الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع والثلاثون: دليل البيداء شرح حديث أنا أغنى الشركاء
* نص حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
"قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ "
* تخريج الحديث:
أخرجه مسلم (2985)، كتاب " الزهد والرقائق "، باب:" باب من أشرك في عمله غير الله ".
وهو عند أحمد في المسند (7999) بلفظ مقارب منْ رواية أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه:
أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عز وجل، أَنَّهُ قَالَ:
" أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا فَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ "
* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:
الفائدة الأولى:
قوله: «من عمل عملاً....» :
يعم جميع أنواع المشركين وجميع أنواع الأعمال؛ لأن (عملاً) في قوله: " من عمل عملاً ":
نكرة جاءت في سياق الشرط، فعمت جميع الأعمال: الأعمال البدنية والمالية، والأعمال التي اشتملت على مال وبدن، فالبدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة والصدقة، والمشتملة على بدن ومال: كالحج والجهاد ونحو ذلك.
لذا فإن شهادة " ألا إله إلا الله، لا شريك له
…
" ليست قاصرة على نفي الشريك عن الله -عزوجل- في الأسماء والصفات، بل تتضمن كذلك نفي الشريك عن الله -تعالى- في الطاعة والعبادة.
والله -تعالى- لا شريك له في استحقاق العبادة، وليس شأنه -تعالى- شأن الذين يأخذون نصيبهم
من الشيء المشترك بينهم وبين غيرهم؛ فإنه أغنى من كل غني، وأغير من كل غيور، فلا يقبل إلا ما كان خالصاً مخلصاً ليس لأحد فيهم سهم أو نصيب.
(1)
*الفائدة الثانية: قوله تعالى: " تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ":
قد دل حديث الباب على حرمة الرياء، والرياء مأخوذٌ من: الرؤية، وذلك بأن يزيِّن المرء العمل ويُحَسِّنه من أجل أن يراه النّاس ويمدحوه ويُثنوا عليه، أو لغير ذلك من المقاصد، فهذا يسمّى رياءً، لأنه يقصد رؤية النّاس له.
والرياء شرك كما ورد في حديث الباب.
وكذا فقد قال شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه:
…
(2)
وقول الصاحب: " كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نفعل كذا
…
، هو من الموقوف الذي له حكم الرفع.
وقد سمَّى الله -تعالى- الرياء شركاً؛ وذلك لأنَّ فاعلَ الطاعة قد قصد بها الله تعالى، وأراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عَبَدَ اللهَ -تعالى- لا غيرَه، لكنَّه خَلَطَ عبادتَه بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة وسمَّاها شركاً.
قال سليمان بن عبد الله:
لما كان المرائي قاصداً بعمله الله - تعالى - وغيره، كان قد جعل الله - تعالى- شريكاً، فإذا كان كذلك، فالله - تعالى- هو الغني على الإطلاق، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك؛ فإن كماله تبارك وتعالى وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك.
(3)
*ونذكر من أدلة هذا الباب:
قول الله تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
(1)
جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (2/ 595)
(2)
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(6842) والحاكم (7937) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، انظر صحيح الترغيب والترهيب (ح/35)، والصحيح المسند من أقوال الصحابة والتابعين (2/ 236)
(3)
تيسير العزيز الحميد (ص/916)
أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: 2)
قال الفضيل بن عياض:
هو أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنة.
(1)
*وقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [الْبَيِّنَةِ: 5]
قال ابن القيم:
إن الله -سبحانه - إنما أمر بعبادته عبادة خالصة، فمن لم يخلص لله -تعالى- في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه.
(2)
*وقال تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)) (الكهف: 110)
فهذه الأية قد اشتملت على شرطين بهما يقبل العمل، وبفقدهما يطرح العمل ويُرد على صاحبه، فيصير هباء منثوراً، وهذان الشرطان قد وردا في حديثين عظيمين:
أحدهما حديث الباب: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، ....... "
والثانى ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
(3)
قال أبو العباس ابن تيمية:
والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة، وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون:" إن الأصل في العبادات التوقيف "، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله: {أَمْ لَهُمْ
(1)
التفسير القيم (ص/84)
(2)
الجواب الكافي (ص/142)
(3)
متفق عليه.
شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى: 21).
(1)
قال ابن القيم:
" فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيَّد بالسنة.
(2)
وقال رحمه الله: العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً، يثقّله ولا ينفعه.
(3)
فالشرطان هما: "الإخلاص والاتباع ".
ولقد صدق القائل:
يا مبتغي الحمدَ والثوابَ. . . في عملٍ تبتغي محالًا
قد خيَّب اللهُ ذا رياءٍ. . . وأبطلَ السعي والكلالا
من كان يرجو لقاء ربه. . . أخلص من أجله الفعالا
الخلدُ والنارُ في يديه. . . فرائه يعطك النوالا.
(4)
* الفائدة الثالثة:
قوله تعالى في حديث الباب: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ":
معناه أن من عمل شيئاً لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير، وصورته أن يعمل عملًا يختص لله -تعالى- فيرائي به غيره، فقد قصد بذلك العمل ذلك الغير، وأشركه مع الله -تعالى-في ذلك القصد. وحيث إن ذلك القصد ليس لطلب التقرب، ولا لطلب الأجر، ولا لكونه ربًّا وإلها، وإنما المقصود إثبات صلاحه وتقواه في نظره فقد جعل هذا القصد شركًا أصغر خفيًّا دون الشرك الحقيقي المخرج عن الملة، وأقل ما فيه أن عمله باطل لا
(1)
مجموع الفتاوى (29/ 17)
(2)
الجواب الكافي (ص: 91)
(3)
الفوائد (ص/49)
(4)
فيض القدير (4/ 620)