الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن الأثير:
وإنما كره له ذلك لئلا يشارك الله - تعالى - في صفته.
(1)
* الفائدة الثانية:
في بيان التفصيل فى قضية الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل:
نقول يختلف الحكم فى قضية الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل بحسب اختلاف القصد والفعل.
أولًا:
الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله شركًا
أكبر:
1 -
الحالة الأولى: الاستحلال:
وصورته: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن الحكم بغير ما أنزل الله جائز غير محرم، وأن ذلك ليس واجباً عليه.
وهذه الحالة متفق على كونها من الكفر الأكبر، فلقد نص الأئمة على أن المرء متى فعل الحرام مستحلاً كان كافراً.
قال ابن حزم:
فمن كان يعتقد أن لأحد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرَّم شيئاً كان حلالاً إلى حين موته عليه الصلاة والسلام، أو يحل شيئاً كان حراماً إلى حين موته عليه السلام، أو يوجب حداً لم يكن واجباً، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه الصلاة والسلام فهو كافر مشرك حلال الدم والمال، حكمه حكم المرتد.
(2)
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:
من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق.
(3)
وقال رحمه الله:
لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر
(4)
.
(1)
وانظر النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 419) والنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى (ص/180)
(2)
الإحكام في أصول الأحكام (1/ 73)
(3)
الصارم المسلول (ص/521)
(4)
منهاج السنة (5/ 130)
وقال رحمه الله:
والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء.
(1)
*تنبيه:
والمستحل للشئ هو الذى يفعله معتقداً حله، وهو عمل قلبى لا يعرف من الشخص إلا إذا صرح بذلك.
*فروع تتعلق بمسألة الإصرار:
1 -
الفرع الأول:
مجرد الإصرار على الذنب ولو كان كبيرة لا يعد قرينة على استحلاله؛ فالاستحلال لا يستفاد من مجرد الفعل ولا المداومة ولا الإصرار عليه، ويدل على ذلك ما يلى:
1 -
لم يقل أحد من أهل العلم المتقدمين أن مجرد الإصرار على الذنب يعد استحلالاً له.
2 -
أجمع العلماء على عدم الكفر بفعل الذنوب ولو كان كبيرة،
قال ابن عبد البر:
اتفق أهل السنة والجماعة على أن أحداً لا يخرجه ذنبه وإن عظم من الإسلام.
(2)
وهذا الإجماع دال بعمومه على أن المذنب لا يكفر، ولو كان مداوماً على ذنبه
(3)
.
فهذا الإجماع مع ما أجمعوا عليه من كفر من استحل محرَّماً دليل أن ذات الإصرار والمداومة على الذنب لا يعد استحلالاً.
2 -
الفرع الثاني:
الاستحلال عمل قلبى لا يستدل على حصوله بالقرائن
(1)
مجموع الفتاوى (3/ 267) وانظر الحكم بغير ما أنزل الله لبندر العتيبى (ص /17) والتكفير وضوابطه لمنقذ السقار (ص/ 104)
(2)
التمهيد (16/ 315)
(3)
وانظر الحكم بغير ما أنزل الله لبندر العتيبى (ص/ 17)
المحتفة، ودليل ذلك فى حديث أسامة بن زيد - رضى الله عنهما- لما قتل رجلاً بعد نطقة بالشهادة؛ ظناً منه أنه قالها تخلَّصاً من السيف، فأنكر عليه النبى صلى الله عليه وسلم وقال:
" أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَهَا، أَمْ لَا؟
(1)
قال الخطابي:
وفي قوله: " هلا شققتَ عن قلبه ": دليل على أن الحكم إنما يجري على الظاهر، وأن السرائر موكولة إلى الله سبحانه.
(2)
- فلو كان الأخذ بالقرائن معتبراً فى الحكم على ما فى القلوب لكان اجتهاد أسامة بن زيد -رضى الله عنهما- أولى بهذا الاعتبار، وقد أجتمع فى ذلك الرجل من القرائن ما تقوي القول بعدم صدق إسلامه مالم يجتمع فى غيره، ومع هذا فقد ألغى النبى صلى الله عليه وسلم -اجتهاد ذلك الصحابى، ولم يجز الأخذ بالقرائن في الحكم على ما فى القلوب.
(3)
*فإن قيل:
ألا يُستدل على أن الاستحلال يعرف بمجرد الفعل بحديث الرجل الذى تزوج امرأه أبيه، ونص الحديث:
عَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ:
أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أن أقتله أو أضرب عنقه.
(4)
(1)
متفق عليه.
(2)
معالم السنن 2/ 243)
(3)
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله جواباً على سؤال: ما هو ضابط الاستحلال الذي يكفر به العبد؟
* الجواب:
الاستحلال عقدى بقلبه: هو أن يعتقد حِلَّ ما حرمه الله.
وأما الاستحلال الفعلي فينظر: إن كان هذا الاستحلال مما يكفِّر فهو كافر مرتد، فمثلًا: لو أن الإنسان تعامل بالربا، ولا يعتقد أنه حلال لكنه يصر عليه، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يستحلُّه، ولكن لو قال: إن الربا حلال، ويعني بذلك الربا الذي حرمه الله فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله ورسوله.
فالاستحلال الفعلي: ينظر فيه للفعل نفسه، هل يكفر أم لا؟ ومعلوم أن أكل الربا لا يكفر به الإنسان، لكنه من كبائر الذنوب، أما لو سجد لصنم فهذا يكفر، لماذا؟
لأن الفعل يكفر؛ هذا هو الضابط؛ ولكن لابد من شرط آخر وهو:
ألَّا يكون هذا المستحلُّ معذورًا بجهله، فإن كان معذورًا بجهله؛ فإنه لا يكفر، مثل أن يكون إنسانٌ حديث عهد بالإسلام، لا يدري أن الخمر حرام، فإن هذا -وإن استحله- فإنه لا يكفر، حتى يعلم أنه حرام؛ فإذا أصرَّ بعد تعليمه، صار كافرًا. ذكره في " لقاءات الباب المفتوح "(الشريط/ 50).
(4)
أخرجه الترمذى (1/ 255) وأبو داود ح (4456)، وقال الترمذى: حديث حسن غريب. وانظر إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (2351)
*الجواب أن يقال:
يحمل الحديث على أن النبى صلى الله عليه وسلم قد علم أن الرجل قد استحل ذلك بقلبه، وبرهان ذلك من أمور:
أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون نكاح امرأة الأب، ويعدُّونه من الإرث، فأقدم الرجل على ذلك معتقداً حله، على ما كان يفعله أهل الجاهلية.
يقول ابن جرير في شرح حديث البراء:
وكان الذي عرَّس بزوجة أبيه متخطياً بفعله حرمتين، وجامعاً بين كبيرتين من معاصي الله:
إحداهما:
عقد نكاح على من حرم الله عقد النكاح عليه بنص تنزيله بقوله: - {وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء} .
والثانية: -
إتيانه فرجاً محرَّماً عليه إتيانه، وأعظم من ذلك تقدمه على ذلك بمشهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلانه عقد النكاح على من حرم الله عليه عقده عليه بنص كتابه الذي لا شبهة في تحريمها عليه وهو حاضره، فكان فعله ذلك من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما آتاه به عن الله تعالى ذكره، وجحوده آية محكمة في تنزيله
…
فكان بذلك من فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وضرب عنقه؛ لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام.
(1)
*كذلك يقال:
أنه قد ورد فى زيادة لهذا الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم قد خمَّس مال ذاك الرجل الذى تزوج بامرأه أبيه، وتخميس المال يدل على أنه اعتبره فيئاً، والفئ هو كل مال أُخذ من الكفار بغير قتال، وهذا يدل على أنه قتل مرتداً.
(2)
- قَالَ البيهقي:
قال أصحابنا: ضرب الرقبة وتخميس المال لا يكون إلا على المرتد، فكأنه استحله مع علمه بتحريمه.
(3)
(1)
تهذيب الآثار (2/ 148)، وقد ونص على مثل هذا التأويل الإمام أحمد في مسائل عبد الله بن أحمد (3//1498) والسندي في حاشتيه على سنن النسائي (6/ 110) والطحاوى في شرح معاني الآثار (3/ 149) والشوكانى في نيل الأوطار (7/ 137)
(2)
انظر الحكم بغير ما أنزل الله لبندر العتيبي (ص/18)
(3)
السنن الكبرى (8/ 361)
- قال شيخ الاسلام ابن تيمية:
فإن تخميس المال دلَّ على أنه كان كافرًا لا فاسقًا، و كفره بأنه لم يُحرِّم ما حرَّم الله ورسوله.
(1)
- الحالة الثانية من حالات الحكم بغير ما أنزل الله تعالى:
-2 الجحود:
الجحود هو الإنكار مع العلم.
فالعلم بالشئ ومعرفته في قرارة النفس، ثم تكذيبه باللسان يسمى جحوداً.
والجحود هو نفي ما في القلب اثباته، واثبات ما في القلب نفيه.
(2)
قال تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)) (النمل /14)
هذه الحالة حكمها الكفر الأكبر بغير خلاف بين العلماء، فقد اتفق أهل السنة والجماعة على كفر من جحد شيئاً من دين الله تعالى.
فقد جاء فى رواية ابن عباس رضي الله عنهما فى قوله تعالى
"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ "(المائدة/44)
قال: " من جحد ما أنزل الله فقد كفر ".
(3)
وهو اختيار ابن جرير فى تفسيره، حيث قال رحمه الله:
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال:
نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيُّون بها، وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى.
* فإن قال قائل:
فإن الله - تعالى - ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فكيف يُجعل في الجاحد خاصة؟
**فالرد:
أن الله- تعالى- عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله -تعالى - الذي
(1)
مجموع الفتاوى (20/ 92)
(2)
وانظر ألفاظ القران (ص/ 15) ولسان العرب (7/ 86)
(3)
تفسير الطبرى (10/ 357)
حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ.
(1)
قال الإمام ابن باز:
وهذا الحكم فى حق من جحد شيئاً ممَّا أوجبة الله - تعالى - فإنه كافر مرتد عن الإسلام، وإن كان يدعي الإسلام، وهذا بإجماع أهل العلم.
(2)
*وكذلك فقد نقل الإجماع على أنَّ ذلك كفر ناقل عن الملة الإمام محمد بن إبراهيم فى رسالة تحكيم القوانين، فقال رحمه الله:
" أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم ".
(3)
*فوائد تتعلق بمسألة الجحود:
الجحود هو انكار فى الظاهر، وقد يعتقد الجاحد فى قلبه خلاف ما جحده بظاهره، فيكون مصدقاً بحقيقة وصدق ما جحد به.
ويدل على ذلك قوله تعالى " وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (النمل/14) وقال تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)(الأنعام/33)
فدل ذلك أنَّ ذات الجحود لا يلزم منه التكذيب، بل قد يقع الجحود مع وجود أصل التصديق فى القلب.
3 -
الحالة الثالثة: التكذيب:
وصورتها:
أن يحكم بغير ما أنزل الله مكذباً حكم الله تعالى، وهذا من الكفر
(1)
المصدر السابق (10/ 358)
(2)
مجموع فتاوى ابن باز (7/ 78)
(3)
تحكيم القوانين (ص / 14)
الأكبر باتفاق أهل العلم.
فروع:
يقع فى الكفر كل من كذَّب حكم الله تعالى، وإن لم يكن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى.
4 -
الحالة الرابعة: المساواة:
وذلك فيمن يعتقد أن حكمه بغير ما أنزل الله -تعالى- يساوى حكم الله تعالى، فضلاً عن اعتقاده أفضلية حكمه عن حكم الله. فكلا الصورتين من الكفر الأكبر المخرج عن الملة.
وهذا مما نص عليه الإمام محمد بن إبراهيم فى رسالة "تحكيم القوانين "
**نقول:
إن اعتقاد التماثل بين حكم الله -تعالى- وحكم الطاغوت كفر ناقل عن الملة وذلك لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق والمناقضة والمعاندة لقوله تعالى: - {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى/11]؛ ولقوله تعالى {فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة /22]
(1)
*وكذلك فدعوى المساواة بين الحكم الإلهي والحكم الوضعي فيها تنقُّص للرب جل جلاله، وغلو وطغيان في أحكام البشر، وشرك بالله تعالى، لما في هذه المساواة من اتخاذ الأنداد مع الله تعالى، يقول، تعالى {فَلَا تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل، آية 74].
وأخبر تعالى عن أهل النار أنهم يقولون {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ {97} إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء، آية 97، 98].
** وأدلة ذلك:
قال تعالى " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ "(المائدة/50)
فمن يعتقد أفضلية حكمه عن حكم الله أو حتى تساويه فهو مكذب بالآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق
(1)
انظر رسالة تحكيم القوانين (12/ 289) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص/316)
جميع المسلمين أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب.
(1)
يقول شهاب الدين الألوسي:
لا شك في كفر من يستحسن القانون ويفضله على الشرع ويقول: هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميّزغيّظاً ويتقصف غضبا إذا قيل له في أمر:
أمر الشرع فيه كذا كما شاهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله-تعالى- فأصمهم وأعمى أبصارهم
…
، فلا ينبغي التوقف في تكفير من يستحسن ما هو بيّن المخالفة للشرع منها (أي القوانين) ويقدمه على الأحكام الشرعية منتقصاً لها.
(2)
وقال الامام ابن باز معلقاً على الناقض الرابع من نواقض الإسلام:
" ويدخل فى القسم الرابع:
من اعتقد ان الأنظمة و القوانين التى يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام أو أنها مساوية لها، أو انه يجوز التحاكم إليها.
(3)
فهذا هو الكفر الناقل من الملة؛ لأنه سوَّى بين الخالق والمخلوق، فقال: حكم هذا مثل حكم هذا، وذلك كما يقول أهل النار نعوذ بالله منها:
"تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين"، فهم في ضلال مبين، لماذا؟ لأنهم سوّوهم برب العالمين في التعظيم والمحبة والإجلال واتباع أمرهم وتقدير كلامهم.
وهذا هو العدل الذي قال الله تبارك وتعالى فيه: " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون"، فالعدل هو التسوية في المحبة والإجلال، كما قال تعالى:
" يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ "(البقرة: 165)
فمن قال: إن حكم الله - تعالى - مثل حكم ذلك القانون الوضعي الخبيث أو نظيره، فإنه يكون كافراً كفراً ينقل عن الملة، لأنه سوَّى بين الخالق والمخلوق.
(4)
(1)
مجموع الفتاوى (28/ 524)
(2)
وانظر روح المعاني (28/ 20) ونواقض الإيمان (ص/305)
(3)
مجموع فتاوى ابن باز (1/ 132)
(4)
شرح د. سفر الحوالي لرسالة "تحكيم القوانين (ص/37)
* تنبيه:
لا يستدل على التفضيل بعظم الفعل أو التمادي فيه، ولو بلغ أقصى درجاته، وإلا للزم من ذلك تكفير أصحاب المصارف الربوية وأماكن الزنا، لكون القرائن قد اجتمعت واحتفت على تفضيلهم الزنا على العفاف، والربا على البيع، والكسب المشروع، وهذا معلوم البطلان.
(1)
5 -
الحالة الخامسة:
التبديل:
وصورة ذلك أن يحكم بغير ما أنزل الله-تعالى- ويزعم أن ما حكم به هو حكم الله تعالى، وهذا كفر أكبر مخرج من الملة، يدل على ذلك:
حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه- لما مُرّواَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:
…
«هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟» ، قَالُوا:
نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ:«أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ» ، قَالَ:
لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}
(2)
* وأما الإجماع:
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء.
(3)
- يقول القرطبي:
إن حكم بما عنده على أنه من عند الله تعالى، فهو تبديل له يوجب الكفر.
(4)
(1)
غوث التائق في معرفة حقيقة الياسق لأبي رقية الذهبي.
(2)
أخرجه مسلم (1700)
(3)
وانظر مجموع الفتاوى (3/ 267) وأحكام القران لابن العربي (2/ 624)
(4)
تفسير القرطبي (6/ 191) وانظر تفسير الطبري (6/ 146)
*وعليه:
فإن صورة التبديل الموجب للحكم بالكفر ليست محصورة في مطلق التغيير؛ بل هو الذى يُقرن مع التغيير وصفاً آخر، وهو الزعم أن هذا من دين الله تعالى.
(1)
ثانيا: الحالات التى يكون فيه الحكم بغير ما أنزل الله شركاً أصغر:
1 -
الحالة الأولى:
الاستبدال:
وصورتها أن يحكم بغير ما أنزل الله - تعالى - دون أن ينسب الحكم الذى جاء به لدين الله تعالى، بل تحمله شهوته وهواه على الحكم بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ.
*وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الشرك الأصغر، التى لا تُخرج صاحبها من الملة.
*ودليل ذلك الإجماع الذى نقله ابن عبد البر على ذلك، حيث قال:
وأجمع العلماء على أنَّ الجور فى الحكم من الكبائر، لمن تعمَّد ذلك عالماً به.
(2)
قال شيخ الإسلام ابن تيميه:
فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة.
(3)
(1)
لذا فمن الخطأ البيِّن أن يطلق التبديل على التغييرالمجرد لشريعة الله - عزوجل- دون أن ينسب ذلك إلى الشريعة، كمن لا يعاقب - مثلاً - على الزنا إذا كان بالتراضي بين الطرفين، دون أن يقول مثلاً "هذا هو حكم الله".
فالفرق واضح بين فعل اليهود في نسبة تبديلهم للشريعة إلى حكم الله تعالى، وبين من فعل ذلك دون أن ينسب فعله إلى شرع الله.
*فإن قيل:
أن الحكم بالبراءة من جريمة الزنا إن كان بالتراضي بين الطرفين، هو الزام بخلاف الشريعة وتصحيح للزنا إذا كان بالتراضي؟؟
* قلنا:
نفرق هنا بين من قال: " الزنا حرام، وأنا أفعله "، وبين من قال:" الزنا حرام، ولايلزمني التحريم "، فالأول لا ينزل تحت حكم الكفر، لاحتمال أنه قال ذلك لشهوةٍ غلبته، وأما الثاني فذلك الذي لاخلاف في خروجه من الملة، فالخلط بين الأمرين خطأ بيِّن، والله أعلم.
(2)
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (5/ 74)
(3)
منهاج السنة (5/ 131)
*ويدل ذلك على:
عدم وجود دليل يوجب الكفر الأكبر لمن هذا حاله، والقاعدة أنَّ:
" ما ثبت إسلامه بيقين لا يخرج منه إلا بيقين "
قال ابن القيم:
الصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر.
(1)
قال ابن العربي:
وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين.
(2)
قال الشيخ محمد بن إبراهيم:
وأما " القسم الثاني " من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدَّم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله عزوجل:
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية: كفر دون كفر. وقوله أيضاً:
ليس بالكفر الذي يذهبون إليه.
- وذلك أن تحمله شهوته وهواء على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق وإعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين والغموس وغيرها.
(3)
فوائد على ما سبق:
1 -
لا فرق فى مسألة الاستبدال المجرد بين الاستبدال الكلى أو الجزئى، فلا
(1)
مدارج السالكين (1/ 346) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص / 331)
(2)
أحكام القرآن (2/ 127)
(3)
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (12/ 291)
يحكم بالكفر الأكبر لمن استبدل كل الشريعة مثلاً، ويحكم بالكفر الأصغرعلى من استبدل بعضها؛ وذلك لأنَّ ادلة الشريعة لم تفرِّق بين استبدال حكم واحد أو أكثر من حكم، وعليه فلا يجوز أن يناط الكفر بشئ لا دليل عليه.
2 -
هذه الحالة كما سبق وذكرنا تقع تحت الشرك الأصغر، طالما لم تصاحبه نيه الجحود أو التكذيب، بل هو الترك المجرد، حتى ولو تيقن أن حكم الله واجب وقال لا أفعله.
فنفس هذه العباره لا يكون بها كافراً؛ لاحتمال أن قوله هذا قد حمله عليه شهوته للحكم بما شرع لنفسه.
بخلاف ما لو قال: " تحكيم شرع الله واجب، ولكن لا يلزمني فعله"، أو اعتقد وجوب تحكيم ما أنزل الله، لكنه يرى نفسه مخيَّراً فى الترك لذلك، فإن هذا من الشرك الأكبر.
*الحالة الثانية: التشريع العام:
وصورتها:
أن يحكم بغير ما أنزل الله - تعالى - ويجعل هذا الحكم عاماً على كل من تحته، حيث يلزم كل من تحت سلطانه بهذا الحكم ولكن من غير جحود ولا استحلال، ولا تكذيب، ودون أن ينسب هذا الحكم الذى جاء به لدين الله عز وجل، كما هو شأن القوانين الوضعية.
(1)
(1)
نبذة عن القانون الوضعي:
يرجع الأصل فى وضع القانون المدني المصري إلى الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري المصري، والفرنسي الصليبي إدوارد لامبير، وقد عاون في وضعه الصليبيان استويت وساس، وأخذ أكثر من 85% من نصوصه من قوانين الفرنسي، ولذلك نراه يبيح أحكاماً حرمتها الشريعة تحريماً قطعياً كالربا والقمار، وأما ما أخذ في ذلك من الشريعة الإسلامية فقد روعي فيه أن يكون متفقاً مع المبادئ التي قام عليها القانون الوضعي، فصار القانون هو المهيمن على الشريعة الإسلامية، يأخذ منها ما يوافقه ويرفض ما لا يتفق مع مبادئه.
يقول عبد الرزاق السنهوري في هذا:
وحكم هذه الصورة أنها داخلة فى الكفر الأصغر؛ وذلك لعدم الدليل على دخولها في الشرك الأكبر.
فالشريعة لم تعلِّق الكفر على تعميم الحكم أو الإلزام به، كما أن الأدلة لم تفرَّق بين الحاكم الذى يعمم والذى لا يعمم، ولا بين الحاكم الذى يُلزم من تحته والذى لا يُلزم
(1)
.
وعليه فإنَّ ذات التشريع ولو كان عاماً لا يكون كفراً، إلا إذا انضم إليه شئ آخر.
**قال شيخ الإسلام ابن تيميه:
كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة.
وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالاً.
(2)
فرع:
قد استدل البعض على جعل هذه الصورة من الكفر الأكبر بأنَّ الفاعل لذلك ما استبدل حكم الله لحكم نفسه، ثم جعله حكماً عاماً ألزم به من تحته إلا وهو يعتقد أن حكمه أنفع وأصلح من حكم الله تعالى، فالإلزام في التشريع العام هو الإيجاب، ولا يشك عاقل أن من أوجب شيئًا على سبيل العموم فلابد أن يكون مستحلاً له ضمناً، فالإيجاب يتضمن الإباحة ويزيد عليها.
(3)
(1)
الحكم بغير ما أنزل لبندرالعتبى (ص / 43)
(2)
وانظر منهاج السنه النبويه (5/ 130) ونواقض الايمان (ص / 318)
(3)
وهذا ما يسمى " بالتكفير باللازم "، حيث إن القائلين بحمل قضية التشريع العام على الكفر الأكبر، إنما حكموا بذلك أخذاً بلازم الفعل، لذا تراهم يقولون:
أن كل من جعل شرعاً عاماً متبعاً، فإنه لم يجعله كذلك إلا لأنه يراه هو العدل، ولذلك يسمى مستحلاً.
وقالوا: لا شك أن تبديل الشريعة لا يكون إلا استحلالاً، فإن المبدل للشرع كتشريع عام للناس لا يتصور أن يفعل ذلك إلا إذا كان يجحد أن لله حكماً في هذه المسألة التي يشرع فيها، أو يقر بوجود حكم في دين الله ولكن يرى أن هذا الحكم الوضعي أحسن منه، أو مساوٍ، أو على الأقل يرى أنه لا يلزمه أن يحكم بشرع الله، وكل هذا ينطبق عليه وصف الاستحلال.
وأما إذا ضم إلى ذلك إلزام الغير به، فهذا قد تجاوز مرحلة استحلال الحكم بغير ما أنزل الله إلى تحريم الحكم بما أنزل الله!!
*وهذا مدفوع من وجوه:
(1) الوجه الأول:
ما قرره أهل العلم من أنَّ لازم المذهب لا يكون مذهباً للمرء إلا إذا التزمه، والمرء قد يعتقد خلاف مايلزم من قوله.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولازم المذهب لا يجب أن يكون مذهباً، بل أكثر الناس يقولون أقوالًا ولا يلتزمون لوازمها.
فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن يكون معتقداً للتعطيل، بل يكون معتقداً للإثبات، ولكن لا يعرف ذلك اللزوم.
(1)
وقال رحمه الله:
ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة.
(2)
*وعليه نقول:
قد يقول القائل قولاً ثم تراه معتقداً خلاف لازم قوله، إذ قد ترى من يفعل ذلك - اى فى صورة الباب - وهو يعتقد أن الشريعة أنفع من حكمه الذي حكم به.
وعليه فإن ورود هذه الإحتمالات - ولو كانت ظنية- فهي مانعة من الحكم على صاحبها بالكفر، فالقاعدة (أن ماثبت بيقين لا يزول بمجرد الشك) وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى.
* كذلك يقال:
أن الإلزام لمن ترك الحكم بما أنزل الله - تعالى- بأنه مستحلٌ فهذا
(1)
مجموع الفتاوى (16/ 461)
(2)
المصدر السابق (20/ 217)
إلزامٌ غير صحيح؛ لأن دِلالة الفعل الظاهر على الاستحلال في الباطن دِلالة مُحتمِلةٌ لا تقوى على دفع الإسلام الثابت للرجل باليقين؛ لأن من دخل الدين بيقين لم يخرج إلا بيقينٍ مثله.
ثم هذا يفتح باباً في تكفير أهل المعاصي؛ إذ كل من يستعظم معصيةً يحكم على صاحبها بأنه كافر لزعْمِهِ أنه مستحل لهذه المعصية.
3 -
الوجه الثاني:
يلزم من ذلك تكفير من اتفق أهل السنة على عدم تكفيره، وهو من شرَّع ذنباً ما - دون شرك - ثم ألزم أهله به، وخالف من ينكر عليه، فلا يكفر عند أهل السنة، بل يكفر عند من التزم القول بهذه المقالة.
4 -
الوجه الثالث:
أن المخالف في هذا الباب إنما جعل التشريع العام، وتنحية الشريعة قرينة على التفضيل القلبي!!
- وجواباً على ذلك أن يقال:
أن التفضيل لا يعرف بعظم الفعل والتمادي فيه، ولو بلغ أقصى درجاته، وإلا للزم من ذلك تكفير أصحاب البنوك الربوية وبيوت الفاحشة، لكون القرائن قد اجتمعت على تفضيلهم للربا على الكسب الحلال، وللزنى على العفاف، وهذا معلوم البطلان.
(1)
*وممَّا سبق يتبين لنا تفريق العلماء بين الحالات التى يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله- تعالى - كفراً أكبر، و الحالات التى يكون فيها كفراً أصغر.
وتزيد عن ذلك نقولات لأهل العلم ومنها ما يلى:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق؛ وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية كما قال الصحابة: ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم {إنه ليس بمؤمن} .
(1)
ذكره صاحب غوث التائق في معرفة حقيقة الياسق.
إنه يقال لهم:
مسلمون لا مؤمنون؛ واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام وبأن الرجل قد يكون مسلما ومعه كفر لا ينقل عن الملة بل كفر دون كفر كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قالوا: كفر لا ينقل عن الملة وكفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم.
(1)
* فتوى الشيخ ابن باز:
هل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفاراً، وإذا قلنا إنهم مسلمون، فماذا نقول عن قوله تعالى:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"؟
أجاب رحمه الله -على السؤال قائلاً:
الحكام بغير ما أنزل الله -تعالى - أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم:
أ) فمن حكم بغير ما أنزل الله -تعالى- يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين.
وهكذا من يحكِّم القوانين الوضعية بدلاً من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، حتى لو قال: إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر؛ وذلك لكونه استحل ما حرم الله.
ب أما من حكم بغير ما أنزل الله-تعالى- اتباعاً للهوى أو للرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاصٍ لله -تعالى- بذلك وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر، ويكون ممن أتى كفراً أصغر وظلماً أصغر وفسقاً أصغر، كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن طاووس وجماعة من السلف الصالح، وهو المعروف عن أهل العلم، والله ولي التوفيق.
(2)
.
(1)
مجموع الفتاوى (7/ 350)
(2)
مجموع فتاوى ابن باز (4/ 416)، مجلة الدعوة العدد (963) في 5/ 2/ 1405 هـ.
شبهات في مسألة الحاكمية:
وهذه جملة من الشبهات التي يستدل بها من يطلق حكم التكفير على من غيَّر حكم الله تعالى، ونذكر منها:
1) الاستدلال بعموم الحكم في قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
* والجواب عن هذه الشبهة من وجهين:
1) الوجه الأول:
أن هذه الآية محمولة على حالة التبديل للشرع، ونسبة ذلك إلى دين الله تعالى، ومما يؤيد ذلك:
أولاً: سبب نزول هذه الأية، فهو من المقيَّدات والمفسَّرات:
ففي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رضى الله عنه- لما مُرّواَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:
«هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟» ، قَالُوا:
نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ:
لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .
(1)
*وقد ساق ابن جرير خمسة أقوال في تفسير هذه الآية ثم قال:
"وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى.
فإن قال قائل:
فإن الله - تعالى - ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما
(1)
أخرجه مسلم (1700)
أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟
قيل:
إن الله - تعالى - عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ على سبيل ما تركوه كافرون.
وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ.
(1)
- أقول:
وما قاله ابن جرير الطبري رحمه الله في قوله بعموم الآية لمن كان هذا حاله قد سبقه إليه الصاحب الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فعن همام، قال:
كنا عند حذيفة رضي الله عنه فذكروا {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فقال رجل من القوم:
إن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة رضى الله عنه:
(2)
* وجملة القول:
أن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله تعالى، فمن شاركهم في الجحد، فهو كافر كفراً اعتقادياً، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره عملي لأنه عمل عملهم، فهو بذلك مجرم آثم، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة، كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه.
(3)
*الجواب الثاني:
أن القول بظاهر هذه الأية وحملها على الكفر الأكبرمما شاع استعماله مذهباً للخوارج والمعتزلة.
فقد احتج بها الخوارج والمعتزلة على الحكم
(1)
جامع البيان في تأويل القرآن (10/ 358) وانظرالجامع لأحكام القرآن للقرطبي (6/ 190)
(2)
أخرجه الحاكم (3218) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم. وقد صحح الألبانى إسناده في تخريجه لكتاب الإيمان لابن تيميه
(309)
(3)
موسوعة مواقف السلف في العقيدة (10/ 413)
بتكفير أهل الكبائر، على اختلافهم في توصيفه في الحال دون المآل، كما نص على ذلك القاضي عبد الجبار.
(1)
وقال القرطبي بعد أن نسب القول بظاهر هذه الآية للخوارج:
وهذه الآيات المراد بِهَا أهل الكفر والعناد، وأنَّهَا وإن كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأن ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك، .... وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود.
وقال رحمه الله:
يحتج بظاهرها من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حجة لهم فيه؛ لأن هذه الآيات نزلت في اليهود المحرِّفين كلام الله تعالى، كما جاء في الحديث وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب النزول.
(2)
*الجوب الثالث:
أن يحمل الكفر الوارد في الأية على الكفر الأصغر:
فقد ورد عن عن طاووس، قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما:
إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة، هو كفر دون كفر.
(3)
فائدة:
وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس -رضى الله عنهما- بعدة ألفاظ، نذكر منها:
1 -
قال: "هي به كفر"، وهذا قد رواه الطبري في التفسير (10/ 365) وابن كثير في التفسير (3/ 120) عن عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس، وهذا سندٌ صحيح لا مطعن فيه.
(1)
وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/722) ومتشابه القرآن (ص/228) ومنهج المتكلمين (ص/674)
وممن نسب تفسيرهذه الآية في حملها على الشرك الأكبر إلى قول الخوارج والمعتزلة:
أبو بكر الرازي الجصاصفي "أحكام القرآن"(4/ 94) وأبو يعلى في مسائل الإيمان (340) والآجري في الشريعة (1/ 342) والسمعاني في تفسيره (2/ 42) وابن عبد البر في التمهيد (16/ 17)
(2)
وانظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (5/ 118)
(3)
أخرجه الطبرى في التفسير (10/ 356) والحاكم (3219) وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وقال الذهبي:"صحيح".
2 -
قال: "هي به كفرٌ، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله" رواه الطبري (التفسير) من طريق سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس؛ وهذا -كسابقه- سندٌ لا مطعن فيه.
(1)
ولكنَّ هذين الأثرين الثابتين عن ابن عباس رضي الله عنهما ليسا بصريحين في أنه فسّره بالكفر الأصغر؛ إذ قد يقال: يريد أنه كفر أكبر، لكنه أقل من رُتْبَةِ الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وهذا كلامٌ محتملٌ لولا أنه صح عن اثنين من أصحاب ابن عباس، وهما:
(طاووس، عطاء)
*أما أثر عطاء بن أبي رباح فقد ذكر هذه الآيات، ثم قال:
كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم فإسناده صحيح.
(2)
*وأما أثر طاووس فقد رواه عنه سعيد المكي، فقد قال طاووس (وقد ذكر الآية) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة.
(3)
فهذا يؤكد أن قول ابن عباس -رضى الله عنهما - إنما هو على إرادة الشرك الأصغر؛ فإن أقوال أصحاب الرجل -في الأغلب- توضِّح قوله، ومذهب الصحابيِّ يؤخذ من مذهب أصحابه.
(4)
*و قد ذكر الشالنجي أنه سأل الإمام أحمد عن هذه الآية؟
فقال: كفر لا ينقل عن الإيمان، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر،
(1)
الإيمان لأبي عبيد (ص/125).
(2)
رواه الطبري في تفسيره (12047 - 12051) والثوري في التفسير (ص/101) وصححه الألباني في الصحيحة (2552)
(3)
قال العلامة الألباني في الصحيحة (6/ 114)"إسناده صحيح ".
(4)
وقد قال شيخ الإسلام: وأما " التفسير " فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وطاووس وأبي الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم.
وانظر مجموع الفتاوى (13/ 347)
حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه.
(1)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وإذا كان من قول السلف إنَّ الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم إنه يكون فيه إيمان وكفر، وليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}
* قالوا:
كفراً لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة ".
(2)
قال ابن القيم:
تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}
قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وكذلك قال طاووس، وقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق........
الصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخيَّر فيه، مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين، والله أعلم.
(3)
*الشبهة الثانية:
وهو الإجماع الذي نقله الحافظ بن كثير- رحمه الله على من كفر من حكم بـ "الياسق "، وتنزيله على كل من لم يحكم بما أنزل الله تعالى.
ونص كلامه: " من ترك الشرع المحكم المنزَّل على محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق، وقدَّمها
(1)
مجموع الفتاوى (7/ 254)
(2)
مجموع الفتاوى (7/ 312)
(3)
مدارج السالكين (1/ 345)
عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين.
(1)
*والجواب عن هذه الشبهة بما يلي:
أن هؤلاء الذين جاؤوا بالياسق إنما كفروا لأنهم جعلوا الياسق شرعاً، وقدَّموه على شرع الله تعالى، وهذا لا خلاف في كفر من فعله، وهذا يتضح من عبارة ابن كثير في التفسير، حيث قال:
الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
(2)
فقوله رحمه الله:
"فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم"
دل على أنهم جعلوا الياسق ديناً لهم، بل وقدِّموه على شرع الله.
وقوله: " يقدِّمونها":
والتقديم هو التفضيل، وهو عمل قلبي يكفر به صاحبه، وليس المقصود هنا مجرد التقديم الظاهري للحكم بغير ما أنزل الله؛ وإلا للزم القول بتكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله - تعالى -ولو في قضية واحدة، وللزم من ذلك دخوله في الاجماع وتكفيره بذلك، وهذا باطل قطعاً.
(3)
* وتأمل في قول السبكي وهو يصف الياسق بقوله:
لَا زَالَ أمره - أي جنكزخان طاغية التتار - يعظم وَيكبر، وَكَانَ من أَعقل النَّاس وَأخْبرهمْ بالحروب، وَوضع لَهُ شرعاً اخترعه ودينا ابتدعه، لَعنه الله الياسا.
(4)
(1)
وانظر البداية والنهاية (13/ 119)، "الياسق "، و يقال:(الياسا): وهي قوانين جنكيز خان التتاري الذي ألزم الناس بالتحاكم إليها.
(2)
وانظر تفسير القرآن العظيم (3/ 131) و الحكم بغير ما أنزل الله لبندر العتبى (ص / 84)
(3)
انظر" غوث التائق في معرفة حقيقة الياسق " لأبي رقية الذهبي.
(4)
طبقات الشافعية الكبرى (1/ 329)
*الشبهة الثالثة:
قوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(النساء/65)
ووجه الدلالة:
أن الله -تعالى- نفى الإيمان عمّن لم يحكِّم الشرع؛ فيكون الحاكم بغير ما أنزل الله بمجرد تحكيمه كافراً كفراً أكبر لأنه حكّم غير شرع الله.
والجواب على ذلك:
أن النفى الوارد فى الأية إنما هو نفى لكمال الإيمان لا أصله، ومن الصوارف فى الآية:
ان هذه الآية قد نزلت فى رجل من أهل بدر، والحديث في الصحيحين، والبدريون معصومون من الوقوع فى الكفر الأكبر.
(1)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وهذه الآيه ممَّا يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما انزل الله.
(2)
* الشبهة الرابعة:
قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(المائدة: 50) فوصف الله -تعالى - من يترك حكمه أنه مُريدٌ لحكم الجاهلية؛ وحكم الجاهلية كفرٌ!!
*والجواب:
أن إضافةُ الشيء إلى الجاهلية أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية لا يدل على الكفر، وقد قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه:
"إنك امرؤٌ فيك جاهلية ".
(3)
ووصف أموراً بأنها من أعمال الجاهلية كالنياحة على الميت
(1)
ودليل عصمتهم: ما رواه البخاري عن النبي-صلى الله عليه وسلم أنه قال قال حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه:
أوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَمَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الجَنَّةَ " اوجبت لكم الجنه) مع الآية (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)(النساء/116)
(2)
منهاج السنة (5/ 131)
(3)
متفق عليه.
وغيرها، ولا يلزم أن تكون كفراً.
قال أبو العباس ابن تيمية:
وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق؛ وقد يكون مسلماً وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة: ابن عباس وغيره: كفر دون كفر.
وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم {إنه ليس بمؤمن} .
إنه يقال لهم: مسلمون لا مؤمنون؛ واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام.
(1)
قال أبو عبيد القاسم بن سلام:
" قوله: (أفحكم الجاهلية يبغون) تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، وإنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون ".
(2)
* وختاما: ركن الفتاوى: فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:
قال في " له: "وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله: من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها أو حاكم إليها؛ معتقداً صحة ذلك وجوازه؛ فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، فإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه؛ فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملّة".
(3)
(1)
مجموع الفتاوى (7/ 350)
(2)
الإيمان (ص/45)
(3)
مجموع الفتاوى" (1/ 80)، وهذه الفتوى مفصِّلة لما أجمل في رسالة: "تحكيم القوانين" ومتأخرة عنها بخمس سنوات، وقد كان الشيخ محمد بن إبراهيم يُكفِّر من حكم بغير شرع الله ولو لم يستحل، ولكن غير معروف عند الكثيرين أن للشيخ أيضاً قولاً آخر كما بيَّناه أعلاه.
** بل إن المتأمل لكلام الشيخ محمد ابن إبراهيم نفسه في رسالة تحكيم القوانين يدرك أنه أرجع الحكم في هذه المسألة للاعتقاد، فقد قال:"ومن الممتنع أن يسمِّى الله سبحانه وتعالى الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً؛ بل هو كافر مطلقاً " إما (كفر عمل) وإما (كفر اعتقاد)
…
أما كفر الاعتقاد فهو أنواع
…
[وذكر منها الحكم بالقوانين](وانظر "رسالة تحيكم القوانين" (ص/7))
- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
قال في "أضواء البيان"(2/ 104): "
واعلم: أن تحرير المقال في هذا البحث: أن الكفر والظلم والفسق، كل واحد منها أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى:{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} معارضاً للرسل، وإبطالاً لأحكام الله؛ فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج من الملة. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} معتقداً أنه مرتكب حراماً، فاعل قبيحاً، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملة".
*فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز- رحمه الله عندما سئل عن حكم من حكم بغير ما أنزل الله.
قال: ((من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أنواع:
1 -
من قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفراً أكبر.
2 -
ومن قال: أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز، وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.
3 -
ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفراً أكبر.
4 -
ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حُكَّامه، فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر).
(1)
(1)
قال الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني: حدثنا بهذا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أثناء محاضرة له بالجامع الكبير بعد عام 1402 هـ، وأظنه عام 1403 هـ، ثم طبعت هذه المحاضرة فيما بعد بعنوان القوادح في العقيدة. وانظركتاب " من أحكام سورة المائدة (ص/76)
ومن استمع إلى شريط: "الدمعة البازية" الذي تضمن تسجيلاً لمجلس علمي راود فيه مجموعة من الدعاة ذائعي الصيت الإمام ابن باز في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ ليقول بالتكفير المطلق بدون تفصيل، فكان رحمه الله يؤكد بأن الحكم بغير ما أنزل الله: لو بدل، أو وضع القوانين العامة لا يكفر، ما لم يكن ثمّة استحلال ظاهر معين، وكان يقول:"وخلاف هذا مذهب المبتدعة الخوارج".
*الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
سُئل في شريط "التحرير في مسألة التكفير" بتاريخ (22/ 4/1420) سؤالاً مفاده:
إذا ألزم الحاكم الناس بشريعة مخالفة للكتاب والسنة مع اعترافه بأن الحق ما في الكتاب والسنة لكنه يرى إلزام الناس بهذا الشريعة شهوة أو لاعتبارات أخرى، هل يكون بفعله هذا كافراً أم لابد أن يُنظر في اعتقاده في هذه المسألة؟
فأجاب: "
…
أما في ما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كما في كتابه العزيز، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق، على حسب الأسباب التي بُني عليها هذا الحكم، فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعاً لهواه مع علمه أن بأن الحق فيما قضى الله به؛ فهذا لا يكفر لكنه بين فاسق وظالم، وأما إذا كان يشرع حكماً عاماً تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة وقد لبس عليه فيه فلا يكفر أيضاً، لأن كثيراً من الحكام عندهم جهل بعلم الشريعة ويتصل بمن لا يعرف الحكم الشرعي، وهم يرونه عالماً كبيراً، فيحصل بذلك مخالفة، وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا أو شرع هذا وجعله دستوراً يمشي الناس عليه؛ نعتقد أنه ظالم في ذلك وللحق الذي جاء في الكتاب والسنة أننا لا نستطيع أن نكفر هذا، وإنما نكفر من يرى أن الحكم بغير ما أنزل الله أولى أن يكون الناس عليه، أو مثل حكم الله عز وجل فإن هذا كافر لأنه يكذب بقول الله تعالى:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .
*العلامة الشيخ عبد المحسن العباد البدر - حفظه الله -
سُئل في المسجد النبوي في درس شرح سنن أبي داود بتاريخ: 16/ 11/1420:
هل استبدال الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية كفر في ذاته؟ أم يحتاج إلى الاستحلال القلبي والاعتقاد بجواز ذلك؟ وهل هناك فرق في الحكم مرة بغير ما أنزل الله، وجعل القوانين تشريعاً عاماً مع اعتقاد عدم جواز ذلك؟
فأجاب: "يبدو أنه لا فرق بين الحكم في مسألة، أو عشرة، أو مئة، أو ألف - أو أقل أو أكثر - لا فرق؛ ما دام الإنسان يعتبر نفسه أنه مخطئ، وأنه فعل أمراً منكراً، وأنه فعل معصية، وانه خائف من الذنب، فهذا كفر دون كفر.
وأما مع الاستحلال - ولو كان في مسألة واحدة، يستحل فيها الحكم بغير ما أنزل الله، يعتبر نفسه حلالاً-؛ فإنه يكون كافراً ".
** قال الشيخ ابن جبرين:
" أما الأمور التي قد يدخلها الاجتهاد وهي ما عليه كثير من الولاة مما يسمى حكماً بالقوانين، فمثل هذه الأحكام الغالب عليها أنهم يرون فيها مصلحة، وأنهم لم يلغوا الشرع إلغاءً كلياً بحيث لا يحكمون منه بشيء لأن الله قال:(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).
فمثل هؤلاء: إذا كان لهم وجهة فلا نقول بكفرهم، ولكننا نخطئهم في هذا الاجتهاد الذي هو تغيير شيء من الشرع ولو كان عن طريق الاجتهاد فمثلاً:
إباحتهم للزنا
(1)
، إذا كان برضى الطرفين، وكذلك تركهم -أو إلغاؤهم- للحدود، كحد السرقة وحد القذف وحد شرب الخمر وإباحة الخمر
(2)
، وإعلان بيعها وما أشبه ذلك؛ لا شك أن هذا ذنبٌ كبير.
(1)
يقصد الشيخ بـ (الإباحة) هنا: أي سماحهم بالزنا وتركهم للزناة إذا كان برضا منهم، ولا يقصد الشيخ -يقينا- الإباحة بالمعنى الاصطلاحي وهي إحلال الحرام وتجويزة، وإلا لم يصح أن يوصف ذلك بأنه (ذنب الكبير) كما سياتي من كلام الشيخ نفسه، فتنبه!.
(2)
انظر الهامش السابق.
ولكن قد يكون لهم - مثلاً - من الأعذار ما يرون أنهم يعذرون فيه؛ فيعتذرون أن في بلادهم من ليس بمسلمين، وأن التشديد عليهم فيه تنفيرٌ.
وإذا كان لهم وجهة فالله حسبهم. " اهـ.
(1)
* فتوى الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (المتوفى: 1293 هـ)
- فقد نقل ما ذكره في شأن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن لم يستحل، هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع عند أهل العلم، يعني أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله، وأن الحضر لا يعرفون إلا حكم المواريث، وأن ما هم عليه من السوالف والعادات هو الحق، فمن اعتقد هذا فهو كافر.
وأما من لا يستحل هذا، ويرى أن حكم الطاغوت باطل، وأن حكم الله ورسوله هو الحق، فهذا لا يكفر، ولا يخرج من الإسلام. {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}
(2)
.
تم بحمد الله.
(1)
سلسلة أشرطة شرح لمعة الاعتقاد، الشريط السادس عشر (16) الدقيقة:(1: 20: 50)
(2)
عيون الرسائل والأجوبة على المسائل (2/ 603) وهو عبارة عن مجموعة رسائل وأجوبة مفيدة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، جمعها تلميذه الشيخ سليمان بن سحمان.