المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ هل السحر حقيقة أم خيال - الأربعون العقدية - جـ ٢

[أيمن إسماعيل]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الحادى والعشرون: السنة الجارية شرح حديث الجارية

- ‌الحديث الثانى والعشرون: كشف الالتباس عن حديث أمرت أن أقاتل الناس

- ‌الحديث الثالث والعشرون: فتح البصير في بيان ما توسل به الضرير

- ‌ التوسل المختلف فيه:

- ‌الحديث الرابع والعشرون: بيان الحِكَم في شرح حديث إن الله هو الحَكَم

- ‌ الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله شركًا

- ‌الحديث الخامس والعشرون: ذات العماد شرح حديث حق الله على العباد

- ‌الحديث السادس والعشرون: المشكاة في شرح حديث لا تعجز واستعن بالله

- ‌الحديث السابع والعشرون: بيان الحق نفسه في شرح حديث أينا لم يظلم نفسه

- ‌الحديث الثامن والعشرون: ضوء الثريا شرح حديث من عادى لى ولياً

- ‌هل يوصف الله -تعالى- بصفة التردد

- ‌الحديث التاسع والعشرون: المعانى الراسيات شرح حديث إنى معلمك كلمات

- ‌ الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ "، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن

- ‌ أصل القضاء لا يعارض العمل:

- ‌الحديث الثلاثون: نثر الجمَّان بفوائد حديث إنهما ليعذبان

- ‌هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن

- ‌الحديث الحادي والثلاثون: بلوغ الرُّبَى شرح حديث ضحك النبي تعجبا

- ‌ المخالفون لأهل السنة والجماعة في إثبات صفة اليدين:

- ‌الحديث الثانى والثلاثون: فتح الأعز الأكرم شرح حديث أي الذنب أعظم

- ‌من أتى خلاف المعهود تجاوزت عاقبته الحدود:

- ‌الحديث الثالث والثلاثون: تلخيص الخطاب شرح حديث إنك تأتى أهل كتاب

- ‌الفطرة دالة على نقض مذهب المتكلمين:

- ‌الحديث الرابع والثلاثون: درء الخوض في رد أحاديث الحوض

- ‌ حكم سب الصحابة رضى الله عنهم:

- ‌الحديث الخامس والثلاثون: البيان والتتمة شرح حديث يكون بعدى أئمة

- ‌تعريف الإمامة، وأهمية تنصيب الإمام:

- ‌ وسطية الأمة مع الأئمة:

- ‌الحديث السادس والثلاثون: ردع الجاني على حديث إن الله أفتاني

- ‌ هل السحر حقيقة أم خيال

- ‌الحديث السابع والثلاثون: دليل البيداء شرح حديث أنا أغنى الشركاء

- ‌ هل الرياء مبطل للعمل

- ‌ الشرك الخفي أشد خطورة من المسيح الدجال

- ‌أمور ليست من الرياء:

- ‌الحديث الثامن والثلاثون: نيل المأرب شرح حديث طلوع الشمس من المغرب

- ‌الحديث التاسع والثلاثون: بذل الطاقة شرح حديث صاحب البطاقة

- ‌ أليس تأويل الميزان بالعدل يستقيم لغة

- ‌ ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة:

- ‌ما الحكمة من نصب الموازين، مع كونه عزوجل وسع علمه أعمال العباد ومآلاتهم

- ‌ حكم من مات على الشرك الأصغر:

الفصل: ‌ هل السحر حقيقة أم خيال

* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:

1 -

الفائدة الأولى:‌

‌ هل السحر حقيقة أم خيال

؟

ذهب بو إسحاق الإسفراييني من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وعامة المعتزلة وابن حزم الظاهري إلى أن السحر كله ضرب من التمويه والإيهام والتخييل، ولا حقيقة له.

(1)

* ومما استدلوا به على ذلك:

قوله تعالى (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)) (طه/66)، وقوله تعالى (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)) (الأعراف: 116)

* والصحيح في ذلك هو الذي عليه مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة أن السحر له حقيقة، كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة.

فإن السحر عبارة عن عزائم ورُقى وعُقد تؤثر في بدن المسحور بالقتل أو بالمرض، أو بالإخلال بعقله، أو بالتفرّيق بين الزوجين، أو يأخذ الزوج عن زوجته، فلا يستطيع الوصول إليها، قال تعالى:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)} يعني: السواحر.

فالساحر يعقد العقد بالخيط ثمّ ينفث فيها من ريقه، ويستعين بالشيطان، ويؤثِّر هذا بإذن الله -تعالى- في المسحور إما قتلاً، وإما مرضاً، وإما تفريقاً بين المرء و زوجه، وإما أن يمنعه عن زوجته فلا يستطيع الوصول إليها.

إذن فالسحر له حقيقة، ويؤثر في بدن المسحور، ولكنه لا يؤثِّر إلاَّ بإذن الله القدريّ، كما قال تعالى:{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ} ، أي: إذن الله -تعالى- القدريّ الكونيّ.

(2)

(1)

وانظر مفاتيح الغيب (3/ 621) والمحلَّى (1/ 36) نهاية المحتاج (7/ 399) وتفسير القرآن العظيم (1/ 202).

(2)

إعانة المستفيد (ص/323)

ص: 1050

* ومن أدلة ذلك ما يلي:

1 -

أولاً: أدلة القرآن:

1 -

قَال تَعَالَى {قُلْ أَعُوْذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ} (الفَلَق: 5)

ووجه الدلالة:

والنفاثات هنَّ السواحر اللاتي ينفثن في عُقَدِ الخيط حين يرقين عليها، والنَّفْث هو ما كان دون التفل، وهو نفخ بلا ريق.

والشاهد أن الله -تعالى- لما أمر بالاستعاذة من شر النفاثات، عُلم أن لهنَّ تأثيراً وضرراً على الحقيقة، فلولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله -تعالى- بالاستعاذة منه.

يقَولَ الشَّاعِرُ:

" أعُوذُ برَبِّي من النَّافِثاتِ

ومن عَضَهِ العاضِهِ المُعْضِهِ ".

(1)

*وقد ورد في سبب نزول المعوذتين ما رواه زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ -رضى الله عنه-قَالَ:

" سَحَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فنزل عليه بالمعوذتين، فَقَالَ:

إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، عَقَدَ لَكَ عُقَدًا فِي بِئْرِ كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَخْرَجَهَا فَجَاءَ بِهَا إِلَيْهِ فَحَلَّلَهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم -كَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ.

(2)

وقد نقل القرطبي اتفاق المفسرين على أن سبب نزول المعوذتين ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو اليهودي الذي سحر رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

(1)

العضاه: من شجر الشوك كالطلح والعوسج، وقال الكاسائي:" العِضَةُ ": الكذب والبهتان والسحر والنميمة،

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91]

والمعنى أن المشركين فرقوا أقاويلهم فيه، فجعلوا القرآن كذباً وسحراً وكهانة، والعاضة: الساحرة.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس» ، رواه مسلم (2606).

وانظر مختار الصحاح (ص/230) و المصباح المنير (ص/247) وتأويل مختلف الحديث (ص/251)

(2)

أخرجه النسائي في الكبرى (3529) والطحاوي في مشكل الأثار (5935) وسنده صحيح.

وانظر أحكام القرآن لابن العربي (4/ 1996) والاستيعاب في بيان الأسباب (3/ 589)

ص: 1051

قال ابن عباس -رضى الله عنهما- في قوله تعالى:

(وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ)، قال: ما خالط السِّحْرَ من الرُّقَي، وقال الحسن:" النفاثات " السواحر.

(1)

قال ابن القيم:

النفاثات في العقد هنَّ السواحر اللاتي يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر، والنفث فعل الساحر فإذا تكيَّفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، وقد تساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيقع فيه السحر بإذن الله -تعالى-الكوني القدري.

(2)

فلو كان السحر ليس بحقيقة -كما يزعم النفاة- لما أثّر في المسحور ولما تسبَّب في قتله، ولما أمرضه، ولما فرّق بينه وبين زوجه، فدلّ على أنه حقيقي، وعمل شيطاني، لأنه عُقد وعزائم، ولهذا يقول تعالى لنبيه:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)} ، إلى قوله:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)} .

2 -

قال تَعَالَى {فَيَتَعَلَّمُوْنَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُوْنَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّيْنَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ} (البَقَرَة: 102)

فقد ذكرت الأيه السحر وتعليمه، وأنهم يعلمونه الناس، فدل على أن له حقيقة، وأنه يؤثِّر ويفرِّق بين المرء وزوجه بإحداث البغضاء، ولو لم يكن له حقيقة لم يؤثِّر البغضاء، وإنما يقع أثره بإذن الله -تعالى- القدري الكوني.

وهذا موافق في الدلالة لما روى سَعْدُ بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم

أنه قال: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ» .

(3)

فأثبت ضرراً بالسحر، كما هو واقع بالسم، وبالمفهوم فإن الضرر قد يقع لمن لم يأخذ بأسباب الشفاء.

(1)

وانظر الجامع لأحكام القرآن (2/ 32) وجامع البيان في تأويل القرآن (24/ 704)

(2)

بدائع الفوائد (3/ 17) وانظر فيض القدير (3/ 144)

(3)

متفق عليه.

ص: 1052

*ثانياً: أدلة السنة: ومنها:

1 -

حديث الباب:

وذلك في قول عائشة رضى الله عنها: " يخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ"، وقوله صلى الله عليه وسلم:" أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ "، وفي رواية زيد بن أرقم:" فَجَاءَ بِهَا، أي عقد السحر، فَحَلَّهَا، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم -كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ ".

(1)

وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم يعانى من أثر ذلك السحر ستة أشهر.

فقد نقل ابن حجر عن السهيلي قوله:

لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي صلى الله عليه وسلم فيها في السحر، حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر "، ثم قال ابن حجر: وقد وجدناه موصولًا بإسناد الصحيح، فهو المعتمد.

(2)

وعليه فإن للسحر أثراً، ومنه يقع الشفاء، ومثل هذا لا يكون إلا لشيء حقيقي له تأثير على البدن.

2 -

وعَنْ عَمْرَةَ أَنَّ عَائِشَةَ- رضي الله عنها أَصَابَهَا مَرَضٌ، وَأَنَّ بَعْضَ بَنِي أَخِيهَا ذَكَرُوا شَكْوَاهَا لِرَجُلٍ يَتَطَبَّبُ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ لَيَذْكُرُونَ امْرَأَةً مَسْحُورَةً سَحَرَتْهَا جَارِيَةٌ.

(3)

قال ابن عبد البر:

في حديث عائشة -رضى الله عنه- أن السحر حق، وأنه يؤثر في الأجسام، وإذا كان هذا لم يؤمن منه ذهاب النفس.

(4)

* الإجماع:

قال القرافي:

كان السحر وخبره معلوماً للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية.

(5)

(1)

أخرجه أحمد (19267) والنسائي (4080) قال الألباني: "صحيح الإسناد"

(2)

فتح الباري (10/ 319)

(3)

أخرجه أحمد (24126) وعبد الرزاق (18750) والحاكم (7516) وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وصححه الحافظ في "تلخيص الحبير "(4/ 111) وصححه محققو المسند.

(4)

الاستذكار (8/ 159)

(5)

أنوار البروق في أنواء الفروق (4/ 1298)

ص: 1053

قال القرطبي:

السحر مقطوع به بإخبار الله- تعالى - ورسوله على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق.

(1)

قال الخطابي:

السحر ثابت وحقيقته موجودة، وقد اتفق أكثر الأمم على إثباته، وقد ذكر الله عز وجل أمر السحر في كتابه في قصة سليمان، وأمر بالاستعاذة منه، فقال:{ومن شر النفاثات في العقد} ، وورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم أخبار كثيرة لا ينكرها لكثرتها إلا من أنكر العيان، وجحدوا الضرورة.

(2)

* الرد على المخالف:

أما القول بنفي وجود أصل السحر فهو قول مخالف للمسلمين واليهود والنصارى وجميع أهل الكتب، ومخالف للأمم كلها، ومخالف للقرآن معاند له بغير تأويل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن اسم الساحر اسم معروف في جميع الأمم.

(3)

وكانت قريش تعرف السحر، بل ورمت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2)) (القمر: 1 - 2). وقال تعالى عن تكذيب الوليد بن المغيرة للرسول صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)) (المدثر: 24 - 25)

* وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

"انشقَّ القمرُ بمكةَ حتى صار فرقتين، فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ اِبْنُ أَبِي كَبْشَةَ، اُنْظُرُوا السُّفَّارَ، فَإِنْ كَانُوا رَأَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ، فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ، قَالَ: فَسُئِلَ السُّفَّارُ، وَقَدِمُوا مِنْ كُلِّ وُجْهَةٍ، فَقَالُوا: رَأَيْنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا، فَمَا

(1)

الجامع لأحكام القرآن (2/ 32)

(2)

أعلام الحديث (2/ 1500)

(3)

وانظر "النبوات"(ص/272) و"تأويل مختلف الحديث"(ص/252)

ص: 1054

يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ ".

(1)

قال ابن القيم:

قد دل قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} وحديث عائشة المذكور على تأثير السحر، وأن له حقيقة، وقد أنكر ذلك طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وقالوا إنه لا تأثير للسحر البتة لا في مرض ولا قتل ولا حل ولا عقد، قالوا وإنما ذلك تخيُّل لأعين الناظرين لا حقيقة له سوى ذلك.

وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضاً وثقلاً وحلاً وعقداً وحباً وبغضاً وتزييناً، وغير ذلك من الآثار موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقاً بما أصيب به منه.

(2)

* أما استدلال المخالف بقوله تَعَالَى: " يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى"، وقوله تعالى:"سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ"

فيقال:

إن السحر التخييلى قسم من أقسام السحر، وهو خيال وشعوذة، وهو ما يسمّى بالقُمْرة، فالساحر يخيِّل للناس شيئاً وهو ليس حقيقة، كأن يخيِّل للناس أنه دخل في النار، أو مشى على حبل، وليس الأمر كذلك، أو يخيِّل للناس أنه يطعن نفسه بالسلاح ولا يؤثِّر فيه، وليس كذلك، والحقيقة أنه عمل شيئاً من التخييل فأثر به على الأبصار.

فإن سحر التخيلات والأخذ بالعيون مبني على أن القوة الباصرة قد ترى الشئ على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب العارضة.

ولأجل هذا كانت أغلاط البصر كثيرة، ألا ترى أن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة، والشط متحركاً.

(1)

أخرجه اللالكائي في "شرح الأصول"(1460) والبيهقي في "الاعتقاد "(ص/309)، وأصل الحديث عند البخاري (3636)، وانظر تغليق التعليق (4/ 88) والصحيح المسند من أقوال الصحابة (1/ 285)

(2)

بدائع الفوائد (3/ 23)

ص: 1055

ومن هذا الباب ما ورد عن قوم فرعون أنهم {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} ، فقد سحروا الأعين فقط، وذلك بما يفعلونه من الحِيَل، ويجعلون في العِصِيّ التي معهم ما يحرّكها، ويجعلها كأنها حيّة، وهي ليست كذلك، كما قال تعالى:{فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ، حيث حشوَّها بشيء من الزِّئْبق، الذي يتمدد مع حرارة الشمس فيظهر للرائي أن الحبال صارت حيَّات تتحرك.

قال ابن حجر:

وقوله {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ، (طه: 66) عمدة من زعم أن السحر إنما هو تخييل! ولا حجة له بها؛ لأن هذه وردت في قصة سحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن جميع أنواع السحر تخييل.

(1)

2 -

الفائدة الثانية:

هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟

لا شك أن السحر يؤثر بلا شك وله حقيقة، كما سبق بيان أدلة ذلك، لكنه لا يؤثر بقلب الأعيان إلى أعيان أخرى; لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عزوجل، وإنما يخيَّل إلى المسحور أن هذا الشيء انقلب وهذا الشيء تحرك أو مشى وما أشبه ذلك، كما جرى لموسى- عليه السلام أمام سحرة فرعون، حيث كان يخيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وأما قلب الأعيان إلى ما ليس في طبعها الانقلاب إليه، كمصير الخشب حيواناً حساساً متحركاً بالإرادة، يبلع عصِّياً وحبالًا ولا يتغير، فليس هذا من جنس مقدور البشر، لا معتاداً ولا نادراً، ولا يحصل بقوى نفس أصلاً؛ ولهذا لما رأى سحرة فرعون ذلك، علموا أنه خارج عن طريقة السحر {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} .

(2)

قال القرطبي:

والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيراً في القلوب، كالحب

(1)

وانظر فتح الباري (10/ 317) أنوار البروق في أنواء الفروق (3/ 1299)

(2)

الصفدية (1/ 138)

ص: 1056

والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيواناً أو عكسه بسحر الساحر.

(1)

قال البغوي:

والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة وعليه أكثر الأمم، ولكنَّ العمل به كفر

، وقيل: إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار، ويجعل الحمار على صورة الكلب، والأصح أن ذلك تخييل، قال الله تعالى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه: 66]

لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت أو الجنون، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس، وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يُحَمُّ منه، وقد مات قوم بكلام سمعوه، فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في الأبدان.

(2)

* ويمكن تلخيص هذه المسألة في طرفين ووسط:

1 -

طرف لا خلاف فيه: أن تأثير السحر يبلغه، كالتفريق بين الرجل وامرأته، وكالمرض الذي يصيب المسحور من السحر، ونحو ذلك.

2 -

وطرف لا خلاف فيه: أن تأثير السحر لا يمكن أن يبلغه، كإحياء الموتى، وفلق البحر، ونحو ذلك.

قال القرطبي:

أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله -تعالى- عنده إنزال الجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون لا يفعله الله -تعالى- عند إرادة الساحر.

(3)

(1)

فتح الباري (10/ 314)

(2)

معالم التنزيل (1/ 148)

(3)

الجامع لأحكام القرآن (2/ 33)

ص: 1057

3 -

وأما الواسطة فهي قلب السحر للأعيان:

فلا شك أن الله -تعالى- قادر على أن يفعل جميع ذلك، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه دليل مقنع.

فغالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة، والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلاً إلى حقيقة أخرى، والله تعالى أعلم.

(1)

3 -

الفائدة الثالثة: في حكم السحر و الساحر:

وأما السحر فهو أمر محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع، وغالبه لا يحصل إلا بالشرك بالله عزوجل؛ وهذا هو سبب إدراج العلماء لباب السحر ضمن أبواب الاعتقاد.

وبيان ذلك أن السحر أحد أهم رؤوس الاستمتاع المتبادل بين الجن والإنس، كما قال تعالى {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)} (الأنعام: 128)

فإنَّ الشياطين لا تخدم الإنسان غالباً إلا لمصلحة، ومعلوم أن مصلحة الشيطان أن يغوي بني آدم بالوقوع في الشرك والمعاصي.

وكذلك تتحقق مصلحة الأنسي بتسخير الجني واستعماله ليحقق له الجني ما يشاء من إيذاء الناس وإضرارهم.

قال أبو العباس ابن تيمية:

فإذا تقرَّب صاحب العزائم والأقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إلى الشياطين بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض أغراضه، ولهذا كثير من هذه الأمور

(1)

أضواء البيان (4/ 59)

ص: 1058

يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله عز وجل، فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين أعانتهم على بعض أغراضهم.

(1)

* ونذكر من أدلة كفر الساحر:

1 -

قال تعالى (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)(البقرة: 102)

قال ابن حجر:

وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه

، وهو التعبّد للشياطين أو للكواكب، وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به مَن تعلمه أصلاً.

وقال رحمه الله:

وفي إيراد المصنف -أي البخاري- هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر؛ لقوله فيها (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)؛ فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر.

(2)

* وقال تعالى (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، وكفى بدخول الجنة خَلاقاً، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.

وقال تعالى (إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)) (طه: 69)

قال الشنقيطي:

الفعل في سياق النفي من صيغ العموم

فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى..) يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله " حَيْثُ أَتَى "، وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا

(1)

مجموع الفتاوى (19/ 34) البِرطيل: بكسر الباء، هي الرشوة،. وانظرالمصباح المنير (ص/31)

(2)

المصدر السابق (10/ 316)

ص: 1059

ينفى بالكلية نفياً عاماً إلا عمَّن لا خير فيه، وهو الكافر.

(1)

* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم قَالَ:

«اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:

«الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» .

(2)

وعَنْ أبِي مُوسَى الأشعري-رضى الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

" ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ ".

(3)

قال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع.

(4)

* أما حكم الساحر:

اختلف العلماء فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد أنه يكفر بذلك، إلا أن من أصحاب أبي حنيفة من فصَّل ذلك، فقال إن تعلمه ليتقه أو ليتجنبه فلا يكفر بذلك، وإن تعلمه معتقداً لجوازه أو معتقداً أنه ينفعه فإنه يكفر، ولم ير الإطلاق، وإن اعتقد أن الشياطين تفعل ما يشاء فهو كافر.

وذهب الشافعي إلى أنه يقال للساحر صف سحرك، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب، وإلا قتل، وأخذ ماله فيئاً، وإن كان ما يسحر به كلاماً لا يكون كفراً، وكان غير معروف، ولم يضر به أحداً نهي عنه، فإن عاد عُزِّر.

(5)

* وتحقيق ذلك أن يقال:

1 -

إن كان السحر مما يعظَّم فيه غير الله تعالى، كالكواكب والجن، أو يتضمن أنواعاً من المكفرات الاعتقادية والقولية والعملية، كأن يعتقد نفع الشياطين وضررهم

(1)

أضواء البيان (4/ 39)

(2)

متفق عليه.

(3)

أخرجه أحمد (19569) قال الهثيمي في المجمع (5/ 74)"رجاله ثقات"

(4)

المنهاج للنووي (7/ 432)

(5)

وانظر الأم (2/ 235) والمحلى (11/ 505) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص/499)

ص: 1060

بغير إذن الله تعالى، أو يعتقد أن الكواكب مدبرةً لأمر العالم، أو ينطق بكلمة الكفر كسب الله تعالى، أو الاستهزاء برسوله صلى الله عليه وسلم، فهذه الأقسام بلا شك من السحر المخرج من الملة.

وكذلك إذا تضمن هذا السحر شركاً في توحيد العبادة، فمن ذلك أن يدعو غير الله - تعالى- فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو يستعيذ بالشياطين أو يذبح لهم، أو يتقرب إليهم بالنذور، وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع.

ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت، كما في قوله تعالى {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ، وقوله تعالى {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ، وقوله تعالى {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102]

2 -

وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو معصية كبيرة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر؛ فإن هذا في الحقيقة ليس سحراً، وإن سمِّي سحراً فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ والنميمة سحراً، ولكنه يكون حراماً لمضرته، ويعزَّر من يفعله تعزيراً بليغاً.

(1)

وللإمام النووي عبارة جامعة في حكم السحر حيث قال:

قد يكون السحر كفراً، وقد لا يكون كفراً بل معصيته كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّر واستتيب.

(2)

* أما عن حكم قتل الساحر:

فقد ورد عن نفر من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أمروا بقتل السحرة، ولم يعرف لهم مخالف في ذلك.

(1)

وانظر أضواء البيان (4/ 50) وتيسير العزيز الحميد (ص/384)

(2)

المنهاج للنووي (7/ 430)

ص: 1061

قَالَ أحمد: فثلاثة من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم فِي قتل الساحر.

(1)

* قال بَجَالة التميمي: أتى كتابُ عمر -رضى الله عنه- قبل موتهِ بسنةٍ:

" أنِ اقتلوا كلَّ ساحرِ، قال: فقَتَلْنَا ثلاثَ سواحِرَ ".

(2)

يقول ابن قدامة تعليقاً على هذا الأثر:

وهذا اشتهر فلم ينُكَر، فكان إجماعاً.

(3)

*وقال جُنْدُبِ بن عبد الله رضى الله عنه: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» .

(4)

قال الترمذي بعد أن روى هذا الأثر مرفوعاً:

والصحيح عن جندب موقوفاً، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس.

* عن أبي الأسود أن الوليد بن عقبة كان أميراً بالعراق، وكان بين يديه ساحر يلعب، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به، فيقوم خارجاً فيرتدّ فيه رأسه، فقال الناس: سبحان اللَّه، يحيي الموتى!

ورآه رجل صالح من المهاجرين -وهو جندب بن كعب الأزدي -فنظر إليه، فلما كان من الغد اشتمل على سيفه، فذهب يلعب لعبة ذلك فاخترط الرجل سيفه، فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقاً فليحي نفسه، ثم قرأ:" أتأتون السحر وأنتم تبصرون ".

(5)

* وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

إن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها سحرتها جارية لها، فأقرَّت بالسحر وأخرجته فقتلتها، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فغضب، وإنما كان غضبه

(1)

أحكام أهل الملل (ص/465)

(2)

أخرجه أحمد (1657) والشافعي في "الرسالة"(1183)، قال أحمد شاكر:" إسناده صحيح "، وانظر الصحيح المسند من أقوال الصحابة (2/ 138) والأثار الواردة عن السلف في العقيدة (1/ 144)

(3)

انظر المغني (12/ 300).

(4)

أخرجه الترمذي (1460) وممن صحح وقفه: الترمذي في سننه، والذهبي في الكبائر (ص/23) وابن القيم في الزاد (5/ 57)

(5)

وانظرالإصابة في تمييز الصحابة (1/ 616) وأسد الغابة (1/ 305) قال الألباني: "هذا إسناد صحيح موقوف". وانظر السلسلة الضعيفة (3/ 642)

ص: 1062

لقتلها إياها بغير أمره.

(1)

قال مالك:

الساحر الذي يعمل السحر، ولم يعمل ذلك له غيره أرى أن يقتل ذلك، إذا عمل ذلك هو نفسه.

(2)

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وحفصة بنت عمر، وعبد الله بن عمر، وجندب بن عبد الله.

(3)

ولا شك أن قتل الساحر إنما شُرع لأنه يُفسد في الأرض، كما قال تعالى:{مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} ، فالسحرة مفسدون في الأرض يجب قتلهم.

والقول بقتلهم موافق للقواعد الشرعية، كما ورد في قوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ

) (المائدة: 33)

فهم بلا شك ممن يسعون في الأرض فساداً، وفسادهم من أعظم الفساد.

وفساد السحرة قد تعدَّى بني آدم وتجاوزهم حتى وصل إلى إيذاء البهائم.

قال أبو حيَّان:

حدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطاً أحمر قد عُقِدَتْ فيه عقد على فُصلان، فمنعت من رضاع أمهاتها بذلك، فكان إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع.

(4)

فإن كان سحره كفراً فقد وجب قتله لردّته.

قال الشافعي:

وأمرَ عمر رضي الله عنه أن تقتل السُّحار - والله أعلم - إن كان السحر

(1)

أخرجه مالك في الموطأ (1567)، ووصله عبد الله بن أحمد في مسائله (1543)، وصححه ابن القيم في الزاد (5/ 57)

(2)

الموطأ (ص/620)

(3)

مجموع الفتاوى (29/ 384)

(4)

البحر المحيط في التفسير (10/ 576)

ص: 1063

شركاً، وكذلك أمر حفصة رضي الله عنها.

(1)

وإن كان سحره دون ذلك فالأمر مرجعه إلى ولي الأمر:

أ- إن رأى استشراء شرهم و اسْتفحَال فسادهم، ورأى أن المصلحة في قتلهم حداً فله ذلك، ويكون ذلك من باب قتل الصائل؛ وذلك لدفع أذاه وفساده في الأرض.

ب- وإن رأى تعزيرهم بما هو دون ذلك فالأمر إليه.

قال عمر بن السَّنَامي:

وفي الخانية رجل يتخذ لعبة ليفرق بين المرأة وزوجها بتلك اللعبة قالوا هو مرتد يحكم بردته، ويقتل إذا كان يعتقد لها أثراً، ويعتقد التفريق من اللعبة لأنه كافر.

(2)

قال ابن العثيمين:

قتلهم -أي السحرة- واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم; لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قُتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر.

(3)

*فإن قيل:

قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم لبيد بن الأعصم اليهودي حين سحره، ولم يقتله!

* وجوابه من وجوه:

الأول:

أن اليهودي لم يقر بما فعل، ولم تقم عليه بينة، وبأنه خشي صلى الله عليه وسلم أن يثير على الناس شراً بترك إخراج السحر من البئر، فكيف لو قتله؟!

(4)

* قلت:

ومن هذا الباب تركه صلى الله عليه وسلم قتل ابن سلول الذي قال:

" أَمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ عُمَرُ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

" دَعْهُ يَا عُمَرُ، لَا

(1)

ذكره البيهقي في الكبرى (8/ 234)

(2)

نصاب الاحتساب (ص/261) وقوله "في الخانية" يقصد بها كتاب " فتاوى قاضيخان في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان " لفخر الدين الحسن بن منصور قاضيخان، المعروف بقاضي خان (ت: 592 هـ)

(3)

القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 31)

(4)

ذكره ابن القيم في الزاد (5/ 58)

ص: 1064

يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ".

(1)

الثاني:

ما نص عليه الإمام أحمد، حيث سئل عن قتل الساحر من أهل الكتاب من غير المسلمين؟

قال: ما فيه من الكفر أعظم، قد سحر النبي- صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، فلم يقتله.

(2)

* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:

قد أنكر جماعة من العقلانيين والمتكلمين حادثة سحر اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال بذلك أبو بكر الرازي ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم.

(3)

وقد استدلوا على ذلك بأمور، نذكر منها:

1 -

أن القول بذلك يخالف ما ورد في قوله تعالى (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(المائدة: 67)

2 -

أن القول بذلك سيكون تصديقاً لمن رمى به المشركون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور، كما قال تعالى (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47)) (الإسراء: 47)

3 -

أن الحديث الوارد في ذلك لا يصح سنداً؛ وآفته من هشام بن عروة!

* فيقال إن الجواب عن ذلك من وجوه:

1 -

الوجه الأول: وأما استدلالهم بقوله تعالى (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، فيقال:

ننظر أولاً لسبب النزول:

فقد روى أبوهريرة -رضى الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذا نزلَ منزلًا؛

نظروا أَعظمَ شجرة يرونها، فجعلوها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فينزلُ تحتها، وينزلُ أَصحابُه بعد ذلك في ظلِّ الشجر، فبينما هو نازلٌ تحت شجرة - وقد علّقَ السيفَ

(1)

متفق عليه.

(2)

أحكام أهل الملل (ص/467)

(3)

وانظر أحكام القرآن (1/ 62) وتفسير المنار (9/ 51) والمسائل العقدية المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم (ص/214)

ص: 1065

عليها -؛ إِذ جاءَ أَعرابيّ، فأَخذَ السيفَ من الشجرة، ثمَّ دنا من النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فأَيقظه، فقال:

يا محمد! من يمنعك منّي الليلة؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

"الله"، فأَنزلَ الله {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ

} الآية.

(1)

فيتضح من سبب نزول الأية أنها تبين حفظ الله -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم من الافتلات، وعصمة النفس من القتل، دون العوارض التى تعرض للبدن مع سلامة النفس.

(2)

وكذلك فقد شُج النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رَباعيته يوم أحد، وأصابه السُّم عند اليهودية.

2 -

الوجه الثاني:

أن ذلك السحر لم يضره؛ لأنه لم يفقده شيئًا من الوحي، ولا دخلت عليه داخلة في الشريعة، وإنما اعتراه شيء من التخيُّل والتوَّهم، ثم لم يتركه الله -تعالى- على ذلك، بل تداركه وعصمه، وأعلمه بموضع السحر وأمره باستخراجه وحل عنه، فعصمه الله -تعالى- من الناس ومن شرهم، كما وعده، وكما دفع عنه أيضًا ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية أظهرها إليه، معجزة من كلام الذراع.

(3)

فإن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل.

وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض فغير بعيد أن يخيَّل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين.

(1)

أخرجه ابن حبان في صحيحه (1739)، وقد حسَّنه ابن حجر"فتح الباري"(6/ 98)، وانظر "السلسلة الصحيحة"(2489) والاستيعاب في بيان الأسباب (2/ 73)، وأصل الحديث في الصحيحين دون ذكر سبب النزول.

(2)

الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 197)

(3)

التوضيح لشرح الجامع الصحيح (18/ 630)

ص: 1066

وقد قيل إن أثر السحر أنه كان صلى الله عليه وسلم يخيَّل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.

(1)

قال المعلمي اليماني:

وإنما ذاك خاطر عابر، لو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا، لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلاً عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ، بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعاً، وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة.

وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذ برأسه لظنه انه قصَّر مع أنه لم يقصِّر، وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني (بل سولتْ لكم أنفسُكُم أمراً)، يتهمهم بتدبير مكيدة، مع أنهم حينئذ أبرياء صادقون، وقد يكون من هذا بعض كلمات موسى للخضر، وانظر قوله تعالى عن يونس (فظن أن لن نقدر عليه).

(2)

* وأما قولهم أن ذلك سيكون تصديقاً لمن رمى به المشركون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور، كما قال تعالى (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47))

* فيقال:

إن المشركين إنما كانوا يرمون النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر فيما يبلغه عن رب العزة من القرآن، كما قال تعالى (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)) (ص: 4 - 5)

فالمشركون أرادوا بقولهم: {إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا} أنّ أمر النبوة كله سحر، وأن ذلك ناشئ عن الشياطين الذين قد استولوا عليه -بزعمهم- يلقون إليه القرآن ويأمرونه وينهونه، فيصدقهم في ذلك كله ظانًا أنه أنما يتلقى من الله وملائكته، ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له صلى الله عليه وعلى آله وسلم

(1)

وانظر فتح الباري (10/ 319) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 208)

(2)

الأنوار الكاشفة لما في كتاب "أضواء على السنة" من الزلل والتضليل والمجازفة (ص/251)

ص: 1067

لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون ولا هي من قبيلها في شيء من الأوصاف المذكورة، إذن تكذيب القرآن، وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث.

(1)

ونحن قد ذكرنا قريباً الرد على ذلك، بأن غاية ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السحر إنما هو عارض بشري، كغيره من الأسقام البدنية، فهو لا يعارض عصمة التبليغ والبيان.

*الوجه الثالث:

إن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله، بحيث لا يدري ما يقول فهو كالمجنون، ولهذا قالوا فيه مُعَلَّمٌ مجنونٌ، فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من اتباعهم،

وهو أنهم قد سُحروا حتى صاروا لا يعلمون ما يقولون، بمنزلة المجانين ولهذا قال تعالى:{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} مثلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة والمسحور أخرى.

(2)

3 -

وأما الطعن في الحديث فهو مردود على صاحبه:

فالقول في ذلك هو قول أئمة هذا الشأن من أهل الحديث وأحباره، وليس بقول من هم عالة عليه. فقد روى هذا الحديث الإمامان الجبلان: البخاري ومسلم، ممن أجمعت الأمة على قبول ما في كتابيهما، وتلقته بالقبول.

* ثم يقال كذلك:

إن من تكلم بالنقد على بعض الأحرف المروية في الصحيحين، كالإمام الدارقطني وأبي محمد بن حزم وأبي مسعود الدمشقي وأبي علي الجياني لم يتطرقوا بالتعقيب على ذلك الحديث.

وقال ابن القيم:

هذا الحديث

(1)

انظر " ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر"(ص/132)

وهى رسالة لطيفة قد شرح فيها الشيخ مقبل الوادعي حديث سحر الرسول صلى الله عليه وسلم، ورد فيهاعلى شبهات الطاعنين فيه، وذكر فيها مرويات وشواهد للحديث.

(2)

بدائع الفوائد (3/ 21)

ص: 1068

ثابت عند أهل العلم بالحديث، متلقَّى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين.

(1)

* وأما الطعن في هشام بن عروة فهو أمر مردود عند أهل العلم؛ فإن هشاماً من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه، فكيف وقد رواه غير هشام عن عائشة رضى الله عنها؟!

فقد روته عمرة عن عائشة رضى الله عنها، كما نص على ذلك ابن حجر، وكذلك للحديث شاهد من حديث زيد بن أرقم رضى الله عنه.

(2)

قال الذهبي:

هشام بن عروة أحد الاعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبداً، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيرا.

نعم الرجل تغير قليلاً، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسى بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان؟!

ولما قدم العراق في آخر عمره حدَّث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجوِّدها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلِّطين، فهشام شيخ الإسلام.

(3)

قال مقبل الوادعي:

الحديث قد رواه جماعة عن هشام بن عروة منهم البصري، ومنهم الكوفي، ومنهم المكي، ومنهم المدني، ومنهم المصري، وناهيك بحديث من رواته يحيى بن سعيد القطان، وهو في غاية من التحرّى، وهذا الحديث لم ينتقده

(1)

المصدر السابق (3/ 19)

(2)

وقد سبق قريباً بيان طرفاً من هذه الروايات والشواهد وبيان صحتها.

(3)

ميزان الاعتدال في نقد الرجال (4/ 301)

ص: 1069

محدِّث، وهم الحجة لا أصحاب الأهواء فإنّهم أعداء السنن.

(1)

* فرع:

حكم النشرة:

معنى النشرة في الاصطلاح:

هي نوع من الرقى والتعاويذ يعالج بها المريض والمجنون ونحوهما، وأصل هذه التسمية هو من نشر ما طوى الساحر، وتفريق ما جمعه، أي حل السحر عن المسحور وإزالته عنه.

*وأما حكم التداوي بالنشرة:

1 -

الطريقة الأولى:

أن يكون حل السحر عن المسحور بالرقى، والتعوُّذات، والدعوات الصحيحة المأثورة، وبالأدوية المباحة، فهذا جائز بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.

فالسحر إنما يُحلّ بالرّقى الجائزة والتّعوّذ المشروع، كالفاتحة والمعوّذتين والاستعاذات المأثورة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أو غير المأثورة ولكنّها من جنس المأثور، فهذا النّوع جائز إجماعاً.

كما ذكرنا قريباً في سبب نزول المعوذتين ما رواه زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ -رضى الله عنه-قَالَ:

" سَحَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ، فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فنزل عليه بالمعوذتين فكان يقرأ بهما، فشفاه اللّه تعالى».

وقال ابن حجر:

وفي حديث زيد بن أرقم عند عبد بن حميد وغيره: فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين، وفيه فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية، فجعل يقرأ ويحل، حتى قام كأنما نشط من عقال.

(2)

قال ابن القيم:

ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها. فالقلب إذا كان

(1)

انظر " ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر"(ص/92)

(2)

فتح الباري (10/ 320)

ص: 1070

ممتلئاً من الله -تعالى- مغموراً بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه.

(1)

2 -

الطريقة الثانية:

حل السحر عن المسحور بسحر مثله، حيث يستعين الساحر بالشياطين للتعرف على مكان السحر، ربما يقوم الساحر بالنفث على المسحور وقراءة شيء من القرآن أو الأدعية تمويهاً وتلبيساً عليه ليطمئن المسحور ويسكن إليه.

وكذلك يأمر الساحر المسحور بذبح شاة، وأن يذكر اسم الساحر أو الجني عليها،، أو غير ذلك من الأقوال والأعمال الشركية تقرباً إلى السحرة والشياطين.

وهذه الطريقة الثانية فيها قولان:

أحدهما: أن حل السحر عن المسحور بسحر مثله جائز عند الحاجة إليه، ومنهم من قيَّده بحال الضرورة فقط.

(2)

* الثاني وهو الراجح -والله أعلم-أن حل السحر عن المسحور بسحر مثله، أو بما لا يعرف أو يعقل معناه من الرقى، والعزائم، والتعاويذ لا يجوز مطلقاً، سواء كان للضرورة أو لعدمها، وإلى ذلك ذهب علماء الأمة كما نقله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وابن أبي العز الحنفي وغيرهم.

* ونذكر من أدلة ذلك:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ-رضى الله عنهما- قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّشْرَةِ، فَقَالَ:

" مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ "

(3)

قال ابن القيّم:

حلّ السّحر بسحر مثله من عمل الشّيطان، فيتقرّب النّاشر والمنتشر

(1)

زاد المعاد (4/ 116)

(2)

وانظرالفروع لابن مفلح (6/ 178) وغريب الحديث لابن الجوزي (2/ 408) و"النشرة"(ص/19)

(3)

أخرجه أحمد (14135)، وصححه الأرنؤوط، وانظر إكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 25)

ص: 1071

إلى الشّيطان بما يحبّ فيبطل العمل عن المسحور.

(1)

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" إنّ الرُّقى والتَّمائِم والتِّوَلَةَ شِرْكٌ ".

(2)

قال المناوي:

والتولة بكسر المثناة الفوقية وفتح الواو كعنبة، ما يحبِّب المرأة إلى الرجل من السحر، وهى"شرك" أي من أنواع الشرك سمَّاها شركاً؛ لأن العرب كانت تعتقد تأثيرها وتقصد بها دفع المقادير.

(3)

*أضف إلى ذلك أن سؤال السحرة حل السحر، ثم تصديقهم والعمل بما يخبرونه به من طرق الاستشفاء وأنواع الأدوية المزعومة، فإنه بهذا قد وقع فيما هو أشد وأخطر، وربما أفضى به ذلك إلى الخروج عن دائرة الإسلام، لقوله عليه الصلاة والسلام:

" مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ".

(4)

* أضف إلى ذلك أن تلك الرقى والنشر ونحوها من الأدوية تحوي شيئا من

(1)

إعلام الموقعين (4/ 327)

(2)

رواه أبو داود (3883) وأحمد (3615)، والحاكم (7505)، قال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن "، وانظر "السلسلة الصحيحة " (2972)

*والتولة: أو ما يعرف بسحر المحبة، وهو الذي يسمى بـ (العطف)، ويكون - غالبا - بطلب المرأة من ساحر أن يوقع محبة بها في قلب زوجها وشغفا زائدا؛ فيأمرها عند ذلك بإحضار أثر من ثياب زوجها مثلا، غير منظف ولا طاهر، ثم يأخذ خيوطاً منه، فيعقدها وينفث بها، ثم تدفن في مكان مهجور، أو يقرأ ما يأمره به شيطانه من أقوال بغير العربية تتضمن شركا بالله، والعياذ بالله، يقرأ ذلك على ماء نجس، أو على قطرات من دم ونحوه، ثم تخلطه المرأة بما يطعمه أو يسقاه زوجها، فيصير الزوج - والعياذ بالله - منقاداً لامرأته.

وانظرالتحصين من كيد الشياطين (ص/92)

(3)

وانظر التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 286) والكبائر للذهبي (ص/24)

(4)

أخرجه أحمد (9532) و أبوداود (3904) والحاكم (15)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وانظر صَحيح الْجامِع (: 5939)

ص: 1072

أنواع الشرك، أو عملاً شيطانياً سحرياً، أو طلاسم وخزعبلات مجهولة، أو غير ذلك من الطرق والأفعال والأقوال المحظورة، فإن كانت كذلك، فهي داخلة في عموم ما نهى الشرع عن التداوي بالمحرمات.

قال ابن مسعود رضى الله عنه:

«إِنَّ اللَّهَ -تعالى- لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» .

(1)

* لذا فإن الذي يقال فى النشرة المحرَّمة هو مثل ما قاله النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لما سُئل عَنِ الْخَمْرِ يَصْنَعَهَا الرجل لِلدَّوَاءِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ»

(2)

قال أبو العباس ابن تيمية:

وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن.

ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك.

(3)

* وفي التفصيل تأصيل:

وأن النشرة على أحد ضربين:

الأولى:

تعويذة مشروعة أو رقية جائزة مقولة أو مكتوبة لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لتعلق وتكون تميمة، ويقصد بهذه النشرة معالجة من كان به طب، أي: سحر أو عين أو مس أو عصب عن امرأته فهذه لا بأس بها؛ لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرة..

والثانية:

فهي حل السحر عن المسحور؛ بسحر أو بألفاظ أعجمية، أو بطلاسم لا يفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودا من النشرة في الجاهلية.

وأما حكمها:

التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن استخراج السحر بسحر أو ألفاظ أعجمية أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع.

وعلى هذا التفصيل يحمل قول أهل العلم الذين أجاز بعضهم النشرة - وعلَّل جوازها بحصول النفع، وكونها بالعربية، ومنهم الأئمة:

سعيد بن المسيّب والمزني

(1)

علَّقه البخاري بصيغة الجزم (10/ 111)، وصححه الحافظ ابن حجر في التغليق (5/ 30).

(2)

رواه مسلم (1984)

(3)

مجموع الفتاوى (19/ 13)

ص: 1073

والشعبي والطبري، وكذلك يفسر بهذا التفصيل قول من منعها منهم كالحسن البصري وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.

(1)

* فإن قيل:

قد روى قتادة أنه قال: قلت لسعيد بن المسيَّب: " رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟

قال لا بأس، به إنما يريدون الإصلاح، فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه.

وعن قتادة عن سعيد بن المسِّيب أنه كان لا يرى بأساً إذا كان الرجل به سحر أن يمشي إلى من يطلق ذلك عنه، وقال:" لا بأس بالنشرة، إنما نهي عما يضر، ولم ينه عمَّا ينفع ".

(2)

.

*فالجواب أن يقال:

وأما أثر سعيد بن المسيِّب فليس فيما قاله ما يدل على أنه يجيز النشرة الممنوعة أو إتيان السحرة لحل السحر عن المسحور أو نحو ذلك، وحاشاه من ذلك.

فالنشرة التي أجازها إنما هي المشروعة منها فحسب، والتي هي من جنس الرقى والتعاويذ،

لا النشرة الممنوعة.

فمن تلك الروايات أن قتادة قال لسعيد بن المسيِّب: رجل طب بسحر، نحل عنه؟

قال: نعم، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل ".

(3)

وأما توجيه قوله " لا بأس بالنشرة، إنما نهي عما يضر ولم ينه عما ينفع "، فيقال:

أن النشرة المشروعة تنفع بإذن الله ولا تضر، ولو كان مراده النشرة الممنوعة وإتيان السحرة ونحوهم لخالف دليله فتواه؛ لأن قوله:" إنما نهى الله عما يضر ":

يقتضي حرمة ذلك؛ لأن الشرع قد نهى عن تلك النشرة، وعن إتيان السحرة ونحوهم، وأي ضرر على العبد أعظم من تكذيبه بالقرآن، وعدم قبول صلاته أربعين ليلة؟!

(1)

وانظر إعلام الموقعين (4/ 327) والتحصين من كيد الشياطين (ص/95)

(2)

أخرجه الطبري في (التهذيب) وقال الحافظ: إسناده صحيح (المصدر السابق).

(3)

رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (3574) بإسناد صحيح.

ص: 1074

وقد كان سعيد بن المسيِّب يفتي بقتل السحرة بعد إقرارهم

(1)

، فكيف يجوِّز إتيانهم؟!

فمن نسب إليه القول بجواز ذلك فقد قوَّله ما لم يقل، وأخطأ في فهم ما نقل عنه.

قال الشيخ سليمان بن عبدالله تعليقاً على أثر سعيد بن المسيب:

وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا؟

فأما أن يكون ابن المسيِّب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يُظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح. فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر، والله أعلم.

(2)

وأما قوله رحمه الله: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» :

فمراده ما شرع الانتفاع به، فهو عام مخصوص لا حجة لهم فيه.

قال الحافظ:

وقد تمسَّك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف:"لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيها شرك" أنه ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطاً.

(3)

فكل رقية أو نشرة محرمة لا يشرع الانتفاع بها، لأنها داء وليست بدواء، وفي الحديث:

«من استطاع منكم أن ينفع أخاه»

وأي نفع في إتيان السحرة والكهان ونحوهم والاسترقاء برقاهم ونشرهم المشبوهة؟!.

(4)

* ثم يقال هنا:

مع التنزل أن أثر الإمام سعيد بن المسيِّب دال على مشروعية حل السحر بالسحر فغاية ما فيه أنه قول تابعي، ولم يقل أحد من أهل العلم، إن قول

(1)

رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (9032) وابن حزم في المحلى (11/ 397) بإسناد لا بأس به.

(2)

تيسير العزيز الحميد (ص/358)

(3)

فتح الباري (10/ 206).

(4)

وانظر "النشرة "(ص/25)

ص: 1075

التابعي حجة في دين الله.

وهذه كتب الأصول لدينا قد ذكرت الأدلة المتفق عليها، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم الأدلة المختلف فيها، ومنها قول الصحابي وعمل أهل المدينة والاستحسان ونحوها، لكنهم لم يذكروا إن قول التابعي دليل شرعي يحتج به في شرع الله.

ومعلوم أنه لو قال بهذا القول صحابي، لوجب رده لمخالفته للنصوص، فكيف بقول التابعي، وقد خالفه غيره من التابعين، فما الذي جعل قول ذاك حجة؟!

وصلى الله على النبي.

تم بحمد الله.

ص: 1076