المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "احفظ الله يحفظك "، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن - الأربعون العقدية - جـ ٢

[أيمن إسماعيل]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الحادى والعشرون: السنة الجارية شرح حديث الجارية

- ‌الحديث الثانى والعشرون: كشف الالتباس عن حديث أمرت أن أقاتل الناس

- ‌الحديث الثالث والعشرون: فتح البصير في بيان ما توسل به الضرير

- ‌ التوسل المختلف فيه:

- ‌الحديث الرابع والعشرون: بيان الحِكَم في شرح حديث إن الله هو الحَكَم

- ‌ الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله شركًا

- ‌الحديث الخامس والعشرون: ذات العماد شرح حديث حق الله على العباد

- ‌الحديث السادس والعشرون: المشكاة في شرح حديث لا تعجز واستعن بالله

- ‌الحديث السابع والعشرون: بيان الحق نفسه في شرح حديث أينا لم يظلم نفسه

- ‌الحديث الثامن والعشرون: ضوء الثريا شرح حديث من عادى لى ولياً

- ‌هل يوصف الله -تعالى- بصفة التردد

- ‌الحديث التاسع والعشرون: المعانى الراسيات شرح حديث إنى معلمك كلمات

- ‌ الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ "، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن

- ‌ أصل القضاء لا يعارض العمل:

- ‌الحديث الثلاثون: نثر الجمَّان بفوائد حديث إنهما ليعذبان

- ‌هل عذاب القبر يكون على الروح فقط، أم على الروح والبدن

- ‌الحديث الحادي والثلاثون: بلوغ الرُّبَى شرح حديث ضحك النبي تعجبا

- ‌ المخالفون لأهل السنة والجماعة في إثبات صفة اليدين:

- ‌الحديث الثانى والثلاثون: فتح الأعز الأكرم شرح حديث أي الذنب أعظم

- ‌من أتى خلاف المعهود تجاوزت عاقبته الحدود:

- ‌الحديث الثالث والثلاثون: تلخيص الخطاب شرح حديث إنك تأتى أهل كتاب

- ‌الفطرة دالة على نقض مذهب المتكلمين:

- ‌الحديث الرابع والثلاثون: درء الخوض في رد أحاديث الحوض

- ‌ حكم سب الصحابة رضى الله عنهم:

- ‌الحديث الخامس والثلاثون: البيان والتتمة شرح حديث يكون بعدى أئمة

- ‌تعريف الإمامة، وأهمية تنصيب الإمام:

- ‌ وسطية الأمة مع الأئمة:

- ‌الحديث السادس والثلاثون: ردع الجاني على حديث إن الله أفتاني

- ‌ هل السحر حقيقة أم خيال

- ‌الحديث السابع والثلاثون: دليل البيداء شرح حديث أنا أغنى الشركاء

- ‌ هل الرياء مبطل للعمل

- ‌ الشرك الخفي أشد خطورة من المسيح الدجال

- ‌أمور ليست من الرياء:

- ‌الحديث الثامن والثلاثون: نيل المأرب شرح حديث طلوع الشمس من المغرب

- ‌الحديث التاسع والثلاثون: بذل الطاقة شرح حديث صاحب البطاقة

- ‌ أليس تأويل الميزان بالعدل يستقيم لغة

- ‌ ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة:

- ‌ما الحكمة من نصب الموازين، مع كونه عزوجل وسع علمه أعمال العباد ومآلاتهم

- ‌ حكم من مات على الشرك الأصغر:

الفصل: ‌ الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "احفظ الله يحفظك "، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن

لهم بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام.

(1)

* نقول:

فبقدر ما تحقق من حفظك لأوامر الله تعالى، بقدر ما يتحقق حفظ الله -تعالى - لك. ونظير ذلك ما قد ورد في قوله تعالى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]،

فإنه بقدر ما تحقق من الامتثال والعبودية، بقدر ما يتحقق لك من الكفاية والهداية. قال الطبري:

يقول تعالى ذكره: (فَلَوْلا أَنَّهُ) يعني يونس (كَانَ مِنَ) المُصَلِّينَ لله قبل البلاء الذي ابتُلي به من العقوبة بالحبس في بطن الحوت (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يقول: لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، يوم يبعث الله فيه خلقه محبوساً، ولكنه كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله في حال البلاء، فأنقذه ونجَّاه.

(2)

* حفظ الله - تعالى- لأولياءه:

عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

" ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا منها فطرحني في أجمة فيها أسد، قال: فقلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم،

قال: فطأطأ رأسه وجعل يدفعني بجنبه - أو بكتفه - حتى وضعني على الطريق، فلما وضعني على الطريق همهم، فظننت أنه يودعني "

(3)

*وهنا إشكال:

كيف‌

‌ الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ "، وبين ما يقع لأهل الإيمان من البلاء والمحن

؟

* وجواب ذلك أن يقال:

أن الحفظ نوعان: " حفظ إيمان، وحفظ أبدان "

فأما حفظ الإيمان:

فهذا هو المراد بحديث الباب، فالعبد إذا ما حفظ الله -تعالى - فى أمره ونهيه فإن الله - تعالى - يحفظ عليه دينه وإيمانه، ويجعل له بصيرة تنجيه من مضلات الفتن و شبهات البدع، قال تعالى

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)(الأنفال/29)، وقال تعالى (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ

(1)

تفسير القرآن العظيم (5/ 344)

(2)

جامع البيان في تأويل القرآن (21/ 108)

وروى عن أنس -رضى الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"أن يونس عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب، ومن هو؟

قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة؟ قالوا: يا رب، أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجِّيه في البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء".

في سنده يزيد بن أبان الرقاشى، قال أحمد:"منكر الحديث"، وقال والنسائى:"متروك ".

قال الحافظ ابن كثير:

" لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة". وانظر تهذيب التهذيب (6/ 196) وتفسيرالقرآن العظيم (7/ 60) وأنيس الساري (6/ 4365).

(3)

وانظر حلية الأولياء (1/ 369)

ص: 864

بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)) (البقرة /213)

* وأما حفظ الأبدان:

فمثل هذا وإن كان من حيث الأصل العام داخلاً فى حكم القسم الأول، إلا أنه غير ممتنع الوقوع، فخير الحافظين لأمر الله -عزوجل- وهو النبى صلى الله عليه وسلم لم يسلم من مثل ذلك، ففى يوم أحد قد شُج في وجهه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته.

وكذلك فقد سُحر صلى الله عليه وسلم على يد رجل يهودى، فاشتكى فأتاه جبريل عليه السلام بالمعوذتين.

ولم يكن لذلك السحر أثر على شأن الوحى والرسالة، بل كان يخيَّل إليه أنه قد صنع شيئاً وما صنعه، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، أي أنه أثَّر على جسده فقط، أما الوحي والتبليغ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

* الحاصل هنا:

أن أصل حفظ الله -تعالى- لأنبيائه وأولياءه إنما هو حفظ لما وقر فى قلوبهم من الإيمان الراسخ و الاعتقاد السابغ، وأما ما يتعلق بما قد يصيبهم من بلاء أو أذى في بدن أو نفس أو مال ونحو هذا

فهذا غير ممتنع الوقوع.

* وتأمل في قوله تعالى (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)) (يوسف/32)

فقد أكد الفعل الأول الذي هو السجن -وهذا من بلاء الدنيا- بنون التوكيد، وقد وقع بالفعل،

أما حال ذكره للصَغار الذى هو الذل والهوان -وهذا مما لا يحصل لأهل الإيمان - فقد جاء الفعل مصحوباً بالنون الخفيفة} وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ {، فلم يقل "وليكوننَّ "، والنون الثقيلة التوكيد بها أشد وأبْلغ؛ لأنَّ زِيادة المبنَى تدلُّ على زيادة المعنى غالباً.

قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول:

ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

(1)

(1)

الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص/48)

ص: 865

* ولاشك أن البلاء، وإن كان واقعاً ولا بد، فإن حصوله فى أمور الدنيا أهون من حصوله فى أمر الدين، لذا فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:" وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا "

(1)

.

وفى مثل هذا المعنى قد قَالَ يوسف عليه السلام (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)(يوسف/33)

* نقول:

حتى ما يقدِّره الله -عزوجل- على أولياءه من المحن والبلاء فإنما يقع لحكم عظيمة، منها:

1 -

أن يكون هذا إظهاراً لصدقهم:

فيثبت أهل الإيمان، ويُفضح أهل النفاق، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) (آل عمران/166 - 167)

وقال تعالى (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت/1 - 2 - 3)

2 -

وقد يكون هذا رفعة لدرجاتهم وتكفيراً لسيئاتهم:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

«مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» .

(2)

* الفائدة الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم: " احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ.. "

والمعنى: أنه بحفظ حدود الله -تعالى- يُرزق العبد المعية الخاصة، ومعية الله -عزوجل - الخاصة معناها أنه سبحانه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويؤيده ويسدده.

فمن راعى حدود الله - عزوجل - وجد الله معه في كل أحواله، حيث توجه، يحوطه، وينصره، ويحفظه ويوفقه ويسدده {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] ".

إنها معية الله -تعالى- لأنبيائه وأوليائه، قال تعالى (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ

(1)

أخرجه الترمذى (3502) وصححه الألبانى فى صَحِيح الْجَامِع (1268)

(2)

متفق عليه.

ص: 866

هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة/40)، قال تعالى (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)) (الشعراء/15)، وقال عزوجل فى خبر موسى عليه السلام (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)(الشعراء/62)

*الفائدة الثالثة: " وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ

"

وقد أمر الله تعالى بسؤاله، فَقَالَ:{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]

وفارق بين سؤال الخالق، وسؤال المخلوق:

فأما سؤال الخالق:

فالأصل فيه الإلحاح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:(يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ: يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)

(1)

قال ابن حجر:

وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار.

(2)

قال ابن القيم: " ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء "

(3)

* وأما سؤال المخلوق:

فإن الأصل فيه المنع، ففى حديث عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ-رضى الله عنه - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم:

عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.

(4)

وعَنْ ثَوْبَانَ -رضى الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

" مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ "، قَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا. قَالَ: " لَا تَسْأَلِ النَّاسَ "، يَعْنِي شَيْئًا، قَالَ: نَعَمْ.

(1)

متفق عليه.

(2)

فتح الباري (11/ 141)، وصححه الألبانى فى صحيح الجامع (6603)

(3)

الجواب الكافي (ص/25).

(4)

أخرجه مسلم (1043) وأحمد (23993)

ص: 867

قَالَ عبد الرحمن بن يزيد: فَكَانَ ثوبان لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، ويَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ، حَتَّى يَنْزِلَ فَيَتَنَاوَلَهُ.

(1)

وعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ- رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ.

(2)

* الفائدة الرابعة: قوله صلى الله عليه وسلم:

" وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ ":

وهذه عبادة من أعظم العبادات التي يتوجه بها العبد إلى ربه عزوجل، وقد أمر الله -تعالى- بها عباده، قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)} (البقرة/ 153) وقال موسى لقومه:{اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا} [الأعراف: 128]، وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم:{قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}

قال ابن رجب: وفي استعانة الله -تعالى - وحده فائدتان:

الأولى: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات.

والثانية: أنَّه لا معين له عَلَى مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول.

(3)

* الفائدة الخامسة:

قوله صلى الله عليه وسلم:

" وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ "

وهذه معانى عظيمة النفع لقلب العبد؛ فإن العبد إذا ما امتلأ قلبه يقيناً أن كل ما يصيبه إنما هو مما قدَّره الله -تعالى- وقضاه ازداد تعلقاً بربه وتوكلاً عليه.

فصار القلب متوجهاً بكليته شطر خالقه عزوجل، على اليقين الجازم أن الأولياء وغيرهم من المخلوقين لا يملكون لأنفسم نفعاً ولا ضراً؛ فضلاً عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وأن غيره تعالى غير قادر

(1)

أخرجه أحمد (22366)

(2)

متفق عليه.

(3)

وانظر "نور الاقتباس في شرح وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس "(3/ 133)

ص: 868

على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع.

قال تعالى {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]

قوله تعالى (ومن يؤمن بالله): يصدق أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله تعالى له.

{يَهْدِ قَلْبَهُ} يوفقه لليقين، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وللقول الحسن فلا يقول إلا ما يرضي الله عز وجل، إنا لله وإنا إليه راجعون ويسلم لقضاء الله - تعالى - وقدره.

* ومما صح في تفسير هذه الأية:

قال ابن عباس رضى الله عنهما:

قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يعني: يهدي قلبه لليقين، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

(1)

وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه:

«هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ رَضِيَ وَعَرَفَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ» .

(2)

وعن زَيْد بْن ثَابِتٍ-رضى الله عنه- أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال:

" لَوْ أَنْفَقْتَ جَبَلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَدَخَلْتَ النَّارَ "

(3)

قال أبو العباس ابن تيمية:

فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من تعلق قلبه بالخلق ونظره إليهم، وتجرد التوحيد في قلبه، وتوكل على الله -تعالى - فهو حسبه.

(4)

قال ابن رجب:

إن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله -تعالى- له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل

(1)

أخرجه الطبري في التفسير (12/ 116) وسنده حسن، وانظرموسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (4/ 495)

(2)

ذكره البخاري معلقاً (8/ 711) ووصله ابن حجر فى التغليق (4/ 342)

(3)

أخرجه أحمد (21589)، وصححه الألبانى "الظلال "(245).

(4)

مجموع الفتاوى (1/ 93)

ص: 869

وإفراده بالطاعة والخوف والرجاء والمحبة والسؤال

والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعاً، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً، وإفراده بالاستعانة به والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء.

(1)

وقال تعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)((يونس/107)

فإذا ما مسك ضر فلن يستطيع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم أن يرفعوا هذا الضر عنك، إلا إذا أراده الله تعالى، وإذا أصابك خير قدَّره الله -تعالى- لك فلن يستطيع الخلق كلهم أن يمنعوا هذا الخير، إلا إذا أراد الله تعالى.

ولا شك أن لهذا الاعتقاد متعلقاً وثيقاً بتوحيد الربوبية؛ فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته.

وقال سبحانه {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً}

[الإسراء - 56]

فمن دلائل بطلان عبادة من سوى الله - عزوجل - أنهم لا يملكون كشف الضر عن المرء ولا تحويله، فهذا أحد أوجه الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية.

* الفائدة السادسة: قوله صلى الله عليه وسلم:

" رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ":

والمعنى:

أن الله -تعالى- قد قضى كل شيء وقدَّره تقديراً، وأمر بكتابة هذا الذى قدَّره فى اللوح المحفوظ، ويسمى أيضاً أم الكتاب، و الكتاب المبين.

قال تعالى {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} (القمر/53)، وقال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ

(1)

جامع العلوم والحكم (1/ 485) بتصرف يسير.

ص: 870

يَسِيرٌ} [الحديد: 22]

وعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ -رضى الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ:

اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ "

(1)

وقد بوَّب الإمام اليخاري رحمه الله فى كتاب القدر من صحيحه:

" بَابٌ: جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ "، وذكر تحته ما يلى:

قوله تعالى {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية: 23]، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ» )

قلت:

وأما ذكر البخاري لهذه الأية تحت هذا التبويب ففيه دلالة أنه رحمه الله يرجَّح أن هذا العلم المقصود فى هذه الأية هو علم الله -تعالى -السابق، فيكون المعنى أن ضلال هذا العبد إنما وقع وفق ما قدَّره الله -عزوجل- فى علمه الأزلى، وأنه لا يستحق إلا ذلك.

(2)

*وأما حديث أبى هريرة-رضى الله عنه- الذى ذكره البخاري هاهنا معلقاً فقد وصله في باب النكاح برقم (5076)، ومناسبته هناك أن أَبِا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي العَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:

«يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ»

* وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضى الله عنه: " جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ "، هو معنى ما ورد فى حديث الباب:" رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ":

فهذه كناية عن الفراغ من الأمر الذي سبق به القدر، فكل ما يجري في الوجود فقد سبق به علم الله-تعالى - وكتابه، فقد فُرغ من الكتابة التي أمر الله -تعالى - بها القلم حين خلقه، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

(1)

أخرجه أحمد (22705)، وصححه الألبانى في ظلال الجنة (1/ 48)

وقد تم شرح هذا الحديث ضمن أحاديث "الأربعون العقدية"، تحت عنوان " بلوغ العَلَم فى شرح حديث أول ما خلق الله القلم "

(2)

ولهذه الأية توجيهان نص عليهما ابن كثير، فقال رحمه الله: وقوله: {وأضله الله على علم} يحتمل قولين: أحدها: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس. ا. هـ، وأما الطبرى فلم يذكر إلا وجهاً واحداً، فقال رحمه الله:

خذله عن محجة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي، ولو جاءته كل آية. ا. هـ

وانظر تفسير القرآن العظيم (7/ 268) وجامع البيان في تأويل القرآن (22/ 76)

ص: 871

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو-رضى الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:

"كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ".

(1)

وقوله صلى الله عليه وسلم:

(كتب الله مقادير الخلائق): قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، وليس أصل التقدير؛ فإن ذلك أزلي لا أول له.

قال أبو الحسن الأشعرى:

وأجمعوا على أنه تعالى قد قدَّر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون.

(2)

* وهذا الذى كتب فى اللوح المحفوظ يشتمل على كلمات الله الشرعية والكونية:

أ) أما الكلمات الشرعية:

فمنها التوراة بيمينه لموسى في الألواح، وأنزل على إبراهيم صحفاً وعلى موسى صحفاً، وكذلك القرآن فإنه مكتوب عنده في اللوح المحفوظ، كما قال سبحانه وتعالى في وصف القرآن:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21 - 22]، وقال تعالى (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) {الواقعة: 77 - 78}.

ب) وأما الكلمات الكونية:

وهى كل ما قدَّره الله -تعالى- من أقدار وأعمال وأخبار، كما قال تعالى {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب} (الحج: 70)، وقال تعالى {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12]

قال ابن كثير:

وكل شيء أحصيناه في إمام مبين أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب.

(3)

قال ابن قدامة:

لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في

(1)

أخرجه مسلم (2653)

(2)

رسالة إلى أهل الثغر (ص/247)

(3)

تفسير القرآن العظيم (6/ 568)

ص: 872

العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور.

(1)

* وهنا سؤال:

قد دل حديث الباب على أن مقادير الخلائق قد فرغ منها، فقد رفعت الأقلام وجفت الصحف، لكن قد يشكل على هذا ما قد ورد فى أدلة أخري يعارض ظاهرها هذا الأمر، مثل قوله تعالى:

{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد/ 39]، وكذلك ما ورد فى حديث ابْنِ عَبَّاسٍ-رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:

إِنَّ اللهَ عز وجل لَمَّا خَلَقَ آدَمَ، مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ ذَرَارِيَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُ ذُرِّيَّتَهُ عَلَيْهِ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَرُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَمْ عُمْرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا، قَالَ: رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ.....

(2)

، وقوله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» .

(3)

* وجواب ذلك أن يقال:

أن كل ما هو كائن إلى يوم القيامة قد قدَّره الله -تعالى - وكتبه في اللوح المحفوظ، وهذا الذى سطِّر فى اللوح المحفوظ لا يبدل، ولا يغير، ولا يمحى، وإنما الذي يقبل التغيير والمحو والإثبات، هو ما في صحف الملائكة، كما قال عزوجل (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) {الرعد: 39}.

والمعنى:

أن الذى فى أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ لا محو فيه ولا تغيير، وهو من الغيب المطلق الذى لا يطلع عليه ملك مقرَّب ولا نبي مرسل، وأما الذى يسطَّر فى صحف الملائكة فهذا الذى قال تعالى عنه (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)، وكل ما يقع في هذه الصحف من التغيير والإثبات فهو مكتوب في اللوح المحفوظ تفصيله، ونهايته.

*فالحاصل أن القضاء نوعان:

(1)

لمعة الاعتقاد (ص/23)

(2)

أخرجه أحمد (2270) والترمذى (3368)، وقال:" هذا حديث حسن صحيح ". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وانظر صحيح الجامع (5208)

(3)

متفق عليه.

ص: 873

1 -

قضاء مبرم:

فهذا الذى لا تبديل فيه ولا تغيير، وهو المسطر في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب أى أصله.

2 -

قضاء معلَّق:

وهو المراد فى قوله تعالى {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} ، فالمحو فيه والإثبات يتعلق بأسباب قدَّرها الله عزوجل، ومنها الدعاء وصلة الرحم.

ومثال الأول:

ما ورد عن أُمِّ حَبِيبَةَ -رضى الله عنها - أنها قالت:

اللهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكِ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ.

(1)

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

«فَرَغَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ وَرِزْقِهِ وَأَثَرِهِ وَشَقِيٍّ أَمْ سَعيدٍ» .

(2)

*ومثال الثانى:

ما ورد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يطوف بالكعبة:

اللهم إن كنت كتبتَني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذّنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السّعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب.

(3)

وقال ابن عباس رضى الله عنهما:

كتابان: كتابٌ يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب.

(4)

*وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:

عن قوله تعالى {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ، هل المحو والإثبات في اللوح المحفوظ، وقد جاء:{جف القلم} فما معنى ذلك في المحو والإثبات؟ وهل الصحيح عندكم أن العمر يزيد بصلة الرحم كما جاء في الحديث؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب رضي الله عنه:

الجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلاً في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.

(1)

أخرجه مسلم (2663)

(2)

أخرجه أحمد (21723) وابن حبان (6150) وصححه الأرنؤوط.

(3)

أخرجه الطبري في "تفسيره"(13/ 564)، وحسَّن ابن كثير إسناده فى "مسند الفاروق"(2/ 549)

(4)

جامع البيان في تأويل القرآن (16/ 480)

ص: 874