّفوا فهم الروافض، فهم الذين ما أبقوا من الإسلام إلا اسمه، وعليه فهم قد رموا الصحابة -رضى الله عنهم- بما هم أهله.
(1)
.
* وهنا وقفة مهمة:
فليعلم أن المنقول من المطاعن في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، في سيرتهم، وفيما شجر بينهم بعد عصر النبوة إنما يرويها الكذّابون المعروفون بالافتراء والوضع، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى الشيعي
(2)
، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي
(3)
، وأمثالهم وعلى شاكلتهم كثير.
فمثل هذه
(1)
التحفة السنية شرح المنظومة الحائية (ص/82)
(2)
قال عنه ابن حبان: «رافضي يشتم الصحابة و يروي الموضوعات عن الثقات» . لسان الميزان (4/ 366).
قال عنه الذهبي (3/ 419): «إخباري تالف لا يوثق به، تركه أبو حاتم و غيره» . و مثله قال بن حجر في لسان الميزان (4/ 492).
(3)
قال عنه ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة» . ميزان الاعتدال (4/ 304). وقال عنه بن حبان في كتاب "المجروحين من المحدثين و المتروكين"(3/ 91): «يروي العجائب و الأخبار التي لا أصول لها. و كان غالياً في التشيع. =
=وأخباره في الأُغلوطات، أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها». قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية "منهاج السنة" (5/ 39):"شيعي، من أكذب الناس"
الأثار المنكرة والموضوعة لا يُدفع بها ما ثبت نقله من فضائل الصحابة رضي الله عنهم.
قال ابن حجر الهيتمي:
ومما يوجب أيضا الإمساك عمَّا شجر - أي وقع بينهم من الاختلاف - الإضراب صفحاً عن أخبار المؤرخين، سيَّما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم.
(1)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر، من محاسن الصحابة -رضى الله عنهم- وفضائلهم، لا يجوز أن يُدْفَعَ بنُقولٍ بعضها منقطعٌ و بعضها محرَّف و بعضها يقدح فيما عُلِم.
فإنّ اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنّا ما ثبت في فضائلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا عُلِمَ بطلانها؟!
(2)
* فكيف لهذه الأباطيل المكذوبة أن تشوِّش على الصحابة رضى الله عنهم؛ وهم قوم ثبت عدالتهم ورفعتهم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
* أما أدلة القرآن:
قال تعالى) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)) (الفتح: 29)
وقال تعالى (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ
لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)) (التوبة: 88 - 98)
قال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)) (التوبة: 100)
(1)
الصواعق المحرقة (ص/584)
(2)
منهاج السنة النبوية (6/ 165)
* وأما أدلة السنة:
عَنْ أَبِي بُرْدَة -رضى الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
(1)
وعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما أن رَسُول- اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:
" خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ ".
(2)
- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ- رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ،
وَلَا نَصِيفَهُ».
(3)
* عقيدتنا في آل البيت و الصحب الكرام:
1 -
أهل السنَّة يوالون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويحبُّونهم، ويحفظون وصية النبي صلى الله عليه وسلم بهم.
كما يوالون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويحبُّونهم ويترضون عنهم.
فطريقة أهل السنة هي لا إلى هؤلاء النواصب الذين نصبوا العداء لأهل البيت، ولا إلى هؤلاء الروافض الذين نصبوا العداء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
2 -
أهل السنة يؤمنون بأن خيرَ هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعًا.
(4)
(1)
أخرجه مسلم (2531)
(2)
متفق عليه.
(3)
متفق عليه.
(4)
وقد شذ ابن حزم في هذا الباب وخرق إجماع الأمة فقدَّم عائشة رضي الله عنها في الفضل على أبيها أبي بكر- رضي الله عنه وعلى جمهور الصحابة، بدعوى أنها ستكون في مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. قال الذهبي:
ومن عجيب ما ورد أن أبا محمد بن حزم، مع كونه أعلم أهل زمانه، ذهب إلى أن عائشة أفضل من أبيها، وهذا ما خرق به الإجماع. (تاريخ الإسلام (4/ 246))
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ردود على هذه المسألة وإلزمات قوية لابن حزم. فليرجع إليه من شاء في مجموع الفتاوى (4/ 395)
كما يقدِّمون مَن أنفق من قبل الفتح، وهو صُلح الحديبية، وقاتل في سبيل الله، على مَن أنفق من بعد وقاتل، وكلًّا وعَد الله الحسن، ويقدِّمون المهاجرين على الأنصار. كما يشهَدون بالجنة لمَن شهد لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ كالعشَرة المبشَّرين بالجنة وغيرهم ممن عيَّنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 -
أهل السنَّة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحدٍ من الصحابة -رضى الله عنهم- معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجُوز عليهم الذنوبُ في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم، إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم مِن الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
(1)
4 -
اتفق أهل السنة على أن جميع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، فقد ثبتت عدالتهم بإجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة.
(2)
5 -
من منهج أهل السنة والجماعة الإمساك عن ذكر هفوات الصحابة رضى الله عنهم، وعدم الخوض فيما شجر بينهم ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة، وقد نقل الإجماع على ذلك أبو العباس ابن تيمية وغيره.
(3)
قال ابن أبي زيد:
الإمساك عمَّا شجر بينهم، و أنهم أحقّ الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج،
ويظنّ بهم أحسن المذاهب.
(4)
و قال ابن دقيق العيد:
وما نُقل عنهم فيما شجر بينهم و اختلفو فيه، فمنه ما هو باطلٌ و كذب، فلا يُلتفت إليه، وما كان صحيحاً أوَّلناه تأويلاً حسناً، لأنّ الثناء عليهم
(1)
العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (3/ 155)
(2)
وممن نقل هذا الإجماع: النووي وابن الصلاح والجوينى وغيرهم. وانظرالإصابة في تمييز الصحابة (1/ 22) والاستيعاب (1/ 8) والحديث والمحدثون (ص/129)
(3)
مجموع الفتاوى (3/ 406)
(4)
مقدمة أبي زيد القيرواني (ص/61)